أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قراءات في عالم الكتب و المطبوعات - رانية مرجية - بين الذات والذاكرة والوطن: قراءة تأويلية نقدية في كتاب «بعضٌ منّي وأكثرُ منه» للشاعرة فوز فرنسيس















المزيد.....

بين الذات والذاكرة والوطن: قراءة تأويلية نقدية في كتاب «بعضٌ منّي وأكثرُ منه» للشاعرة فوز فرنسيس


رانية مرجية
كاتبة شاعرة ناقدة مجسرة صحفية وموجهة مجموعات

(Rania Marjieh)


الحوار المتمدن-العدد: 8735 - 2026 / 6 / 13 - 10:53
المحور: قراءات في عالم الكتب و المطبوعات
    


ثمة كتب نقرأها فنغادرها بعد الصفحة الأخيرة، وثمة كتب أخرى تظلّ تقرؤنا حتى بعد أن نغلقها. وكتاب «بعضٌ منّي وأكثرُ منه» للشاعرة فوز فرنسيس ينتمي إلى هذا النوع الأخير؛ ذلك النوع من الكتابة الذي لا يكتفي بعرض التجربة، بل يحوّلها إلى سؤال مفتوح حول الإنسان وعلاقته بالذاكرة والانتماء والمعنى.

منذ الوهلة الأولى، يفرض العنوان نفسه بوصفه العتبة الأكثر كثافة في العمل. فهو ليس عنواناً توصيفياً أو زخرفياً، بل مفتاح تأويلي يكاد يختزل الرؤية الكامنة خلف النصوص كلها. فعبارة «بعضٌ منّي» تبدو في ظاهرها إعلاناً لحضور الذات، غير أن الشطر الثاني من العنوان «وأكثرُ منه» يخلخل هذا الحضور ويعيد ترتيب العلاقة بين الأنا والعالم. هنا لا تتصدر الذات المشهد، بل تتراجع لتفسح المجال لكل ما شكّلها وصاغ ملامحها.

إنها ذات لا تتحدث عن نفسها بقدر ما تتحدث عمّا يسكنها.

ولهذا يمكن القول إن فوز فرنسيس لا تكتب الأنا بوصفها مركزاً للوجود، بل بوصفها ما يتبقّى من العالم داخل الإنسان.

من هذه الزاوية يغدو الكتاب بأكمله رحلة في تشكّل الهوية عبر الآخر؛ فالأب، والأم، والوطن، والأرض، والحب، والذاكرة، ليست موضوعات متجاورة داخل النصوص، بل هي العناصر التي تتكون منها الذات نفسها. وكأن الشاعرة تطرح سؤالاً وجودياً عميقاً دون أن تصرح به مباشرة: ماذا يبقى من الإنسان إذا انتزعنا منه ما يحب؟

هذا السؤال هو النبض الخفي الذي يسري في الكتاب كله.

ولعل الإهداء إلى الأب الراحل يكشف منذ البداية عن طبيعة هذه الرؤية. فالأب لا يحضر باعتباره شخصية عائلية أو ذكرى خاصة، بل بوصفه المرجعية الأولى للغة والجمال والوعي. إنه الجذر الذي انطلقت منه العلاقة بالكلمة، والغياب الذي لم ينجح الموت في إقصائه من المشهد الروحي للنص. لذلك لا يبدو الإهداء مجرد رثاء، بل حوار مؤجل بين ابنة ما زالت تبحث عن نظرة رضا، وبين أبٍ تحول إلى جزء من ضميرها اللغوي والثقافي.

هنا يتحول الفقد من حادثة شخصية إلى بنية شعورية عميقة.

فالغياب في هذا الكتاب ليس حدثاً عابراً، بل قوة دافعة للكتابة نفسها.

وإذا كان الأب يمثل الجذر الأول للهوية، فإن الأرض تمثل امتدادها الأوسع.

غير أن الأرض عند فوز فرنسيس ليست جغرافيا فحسب، وليست حدوداً مرسومة على الخرائط، بل كينونة حيّة تشارك الإنسان وجوده. ولهذا لا تكتبها الشاعرة من موقع الخطابة الوطنية، بل من موقع المعايشة الحميمة. إنها لا ترى الوطن شعاراً، بل تراه شجرة زيتون، وموسم تين، ورائحة زعتر، وسنبلة قمح، وندى صباحياً يلامس الحقول.

وهنا تتجلى إحدى أهم جماليات الكتاب؛ إذ تنجح الشاعرة في تحرير مفهوم الوطن من التجريد وإعادته إلى جوهره الإنساني الأول.

فالوطن لا يُعرّف عبر الشعارات، بل عبر العلاقة اليومية بالمكان.

ولا يُدرك عبر الخطابات، بل عبر الحواس.

ولا يُحفظ عبر الذاكرة السياسية وحدها، بل عبر الذاكرة العاطفية أيضاً.

لهذا لا تبدو فلسطين في النصوص قضية تُكتب، بقدر ما تبدو روحاً تسكن الكتابة ذاتها.

إنها الحاضر الغائب، والجرح الذي لا يكف عن إنتاج المعنى.

وحين تكتبها الشاعرة، فإنها لا تستدعي الأحداث الكبرى بقدر ما تستدعي آثارها الإنسانية. فالأم الثكلى، والطفل الشهيد، والبيت المهجور، والحقول التي تنتظر أصحابها، كلها تتحول إلى علامات على مأساة تتجاوز بعدها السياسي لتلامس جوهر التجربة البشرية في مواجهة الفقد والاقتلاع.

وهنا تحديداً تكتسب القصيدة وظيفة تتجاوز الجمال.

إنها تصبح فعلاً من أفعال المقاومة الرمزية.

مقاومة لا تواجه المحو بالسلاح، بل بالذاكرة.

ولا تواجه النسيان بالشعارات، بل بالحفاظ على التفاصيل الصغيرة التي تمنح المكان روحه الحقيقية.

ومن اللافت أن هذه الرؤية تنعكس بوضوح على لغة الكتاب.

فالمفردات الأكثر حضوراً تنتمي إلى معجم الأرض والطبيعة: الزيتون، والتين، والرمان، والقمح، والندى، والريح، والسنابل، والطيور. غير أن حضور هذه العناصر لا يأتي بوصفه زينة شعرية أو خلفية تصويرية، بل بوصفه جزءاً من البنية الدلالية للنص.

فالطبيعة هنا ليست مشهداً خارجياً.

إنها مرآة للروح.

وكل شجرة تحمل ذاكرة.

وكل موسم يحمل حنيناً.

وكل ثمرة تحمل أثراً إنسانياً يتجاوز حضورها المادي.

لهذا تبدو اللغة شفافة وعفوية، لكنها في العمق لغة واعية باقتصادها الجمالي. فالشاعرة لا تلجأ إلى التعقيد أو الزخرفة البلاغية المفرطة، لأنها تدرك أن قوة الشعر لا تكمن دائماً في كثافة الصورة، بل في صدق التجربة التي تقف خلفها.

إنها كتابة تثق بالمعنى أكثر مما تثق بالاستعراض اللغوي.

وتثق بالنبض الإنساني أكثر مما تثق بالمجازات المبهرة.

أما المرأة في هذا الكتاب فلا تظهر بوصفها موضوعاً مستقلاً، بل بوصفها أحد أعمدة المعنى الكبرى. فهي الأم، والفلاحة، والمناضلة، والعاملة، والحارسة الصامتة لاستمرار الحياة. حضورها ليس احتفالاً رمزياً بالمرأة بقدر ما هو اعتراف بدورها الوجودي في حفظ الإنسان والأرض والذاكرة من التبدد.

ومن هنا تتداخل صورة المرأة مع صورة الوطن في أكثر من موضع، حتى يكاد الاثنان يشكلان وجهاً واحداً لفكرة الصمود.

وعلى المستوى التأويلي العميق، يمكن النظر إلى الكتاب كله بوصفه حواراً دائماً بين الحضور والغياب.

فكل ما تحبه الشاعرة مهدد بالفقد.

الأب غائب.

والوطن مجروح.

والطفولة بعيدة.

والحب مؤجل.

والزمن يتسرب بلا توقف.

غير أن القصيدة تقف في مواجهة هذا المصير.

إنها لا تمنع الرحيل، لكنها تمنع اكتماله.

ولا تهزم الفقد، لكنها تحرمه من الانتصار النهائي.

فالكتابة عند فوز فرنسيس ليست وصفاً للعالم، بل محاولة دائمة لإنقاذ ما يتساقط منه.

ولهذا لا تبدو القصيدة مجرد تعبير جمالي، بل فعل حفظٍ للمعنى في مواجهة التآكل.

ولعل القيمة الأعمق في كتاب «بعضٌ منّي وأكثرُ منه» لا تكمن في موضوعاته، ولا في لغته الشفافة، ولا حتى في صدق تجربته الإنسانية، بل في قدرته على إعادة تعريف العلاقة بين الذات والعالم. ففوز فرنسيس لا تكتب الأنا بوصفها مركز الحكاية، بل بوصفها نقطة التقاء لوجوه عديدة: أبٍ غائب، وأمٍ حاضرة، ووطنٍ جريح، وأرضٍ لا تكف عن إنبات المعنى. ولهذا يبدو الكتاب كله رحلة خروج من ضيق الفرد إلى رحابة الانتماء، ومن حدود السيرة الشخصية إلى أفق الذاكرة الجمعية.

هنا لا يعود الشعر ترفاً لغوياً ولا تمريناً جمالياً، بل يصبح فعلاً من أفعال الحفظ؛ حفظ الإنسان من النسيان، وحفظ المكان من المحو، وحفظ الحب من العبور العابر. ومن هذه الزاوية تحديداً يكتسب الكتاب فرادته؛ إذ لا يترك للقارئ نصوصاً يتذكرها فحسب، بل يترك داخله إحساساً نادراً بأن ما كان «بعضاً» من الشاعرة قد صار «أكثر» في روحه هو أيضاً.

وهنا تبلغ الكتابة غايتها القصوى: أن تتجاوز صاحبها لتصبح جزءاً من ذاكرة الآخرين



#رانية_مرجية (هاشتاغ)       Rania_Marjieh#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- السقوط من الوهم… حين يصبح الانكشاف شكلًا من أشكال النجاة قرا ...
- ما لا يغسله الغفران
- في مساءلة الغياب الإلهي بين براءة اليقين وعنف الواقع قراءة ت ...
- حين يعتاد الضمير الظلم
- ميتافيزيقا الاحتراق: حين يختار سامي الجابري النار وطناً للرو ...
- آلهة الأرض.. حين جعل جبران السماء مرآة للإنسان قراءة تأويلية ...
- عطش الرمال
- الحجابُ حجابُ الروحِ والقلب
- الأسيرات الفلسطينيات.. عندما تصبح المرأة ساحة حرب
- الأذن التي تسمع «الأذن السامعة توبيخ الحياة تستقر بين الحكما ...
- ما الذي يبقى من الإنسان؟
- «وطني حقيبة سفر»… حين يكتب زهير دعيم سيرة الروح بلغة الوطن
- عن النكسة… والنكسات التي لم تنتهِ
- سقوطٌ مُدوٍّ: في تشريح الوهم الأخلاقي وانهيار البطولة المُتخ ...
- قراءة تأويلية في قصة “الخوف رداءً” لدينا سليم حنحن
- حين ينسى الإنسان اسمه
- مرايا الإسقاط
- رجاءٌ يتجاوز الموت
- مراثي القدس الأخيرة
- ا حتراق السكر


المزيد.....




- بينهم السيسي ومحمد بن زايد.. مسؤول: ترامب سيلتقي قادة من الش ...
- ترامب يحدد موعد توقيع الاتفاق مع إيران وفتح مضيق هرمز
- مسؤول إيراني: لا خطط سفر خلال اليومين المقبلين لتوقيع اتفاق ...
- -عيد ميلاده-.. الحرس الثوري يعلق بعد إعلان ترامب موعد توقيع ...
- ستارمر يطلع أمين عام الناتو على خطة بريطانيا الدفاعية
- رصد مغادرة طائرات التزود بالوقود الأمريكية مطار بن غوريون ال ...
- ترامب: توقيع اتفاق إنهاء الحرب غداً، وإيران -تستبعد ذلك-
- بعد هجومه على نظامها.. السفارة الإيرانية ترد على وزير خارجية ...
- - قلق غربي ومحاولات استرضاء-: هل يشكل مزاج ترامب ملامح قمة ا ...
- القبض على شخصين يشتبه بتورطهما في سرقة معدات منتخب إنجلترا


المزيد.....

- قراءة تفكيكية في رواية - ورقات من دفاتر ناظم العربي - لبشير ... / رياض الشرايطي
- نظرية التطور الاجتماعي نحو الفعل والحرية بين الوعي الحضاري و ... / زهير الخويلدي
- -فجر الفلسفة اليونانية قبل سقراط- استعراض نقدي للمقدمة-2 / نايف سلوم
- فلسفة البراكسيس عند أنطونيو غرامشي في مواجهة الاختزالية والا ... / زهير الخويلدي
- الكونية والعدالة وسياسة الهوية / زهير الخويلدي
- فصل من كتاب حرية التعبير... / عبدالرزاق دحنون
- الولايات المتحدة كدولة نامية: قراءة في كتاب -عصور الرأسمالية ... / محمود الصباغ
- تقديم وتلخيص كتاب: العالم المعرفي المتوقد / غازي الصوراني
- قراءات في كتب حديثة مثيرة للجدل / كاظم حبيب
- قراءة في كتاب أزمة المناخ لنعوم چومسكي وروبرت پَولِن / محمد الأزرقي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قراءات في عالم الكتب و المطبوعات - رانية مرجية - بين الذات والذاكرة والوطن: قراءة تأويلية نقدية في كتاب «بعضٌ منّي وأكثرُ منه» للشاعرة فوز فرنسيس