أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رانية مرجية - إبراهيم الطير… حين صار الجورنال مرآةً لذاكرة جيل قراءة تأويلية في قصيدة «والله زمان يا عم بحبح»















المزيد.....

إبراهيم الطير… حين صار الجورنال مرآةً لذاكرة جيل قراءة تأويلية في قصيدة «والله زمان يا عم بحبح»


رانية مرجية
كاتبة شاعرة ناقدة مجسرة صحفية وموجهة مجموعات

(Rania Marjieh)


الحوار المتمدن-العدد: 8736 - 2026 / 6 / 14 - 14:21
المحور: الادب والفن
    


لا يكتب الشاعر إبراهيم الطير في قصيدته «والله زمان يا عم بحبح» عن الجريدة بوصفها مطبوعة ورقية تُشترى بنصف قرش، بل يكتب عنها بوصفها حاملاً لذاكرة جماعية، وأرشيفاً حيّاً لزمن كان أكثر بطئاً وأشد التصاقاً بالإنسان. وما يبدو في ظاهر النص حنيناً إلى صباحات المقاهي الشعبية، يتحول في عمقه إلى مرثية ثقافية واجتماعية لعالم كامل تآكلت ملامحه تحت وطأة التحولات المتسارعة التي أصابت تفاصيل الحياة المعاصرة.

منذ العتبة الأولى للقصيدة، يضعنا إبراهيم الطير أمام خطاب لا يتوجه إلى شخص بعينه، بل إلى زمن بكامله. فـ«عم بحبح» ليس مجرد بائع جرائد أو صاحب مقهى أو شخصية شعبية عابرة، وإنما رمز لذاكرة شعبية مصرية تختزن دفء العلاقات الإنسانية وبساطة العيش وجمال التفاصيل الصغيرة. إنه واحد من تلك الشخوص التي تتجاوز حضورها الفردي لتصبح جزءاً من الوعي الجمعي، تماماً كما تتحول بعض الأمكنة إلى أوطان صغيرة تسكننا أكثر مما نسكنها.

تكمن براعة الشاعر في أنه لا يستدعي الماضي عبر الأحداث الكبرى، بل عبر التفاصيل الهامشية التي غالباً ما تُهملها الكتابة التاريخية. فالتاريخ الرسمي يدوّن أسماء الحكام والمعارك والتحولات السياسية، أما الشعر فيحفظ رائحة الشاي، وصوت بائع الجرائد، وضجيج المقهى، وحكايات الناس البسطاء. لذلك تبدو القصيدة وكأنها محاولة لإنقاذ ما يتسرب من الذاكرة قبل أن يبتلعه النسيان.

في هذا السياق، يتحول الجورنال إلى أكثر من وسيلة إعلامية؛ إنه رمز لمرحلة كاملة من تشكل الوعي الشعبي. كانت الجريدة في ذلك الزمن نافذة الإنسان اليومية على العالم، ووسيطه لفهم ما يجري حوله. لم تكن خبراً يُقرأ وينتهي أثره بعد ثوانٍ كما يحدث اليوم، بل كانت جزءاً من طقس اجتماعي وثقافي يبدأ بشرائها، ويمر بتقليب صفحاتها، وينتهي بحوارات طويلة على المقاهي وفي البيوت وأماكن العمل.

ولهذا فإن الحنين الذي يسكن القصيدة ليس حنيناً إلى الورق والحبر بقدر ما هو حنين إلى زمن التأمل نفسه؛ زمن كان الخبر يُقرأ، لا يُستهلك. ويُناقش، لا يُمرر سريعاً بين عشرات الإشعارات. وهنا يطرح النص، من حيث لا يعلن، سؤالاً حضارياً عميقاً: ماذا خسر الإنسان وهو يربح كل هذه السرعة؟

لقد منح العصر الرقمي البشر وفرة غير مسبوقة من المعلومات، لكنه سلبهم في المقابل طقوس التلقي الهادئ. وهذا ما يجعل الجورنال في القصيدة يبدو كآخر رموز «الزمن البطيء»، ذلك الزمن الذي كانت فيه الحياة تُعاش على مهل، وتُمنح الأشياء فرصة كافية كي تترك أثرها في الروح.

وتتجلى هذه الفكرة بوضوح في المشهد الذي يجمع بين الجريدة والطعمية والشاي والمقهى الشعبي. فهذه العناصر لا تؤدي وظيفة وصفية فحسب، بل تشكل معاً ما يمكن تسميته بـ«جماليات اليوم العادي». إن إبراهيم الطير يحتفي بما هو بسيط ومألوف، وكأنه يذكّر القارئ بأن القيمة الحقيقية للحياة لا تكمن في استثنائيتها، بل في قدرتها على منح المعنى للأشياء الصغيرة.

ومن اللافت أن القصيدة مكتوبة باللهجة العامية، وهو اختيار فني شديد الذكاء. فالعامية هنا ليست مجرد لغة للتعبير، بل جزء من هوية النص وموضوعه في آن واحد. إنها لغة الناس الذين يتحدث عنهم الشاعر، ولغة المقهى والشارع والجريدة الشعبية. لذلك جاءت الكلمات محملة بحرارة التجربة وصدقها، بعيدة عن أي تكلف بلاغي قد يضعف أثرها الإنساني.

كما أن العامية في هذا النص تؤدي وظيفة توثيقية مهمة؛ فهي تحفظ نبرة زمن كامل، وتعيد إنتاج إيقاعه الاجتماعي والثقافي. ومن هنا فإن القصيدة لا تُقرأ بوصفها نصاً شعرياً فحسب، بل بوصفها وثيقة وجدانية تحفظ جانباً من الذاكرة الشعبية المصرية.

وعندما ينتقل الشاعر إلى الحديث عن الأهلي والزمالك، فإنه لا يستدعي مباراة أو نتيجة بعينها، بل يستدعي شكلاً من أشكال الاجتماع الإنساني الذي كانت الرياضة تصنعه. فالسؤال الشعبي البسيط: «مين غلب مين؟» لا يحمل في النص دلالة رياضية فقط، وإنما يعكس طبيعة العلاقات الاجتماعية التي كانت تتشكل حول الاهتمامات المشتركة والحوارات اليومية.

أما الإشارات إلى الكلمات المتقاطعة والفلاح الفصيح والكاريكاتير وأسماء الصحفيين والرسامين، فإنها تفتح باباً آخر من أبواب التأويل؛ إذ تكشف عن الدور الذي لعبته الصحافة الورقية في تشكيل الوعي الجمعي. لقد كانت الجريدة، في زمنها الذهبي، جامعة شعبية مفتوحة. يتعلم منها القارئ السياسة والفن واللغة والنقد الاجتماعي، ويتدرب عبرها على التفكير والتحليل وحتى السخرية.

ولعل استدعاء الكاريكاتير تحديداً يحمل دلالة خاصة، لأن هذا الفن كان يمثل الضمير الساخر للمجتمع. كان يختزل تناقضات الواقع في صورة واحدة، ويمنح الناس فرصة للضحك على ما يعجزون عن تغييره. ولذلك فإن الحنين إلى الكاريكاتير في القصيدة هو حنين إلى زمن كانت فيه الثقافة جزءاً من الحياة اليومية لا ترفاً معزولاً عنها.

غير أن القيمة الكبرى للنص تكمن في أنه لا يسقط في فخ تمجيد الماضي أو البكاء عليه. فإبراهيم الطير لا يقول إن كل ما مضى كان جميلاً، ولا يدين الحاضر بصورة مباشرة، بل يكتفي بإضاءة المشهد وترك القارئ أمام أسئلته الخاصة. وهذه واحدة من أهم سمات الكتابة الشعرية الناضجة؛ إذ تترك المعنى مفتوحاً على احتمالات متعددة، وتمنح المتلقي فرصة المشاركة في إنتاج الدلالة.

من هنا يمكن القول إن «والله زمان يا عم بحبح» ليست قصيدة عن الجريدة، ولا عن المقهى، ولا حتى عن الماضي ذاته. إنها قصيدة عن الإنسان حين كان يمتلك الوقت ليعيش حياته، وعن اللحظات التي كانت تُصنع من أشياء صغيرة لكنها تترك أثراً كبيراً. إنها قصيدة عن الذاكرة بوصفها شكلاً من أشكال المقاومة، وعن الحنين بوصفه محاولة لإنقاذ ما تبقى من المعنى في عالم يزداد سرعةً وتوحشاً يوماً بعد يوم.

لقد نجح الشاعر إبراهيم الطير في أن يحوّل الجورنال إلى رمز ثقافي، والمقهى إلى فضاء اجتماعي، والتفاصيل اليومية إلى مادة شعرية نابضة بالحياة. ونجح، قبل ذلك كله، في أن يوقظ داخل القارئ ذلك الشعور الإنساني النبيل الذي لا يشيخ أبداً: الحنين إلى زمن ربما لم يكن مثالياً، لكنه كان أكثر دفئاً، وأكثر قرباً من القلب.

ولهذا لا تنتهي القصيدة عند عبارتها الأخيرة، بل تبدأ منها. إذ يبقى صوت الشاعر معلقاً في الذاكرة، كأنه صدى بعيد قادم من مقهى قديم في صباح مصري هادئ، يردد بحسرة محببة:

«يا عم بحبح… هات جورنال.»

فندرك أن ما نطلبه حقاً ليس الجريدة، بل ذلك الزمن الذي كانت فيه الحياة أبسط، وكانت الروح أكثر امتلاءً بالمعنى.



#رانية_مرجية (هاشتاغ)       Rania_Marjieh#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حين يصبح الهدوء خيانة
- بين الذات والذاكرة والوطن: قراءة تأويلية نقدية في كتاب «بعضٌ ...
- السقوط من الوهم… حين يصبح الانكشاف شكلًا من أشكال النجاة قرا ...
- ما لا يغسله الغفران
- في مساءلة الغياب الإلهي بين براءة اليقين وعنف الواقع قراءة ت ...
- حين يعتاد الضمير الظلم
- ميتافيزيقا الاحتراق: حين يختار سامي الجابري النار وطناً للرو ...
- آلهة الأرض.. حين جعل جبران السماء مرآة للإنسان قراءة تأويلية ...
- عطش الرمال
- الحجابُ حجابُ الروحِ والقلب
- الأسيرات الفلسطينيات.. عندما تصبح المرأة ساحة حرب
- الأذن التي تسمع «الأذن السامعة توبيخ الحياة تستقر بين الحكما ...
- ما الذي يبقى من الإنسان؟
- «وطني حقيبة سفر»… حين يكتب زهير دعيم سيرة الروح بلغة الوطن
- عن النكسة… والنكسات التي لم تنتهِ
- سقوطٌ مُدوٍّ: في تشريح الوهم الأخلاقي وانهيار البطولة المُتخ ...
- قراءة تأويلية في قصة “الخوف رداءً” لدينا سليم حنحن
- حين ينسى الإنسان اسمه
- مرايا الإسقاط
- رجاءٌ يتجاوز الموت


المزيد.....




- فنانة مصرية شهيرة تنجو من حادث مروع
- صوتك بلغات العالم.. كيف غيّر الذكاء الاصطناعي مستقبل الترجمة ...
- صوتك بلغات العالم.. كيف غيّر الذكاء الاصطناعي مستقبل الترجمة ...
- شغف عمره 40 عاما ينتهي بحادث مروع.. تفاصيل الساعات الحرجة لل ...
- الكويت تسحب جنسيتها من أحد أبرز الكتاب والروائيين العرب
- من عاصمة البن العالمية إلى مدينة منسية.. هل ينقذ الفن المخا ...
- كائنات حية وآلات طائرة ومنحوتات غامضة.. من يقف وراء هذه الأع ...
- 4 حكايات في ليلة زفاف واحدة.. هل قال -الكلام على إيه- ما سكت ...
- بريطانيا: جوقة الأوبرا الملكية تحتفل بانطلاق مونديال 2026 بع ...
- الثقافة جسر جديد بين موسكو والرباط


المزيد.....

- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رانية مرجية - إبراهيم الطير… حين صار الجورنال مرآةً لذاكرة جيل قراءة تأويلية في قصيدة «والله زمان يا عم بحبح»