أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قراءات في عالم الكتب و المطبوعات - رانية مرجية - الراحة بوصفها عودة الكائن إلى الله قراءة تأويلية في متى 11: 28 «تَعَالَوْا إِلَيَّ يَا جَمِيعَ الْمُتْعَبِينَ وَالثَّقِيلِي الْأَحْمَالِ، وَأَنَا أُرِيحُكُمْ.» (متى 11: 28)














المزيد.....

الراحة بوصفها عودة الكائن إلى الله قراءة تأويلية في متى 11: 28 «تَعَالَوْا إِلَيَّ يَا جَمِيعَ الْمُتْعَبِينَ وَالثَّقِيلِي الْأَحْمَالِ، وَأَنَا أُرِيحُكُمْ.» (متى 11: 28)


رانية مرجية
كاتبة شاعرة ناقدة مجسرة صحفية وموجهة مجموعات

(Rania Marjieh)


الحوار المتمدن-العدد: 8752 - 2026 / 6 / 30 - 14:33
المحور: قراءات في عالم الكتب و المطبوعات
    


مقدمة

من أخطر الأخطاء في قراءة هذا النص أن يُفهم بوصفه وعدًا بالعزاء. فالتعزية ليست غايته، بل إحدى ثماره. أما غايته الحقيقية فهي إعادة تعريف الإنسان أمام الله. ليست القضية أن المسيح يخفف ألم المتعبين، بل أنه يكشف أن التعب الذي يحمله الإنسان ليس، في عمقه، مشكلة الإرادة أو الجسد، بل مشكلة الوجود نفسه.

إن الإنجيل لا يبدأ من سؤال: كيف يتوقف الإنسان عن الألم؟ بل من سؤال أكثر جذرية: لماذا صار الإنسان عاجزًا عن السكن في حياته؟

وهنا يبدأ اللاهوت.



أولًا: التعب بوصفه اغترابًا أنطولوجيًا

الإنسان لا يتعب فقط لأنه يعمل، أو يخسر، أو يمرض. هذه مظاهر التعب، لا علّته الأخيرة.

التعب، في الرؤية الإنجيلية، هو العلامة الوجودية على انفصال الإنسان عن مصدر حياته.

إن الخطيئة ليست، في جوهرها، مجرد تجاوز لوصية، بل اغتراب الكائن عن الشركة التي خُلق لها. ولهذا فإن الإنسان يحمل في داخله جوعًا لا تُشبعه الأشياء، لأن الأشياء لم تُخلق لتكون غاية القلب، بل علاماته.

من هنا نفهم لماذا يستطيع الإنسان أن يمتلك العالم كله، ويبقى فارغًا. فالفراغ ليس نقصًا في الممتلكات، بل نقصًا في الانتماء.

لقد أدرك أوغسطينوس هذه الحقيقة حين افتتح الاعترافات بقوله: «خلقتنا لك، وقلوبنا لا تهدأ حتى تستريح فيك.» ولم يكن يقصد اضطراب العاطفة، بل اغتراب الكينونة. فالقلب لا يضطرب لأنه فقد شيئًا، بل لأنه فقد اتجاهه.



ثانيًا: «تعالوا»… أولوية النعمة

لا يبدأ المسيح بطلب التغيير، بل بالدعوة إلى الاقتراب.

وهذا ليس ترتيبًا تربويًا، بل إعلانًا لاهوتيًا.

فالمبادرة، في الإنجيل، ليست من الإنسان إلى الله، بل من الله إلى الإنسان. إن النعمة تسبق التوبة، لا لأنها تلغيها، بل لأنها تجعلها ممكنة.

ولهذا فإن المسيحية ليست دينًا يقوم على اجتياز الإنسان المسافة إلى الله، بل على اكتشاف أن الله اجتاز المسافة أولًا.

إن «تعالوا» ليست حركة جغرافية، بل تحوّل في مركز الوجود: انتقال من الاتكال على الذات إلى الثقة بالنعمة.



ثالثًا: «إليَّ»… شخصانية الحقيقة

لو قال المسيح: «تعالوا إلى الحق»، لبقي الحق مفهومًا.

ولو قال: «تعالوا إلى الشريعة»، لبقي الخلاص نظامًا.

لكنه يقول: «تعالوا إليَّ.»

في هذه الكلمة ينهار كل اختزال للمسيحية إلى فلسفة أو أخلاق. فالحق، بحسب الإنجيل، ليس فكرة تُمتلك، بل شخص يهب نفسه. والخلاص ليس معرفةً تضاف إلى العقل، بل شركة تغيّر الكائن.

لهذا لا يمكن فهم الراحة إلا في إطار العلاقة. إنها ليست مكافأة يمنحها المسيح، بل ثمرة السكنى فيه.



رابعًا: الصليب وإعادة تعريف الراحة

لو كانت الراحة تعني غياب الألم، لما كان للصليب مكان في قلب الإيمان المسيحي.

لكن الصليب يكشف أن الله لم يخلّص الإنسان بإلغاء الجرح، بل بدخوله.

ومنذ التجسد لم يعد الألم برهانًا على غياب الله، بل صار المكان الذي يستطيع فيه الإنسان أن يختبر حضوره بطريقة لم يكن يعرفها من قبل.

ولهذا فإن القيامة لا تمحو الصليب، بل تكشف معناه.

إنها تعلن أن المحبة أقوى من الموت، وأن الشركة مع الله أقوى من كل أشكال الانكسار.

فالراحة ليست نقيض الألم.

بل نقيض العزلة.



خامسًا: الإنسان كائنٌ مخلوق للشركة

في عمق كل رغبة بشرية يسكن توقٌ لا تستطيع الأشياء أن تُشبعَه.

لا لأن العالم شرير، بل لأنه محدود.

أما الإنسان، فقد خُلق على صورة الله، ولذلك يحمل في داخله انفتاحًا على ما يتجاوز كل محدود.

ولهذا رأى غريغوريوس النيسي أن حياة الإنسان مع الله ليست وصولًا إلى نهاية، بل دخولًا دائمًا في عمق لا ينفد، لأن الله لا يُستنفد.

ورأى ماكسيموس المعترف أن الخلاص يبلغ ذروته في اشتراك الإنسان، بالنعمة، في حياة الله، لا بإلغاء إنسانيته، بل بتحقيقها.

وعندئذٍ تتبدل صورة الراحة نفسها.

إنها ليست توقف الحركة، بل تحرر الحركة من الضياع.



خاتمة: حين يعود الإنسان إلى موطنه

تكشف هذه الآية أن الإنسان لا يُشفى أولًا من ألمه، بل من اغترابه.

ولا يجد سلامه عندما ينجح في السيطرة على العالم، بل عندما يكفّ عن حمل وجوده باعتباره مشروعًا معلقًا على قوته.

إن المسيح لا يعد بعالم بلا دموع، بل بقلب لم تعد الدموع قادرة على أن تفصله عن الله.

ولهذا فإن أعظم ما تمنحه هذه الآية ليس الراحة، بل إعادة اكتشاف معنى الإنسان.

فالإنسان ليس كائنًا يبحث عن السعادة فحسب، ولا عن الطمأنينة، ولا حتى عن الحقيقة.

إنه كائن يبحث، في كل أشكال بحثه، عن الله، لأن الله ليس جوابًا يضاف إلى أسئلته، بل هو الأفق الذي يجعل وجوده كله مفهومًا.

ومن هنا، فإن العبارة الختامية: «وأنا أريحكم» لا تعني أن المسيح يمنح الإنسان استراحة من الحياة، بل تعني أنه يعيده إلى الحياة كما أرادها الله منذ البدء.

فالراحة، في النهاية، ليست حدثًا يقع للإنسان، بل طريقة جديدة للوجود؛ وجودٌ لا يقوم على وهم الاكتفاء بالذات، بل على يقين أن الكائن يجد حقيقته في الشركة مع خالقه.

وعند هذه النقطة، تتجاوز كلمات المسيح حدود التعزية، لتصبح إعلانًا عن ماهية الإنسان نفسها: إن القلب لا يهدأ لأنه وجد ما يكفيه، بل لأنه عاد إلى من خُلق له.



#رانية_مرجية (هاشتاغ)       Rania_Marjieh#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- القدس ليست للبيع… ولا لإعادة التعريف
- نائلة لبس ومشروع صون الذاكرة الشفوية الفلسطينية قراءة في تجر ...
- الأرجيلة… أحسن من كثير ناس
- “فاطرحوا كل خبث وكل مكر والرياء والحسد وكل مذمة” (1بطرس 2: 1 ...
- حين يحاول الإنسان أن يكتب ما لم يكتبه الله قراءة تأويلية في ...
- المقعد الأخير
- القاعدة: التنظيم السري… هل كتب عبد الباري عطوان سيرة تنظيم أ ...
- قراءة أدبية راقية/ قصيدة [فكِّر بنفسك] للاديبة الشاعرة: ((را ...
- الانهيار الصامت… أخطر أزمات عصرنا
- الذين لا يغادرون
- . فكِّر بنفسك
- 🕊‏[جماليات الصمود وسردية الانتماء] ‏ قراءة في قصيدة ...
- نايُ البلاد
- القرآن ليس ملكًا لأحد في الإنسان والمحبة والسلام… وفي الذين ...
- ما كنا نسأل عن الدين
- سميح القاسم في «دمي على كفّي» (1967): هل كان يقاوم الاحتلال ...
- قراءة في نصّ -حين يصبح الهدوء خيانة- للكاتبة رانية مرجية بقل ...
- عبد الباري عطوان وتشريح اللحظة التي انكسر فيها المعنى قراءة ...
- إبراهيم الطير… حين صار الجورنال مرآةً لذاكرة جيل قراءة تأويل ...
- حين يصبح الهدوء خيانة


المزيد.....




- مهمة واحدة لكلاب الإنقاذ: العثور على ناجين من زلزال فنزويلا ...
- عون: سوريا ترغب في فتح صفحة جديدة مع لبنان
- -يد الله-.. المنتخب الإنكليزي يعود مجددا لذات الملعب بعد 40 ...
- ارتفاع حصيلة القتلى بعد تفجير عبوة ناسفة في دمشق
- بعد 53 عاما.. الولايات المتحدة تمهد لعودة الطيران المدني الأ ...
- مناقصة مثيرة تطيح بوزير أردني
- إصابة 12 شخصا إثر هجوم أوكراني استهدف حافلة في جمورية لوغانس ...
- القاهرة تحدد موعد افتتاح أضخم صرح عسكري بالشرق الأوسط
- في الطريق إلى 100 ألف مصاب.. تحذير خطير في الجيش الإسرائيلي ...
- -بلومبرغ-: دول الخليج قد تسمح بفرض رسوم على عبور مضيق هرمز


المزيد.....

- قراءة تفكيكية في رواية - ورقات من دفاتر ناظم العربي - لبشير ... / رياض الشرايطي
- نظرية التطور الاجتماعي نحو الفعل والحرية بين الوعي الحضاري و ... / زهير الخويلدي
- -فجر الفلسفة اليونانية قبل سقراط- استعراض نقدي للمقدمة-2 / نايف سلوم
- فلسفة البراكسيس عند أنطونيو غرامشي في مواجهة الاختزالية والا ... / زهير الخويلدي
- الكونية والعدالة وسياسة الهوية / زهير الخويلدي
- فصل من كتاب حرية التعبير... / عبدالرزاق دحنون
- الولايات المتحدة كدولة نامية: قراءة في كتاب -عصور الرأسمالية ... / محمود الصباغ
- تقديم وتلخيص كتاب: العالم المعرفي المتوقد / غازي الصوراني
- قراءات في كتب حديثة مثيرة للجدل / كاظم حبيب
- قراءة في كتاب أزمة المناخ لنعوم چومسكي وروبرت پَولِن / محمد الأزرقي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قراءات في عالم الكتب و المطبوعات - رانية مرجية - الراحة بوصفها عودة الكائن إلى الله قراءة تأويلية في متى 11: 28 «تَعَالَوْا إِلَيَّ يَا جَمِيعَ الْمُتْعَبِينَ وَالثَّقِيلِي الْأَحْمَالِ، وَأَنَا أُرِيحُكُمْ.» (متى 11: 28)