أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - رانية مرجية - نائلة لبس ومشروع صون الذاكرة الشفوية الفلسطينية قراءة في تجربة التوثيق الثقافي














المزيد.....

نائلة لبس ومشروع صون الذاكرة الشفوية الفلسطينية قراءة في تجربة التوثيق الثقافي


رانية مرجية
كاتبة شاعرة ناقدة مجسرة صحفية وموجهة مجموعات

(Rania Marjieh)


الحوار المتمدن-العدد: 8750 - 2026 / 6 / 28 - 16:19
المحور: قضايا ثقافية
    


حين يُذكر التراث الفلسطيني، يتجه الذهن غالبًا إلى التطريز، أو الدبكة، أو الحكاية الشعبية، غير أن أحد أهم مكونات هذا التراث ظل طويلًا خارج دائرة الاهتمام المنهجي، وهو الذاكرة الشفوية بما تختزنه من أغانٍ وأهازيج وطقوس ومرويات تشكل سجلًا حيًا للحياة الاجتماعية الفلسطينية. وفي هذا الحقل تحديدًا يبرز مشروع الباحثة الفلسطينية نائلة عزام لبس بوصفه تجربة جادة في توثيق جانب أساسي من الهوية الثقافية الفلسطينية، انطلاقًا من قناعة بأن التراث الشفوي ليس مادة فولكلورية للحنين، بل مصدر معرفي يوازي الوثيقة المكتوبة في أهميته.
تكمن أهمية تجربة نائلة لبس في أنها لم تتعامل مع الأغنية الشعبية باعتبارها نصًا غنائيًا معزولًا، وإنما قرأتها في سياقها الاجتماعي والثقافي. فالأغنية، في أعمالها، ليست مجرد كلمات ولحن، بل تعبير عن منظومة من القيم والعلاقات والعادات، وهي مرآة تعكس بنية المجتمع الفلسطيني وتحولاته. ومن هنا جاء اهتمامها الخاص بالأغنية النسائية، لأنها أدركت أن المرأة الفلسطينية كانت، عبر الأجيال، الحامل الأساسي لهذا التراث، والوسيط الذي انتقلت من خلاله الذاكرة من جيل إلى آخر.
لقد كرست نائلة لبس سنوات طويلة للعمل الميداني، متنقلة بين النساء والراويات، تجمع الأغاني والأهازيج وطقوس الأعراس والأمومة والطفولة، معتمدة على الرواية الشفوية بوصفها مصدرًا أصيلًا للمعرفة. ولم يكن هذا الجهد مجرد جمع للنصوص، بل محاولة لفهم البيئة التي أنتجتها، وربطها بوظيفتها الاجتماعية والثقافية، وهو ما منح أعمالها قيمة تتجاوز التوثيق إلى التأويل الثقافي.
وتبرز هذه الرؤية في مؤلفاتها، ومنها «الأغاني الفولكلورية النسائية»، و**«أغانينا النصراوية»، و«يا ستي يا ستي»، و«لبستك الأبيض»**، حيث تتداخل المادة الغنائية مع الشرح التاريخي والاجتماعي، فتتحول الأغنية إلى مدخل لفهم المجتمع الفلسطيني، لا إلى مادة تراثية معزولة. كما أن كتاب «لبستك الأبيض» يكتسب أهمية خاصة لأنه يوثق طقوس الأعراس الفلسطينية من خلال النص والصورة، بما يحفظ جانبًا من الذاكرة البصرية إلى جانب الذاكرة الشفوية.
ولا يمكن فصل هذا المشروع عن تكوين نائلة لبس العلمي والمهني؛ فقد عملت معلمة للموسيقى سنوات طويلة، الأمر الذي منحها حسًا موسيقيًا مكّنها من التعامل مع الأغنية الشعبية بوصفها بنية ثقافية متكاملة، لا مجرد نص لغوي. وهذا ما يفسر حرصها على الحفاظ على اللحن والإيقاع والسياق، إلى جانب الكلمات نفسها.
إن قيمة هذا المشروع تتضاعف اليوم في ظل التحولات الاجتماعية المتسارعة، وتراجع حضور الرواية الشفوية، ورحيل أعداد متزايدة من حَمَلة الذاكرة الشعبية. فكل راوية ترحل تحمل معها جزءًا من تاريخ المجتمع، ما لم يجد من يوثقه ويحفظه. ومن هنا يصبح عمل الباحثين في هذا المجال ضرورة ثقافية، لا مجرد اهتمام أكاديمي.
غير أن أهمية تجربة نائلة لبس لا تكمن في حفظ المادة التراثية وحدها، بل في إعادة الاعتبار إلى الذاكرة الشفوية بوصفها مصدرًا للمعرفة التاريخية والاجتماعية. فهي تذكرنا بأن التاريخ لا يُكتب في الوثائق الرسمية فقط، وإنما يُصاغ أيضًا في الأغنية، والمثل، والحكاية، والطقس الشعبي، وأن هذه العناصر، مهما بدت بسيطة، تشكل البنية العميقة لهوية المجتمع.
لقد أسهم مشروع نائلة لبس في توسيع دائرة البحث في التراث الفلسطيني، ونقل الاهتمام من جمع النصوص إلى قراءتها وتحليلها وربطها بسياقاتها الثقافية. وهو إسهام يستحق التقدير، لأنه حافظ على جزء مهم من الذاكرة الفلسطينية، ووضع بين أيدي الباحثين مادة موثقة سيكون لها دور في الدراسات المستقبلية المتعلقة بالثقافة الشعبية.
إن التجارب الثقافية الرصينة لا تُقاس بعدد الكتب التي تصدرها، بل بما تضيفه إلى المعرفة. ومن هذه الزاوية يمكن النظر إلى مشروع نائلة لبس بوصفه مساهمة حقيقية في صون الذاكرة الشفوية الفلسطينية، وفي تأكيد أن حماية التراث ليست عملًا مرتبطًا بالماضي، بل استثمار في المستقبل، لأن المجتمعات التي تحفظ ذاكرتها تمتلك قدرة أكبر على حماية هويتها ومواجهة محاولات طمسها.
لهذا، فإن الحديث عن نائلة لبس ليس احتفاءً بشخص، بقدر ما هو اعتراف بقيمة مشروع ثقافي أدرك مبكرًا أن الذاكرة الشفوية ليست هامشًا في تاريخ فلسطين، بل أحد متونه الأساسية، وأن صونها هو، في النهاية، صونٌ للرواية الفلسطينية نفسها.



#رانية_مرجية (هاشتاغ)       Rania_Marjieh#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الأرجيلة… أحسن من كثير ناس
- “فاطرحوا كل خبث وكل مكر والرياء والحسد وكل مذمة” (1بطرس 2: 1 ...
- حين يحاول الإنسان أن يكتب ما لم يكتبه الله قراءة تأويلية في ...
- المقعد الأخير
- القاعدة: التنظيم السري… هل كتب عبد الباري عطوان سيرة تنظيم أ ...
- قراءة أدبية راقية/ قصيدة [فكِّر بنفسك] للاديبة الشاعرة: ((را ...
- الانهيار الصامت… أخطر أزمات عصرنا
- الذين لا يغادرون
- . فكِّر بنفسك
- 🕊‏[جماليات الصمود وسردية الانتماء] ‏ قراءة في قصيدة ...
- نايُ البلاد
- القرآن ليس ملكًا لأحد في الإنسان والمحبة والسلام… وفي الذين ...
- ما كنا نسأل عن الدين
- سميح القاسم في «دمي على كفّي» (1967): هل كان يقاوم الاحتلال ...
- قراءة في نصّ -حين يصبح الهدوء خيانة- للكاتبة رانية مرجية بقل ...
- عبد الباري عطوان وتشريح اللحظة التي انكسر فيها المعنى قراءة ...
- إبراهيم الطير… حين صار الجورنال مرآةً لذاكرة جيل قراءة تأويل ...
- حين يصبح الهدوء خيانة
- بين الذات والذاكرة والوطن: قراءة تأويلية نقدية في كتاب «بعضٌ ...
- السقوط من الوهم… حين يصبح الانكشاف شكلًا من أشكال النجاة قرا ...


المزيد.....




- شاهد.. ترامب يخرج عن النص أثناء قراءة قصة للأطفال
- يورغن كلوب مدرباً لمنتخب ألمانيا.. شراكةٌ طال انتظارها!
- انطلاق مراسم تشييع المرشد السابق علي خامنئي في طهران
- الدفاع الروسية تعلن إسقاط 389 مسيرة أوكرانية الليلة الماضية ...
- -ترامب رئيسكم- بدل -تزوجنا-.. البيت الأبيض يحرّف إعلان زفاف ...
- آلاف الإيرانيين يلقون النظرة الأخيرة على جثمان خامنئي في مصل ...
- ترامب يصدر عفوا عن 11 محكوما -اضطهدهم- بايدن
- -لولاه لخسرنا-.. هكذا حرس محمد الزرع والضرع حين غاب الجنوبيو ...
- بيان لـ-التحالف- يرد على تهديدات الحوثيين ضد السعودية.. ماذا ...
- من مثل السعودية في مراسم تشييع مرشد إيران السابق علي خامنئي؟ ...


المزيد.....

- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - رانية مرجية - نائلة لبس ومشروع صون الذاكرة الشفوية الفلسطينية قراءة في تجربة التوثيق الثقافي