أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قراءات في عالم الكتب و المطبوعات - رانية مرجية - سميح القاسم في «دمي على كفّي» (1967): هل كان يقاوم الاحتلال أم يقاوم الهزيمة؟














المزيد.....

سميح القاسم في «دمي على كفّي» (1967): هل كان يقاوم الاحتلال أم يقاوم الهزيمة؟


رانية مرجية
كاتبة شاعرة ناقدة مجسرة صحفية وموجهة مجموعات

(Rania Marjieh)


الحوار المتمدن-العدد: 8738 - 2026 / 6 / 16 - 12:15
المحور: قراءات في عالم الكتب و المطبوعات
    


ثمة كتب نقرأها لأننا نحب أصحابها، وثمة كتب نعود إليها لأن الزمن لم يستطع أن يهزمها. ومن بين هذه الكتب يبرز ديوان «دمي على كفّي» لسميح القاسم، الصادر عام 1967، بوصفه أحد النصوص الشعرية النادرة التي لم تكتفِ بمقاومة واقعها التاريخي، بل نجحت في تجاوز ذلك الواقع لتصبح سؤالًا مفتوحًا أمام كل جيل جديد.

كلما عدت إلى هذا الديوان، ازددت اقتناعًا بأن قراءته بوصفه ديوان مقاومة فقط هي قراءة ناقصة، رغم أنها ليست خاطئة. فالمقاومة فيه أعمق من أن تُختزل في مواجهة الاحتلال وحده. إن المعركة الحقيقية التي يخوضها سميح القاسم ليست مع المحتل فقط، بل مع ذلك الشعور الخفي الذي يتسلل إلى الإنسان بعد الهزيمة ويقنعه بأن الخسارة قدر، وأن الانكسار نهاية الحكاية.

هنا تبدأ فرادة هذا الديوان.

فقد صدر «دمي على كفّي» في واحدة من أكثر اللحظات العربية ظلمة واضطرابًا. كانت هزيمة حزيران قد أحدثت شرخًا عميقًا في الوعي العربي، وبدا وكأن اللغة نفسها أصيبت بما أصاب الواقع من ارتباك وانكسار. في تلك اللحظة تحديدًا، اختار سميح القاسم أن يذهب عكس التيار. لم يكتب مرثية للهزيمة، ولم يغرق في خطاب البكاء على ما ضاع، بل راح يبحث عن الإنسان المختبئ تحت الركام.

ولعل هذا ما يجعل الديوان حيًا حتى اليوم.

فالقاسم لا يكتب عن الأرض بوصفها مساحة جغرافية فحسب، بل بوصفها المعنى الذي يمنح الإنسان جذوره. ولا يكتب عن الحرية باعتبارها شعارًا سياسيًا، بل باعتبارها شرطًا من شروط الكرامة الإنسانية. ولذلك فإن فلسطين في هذا الديوان ليست مجرد مكان، بل حالة وجودية كاملة.

حين نتأمل عنوان الديوان، ندرك أننا أمام شاعر يمتلك وعيًا رمزيًا نادرًا. فالدم ليس صورة للموت كما قد يبدو للوهلة الأولى، بل صورة للحياة حين تبلغ أقصى درجات التمسك بنفسها. والكف ليست عضوًا جسديًا فحسب، بل رمز للفعل والمواجهة والاختيار.

لهذا لا يبدو العنوان إعلانًا عن الاستعداد للموت بقدر ما يبدو إعلانًا عن الإصرار على الحياة.

إنها المفارقة الكبرى في شعر سميح القاسم: كلما اقترب من الموت ازداد احتفاءً بالحياة، وكلما اشتد حضور الفقد ازداد تعلقًا بالأمل.

ومن هنا تنبع الطاقة الداخلية للديوان.

إن القارئ لا يخرج منه مثقلًا بالحزن رغم كل ما فيه من ألم، بل يخرج محمّلًا بإحساس غريب بالقوة. وكأن الشاعر لا يريد منا أن نبكي على الجرح، بل أن نتعلم كيف نحمله دون أن ينكسر فينا شيء.

في هذا السياق، تبدو اللغة الشعرية عند سميح القاسم أبعد من مجرد أداة للتعبير. إنها شكل من أشكال المقاومة نفسها. فالكلمات لا تصف الواقع فقط، بل تعيد تشكيله. والصور الشعرية لا تنقل المعاناة فقط، بل تمنحها معنًى جديدًا.

ولهذا تتكرر في الديوان صور الشمس والريح والحجر والشجر والسنابل. إنها ليست عناصر طبيعية عابرة، بل علامات على فلسفة كاملة في النظر إلى العالم. فالشمس رمز للبعث، والسنابل رمز للاستمرار، والأشجار رمز للتجذر، أما الحجر فيتحول إلى صورة مكثفة للإرادة التي ترفض الانكسار.

غير أن ما يدهشني أكثر من كل ذلك هو قدرة القاسم على حماية قصيدته من التحول إلى شعار.

كان يمكن لشاعر يكتب في تلك الظروف أن يقع بسهولة في المباشرة والخطابة، لكنه يمتلك حسًا شعريًا عاليًا جعله يدرك أن الشعر لا يعيش بالشعارات، بل بالجمال. لذلك بقيت قصائده قادرة على الحياة بعد زوال كثير من النصوص التي كانت أعلى صوتًا وأكثر ضجيجًا.

وهنا أصل إلى ما أراه جوهر هذا الديوان.

إن سميح القاسم لا يخاف الموت بقدر ما يخاف النسيان.

في أعماق النصوص كلها ثمة معركة خفية ضد المحو. محو الذاكرة، ومحو الهوية، ومحو الإنسان من روايته الخاصة. ولهذا تتحول القصيدة إلى بيت أخير للوجود. كأن الشاعر يقول إن ما لا تستطيع القوة حمايته قد تحميه الكلمة، وما قد يسقط من الجغرافيا يمكن أن يبقى حيًا في اللغة.

ومن هذه الزاوية تحديدًا يمكن فهم القيمة الاستثنائية لـ«دمي على كفّي».

فهو ليس سجلًا شعريًا لمرحلة سياسية، ولا وثيقة أدبية عن هزيمة تاريخية، بل محاولة عميقة للدفاع عن الإنسان في مواجهة كل ما يهدد إنسانيته.

بعد ما يقارب ستة عقود على صدور الديوان، تغيرت خرائط كثيرة، وسقطت شعارات كثيرة، وتبدلت وجوه السياسة مرات لا تُحصى، لكن قصائد سميح القاسم ما زالت تحتفظ بحرارتها الأولى. وليس ذلك لأن التاريخ أعاد نفسه فقط، بل لأن الشاعر نجح في الوصول إلى منطقة أعمق من الحدث السياسي نفسه: منطقة المعنى.

وهذا ما يميز الأدب العظيم.

فالأدب العظيم لا يمنحنا أجوبة جاهزة، بل يجعلنا نرى أسئلتنا القديمة بطريقة جديدة.

وحين أغلقت صفحات «دمي على كفّي» للمرة الأخيرة، لم أشعر أنني انتهيت من قراءة ديوان عن فلسطين، بل شعرت أنني انتهيت من قراءة كتاب عن الإنسان حين يواجه خساراته الكبرى ويرفض رغم ذلك أن يتخلى عن حقه في الحلم.

ربما لهذا السبب ما زال سميح القاسم حاضرًا.

ليس لأنه كتب عن وطن جريح فحسب، بل لأنه كتب عن الكرامة الإنسانية في لحظتها الأكثر هشاشة، وعن الأمل في زمن بدا فيه الأمل نفسه فعلًا من أفعال المقاومة.

وهذا، في تقديري، هو السر الحقيقي لخلود «دمي على كفّي»: أنه لم يعلّم قارئه كيف ينتصر، بل كيف يرفض الهزيمة.



#رانية_مرجية (هاشتاغ)       Rania_Marjieh#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قراءة في نصّ -حين يصبح الهدوء خيانة- للكاتبة رانية مرجية بقل ...
- عبد الباري عطوان وتشريح اللحظة التي انكسر فيها المعنى قراءة ...
- إبراهيم الطير… حين صار الجورنال مرآةً لذاكرة جيل قراءة تأويل ...
- حين يصبح الهدوء خيانة
- بين الذات والذاكرة والوطن: قراءة تأويلية نقدية في كتاب «بعضٌ ...
- السقوط من الوهم… حين يصبح الانكشاف شكلًا من أشكال النجاة قرا ...
- ما لا يغسله الغفران
- في مساءلة الغياب الإلهي بين براءة اليقين وعنف الواقع قراءة ت ...
- حين يعتاد الضمير الظلم
- ميتافيزيقا الاحتراق: حين يختار سامي الجابري النار وطناً للرو ...
- آلهة الأرض.. حين جعل جبران السماء مرآة للإنسان قراءة تأويلية ...
- عطش الرمال
- الحجابُ حجابُ الروحِ والقلب
- الأسيرات الفلسطينيات.. عندما تصبح المرأة ساحة حرب
- الأذن التي تسمع «الأذن السامعة توبيخ الحياة تستقر بين الحكما ...
- ما الذي يبقى من الإنسان؟
- «وطني حقيبة سفر»… حين يكتب زهير دعيم سيرة الروح بلغة الوطن
- عن النكسة… والنكسات التي لم تنتهِ
- سقوطٌ مُدوٍّ: في تشريح الوهم الأخلاقي وانهيار البطولة المُتخ ...
- قراءة تأويلية في قصة “الخوف رداءً” لدينا سليم حنحن


المزيد.....




- هيلاري كلينتون: ترشح جو بايدن لولاية ثانية كان خطأً فادحًا
- إيران تطلب انسحاب إسرائيل من لبنان كجزء من الاتفاق مع أمريكا ...
- سوريا وحزب الله في تصريحات لافتة لترامب: إشادة باتفاق إيران. ...
- الصليب الأحمر: ذروة إيبولا في الكونغو لم تُحسم بعد وجهود الم ...
- مسيّرات مفخخة وقنّاصة.. كيف أُحبط مخطط لاستهداف البيت الأبيض ...
- -حرب الذكاء الاصطناعي بدأت-.. انتقادات أوروبية لقيود إدارة ت ...
- المستشار الألماني يهدي ترامب قميص ألمانيا: -نحن في فريق واحد ...
- ترامب يوجه انتقادا شديد اللهجة لإسرائيل لتجاوزها كل الحدود ف ...
- وزير إسرائيلي يتعرض لأزمة قلبية
- لغة الجسد -تكشف المستور- عن بنيامين نتنياهو (فيديو)


المزيد.....

- قراءة تفكيكية في رواية - ورقات من دفاتر ناظم العربي - لبشير ... / رياض الشرايطي
- نظرية التطور الاجتماعي نحو الفعل والحرية بين الوعي الحضاري و ... / زهير الخويلدي
- -فجر الفلسفة اليونانية قبل سقراط- استعراض نقدي للمقدمة-2 / نايف سلوم
- فلسفة البراكسيس عند أنطونيو غرامشي في مواجهة الاختزالية والا ... / زهير الخويلدي
- الكونية والعدالة وسياسة الهوية / زهير الخويلدي
- فصل من كتاب حرية التعبير... / عبدالرزاق دحنون
- الولايات المتحدة كدولة نامية: قراءة في كتاب -عصور الرأسمالية ... / محمود الصباغ
- تقديم وتلخيص كتاب: العالم المعرفي المتوقد / غازي الصوراني
- قراءات في كتب حديثة مثيرة للجدل / كاظم حبيب
- قراءة في كتاب أزمة المناخ لنعوم چومسكي وروبرت پَولِن / محمد الأزرقي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قراءات في عالم الكتب و المطبوعات - رانية مرجية - سميح القاسم في «دمي على كفّي» (1967): هل كان يقاوم الاحتلال أم يقاوم الهزيمة؟