أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رانية مرجية - الذين لا يغادرون















المزيد.....

الذين لا يغادرون


رانية مرجية
كاتبة شاعرة ناقدة مجسرة صحفية وموجهة مجموعات

(Rania Marjieh)


الحوار المتمدن-العدد: 8743 - 2026 / 6 / 21 - 22:00
المحور: الادب والفن
    


كلما تقدمت بي السنوات، ازددت يقينًا بأن أعمارنا لا تُقاس بالزمن الذي نعبره، بل بالأثر الذي يتركه البشر في أرواحنا.

فالسنوات، مهما كثرت، ليست سوى أرقام تتراكم على هامش الحياة. أما الحياة نفسها، فهي تلك الوجوه التي أحببناها، والأيادي التي امتدت إلينا في لحظة ضعف، والقلوب التي منحتنا ذلك الشعور النادر بأننا لسنا وحدنا في هذا العالم.

في شبابنا نظن أن العمر طويل بما يكفي لتأجيل كل شيء. نؤجل اللقاءات، والكلمات الجميلة، والاعتذارات، والامتنان، وحتى المحبة نفسها. ثم تمضي الأيام على نحو لا يشبه توقعاتنا، ونكتشف متأخرين أن الزمن لم يكن يسير إلى جانبنا، بل كان يعبرنا بصمت، ويأخذ معه أشياء كثيرة كنا نظن أنها ستبقى.

يتغير كل شيء.

الملامح.

الأصوات.

الأماكن.

الأحلام.

بل إن الإنسان نفسه لا يبقى كما كان. ففي داخله تموت نسخ وتولد أخرى، حتى يصبح بعد سنوات طويلة شخصًا مختلفًا عمّن كانه ذات يوم.

ومع ذلك، يبقى هناك أشخاص قادرون على التعرف إلينا وسط كل هذا التغير. كأنهم يرون ما هو أبعد من الملامح، وأعمق من الكلمات، وأصدق من الأقنعة التي نرتديها في رحلة العمر.

وربما لهذا السبب تبدو العلاقات الإنسانية أعظم أسرار الوجود.

فنحن لا نتذكر معظم الأيام التي عشناها، ولا معظم الأحاديث التي قلناها، ولا التفاصيل التي ملأت سنواتنا. لكننا نتذكر دائمًا كيف جعلنا أحدهم نشعر.

نتذكر من منحنا الطمأنينة حين كنا خائفين.

ومن أعاد إلينا الثقة حين أوشكنا أن نفقدها.

ومن كان حضوره أشبه بضوء صغير في لحظة عتمة.

وهذا وحده يكفي ليبقى.

هناك أشخاص يمرون في حياتنا كغيمة صيف عابرة.

وهناك آخرون يتحولون إلى جزء من تكويننا الداخلي.

نسمع أصواتهم في ذاكرتنا.

ونستحضر وجوههم في لحظات الفرح والحزن.

ونكتشف، بعد أعوام طويلة، أنهم لم يكونوا مجرد رفاق طريق، بل جزءًا من الطريق نفسه.

لقد منحتني الحياة عائلة أعتز بها وأمتن لوجودها كل يوم. أخًا وأختين، وأبناء أخ وأبناء أخت، وابنة أخ، وأصهارًا وأقارب، وأشخاصًا أحبهم ويحبونني. وأدرك أكثر من أي وقت مضى أن العائلة هي الجذر الأول الذي يمنح الإنسان شعور الأمان والانتماء.

لكن الحياة علمتني أيضًا أن القلب الإنساني أوسع من أن تحصره دائرة واحدة. فإلى جانب روابط الدم، هناك روابط أخرى لا تقل صدقًا ودفئًا، تنشأ من سنوات المشاركة والوفاء والذكريات المشتركة، وتنمو معنا حتى تصبح جزءًا من هويتنا.

فبعض الناس لا تربطنا بهم قرابة، لكنهم يصبحون أقرب إلى الروح من كثير من الأقارب.

ليس لأنهم يشبهوننا دائمًا، بل لأنهم عرفونا في أكثر مراحل العمر صدقًا، وحملوا معنا أجزاءً من قصتنا لا يعرفها سوانا.

ومع مرور السنين، أدركت أن أجمل العلاقات ليست تلك التي تقوم على الحاجة، بل تلك التي تقوم على الحضور.

الحضور الهادئ.

الحضور الذي لا يفرض نفسه.

الحضور الذي لا يحتاج إلى ضجيج كي يثبت وجوده.

ذلك الحضور الذي يصبح مع الوقت جزءًا من هواء الروح.

لقد أخذ الزمن أشياء كثيرة.

وأعطى أشياء كثيرة.

لكنه علمني درسًا لا يتغير:

أن أجمل ما يمكن أن يحتفظ به الإنسان ليس ما جمعه من مال، ولا ما حققه من نجاح، ولا ما ناله من تقدير.

أجمل ما يحتفظ به الإنسان هو الناس.

الناس الذين عرفوا ضعفه ولم يستغلوه.

وعرفوا أخطاءه ولم يتخلوا عنه.

وعرفوا حقيقته وبقوا إلى جانبه.

ومع مرور العمر بدأت أفهم حقيقة أخرى.

كنا نظن أن الإنسان يعيش بين يوم مولده ويوم رحيله.

لكن الحقيقة أوسع من ذلك بكثير.

فالإنسان لا يعيش عمرًا واحدًا.

إنه يعيش أعمارًا متعددة في ذاكرة الذين أحبهم.

يبقى في ضحكة يتذكرونه بها.

وفي كلمة طيبة تركها ذات يوم.

وفي نصيحة أنقذتهم من تردد أو ضياع.

وفي أثر خفي لا يدركون أحيانًا أنه ما زال يعمل فيهم.

ولهذا لا أعتقد أن الغياب نقيض الحضور.

فبعض الغائبين أكثر حضورًا من كثير من الحاضرين.

وبعض الراحلين يواصلون السير معنا سنوات طويلة دون أن نراهم.

كأن الأرواح الصادقة تترك جذورًا في أعماق من أحبّتهم، فلا تستطيع الأيام اقتلاعها مهما طال الزمن.

وهنا أدركت أن الأثر هو الشكل الوحيد من الخلود الذي أتيح للبشر.

فنحن لا نهزم الموت بأجسادنا.

ولا نهزم النسيان بأسمائنا.

لكننا نهزم الغياب حين نترك في قلب إنسان آخر نورًا يكفيه ليتذكرنا كلما أظلمت به الحياة.

في عالم تتسارع فيه الأشياء إلى حد مذهل، وتصبح العلاقات أكثر هشاشة، يبدو الوفاء فعلًا استثنائيًا.

ويبدو البقاء في حياة الآخرين نوعًا من الشجاعة الإنسانية النادرة.

فليس من الصعب أن نلتقي.

لكن الصعب حقًا أن نبقى.

أن يبقى الود حيًا رغم المسافات.

وأن تبقى المحبة صافية رغم تغير الظروف.

وأن تبقى الذكريات مصدر دفء لا مصدر ألم.

وحين أنظر اليوم إلى سنوات عمري، لا أرى الإنجازات أولًا.

ولا الخسارات أولًا.

أرى الوجوه.

أرى أولئك الذين تركوا في روحي أثرًا جميلًا.

الذين جعلوا الطريق أقل وحشة.

والأيام أكثر احتمالًا.

والحياة أكثر إنسانية.

وأدرك أن أعظم ما يمكن أن يفعله إنسان في هذه الدنيا ليس أن يجمع المجد لنفسه، بل أن يترك في قلب إنسان آخر شيئًا من النور.

فالنور وحده يبقى.

أما كل ما عداه، فيمضي.

لهذا، كلما سألني أحدهم:

ماذا تعلمت من الحياة؟

أجيب بهدوء:

تعلمت أن البشر هم المعنى الحقيقي للعمر.

وأن المحبة الصادقة هي الثروة الوحيدة التي لا تفقد قيمتها مع الزمن.

وأن الإنسان لا يرحل حقًا حين يتوقف قلبه عن النبض، بل حين ينطفئ أثره من قلوب الناس.

وتعلمت أن بعض البشر لا يغادرون أبدًا.

لا لأنهم انتصروا على الزمن.

بل لأنهم انتصروا على النسيان.

ففي النهاية، نحن جميعًا عابرون.

لكن الأثر الجميل يجعل للعبور معنى.

والمحبة الصادقة تجعل للحياة ذاكرة.

أما الذين أحببناهم بصدق…

فإنهم لا يغادرون.

إنهم يتحولون إلى جزء من الضوء الذي نهتدي به كلما أظلم الطريق.

وفي النهاية، لا يبقى من العمر إلا ما أعطيناه من محبة، وما زرعناه من خير، وما تركناه من أثر طيب في قلوب الآخرين.

وحده الأثر الجميل يهزم الغياب.

ووحدها المحبة الصادقة تنتصر على الزمن.

أما نحن، فما نحن إلا عابرو سبيل…

لكن القلوب التي نلمسها بصدق، هي التي تجعل عبورنا يستحق أن يُروى.



#رانية_مرجية (هاشتاغ)       Rania_Marjieh#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- . فكِّر بنفسك
- 🕊‏[جماليات الصمود وسردية الانتماء] ‏ قراءة في قصيدة ...
- نايُ البلاد
- القرآن ليس ملكًا لأحد في الإنسان والمحبة والسلام… وفي الذين ...
- ما كنا نسأل عن الدين
- سميح القاسم في «دمي على كفّي» (1967): هل كان يقاوم الاحتلال ...
- قراءة في نصّ -حين يصبح الهدوء خيانة- للكاتبة رانية مرجية بقل ...
- عبد الباري عطوان وتشريح اللحظة التي انكسر فيها المعنى قراءة ...
- إبراهيم الطير… حين صار الجورنال مرآةً لذاكرة جيل قراءة تأويل ...
- حين يصبح الهدوء خيانة
- بين الذات والذاكرة والوطن: قراءة تأويلية نقدية في كتاب «بعضٌ ...
- السقوط من الوهم… حين يصبح الانكشاف شكلًا من أشكال النجاة قرا ...
- ما لا يغسله الغفران
- في مساءلة الغياب الإلهي بين براءة اليقين وعنف الواقع قراءة ت ...
- حين يعتاد الضمير الظلم
- ميتافيزيقا الاحتراق: حين يختار سامي الجابري النار وطناً للرو ...
- آلهة الأرض.. حين جعل جبران السماء مرآة للإنسان قراءة تأويلية ...
- عطش الرمال
- الحجابُ حجابُ الروحِ والقلب
- الأسيرات الفلسطينيات.. عندما تصبح المرأة ساحة حرب


المزيد.....




- معركة الأبيض وصراع الروايات في السودان
- بدراجة هوائية.. شاب سوري يقطع 5 آلاف كيلومتر لإنقاذ تعليم مل ...
- في 25 يوما فقط.. -7DOGS- يحقق رقما غير مسبوق في السينما العر ...
- نجل الفنان فضل شاكر يطالب بالإفراج عن والده بعد تدهور حالته ...
- سوريا.. الإفراج عن الناشط والمخرج حسان العقاد بعد إسقاط الإع ...
- تفاعل واسع مع تغريدة تركي آل الشيخ حول إسلام الممثل الأمريكي ...
- الحرب الباردة المجهولة.. الفيلم الثالث.. -اختطاف أوروبا.. وا ...
- نجم مسلسل -بريكينغ باد- الأمريكي يشهر إسلامه في السعودية
- القائم بأعمال السفارة الأميركية يزور بيت المدى للثقافة والفن ...
- نائب ترامب: المفاوضات الفنية مع إيران لن تحل كل نقاط الخلاف ...


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رانية مرجية - الذين لا يغادرون