أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - رانية مرجية - القرآن ليس ملكًا لأحد في الإنسان والمحبة والسلام… وفي الذين يختبئون خلف الله















المزيد.....

القرآن ليس ملكًا لأحد في الإنسان والمحبة والسلام… وفي الذين يختبئون خلف الله


رانية مرجية
كاتبة شاعرة ناقدة مجسرة صحفية وموجهة مجموعات

(Rania Marjieh)


الحوار المتمدن-العدد: 8739 - 2026 / 6 / 17 - 11:52
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


ثمة فرقٌ شاسع بين الدين حين يكون نورًا، وبين الدين حين يتحول إلى ظلٍّ لرغبات البشر.

فالنور يكشف الطريق.

أما الظل فيخفي الحقيقة.

ومنذ أن بدأ الإنسان يرفع عينيه إلى السماء بحثًا عن معنى لوجوده، كان الدين أحد أجمل ما أُعطي له؛ نافذة يطل منها على الرحمة، وعلى العدل، وعلى ذلك اليقين العميق بأن للحياة قيمة تتجاوز المصالح العابرة والأهواء المؤقتة. لكن المأساة لم تكن يومًا في الرسالات، بل في أولئك الذين حاولوا امتلاكها، وكأن الله منحهم وكالة حصرية باسمه، أو سلطة مطلقة على ضمائر البشر.

لقد نزل القرآن في عالمٍ ممزق بالعصبيات، تحكمه القبائل، وتؤججه الأحقاد، ويُقاس فيه الإنسان بما يملك لا بما هو عليه. فجاء ليقلب الموازين كلها.

لم يبدأ بتأسيس إمبراطورية.

ولم يبدأ بتقسيم الناس إلى معسكرات.

ولم يبدأ بإعلان حرب على المختلفين.

بدأ بكلمة واحدة:

اقرأ.

وكأن أول ما احتاجته البشرية لم يكن السيف، بل الوعي.

ولم يكن الانتصار على الآخرين، بل الانتصار على الجهل.

وفي هذه الكلمة الأولى تكمن فلسفة كاملة. فالقارئ لا يخاف المعرفة، ولا يخشى الأسئلة، ولا يرى في الاختلاف خطرًا. أما الجاهل، فهو وحده الذي يرتعب من الحرية، ويبحث دائمًا عن عدو يحمّله مسؤولية فشله وخوفه وضياعه.

ولهذا لم يرَ القرآن في التنوع مشكلة تحتاج إلى حل، بل حقيقة تستحق الاحترام.

قال تعالى:

﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾

إنها من أكثر الآيات ثورية في التاريخ الإنساني.

ففي زمن كانت فيه الهويات سببًا للصراع، جعلها القرآن سببًا للتعارف.

وفي زمن كان الاختلاف مدعاةً للهيمنة، جعله فرصةً للاكتشاف.

وكأن الله يقول للبشرية كلها: إن الآخر ليس تهديدًا لكم، بل فرصة لتعرفوا أنفسكم من خلاله.

فالإنسان لا يكتمل داخل المرآة، بل يكتمل حين يرى العالم من زوايا متعددة.

لكن البشر، للأسف، يملكون قدرة غريبة على تشويه أجمل الأشياء.

ولهذا ظهر في كل عصر أولئك الذين أدركوا أن الطريق إلى السلطة قد يمر أحيانًا عبر المقدس.

فاستخدموا الدين لا ليقربوا الناس من الله، بل ليقربوا الناس منهم.

وجعلوا من الخوف عقيدة.

ومن الطاعة العمياء فضيلة.

ومن الاختلاف جريمة.

ومن السؤال خطيئة.

إنهم لا يسرقون الدين فقط.

بل يسرقون الإنسان أيضًا.

يسرقون حقه في التفكير.

وحقه في الشك.

وحقه في البحث.

وحقه في أن يكون إنسانًا حرًا أمام خالقه.

ولعل أخطر ما في المتاجرة بالدين أنها لا تقتل الحقيقة دفعة واحدة، بل تستبدلها تدريجيًا بشيء يشبهها من الخارج ويخالفها من الداخل.

فيبقى الاسم نفسه.

وتبقى الشعارات نفسها.

لكن الروح تختفي.

تمامًا كما يبقى الجسد بعد أن تغادره الحياة.

كم من حرب أشعلها الطامعون باسم الله بينما كان الله بريئًا منها.

وكم من إنسان أُهين باسم الدين بينما كان الدين جاء أصلاً ليصون كرامته.

وكم من قلب امتلأ خوفًا من الخالق بسبب أولئك الذين تحدثوا باسمه أكثر مما استمعوا إليه.

إن القرآن الذي وصف الله فيه نفسه بالرحمن والرحيم مئات المرات، لا يمكن أن يكون مشروع كراهية.

والكتاب الذي جعل العدل قيمة مطلقة لا يمكن أن يكون أداة ظلم.

والرسالة التي خاطبت الناس جميعًا لا يمكن أن تتحول إلى ملكية خاصة لجماعة أو حزب أو طائفة أو زعيم.

فالقرآن أكبر من الجميع.

وأوسع من الجميع.

وأبقى من الجميع.

وحين نتأمل حياة الأمم ندرك أن الحضارات لا تسقط بسبب قلة المتدينين، بل بسبب قلة الأخلاق.

فكم من مجتمع امتلأت شوارعه بالشعارات الدينية بينما غابت عنه الرحمة.

وكم من لسان أكثر من ذكر الله بينما عجز عن احترام خلق الله.

لقد فهم القرآن هذه الحقيقة مبكرًا، ولذلك لم يجعل معيار التفاضل بين البشر القوة ولا الثروة ولا الانتماء.

بل جعلها التقوى.

والتقوى في جوهرها ليست مظهرًا خارجيًا.

إنها ذلك الصوت الخافت الذي يمنع الإنسان من ظلم من يستطيع ظلمه.

ويمنعه من إهانة من يختلف عنه.

ويمنعه من استغلال المقدس لتحقيق مكاسب دنيوية.

إنها انتصار الضمير على المصلحة.

وانتصار الحقيقة على المنفعة.

وانتصار الإنسان على أسوأ ما في نفسه.

لهذا كان أعظم وصف للنبي محمد صلى الله عليه وسلم:

﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾

لم تقل الآية: إنك على سلطة عظيمة.

ولا على ثروة عظيمة.

ولا على نفوذ عظيم.

بل على خلق عظيم.

وكأن السماء كلها أرادت أن تضع معيارًا نهائيًا للعظمة الإنسانية.

فالعظمة ليست أن يهابك الناس.

بل أن يشعروا بالأمان قربك.

وليست أن تنتصر في كل معركة.

بل أن تظل إنسانًا رغم كل المعارك.

أما السلام، فهو ذروة الرسالة كلها.

ليس مجرد غياب للحرب.

بل حضور للرحمة.

وحضور للعدل.

وحضور للاعتراف المتبادل بالكرامة الإنسانية.

فالسلام الحقيقي لا يبدأ عند الحدود.

بل يبدأ داخل القلب.

حين يتصالح الإنسان مع إنسانيته أولًا.

إن العالم اليوم لا يحتاج إلى مزيد من الأصوات التي تصرخ باسم الله.

بل إلى مزيد من القلوب التي تعكس صفات الله.

لا يحتاج إلى مزيد من الحراس على أبواب العقائد.

بل إلى مزيد من البنّائين لجسور المحبة.

لا يحتاج إلى من يحددون من يستحق الرحمة ومن لا يستحقها.

بل إلى من يدركون أن الرحمة كانت دائمًا أوسع من أحكام البشر.

وربما كان الخطأ الأكبر الذي ارتكبناه أننا انشغلنا كثيرًا بالسؤال: من منا يملك الحقيقة؟

بينما كان السؤال الأجدر هو:

من منا يملك قلبًا يتسع للحقيقة؟

فالحقيقة لا تسكن في العقول المغلقة.

ولا في النفوس المتعصبة.

ولا في الذين يجعلون من الله سلاحًا في معاركهم الصغيرة.

إنها تسكن حيث يوجد التواضع.

وحيث توجد الرحمة.

وحيث يبقى الإنسان قادرًا على رؤية أخيه الإنسان قبل أن يرى اختلافه عنه.

وربما لم ينزل القرآن ليصنع منا حراسًا على أبواب الجنة.

بل شهودًا على كرامة الإنسان.

وربما لم يطلب منا أن نفتش في قلوب الناس.

بل أن ننظف قلوبنا نحن.

فالله الذي خلق هذا التنوع المدهش في الوجوه والألسنة والأحلام، لم يكن يريد للعالم أن يتحول إلى نسخة واحدة من البشر، بل إلى مائدة واسعة يتسع فيها المقعد للجميع.

وحين يقف الإنسان يومًا أمام خالقه، قد لا يُسأل كم مرة انتصر على المختلف عنه، بل كم مرة انتصر على قسوته، وعلى غروره، وعلى رغبته في احتكار الحقيقة.

عندها فقط سندرك أن أعظم ما في الدين لم يكن السلطة التي منحها لبعض الناس، بل الرحمة التي طلبها من كل الناس.

وأن أقصر الطرق إلى الله لم يمر يومًا عبر الكراهية…

بل عبر الإنسان.



#رانية_مرجية (هاشتاغ)       Rania_Marjieh#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ما كنا نسأل عن الدين
- سميح القاسم في «دمي على كفّي» (1967): هل كان يقاوم الاحتلال ...
- قراءة في نصّ -حين يصبح الهدوء خيانة- للكاتبة رانية مرجية بقل ...
- عبد الباري عطوان وتشريح اللحظة التي انكسر فيها المعنى قراءة ...
- إبراهيم الطير… حين صار الجورنال مرآةً لذاكرة جيل قراءة تأويل ...
- حين يصبح الهدوء خيانة
- بين الذات والذاكرة والوطن: قراءة تأويلية نقدية في كتاب «بعضٌ ...
- السقوط من الوهم… حين يصبح الانكشاف شكلًا من أشكال النجاة قرا ...
- ما لا يغسله الغفران
- في مساءلة الغياب الإلهي بين براءة اليقين وعنف الواقع قراءة ت ...
- حين يعتاد الضمير الظلم
- ميتافيزيقا الاحتراق: حين يختار سامي الجابري النار وطناً للرو ...
- آلهة الأرض.. حين جعل جبران السماء مرآة للإنسان قراءة تأويلية ...
- عطش الرمال
- الحجابُ حجابُ الروحِ والقلب
- الأسيرات الفلسطينيات.. عندما تصبح المرأة ساحة حرب
- الأذن التي تسمع «الأذن السامعة توبيخ الحياة تستقر بين الحكما ...
- ما الذي يبقى من الإنسان؟
- «وطني حقيبة سفر»… حين يكتب زهير دعيم سيرة الروح بلغة الوطن
- عن النكسة… والنكسات التي لم تنتهِ


المزيد.....




- السويد تتحرك لتجفيف منابع -الإخوان- المالية
- أيباك في مأزقها الأخطر.. نفوذ يثقل اليهود الأمريكيين
- المسيحيون الديمقراطيون يحرزون تقدماً في استطلاع جديد لآراء ا ...
- 171 مستوطنًا اقتحموا باحات المسجد الأقصى المبارك خلال فترة ا ...
- كاثوليك ضد الفاتيكان يتحدون البابا
- لبنان| الأمين العام لحركة التوحيد الشيخ بلال شعبان يزور العت ...
- رئيس -تكتل بعلبك الهرمل- د. الحاج حسن؛: الجمهورية الإسلامية ...
- بتهمة إثارة -النعرات الطائفية-.. الوقف السني يقاضي عصام حسين ...
- رئيس مجلس الشورى الاسلامي محمدباقر قاليباف: سياساتنا قائمة ...
- رئيس مجلس الشورى الإسلامي قاليباف: يمكن لاجتماع اتحاد مجالس ...


المزيد.....

- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر الطبعة الثانية / محمد جعفر ال عيسى
- حقوق العصر: تحقيقات في جريمة ازدراء العقل و معاداة الإنسان / أحمد التاوتي
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- الإسلام ضد الحداثة / فرغان أزيهاري
- مصادر القرآن من اليهودية و المسيحية السريانية و الجاهلية و أ ... / مؤمن عقلاني
- محادثات مع الله الجزء الرابع / نيل دونالد والش
- مختصر كتاب الأرواح / آلان كاردك
- الفقيه لي نتسناو براكتو / عبد العزيز سعدي
- الوحي الجديد / يل دونالد والش
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُهٍ.. الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام ... / احمد صالح سلوم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - رانية مرجية - القرآن ليس ملكًا لأحد في الإنسان والمحبة والسلام… وفي الذين يختبئون خلف الله