أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رانية مرجية - قراءة أدبية راقية/ قصيدة [فكِّر بنفسك] للاديبة الشاعرة: ((رانية مرجية)) بقلم دكتور عادل جودة العراق















المزيد.....

قراءة أدبية راقية/ قصيدة [فكِّر بنفسك] للاديبة الشاعرة: ((رانية مرجية)) بقلم دكتور عادل جودة العراق


رانية مرجية
كاتبة شاعرة ناقدة مجسرة صحفية وموجهة مجموعات

(Rania Marjieh)


الحوار المتمدن-العدد: 8745 - 2026 / 6 / 23 - 00:19
المحور: الادب والفن
    


هذا النص ليس مجرد قصيدة، بل هو بيانٌ وجودي كامل، ورحلة في أعماق الوعي الإنساني بلغة شعرية متوهجة. اسمحي لي أن أغوص في طبقاته:

أولاً: المعمار الفني والبنية الإيقاعية

النص مبني على تقنية "اللازمة" أو التكرار الملحمي لعبارة "فكِّر بنفسك"، لكنه ليس تكراراً ببغائياً، بل هو عودة إيقاعية تشبه دقات القلب أو رجوع الموجة إلى الشاطئ. كل عودة تحمل طبقة أعمق، مثل نَفَسٍ يأخذك إلى غوصٍ أبعد. الموسيقى هنا ليست خارجية بالقافية الموحدة، بل داخلية، تنبض من بنية الجملة الشعرية القصيرة المكثفة التي تشبه الطرقات على باب الوعي.

الاستعارات تتوالى في تصاعد درامي محسوب: من صورة الولادة (الرحم، الحليب) إلى صورة الطعام الفكري (المضغ، الخبز)، إلى صورة السجن (القفص، الزنزانة)، إلى صورة المرآة والاكتشاف، ثم صورة الحريق والرماد، وأخيراً صورة الهدم والأصنام. هذه ليست استعارات عشوائية، بل هي مراحل في رحلة التحول الداخلي: الاستلاب ← الصحوة ← التمرد ← المواجهة ← إعادة الخلق.

ثانياً: جدلية اليقين والشك (القلب الفلسفي للنص)

هنا يكمن الإنجاز الأعمق. النص لا يدعو إلى الشك كحالة عدمية سلبية، بل يعيد تعريف اليقين ذاته:

"كم من يقينٍ كان قفصًا مذهبًا"

هذا البيت وحده يختزل مأساة الوعي الإنساني. التناقض بين "يقين" و"قفص"، وصفة "مذهب" التي تجمع بين البريق والخداع، تذكرنا بأن أجمل السجون ما نختاره بأنفسنا. ثم يأتي التحدي الأكبر:

"كلُّ عقيدةٍ تخافُ من الشك، تخافُ من الحياة"

هذه ليست دعوة للعدمية، بل تعريف جديد للإيمان: الإيمان الذي يخاف من المساءلة ليس إيماناً، بل جُبنٌ مموّه. اليقين الحقيقي، بحسب النص، هو ما "مرَّ في النار" وخرج منها. إنه يقين المُختَبَر لا يقين الموروث، يقين صاحب التجربة لا يقين التابع.

ثالثاً: قلب المركزيات – النور ليس في الأعلى

في واحدة من أعمق لحظات النص، يحدث انقلاب على المجاز التقليدي:

"من قال إن النورَ في الأعلى؟ لعلّهُ يختبئ في قاعِ جرحٍ قديم"

هذا ليس مجرد خيال شاعري، بل هو موقف وجودي ومعرفي. إنه إعلان أن الحقيقة لا تسكن في الأبراج العاجية، ولا في خطب المنابر، بل في التجربة الإنسانية الجريحة، في الهامش لا في المتن، في الزنزانة لا في القصر، في الشاعر الذي "نسيَ الطريقَ إلى التصفيق". إنه إعادة تعريف للقداسة، حيث تصبح "النفس الوحيدة التي ضلّت عن جوقة المؤمنين" هي مكمن النور، لا الجوقة ذاتها.

رابعاً: دراما المرآة – من السؤال إلى الاكتشاف

التحول من سؤال "من أنا؟" إلى إعلان "سأكتشفك" هو نقلة نوعية في فلسفة الذات:

"انظرْ إلى المرآة، ولا تسألها: من أنا؟ قل لها: سأكتشفك"

السؤال "من أنا؟" سؤالٌ سلبي ينتظر جواباً جاهزاً من الخارج. أما "سأكتشفك" فهو فعل وإرادة ومواجهة. التشبيه "كما يكتشف البحرُ حدودَهُ في العاصفة" جوهرة شعرية: أنت لا تعرف ذاتك في السكون، بل في الاضطراب، في التحدي، في لحظة الخروج عن الشكل المألوف.

صورة "افتح جمجمتك ككتابٍ نجا من الحريق" تنقل الاكتشاف من المجاز إلى الفعل الجسدي العنيف تقريباً. إنها دعوة إلى حفر أثري في أنقاض الذات، للبحث عن المعنى "بين رماد الخيبات" لا في حدائق الانتصارات.

خامساً: الذروة – آخر صنم هو أنت

النهاية تمثل انقلاباً مذهلاً على القارئ، وهي لحظة النضج الحقيقية في القصيدة:

"وحين تنتهي من هدمِ الأصنامِ كلّها، التفتْ خلفكَ مرةً أخيرة… فقد يكونُ آخرُ صنمٍ ينتظرُ السقوط هو أنت."

هذه هي الضربة المتقنة التي تحفظ النص من الوقوع في فخ الأنا التي تنتقد الآخرين بينما تقدّس ذاتها. بعد رحلة التحرر الطويلة، بعد هدم أوهام الآباء والكهنة والمجتمع، يأتي السؤال الأصعب: ماذا عن الأنا التي قامت بكل هذا الهدم؟ هل أصبحت هي نفسها صنماً؟

إنها لحظة تواضع وجودي عميق، تذكرنا بأن حرية الفكر الحقيقية لا تتوقف عند التمرد على الخارج، بل تمتد إلى مساءلة الذات العارفة نفسها، وإلا تحول التمرد إلى دوغمائية جديدة.

سادساً: "المجانين الجميلون" – في مديح القلة

النص يحتفي بـ"أولئك المجانين الجميلين الذين يملكون شجاعة السؤال حين يكتفي الجميع بالتصفيق". هنا تتكشف الرؤية الأخلاقية للقصيدة: قيمة الإنسان ليست في يقينه بل في شجاعته على السؤال، وليست في انتمائه للقطيع بل في "عدم بيعه روحه بثمن الطمأنينة الزائفة". إنها أخلاق الفرسان في مملكة الفكر، حيث الشجاعة هي الفضيلة الأم.

ختاماً: لماذا يهزنا هذا النص؟

لأنه لا يمنحنا أجوبة، بل يوقظ فينا السؤال. لأنه لا يواسينا بدفء اليقين، بل يدفعنا إلى برد الشك المحيي. لأنه يكتب، بلغة العاصفة، ما يعرفه كل باحث عن الحقيقة في أعماقه: أن طريق الحرية يبدأ حين تجرؤ على التفكير بنفسك، وينضج حين تجرؤ على الشك في نفسك التي فكرت، ويكتمل حين تقبل ألا تملك الحقيقة، بل تسير نحوها، متعثراً، مجروحاً، لكن حراً.

"لن أبيع روحي بثمنِ الطمأنينةِ الزائفة."
هذا ليس مجرد بيت شعر. هذا دستور.

----------
القصيدة/

فكِّر بنفسك

رانية مرجية

فكِّرْ بنفسكَ…

قبل أن تُولدَ للمرةِ العشرين
من رحمِ الخوف،
وقبل أن يسكبوا في فمكَ
حليبَ الطاعةِ
من صدرِ العبودية.

فكِّرْ…

ولا تستعرْ أفكاركَ
من جرارِ الأموات،
ولا تمضغْ خرافاتِهم
كأنها خبزُ النجاة.

كم من يقينٍ
كان قفصًا مذهبًا،
وكم من حقيقةٍ
عاشت عمرًا كاملًا
على عكازِ الوهم.

من قال إن النورَ في الأعلى؟

لعلّهُ يختبئ
في قاعِ جرحٍ قديم،
أو في زنزانةِ شاعرٍ
نسيَ الطريقَ إلى التصفيق،
أو في نفسٍ وحيدةٍ
ضلّت عن جوقةِ المؤمنين.

السماءُ ليست وعدًا دائمًا،
بل مرآةُ من يجرؤ
أن ينظر إلى ذاته
دون أقنعة.

فكِّرْ بنفسكَ…

فالذين سبقوك
حملوا راياتٍ كثيرة،
وماتوا وهم يقسمون
باسمِ الحقيقة.

لكن قلّةً منهم فقط
توقفتْ لحظةً
لتسأل:

هل كانت تلك الحقيقةُ
طريقًا إلى الحرية،
أم اسمًا آخرَ للسجن؟

انظرْ إلى المرآة،
ولا تسألها:

من أنا؟

قل لها:

سأكتشفكِ
كما يكتشفُ البحرُ
حدودَهُ في العاصفة.

افتحْ جمجمتكَ
ككتابٍ نجا من الحريق،
وانبشْ المعنى
من بين رمادِ الخيبات.

لا تكن ظلًّا
يعبرُ عمرَه
خلفَ أقدامِ الآخرين.

ولا تكن صوتًا مستعارًا
في حنجرةِ القطيع.

فالعالمُ لا يحتاجُ
نسخةً أخرى
من الحكايةِ نفسها،

بل يحتاجُ أولئكَ المجانينَ الجميلين
الذين يملكون شجاعةَ السؤال
حين يكتفي الجميعُ بالتصفيق.

فكِّرْ بنفسكَ…

فكلُّ عقيدةٍ
تخافُ من الشك،
تخافُ من الحياة.

وكلُّ يقينٍ
لم يمرَّ في النار،
يبقى معدنًا لم يُختبر.

إذا سألوكَ عن الحق،
فلا تتعجلِ الجواب.

قل:

لا أعرف.

لكنني أبحث،
وأشك،
وأتعثر،
وأعودُ إلى الطريق
بجراحٍ أكثر،
وبصيرةٍ أكثر.

لن أبيعَ روحي
بثمنِ الطمأنينةِ الزائفة.

كن وحدكَ،
إن لزم الأمر.

فالعزلةُ ليست قطيعة،
بل نافذةٌ
يفتحها الإنسانُ
على صوتهِ الأول.

هي المسافةُ الضرورية
بينكَ وبين الضجيج،
لكي تسمعَ
ما تقولهُ روحكَ حقًا.

فكِّرْ بنفسكَ…

فالخلاصُ لا يهبطُ
على هيئةِ معجزة.

إنه الشرارةُ
التي تولدُ
حين تجرؤُ على مواجهةِ ذاتكَ.

وحين تنتهي
من هدمِ الأصنامِ كلّها،

التفتْ خلفكَ مرةً أخيرة…

فقد يكونُ
آخرُ صنمٍ ينتظرُ السقوط

هو أنت.
----------------



#رانية_مرجية (هاشتاغ)       Rania_Marjieh#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الانهيار الصامت… أخطر أزمات عصرنا
- الذين لا يغادرون
- . فكِّر بنفسك
- 🕊‏[جماليات الصمود وسردية الانتماء] ‏ قراءة في قصيدة ...
- نايُ البلاد
- القرآن ليس ملكًا لأحد في الإنسان والمحبة والسلام… وفي الذين ...
- ما كنا نسأل عن الدين
- سميح القاسم في «دمي على كفّي» (1967): هل كان يقاوم الاحتلال ...
- قراءة في نصّ -حين يصبح الهدوء خيانة- للكاتبة رانية مرجية بقل ...
- عبد الباري عطوان وتشريح اللحظة التي انكسر فيها المعنى قراءة ...
- إبراهيم الطير… حين صار الجورنال مرآةً لذاكرة جيل قراءة تأويل ...
- حين يصبح الهدوء خيانة
- بين الذات والذاكرة والوطن: قراءة تأويلية نقدية في كتاب «بعضٌ ...
- السقوط من الوهم… حين يصبح الانكشاف شكلًا من أشكال النجاة قرا ...
- ما لا يغسله الغفران
- في مساءلة الغياب الإلهي بين براءة اليقين وعنف الواقع قراءة ت ...
- حين يعتاد الضمير الظلم
- ميتافيزيقا الاحتراق: حين يختار سامي الجابري النار وطناً للرو ...
- آلهة الأرض.. حين جعل جبران السماء مرآة للإنسان قراءة تأويلية ...
- عطش الرمال


المزيد.....




- معرض -باليه البولشوي ليوري غريغوروفيتش- يفتتح أبوابه في روما ...
- موسيقى وتاريخ.. حفل تأبيني عند نصب رزييف يُحيي الذكرى الـ85 ...
- مهرجان العراق السينمائي الدولي لأفلام الشباب يحدد نيسان 2027 ...
- المخرج سرمد ياسين: الفيلم القصير مقيد بضعف الإنتاج وضعف التس ...
- نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس: تم إحراز تقدم في مجال المحا ...
- -بروفة يوم الحساب-.. المسرح السوري يفتح الستارة على أسئلة ال ...
- انهيار فنان مصري شهير في بث مباشر
- بقائي: جولة سويسرا أحرزت تقدمًا والملفات الفنية مستمرة
- بقائي لـ-إرنا- عقب انتهاء مفاوضات سويسرا: تقرر أن تواصل الو ...
- من زارايسك الأثرية.. روسيا تبدأ رحلة تحضيرية نحو -المعرض الث ...


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رانية مرجية - قراءة أدبية راقية/ قصيدة [فكِّر بنفسك] للاديبة الشاعرة: ((رانية مرجية)) بقلم دكتور عادل جودة العراق