أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رانية مرجية - المقعد الأخير














المزيد.....

المقعد الأخير


رانية مرجية
كاتبة شاعرة ناقدة مجسرة صحفية وموجهة مجموعات

(Rania Marjieh)


الحوار المتمدن-العدد: 8747 - 2026 / 6 / 25 - 16:44
المحور: الادب والفن
    


في صباحه الأول في المدرسة، لم يبحث الطفل عن الأطفال.

بحث عن النافذة.

جلس في المقعد الأخير، حيث يصل الضوء كاملًا. مدّ كفه داخل شعاع الشمس، وراح يتأمل ذرات الغبار وهي تدور ببطء، كأنها تعرف طريقها.

في نهاية الدوام، قالت المعلمة لأمه:

“لا يختلط بأحد.”

أومأت الأم برأسها.

كانت تتمنى لو قالت بدلًا من ذلك:

“رأيته يبتسم.”



عاد يومًا إلى البيت يحمل حذاءه بيده.

سألته أمه:

“لماذا تمشي حافيًا؟”

ظل صامتًا، ثم قال:

“قالوا إن مشيتي تضحكهم.”

لم تسأل: من؟

نزعت حذاءها بهدوء.

وأمسكت يده.

ومشت إلى جواره حافية.

كان الإسفلت حارًا، لكن أحدًا منهما لم يشتكِ.

ومنذ ذلك اليوم، كلما ضاق به العالم، تذكر أن أول من وقف إلى جانبه لم يحاول أن يغيّره…

بل اختار أن يسير معه.



كبر، وعرف الأطباء اسم اختلافه.

قالوا إنه متوحد.

أما أمه، فكانت تقول:

“له طريقته.”

ولم تضف شيئًا.

كانت تؤمن أن الإنسان لا يحتاج إلى أن يشبه الآخرين كي يستحق مكانه بينهم.



في كلية الطب، لم يكن أكثر الطلاب كلامًا.

كان أكثرهم إنصاتًا.

يقضي ساعات طويلة أمام كتاب التشريح، لا يحفظ الأعضاء فقط، بل يتأمل ذلك التوازن الدقيق الذي يجعل الحياة ممكنة.

لاحظ أساتذته شيئًا لا يظهر في العلامات.

صبره.

وفي الجراحة، قد يكون الصبر هو الفارق بين خسارة حياة وإنقاذها.



حين اختار هذا التخصص، استغرب كثيرون.

لكنه لم ينشغل بإقناع أحد.

كان يعرف أن بعض الإجابات لا تُقال…

بل تُعاش.



في مساء شتوي، وصلت طفلة إلى قسم الطوارئ بعد حادث سير.

نزيف داخلي.

وفي الخارج، جلست أمها على الأرض، تضم إلى صدرها فردة حذاء صغيرة سقطت من قدم ابنتها.

كانت تتمسك بها كما لو أنها تتمسك بالأمل نفسه.

داخل غرفة العمليات، لم يكن هناك بطل.

كان هناك فريق يعرف أن كل دقيقة قد تغيّر مصير عائلة كاملة.

وكان هناك جراح يؤدي عمله في صمت.

بعد ساعات، خرج.

اقترب من الأم.

ناولها فردة الحذاء، وقال:

“ستحتاج إليها عندما تستيقظ.”

أغمضت المرأة عينيها، وضمت الحذاء إلى صدرها.

وفهمت، قبل أن تسمع أي تفسير، أن ابنتها عادت.



بعد أشهر، أوقفته امرأة مسنة في ممر المستشفى.

قالت:

“كنتُ معلمتك.”

تأملها لحظة.

ثم ابتسم.

قالت بصوت خافت:

“كنت أرى اختلافك… ولم أرَ الطفل.”

ظل صامتًا.

ثم أجاب:

“الأطفال لا يكبرون بالسنوات فقط…

يكبرون كلما وجدوا من يؤمن بهم.”



بعد رحيل أمه، فتح صندوقًا خشبيًا صغيرًا كانت تحتفظ به في خزانتها.

وجد حذاءه القديم.

جلس طويلًا ينظر إليه.

وفهم، متأخرًا، أن أمه لم تمشِ حافية في ذلك اليوم لتخفف عنه ألم الطريق.

كانت تعلّمه أن الحب لا يسبق الإنسان بالكلام…

بل بالخطوات.



في مدارسنا مقاعد أخيرة كثيرة.

وعليها يجلس أطفال لا ينقصهم الذكاء، ولا الطموح، بل فرصة عادلة.

قد لا يصبح كل واحد منهم جراحًا.

لكن كل واحد منهم يستحق أن ينظر إليه أحد، قبل أن يحكم عليه.

فبعض البشر لا يتأخرون عن الحياة…

إنهم فقط يصلون إليها من طريقٍ لا يشبه طرقنا.



#رانية_مرجية (هاشتاغ)       Rania_Marjieh#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- القاعدة: التنظيم السري… هل كتب عبد الباري عطوان سيرة تنظيم أ ...
- قراءة أدبية راقية/ قصيدة [فكِّر بنفسك] للاديبة الشاعرة: ((را ...
- الانهيار الصامت… أخطر أزمات عصرنا
- الذين لا يغادرون
- . فكِّر بنفسك
- 🕊‏[جماليات الصمود وسردية الانتماء] ‏ قراءة في قصيدة ...
- نايُ البلاد
- القرآن ليس ملكًا لأحد في الإنسان والمحبة والسلام… وفي الذين ...
- ما كنا نسأل عن الدين
- سميح القاسم في «دمي على كفّي» (1967): هل كان يقاوم الاحتلال ...
- قراءة في نصّ -حين يصبح الهدوء خيانة- للكاتبة رانية مرجية بقل ...
- عبد الباري عطوان وتشريح اللحظة التي انكسر فيها المعنى قراءة ...
- إبراهيم الطير… حين صار الجورنال مرآةً لذاكرة جيل قراءة تأويل ...
- حين يصبح الهدوء خيانة
- بين الذات والذاكرة والوطن: قراءة تأويلية نقدية في كتاب «بعضٌ ...
- السقوط من الوهم… حين يصبح الانكشاف شكلًا من أشكال النجاة قرا ...
- ما لا يغسله الغفران
- في مساءلة الغياب الإلهي بين براءة اليقين وعنف الواقع قراءة ت ...
- حين يعتاد الضمير الظلم
- ميتافيزيقا الاحتراق: حين يختار سامي الجابري النار وطناً للرو ...


المزيد.....




- كواليس لا تقل جمالا عن المشاهد نفسها.. غولدن لاين تستعيد ذكر ...
- السينما العربية تنافس على جوائز مهرجان -المرآة- الدولي في رو ...
- هل يسرق الذكاء الاصطناعي روح الموسيقى؟
- فنانة مصرية: محمد رمضان أحالني لسائقه.. والعوضي وعدني بالعمل ...
- مصر.. القضاء يصدر حكمه على الفنانة جيهان الشماشرجي
- خريطة اللغات في روسيا.. تنوع قومي مذهل وقوانين تحمي حرية الا ...
- ممثل اليونسكو في المنطقة المغاربية: أولوية المنظمة صون الترا ...
- معرض -مريم- للفنان ناصر الباروني.. ليبيا بوجوهها المتعددة في ...
- الموساد يكشف سر -البروفة النهائية- لاقتحام الأرشيف النووي ال ...
- لافروف يستنكر إلغاء العروض الفنية الروسية في إيطاليا


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رانية مرجية - المقعد الأخير