أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - رانية مرجية - القدس ليست للبيع… ولا لإعادة التعريف














المزيد.....

القدس ليست للبيع… ولا لإعادة التعريف


رانية مرجية
كاتبة شاعرة ناقدة مجسرة صحفية وموجهة مجموعات

(Rania Marjieh)


الحوار المتمدن-العدد: 8750 - 2026 / 6 / 28 - 21:39
المحور: القضية الفلسطينية
    


ليست القدس مدينةً تُختزل في حدود الجغرافيا، ولا في خرائط السياسة، ولا في موازين القوة المتقلبة. إنها مدينة استثنائية، لم تصنع مكانتها لأنها عاصمة، بل لأنها حملت في حجارتها ذاكرة الرسالات، وفي أزقتها سيرة الإنسان الباحث عن الإيمان والسلام. ولهذا، فإن ما يجري فيها اليوم لا يمكن قراءته بوصفه سلسلة إجراءات متفرقة، بل باعتباره مشروعًا متكاملًا لإعادة تعريف المدينة، وتغيير هويتها، وفرض رواية جديدة على تاريخها.

من هنا، لا يبدو استهداف الكنائس في القدس مجرد خلاف ضريبي، ولا نزاعًا إداريًا يمكن تسويته بالإجراءات القانونية. فحين تُفرض الضرائب على المؤسسات الكنسية في مدينة تخضع لاحتلال يرفض المجتمع الدولي الاعتراف بسيادته عليها، فإن المسألة تتجاوز المال إلى المعنى، وتتجاوز الجباية إلى محاولة تكريس السيادة، وتتحول الورقة الإدارية إلى أداة سياسية لإعادة رسم حدود الشرعية.

فالاحتلال يدرك أن السيطرة على الأرض وحدها لا تكفي، وأن القوة العسكرية، مهما بلغت، لا تمنح الرواية شرعيتها. لذلك، يخوض معركته الأعمق في ميدان الذاكرة، حيث يسعى إلى إعادة تعريف القدس، لا باعتبارها مدينة ذات وضع تاريخي وقانوني خاص، وإنما باعتبارها فضاءً يخضع بالكامل لمنظومته القانونية والإدارية. وهنا تكمن الخطورة؛ لأن الأرض قد تُستعاد يومًا، أما إذا تغيّرت الرواية، فإن استعادة الحقيقة تصبح أكثر تعقيدًا من استعادة الحدود.

إن الكنائس في القدس ليست مباني حجرية، ولا مجرد دور عبادة يؤدي فيها المؤمنون صلواتهم. إنها جزء من الضمير التاريخي للمدينة، ومؤسسات حملت رسالة التعليم والرعاية الصحية والعمل الإنساني، وشاركت في صون الهوية الوطنية الفلسطينية، تمامًا كما شاركت المساجد في حماية روح القدس عبر القرون. ولهذا، فإن استهدافها لا يطال المسيحيين وحدهم، بل يصيب البنية الأخلاقية والإنسانية للمدينة بأسرها.

وليس من قبيل المصادفة أن تتزامن الضغوط على الكنائس مع الاعتداءات المتكررة على المسجد الأقصى، ومع التوسع الاستيطاني، ومحاولات تغيير الواقع الديمغرافي، والتضييق على المؤسسات الفلسطينية. فهذه ليست ملفات منفصلة، وإنما فصول متعاقبة في مشروع واحد، يقوم على تفكيك القدس إلى قضايا صغيرة، حتى يغيب عن الأذهان أنها قضية واحدة: قضية هوية، وتاريخ، وحق لا يسقط بالتقادم.

إن الاحتلال لا يخشى الحجر بقدر ما يخشى المعنى. فهو يعلم أن الكنيسة ليست خطرًا لأنها تشغل مساحة من الأرض، والمسجد ليس مصدر قلق لأنه يحتضن المصلين، وإنما لأن كليهما يمثل شاهدًا حيًا على حقيقة يعجز الاحتلال عن محوها: أن القدس لم تولد مع الاحتلال، ولن يُكتب تاريخها من بواباته العسكرية.

المفارقة المؤلمة أن العالم لم يعد يختلف كثيرًا حول توصيف ما يجري في القدس، بل حول إرادة إيقافه. الجميع يعرف، والجميع يوثق، والجميع يعلن تمسكه بالقانون الدولي، لكن المدينة لا تُحمى بالبيانات، ولا تُصان الذاكرة بالإدانات. فحين تصبح اللغة أكثر حضورًا من الفعل، يتحول القانون إلى شاهد على الانتهاك، بدل أن يكون أداة لمنعه.

لقد أثبت التاريخ أن المدن لا تُغيَّر بالسلاح وحده، بل بالصمت أيضًا. فما أكثر الحقوق التي ضاعت لأن العالم اعتاد انتهاكها، وما أكثر المآسي التي أصبحت مألوفة حتى فقدت قدرتها على إيقاظ الضمير الإنساني. والخطر الحقيقي على القدس لا يكمن فقط في إجراءات الاحتلال، بل في اعتياد العالم عليها، وكأنها قدر لا يمكن تغييره.

وفي هذا السياق، يظل الدور الأردني، بقيادة جلالة الملك عبدالله الثاني، صاحب الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية، ركيزة أساسية في حماية الوضع التاريخي والقانوني للقدس. فالوصاية الهاشمية ليست امتيازًا سياسيًا، بل مسؤولية تاريخية وقانونية وأخلاقية، حافظت على المقدسات، ودافعت عن هويتها، وأبقت قضية القدس حية في المحافل الدولية، رغم محاولات تهميشها أو فرض وقائع جديدة عليها.

غير أن حماية القدس ليست مسؤولية الفلسطينيين وحدهم، ولا الأردنيين وحدهم، ولا المسلمين أو المسيحيين وحدهم. إنها مسؤولية كل من يؤمن بأن العدالة لا تتجزأ، وأن حماية التراث الإنساني ليست خيارًا سياسيًا، بل واجبًا أخلاقيًا. فالقدس ليست إرث شعب واحد فحسب، وإنما جزء من الذاكرة الإنسانية، وكل مساس بهويتها هو مساس بالقيم التي يدّعي العالم الدفاع عنها.

سيبقى جرس القيامة يوقظ ذاكرة القدس، وسيبقى الأذان من رحاب الأقصى يعلن أن هذه المدينة لم تُبنَ على الغلبة، بل على القداسة. وقد ينجح الاحتلال في تغيير معالم شارع، أو مصادرة بيت، أو فرض إجراء، لكنه سيظل عاجزًا عن مصادرة الحقيقة الكبرى: أن القدس لا تستمد هويتها ممن يحكمها بالقوة، بل ممن أحبها، وصان مقدساتها، وكتب تاريخها بالإيمان لا بالاحتلال.

فالمدن العظيمة لا تموت حين تُحاصر، وإنما تموت حين يُنسى معناها. والقدس، ما دام في العالم من يؤمن بعدالة الإنسان قبل قوة السلاح، ستبقى أكبر من كل محاولات إعادة تعريفها، وأبقى من كل احتلال عابر.



#رانية_مرجية (هاشتاغ)       Rania_Marjieh#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- نائلة لبس ومشروع صون الذاكرة الشفوية الفلسطينية قراءة في تجر ...
- الأرجيلة… أحسن من كثير ناس
- “فاطرحوا كل خبث وكل مكر والرياء والحسد وكل مذمة” (1بطرس 2: 1 ...
- حين يحاول الإنسان أن يكتب ما لم يكتبه الله قراءة تأويلية في ...
- المقعد الأخير
- القاعدة: التنظيم السري… هل كتب عبد الباري عطوان سيرة تنظيم أ ...
- قراءة أدبية راقية/ قصيدة [فكِّر بنفسك] للاديبة الشاعرة: ((را ...
- الانهيار الصامت… أخطر أزمات عصرنا
- الذين لا يغادرون
- . فكِّر بنفسك
- 🕊‏[جماليات الصمود وسردية الانتماء] ‏ قراءة في قصيدة ...
- نايُ البلاد
- القرآن ليس ملكًا لأحد في الإنسان والمحبة والسلام… وفي الذين ...
- ما كنا نسأل عن الدين
- سميح القاسم في «دمي على كفّي» (1967): هل كان يقاوم الاحتلال ...
- قراءة في نصّ -حين يصبح الهدوء خيانة- للكاتبة رانية مرجية بقل ...
- عبد الباري عطوان وتشريح اللحظة التي انكسر فيها المعنى قراءة ...
- إبراهيم الطير… حين صار الجورنال مرآةً لذاكرة جيل قراءة تأويل ...
- حين يصبح الهدوء خيانة
- بين الذات والذاكرة والوطن: قراءة تأويلية نقدية في كتاب «بعضٌ ...


المزيد.....




- قطر تعلن مقتل مواطن بشظايا نتيجة العمليات العسكرية في المنطق ...
- استمرار الضربات والاتهامات المتبادلة بين إيران والولايات الم ...
- التعداد السكاني في العراق ـ فتيل إشعال صراع أم بارقة أمل؟
- سوريا.. أهالي عابدين يغلقون الطرق بالحجارة لمنع توغل القوات ...
- قناة السويس تجني ثمار توقف الحرب في المنطقة
- بوتين: موسكو لن تمنح أوكرانيا الفرصة لوقف تقدم القوات الروسي ...
- مورافيتسكي: زيلينسكي يواصل توجيه الصفعات لبولندا بتصريحاته و ...
- وزيرة فرنسية: الحر القائظ يتسبب في أضرار جسيمة للزراعة في ال ...
- حزب الله يتعهد باسقاط -الاتفاق الإطاري- بين لبنان وإسرائيل و ...
- عراقجي من بغداد: على دول المنطقة عدم السماح باستخدام أراضيها ...


المزيد.....

- خطة ترامب: بين النص والتطبيق / معتصم حمادة
- المحطات التاريخية لمشاريع التوطين و التهجير التصفوية لقضيتنا ... / غازي الصوراني
- إبادة التعليم: الحرب على التعليم من غزة إلى الغرب / محمود الصباغ
- بين العلمانية في الثقافة السياسية الفلسطينية والتيارات السلف ... / غازي الصوراني
- قراءة في وثائق وقف الحرب في قطاع غزة / معتصم حمادة
- مقتطفات من تاريخ نضال الشعب الفلسطيني / غازي الصوراني
- الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والموقف الصريح من الحق التاريخي ... / غازي الصوراني
- بصدد دولة إسرائيل الكبرى / سعيد مضيه
- إسرائيل الكبرى أسطورة توراتية -2 / سعيد مضيه
- إسرائيل الكبرى من جملة الأساطير المتعلقة بإسرائيل / سعيد مضيه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - رانية مرجية - القدس ليست للبيع… ولا لإعادة التعريف