أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رانية مرجية - ما كنا نسأل عن الدين














المزيد.....

ما كنا نسأل عن الدين


رانية مرجية
كاتبة شاعرة ناقدة مجسرة صحفية وموجهة مجموعات

(Rania Marjieh)


الحوار المتمدن-العدد: 8738 - 2026 / 6 / 16 - 16:33
المحور: الادب والفن
    


ليست أكثر الجمل تأثيرًا تلك التي تُقال في الخطب والمحاضرات، بل تلك التي تخرج عفوية من ذاكرة إنسان عاش طويلًا بما يكفي ليرى العالم يتغير أمام عينيه.

قالتها امرأة مسنّة من الرملة، ثم مضت كأنها لم تقل شيئًا استثنائيًا:

“ما كنا نسأل عن الدين.”

لكنني منذ سمعتها لم أستطع أن أتجاوزها.

ليس لأنها جملة عن الدين، بل لأنها جملة عن الإنسان.

عن زمن كانت فيه العلاقة بين الناس تسبق الأسئلة التي تفرّق بينهم. عن زمن كان الجار يُعرف باسمه قبل أن يُعرف بانتمائه، وكانت الأبواب تُفتح قبل أن تُفتح ملفات التعريف، وكان الإنسان يُستقبل بوجهه لا بتصنيفه.

حين نستمع إلى كبار السن، نظن أننا نستمع إلى الماضي، بينما نحن في الحقيقة نستمع إلى أنفسنا من مسافة بعيدة. إنهم لا يخبروننا فقط كيف كانت الحياة، بل يكشفون لنا كيف أصبحنا.

تروي السيدة نفسها:

“كنا نحتفل مع بعض بعيد الميلاد وعيد الأضحى. ما كان فرق بيننا.”

لم تكن تتحدث عن الأعياد بوصفها مناسبات دينية، بل بوصفها مناسبات إنسانية. فالفرح لم يكن يُقسَّم وفق الانتماءات، بل كان يتسع للجميع. وكان الجار يشارك جاره أفراحه كما يشاركه أحزانه، دون أن يشعر أحد أنه يعبر حدودًا غير مرئية بينه وبين الآخر.

ولم تكن هذه القيم شعارات تُرفع في المناسبات، بل كانت تُعاش في تفاصيل الحياة اليومية.

وحين سألتها عن شكل الحياة آنذاك، ابتسمت ابتسامة من يستعيد زمنًا ما زال يسكنه رغم مرور السنوات، وقالت:

“كنا نتقاسم كل شيء سوا. ما كنا نسكر الباب أبدًا. نتبادل الطناجر، ونلبس من ملابس بعض. والأولاد كانوا مثل الإخوة وأكثر. الجار كان أحيانًا أخًا وأحيانًا أبًا.”

توقفت طويلًا عند هذه العبارة الأخيرة:

“الجار كان أحيانًا أبًا.”

كم يبدو هذا التعبير بعيدًا عن عالمنا اليوم.

ففي زمن تتكاثر فيه وسائل التواصل، تتراجع أحيانًا قدرتنا على التواصل الحقيقي. نعرف أخبار البعيدين خلال ثوانٍ، لكننا قد لا نعرف من يسكن خلف الجدار. نشارك الصور أكثر مما نشارك الحياة، ونتبادل الرسائل أكثر مما نتبادل الوقت.

أما في تلك الذاكرة القادمة من الرملة، فقد كان للجار معنى آخر.

لم يكن عنوانًا مجاورًا، بل امتدادًا للعائلة.

ولم تكن الطناجر المتبادلة مجرد أوانٍ للطعام، بل كانت لغة اجتماعية كاملة، تعبّر عن المشاركة والتكافل والمحبة.

ولم يكن الباب المفتوح مجرد باب، بل كان إعلانًا يوميًا عن الثقة.

كانت هناك قناعة غير مكتوبة بأن الإنسان لا يستطيع أن يعيش وحده، وأن الحياة تصبح أخفّ حين يتقاسم الناس أعباءها وأفراحها معًا.

لهذا لم يكن السؤال الأول: من أي طائفة أنت؟

ولا: ما دينك؟

ولا: ما موقفك؟

كان السؤال الأبسط والأجمل:

كيف حالك؟

وهل تحتاج شيئًا؟

لا أكتب هذا الكلام بدافع الحنين الأعمى إلى الماضي، فالماضي لم يكن كاملًا، كما أن الحاضر ليس ناقصًا بالكامل. لكل زمن مزاياه ونقائصه، ولكل جيل تحدياته وأحلامه.

لكن الذاكرة تمنحنا أحيانًا فرصة نادرة لنفهم ما الذي تغيّر فينا.

فالمرأة التي قالت: “ما كنا نسأل عن الدين” لم تكن تقدم خطابًا سياسيًا، ولم تكن ترفع شعارًا أخلاقيًا. كانت فقط تصف الحياة كما عرفتها.

وهنا تكمن القيمة الحقيقية للذاكرة الشفوية.

إنها لا تنظّر للحياة، بل تكشفها.

لا تكتب البيانات، بل تحفظ النبض الإنساني الذي لا يظهر في البيانات.

ولهذا أخشى على حكايات الجدّات أكثر مما أخشى على كثير من الأشياء الأخرى.

لأننا حين نفقد تلك الحكايات، لا نفقد كلمات فقط، بل نفقد طريقة كاملة في فهم العالم.

نفقد صورة الإنسان قبل أن تحاصره التصنيفات.

ونفقد معنى الجيرة قبل أن تتحول إلى مجرد عنوان.

ونفقد ذلك الدفء الإنساني الذي جعل البيوت متجاورة والقلوب متقاربة في آن واحد.

ربما لا نستطيع استعادة ذلك الزمن.

وربما لا ينبغي لنا أن نحاول.

لكننا نستطيع أن نحفظ شيئًا واحدًا منه:

أن نتذكر أن الإنسان كان يومًا أقرب إلى الإنسان.

وأن الجار كان بابًا للأمان لا مجرد عنوان.

وأن الأعياد كانت مناسبة للفرح لا مناسبة للتعريف بالنفس.

وأن المحبة كانت تُمارَس أكثر مما كانت تُقال.

لهذا بقيت تلك الجملة عالقة في ذهني طويلًا:

“ما كنا نسأل عن الدين.”

ليس لأنها تحكي عن الماضي.

بل لأنها تسألنا، بهدوء موجع:

متى بدأنا نفعل ذلك؟

وربما لم يكن الماضي أجمل مما نعيش، لكنه كان أكثر دفئًا.

والإنسان لا ينسى الدفء أبدًا.



#رانية_مرجية (هاشتاغ)       Rania_Marjieh#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- سميح القاسم في «دمي على كفّي» (1967): هل كان يقاوم الاحتلال ...
- قراءة في نصّ -حين يصبح الهدوء خيانة- للكاتبة رانية مرجية بقل ...
- عبد الباري عطوان وتشريح اللحظة التي انكسر فيها المعنى قراءة ...
- إبراهيم الطير… حين صار الجورنال مرآةً لذاكرة جيل قراءة تأويل ...
- حين يصبح الهدوء خيانة
- بين الذات والذاكرة والوطن: قراءة تأويلية نقدية في كتاب «بعضٌ ...
- السقوط من الوهم… حين يصبح الانكشاف شكلًا من أشكال النجاة قرا ...
- ما لا يغسله الغفران
- في مساءلة الغياب الإلهي بين براءة اليقين وعنف الواقع قراءة ت ...
- حين يعتاد الضمير الظلم
- ميتافيزيقا الاحتراق: حين يختار سامي الجابري النار وطناً للرو ...
- آلهة الأرض.. حين جعل جبران السماء مرآة للإنسان قراءة تأويلية ...
- عطش الرمال
- الحجابُ حجابُ الروحِ والقلب
- الأسيرات الفلسطينيات.. عندما تصبح المرأة ساحة حرب
- الأذن التي تسمع «الأذن السامعة توبيخ الحياة تستقر بين الحكما ...
- ما الذي يبقى من الإنسان؟
- «وطني حقيبة سفر»… حين يكتب زهير دعيم سيرة الروح بلغة الوطن
- عن النكسة… والنكسات التي لم تنتهِ
- سقوطٌ مُدوٍّ: في تشريح الوهم الأخلاقي وانهيار البطولة المُتخ ...


المزيد.....




- -سلمى-.. مسرحية كردية تتناول قضايا إنسانية الإبادة والهجرة
- معرض -إبداعات سومرية- يستعيد حضور الفنانات بين مدارس متنوعة ...
- من كواليس التصوير إلى غرفة الإنعاش.. تفاصيل الرحلة الأخيرة ل ...
- من المدرجات إلى إنستغرام.. كيف عاش الفنانون العرب أجواء المو ...
- أيقونة -بيكسار- تعود للشاشات.. نظرة على تاريخ فيلم -توي ستور ...
- خطفت الأنظار.. قطة تضحك الجمهور خلال عرض مسرحية -روميو وجولي ...
- كيف أصبحت -بينك- أشهر مخرجة فيديوهات موسيقية في أفريقيا؟
- مونديال 2026: فرنسا -السنغال/ بالغناء والرقص جماهير المستدي ...
- الحكومة تمضي قدمًا في مقترح إلزامية روضة اللغة
- من أفلام بوند إلى اتفاق إيران.. ماذا يخفي جبل بورغنشتوك؟


المزيد.....

- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رانية مرجية - ما كنا نسأل عن الدين