أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - رانية مرجية - حين يحاكم الاحتلال التاريخ أرض الروم الأرثوذكس… من يملك حق كتابة ذاكرة القدس؟














المزيد.....

حين يحاكم الاحتلال التاريخ أرض الروم الأرثوذكس… من يملك حق كتابة ذاكرة القدس؟


رانية مرجية
كاتبة شاعرة ناقدة مجسرة صحفية وموجهة مجموعات

(Rania Marjieh)


الحوار المتمدن-العدد: 8752 - 2026 / 6 / 30 - 19:49
المحور: المجتمع المدني
    


لا تبدأ مصادرة الأرض في القدس بالجرافة.

تبدأ بإعادة تعريفها.

فالاحتلال لا يسعى إلى السيطرة على المكان فحسب، بل إلى تغيير معناه، بحيث تصبح الأرض التي حفظت ذاكرة المدينة لقرون مجرد عقار يخضع لإجراءات إدارية، لا شاهدًا على تاريخ وهوية ووجود.

من هنا، فإن ما يجري في أرض الروم الأرثوذكس لا يمكن قراءته بوصفه نزاعًا على ملكية، ولا اعتداءً جديدًا على وقف كنسي، بل بوصفه فصلًا من مشروع أشمل يعيد تشكيل القدس وفق رواية واحدة، ويُقصي كل ما يناقضها.

القضية ليست قطعة أرض.

القضية هي من يملك حق تعريف المدينة.



الاحتلال لا يكتفي بالسيطرة على الجغرافيا، بل يعمل على إعادة إنتاج التاريخ. وهذا أخطر أشكال الاحتلال، لأنه لا يفرض نفسه بالقوة وحدها، بل يحاول أن يفرض نفسه على الوعي أيضًا.

فكل طريق يُغلق، وكل شجرة تُقتلع، وكل أرض تُعزل عن أصحابها، ليست إجراءات منفصلة، بل خطوات متراكمة تهدف إلى إنتاج واقع جديد، يصبح مع مرور الوقت أكثر حضورًا من الحقيقة التي سبقته.

وهنا تتحول الذاكرة إلى ساحة مواجهة.

فالمدينة التي تُنتزع منها ذاكرتها، يسهل انتزاع مستقبلها.



ما يلفت الانتباه في استهداف أرض الروم الأرثوذكس أنه يكشف طبيعة المشروع الاستيطاني بعيدًا عن الشعارات.

فالاحتلال لا يفرّق بين وقف إسلامي وآخر مسيحي، ولا بين مسجد وكنيسة. إنه يستهدف كل ما يثبت أن القدس مدينة تشكلت عبر قرون من التعدد الديني والثقافي، لأن هذا التعدد يناقض الرواية التي يسعى إلى تكريسها.

ولهذا، فإن الدفاع عن أملاك الكنائس ليس شأنًا كنسيًا، كما أن الدفاع عن المسجد الأقصى ليس شأنًا إسلاميًا فحسب.

إنهما معًا دفاع عن هوية القدس.



لكن أخطر ما يراهن عليه الاحتلال ليس القوة العسكرية.

إنه الزمن.

فالاحتلال يعرف أن الوقائع، إذا استمرت بلا مساءلة، تتحول تدريجيًا إلى أمر واقع، ثم إلى مرجع سياسي، وربما إلى “حقيقة” في نظر العالم.

هكذا يتحول الزمن إلى أداة استعمار.

ليس لأنه يمنح الاحتلال حقًا قانونيًا، بل لأنه يراهن على تراجع الاهتمام، وعلى اعتياد العالم، وعلى إنهاك الضحية.

إنه لا يصادر الأرض فقط.

إنه يصادر الوقت الذي تحتاجه العدالة لتصل.



القانون الدولي واضح في رفض الاستيلاء على الممتلكات الواقعة تحت الاحتلال، كما أن حماية الأماكن الدينية والتراث الثقافي ليست مسألة أخلاقية فحسب، بل التزام قانوني مستقر.

غير أن الاحتلال لا يحاول دحض القانون.

إنه يتصرف وكأنه يستطيع تجاوزه.

والأخطر أن المجتمع الدولي، بعجزه عن تحويل القانون إلى فعل، يسمح للأمر الواقع بأن ينافس الشرعية، حتى يبدو وكأن القوة أصبحت مصدرًا للحق.

وهنا تكمن الأزمة الحقيقية.

فإذا كان صاحب الأرض مطالبًا كل يوم بإثبات حقه، بينما يكتفي من صادرها بفرض وقائع جديدة، فإن السؤال لم يعد متعلقًا بقطعة أرض، بل بمستقبل النظام القانوني الدولي نفسه.



علمنا التاريخ أن المدن لا تُهزم عندما تُهدم أسوارها.

بل عندما تُعاد كتابة قصتها.

وعندما يصبح المحتل هو من يقرر أسماء الأماكن، وحدودها، وروايتها، فإن الخطر لا يعود محصورًا في فقدان الأرض، بل يمتد إلى فقدان الذاكرة التي تمنح تلك الأرض معناها.

ولذلك، فإن معركة أرض الروم الأرثوذكس ليست دفاعًا عن ملكية، بل عن حق القدس في أن تروي تاريخها بنفسها.



ربما لن يكون السؤال الذي سيطرحه المؤرخون بعد سنوات: كيف صودرت تلك الأرض؟

بل سؤالًا أكثر إيلامًا:

كيف سمح العالم بأن يتحول الاحتلال، من قوة تفرض الوقائع، إلى جهة تدّعي حق كتابة التاريخ؟

فإذا أصبح التاريخ يُكتب بمنطق القوة، فلن تكون القدس وحدها هي الضحية.

سيكون القانون قد فقد سلطته، والعدالة معناها، وستصبح الذاكرة نفسها… قابلة للمصادرة.



#رانية_مرجية (هاشتاغ)       Rania_Marjieh#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الراحة بوصفها عودة الكائن إلى الله قراءة تأويلية في متى 11: ...
- القدس ليست للبيع… ولا لإعادة التعريف
- نائلة لبس ومشروع صون الذاكرة الشفوية الفلسطينية قراءة في تجر ...
- الأرجيلة… أحسن من كثير ناس
- “فاطرحوا كل خبث وكل مكر والرياء والحسد وكل مذمة” (1بطرس 2: 1 ...
- حين يحاول الإنسان أن يكتب ما لم يكتبه الله قراءة تأويلية في ...
- المقعد الأخير
- القاعدة: التنظيم السري… هل كتب عبد الباري عطوان سيرة تنظيم أ ...
- قراءة أدبية راقية/ قصيدة [فكِّر بنفسك] للاديبة الشاعرة: ((را ...
- الانهيار الصامت… أخطر أزمات عصرنا
- الذين لا يغادرون
- . فكِّر بنفسك
- 🕊‏[جماليات الصمود وسردية الانتماء] ‏ قراءة في قصيدة ...
- نايُ البلاد
- القرآن ليس ملكًا لأحد في الإنسان والمحبة والسلام… وفي الذين ...
- ما كنا نسأل عن الدين
- سميح القاسم في «دمي على كفّي» (1967): هل كان يقاوم الاحتلال ...
- قراءة في نصّ -حين يصبح الهدوء خيانة- للكاتبة رانية مرجية بقل ...
- عبد الباري عطوان وتشريح اللحظة التي انكسر فيها المعنى قراءة ...
- إبراهيم الطير… حين صار الجورنال مرآةً لذاكرة جيل قراءة تأويل ...


المزيد.....




- فرنسا :عشرات الآلاف يتظاهرون تنديدا بالعنف الجنسي ويطالبون ب ...
- سلوفاكيا.. استفتاء على معاش فيكو واستقلال مكافحة الفساد
- كأس العالم 2026: تصاعد مقلق للإساءات والعنصرية ضد اللاعبين
- سبب -غريب- وراء اعتقال جنود من لواء غولاني يثير غضب الأهالي ...
- في ظل تزايد التعصب واللامبالاة... البابا يدعو أوروبا إلى تعز ...
- هل تصل حملة مكافحة الفساد إلى الرؤوس الكبيرة؟
- الأمن الإيراني: تفكيك 4 خلايا إرهابية جنوب شرق البلاد واعتقا ...
- الأمن الإيرانية: اعتقال 10 إرهابيين والقضاء على اثنين خلال ع ...
- جيش الاحتلال يقر بصحة توثيق تعذيب وحشي لأسير فلسطيني في غزة ...
- العنصرية تلاحق لاعبي هولندا واتحاد الكرة يتقدم بشكوى رسمية


المزيد.....

- مدرسة غامضة / فؤاد أحمد عايش
- أسئلة خيارات متعددة في الاستراتيجية / محمد عبد الكريم يوسف
- أية رسالة للتنشيط السوسيوثقافي في تكوين شخصية المرء -الأطفال ... / موافق محمد
- بيداغوجيا البُرْهانِ فِي فَضاءِ الثَوْرَةِ الرَقْمِيَّةِ / علي أسعد وطفة
- مأزق الحريات الأكاديمية في الجامعات العربية: مقاربة نقدية / علي أسعد وطفة
- العدوانية الإنسانية في سيكولوجيا فرويد / علي أسعد وطفة
- الاتصالات الخاصة بالراديو البحري باللغتين العربية والانكليزي ... / محمد عبد الكريم يوسف
- التونسيات واستفتاء 25 جويلية :2022 إلى المقاطعة لا مصلحة للن ... / حمه الهمامي
- تحليل الاستغلال بين العمل الشاق والتطفل الضار / زهير الخويلدي
- منظمات المجتمع المدني في سوريا بعد العام 2011 .. سياسة اللاس ... / رامي نصرالله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - رانية مرجية - حين يحاكم الاحتلال التاريخ أرض الروم الأرثوذكس… من يملك حق كتابة ذاكرة القدس؟