أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رانية مرجية - حيفا… المدينة التي تخفي وجعين














المزيد.....

حيفا… المدينة التي تخفي وجعين


رانية مرجية
كاتبة شاعرة ناقدة مجسرة صحفية وموجهة مجموعات

(Rania Marjieh)


الحوار المتمدن-العدد: 8758 - 2026 / 7 / 6 - 15:58
المحور: الادب والفن
    


ليس كل وجع يُرى.

بعض الأوجاع تمشي في الشوارع بهدوء، تشتري خبزها، وتذهب إلى عملها، وتبتسم في الصور، ثم تعود مساءً إلى بيت يحمل من الأسئلة أكثر مما يحمل من الأجوبة.

لهذا، كلما ذُكرت حيفا في الأخبار، أشعر أن المدينة تُختزل ظلمًا.

تظهر مرة بوصفها مدينة مختلطة، ومرة بوصفها مدينة ساحلية جميلة، ومرة بوصفها عنوانًا لحادثة أمنية أو جريمة. لكن قلما يُكتب عن الوجه الآخر؛ عن الفلسطيني الذي يعيش فيها وهو يحاول، كل يوم، أن يوازن بين حقه في الحياة العادية ووعيٍ لا يسمح له بأن ينسى أين يعيش.

ليست المشكلة أن يحمل الإنسان هويتين في مدينة واحدة.

المشكلة أن يضطر، أحيانًا، إلى شرح وجوده في المكان الذي وُلد فيه.

في حيفا، يبدو كل شيء طبيعيًا للوهلة الأولى.

المقاهي مزدحمة.

القطار يصل في موعده.

البحر يستقبل زواره كل مساء.

لكن المدن ليست واجهاتها.

المدن هي ما يختبئ خلف الواجهات.

وحين تصغي إلى الناس، تكتشف أن الحياة اليومية ليست دائمًا بالبساطة التي تبدو عليها.

الخوف هنا لا يعلن نفسه دائمًا بصوت مرتفع.

أحيانًا يظهر في الجملة التي لا تُقال.

وفي النقاش الذي ينتهي قبل أن يبدأ.

وفي الكلمات التي يختار الناس أن يحتفظوا بها لأنفسهم.

هذا النوع من الخوف لا تصنعه حادثة واحدة.

بل يصنعه التراكم.

تراكم التجارب.

وتراكم الإحساس بأن على الإنسان أن يكون أكثر حذرًا مما ينبغي وهو يمارس أكثر حقوقه بساطة.

ولذلك، فإن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي مجتمع ليس أن يعيش أزمة.

بل أن يعيد ترتيب حياته كلها كي يتكيف معها.

أن يصبح الحذر عادة.

والصمت وسيلة حماية.

والتردد جزءًا من اللغة اليومية.

عندها، لا يكون الخوف قد انتصر لأنه أخاف الناس.

بل لأنه غيّر طريقتهم في العيش.

ولهذا، لا أرى حيفا مدينة تعيش وجعًا واحدًا.

إنها تخفي وجعين.

وجع ما يحدث.

ووجع محاولة الاستمرار رغم ما يحدث.

وربما يكون الوجع الثاني أشد قسوة.

لأنه لا يترك أثرًا في الصور.

ولا يدخل في الإحصاءات.

ولا تلتقطه الكاميرات.

لكنه يظهر في التفاصيل الصغيرة.

في أمٍّ تطلب من ابنها أن يعود باكرًا.

وفي أبٍ يحسب الطريق الآمن قبل أن يحسب الطريق الأقصر.

وفي شاب يؤجل حلمه، لا لأنه تراجع عنه، بل لأن الواقع فرض عليه ترتيبًا آخر للأولويات.

ومع ذلك…

لا تزال حيفا، كل صباح، تختار الحياة.

تفتح مقاهيها.

ويذهب طلابها إلى جامعاتهم.

ويمتلئ كورنيشها بالمارة.

كأن المدينة تقول إن الحياة، مهما ضاقت، لا تُسلَّم بسهولة.

وربما هنا يكمن المعنى الحقيقي للصمود.

ليس في الشعارات.

بل في الإصرار على أن يبقى للحياة شكلها الطبيعي، حتى عندما يحاول الواقع أن يغيّره.

لهذا، لا أريد أن أتذكر حيفا كلما وقع فيها حدث.

أريد أن أتذكرها لأنها مدينة تستحق أن تُرى كما هي.

لا كما تختصرها العناوين.

فالمدن لا تعيش بالأخبار وحدها.

بل تعيش بالناس الذين يصرون، كل صباح، على أن يبدأ يومهم رغم كل شيء.

ولهذا، ربما لا يكون السؤال الذي يستحق أن نطرحه عن حيفا:

ماذا يحدث فيها؟

بل:

كم يحتاج الإنسان من الشجاعة ليحافظ على حياته العادية في مدينة لا تسمح له الظروف دائمًا بأن يعيشها على نحو عادي؟



#رانية_مرجية (هاشتاغ)       Rania_Marjieh#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ليس الموت آخر ما يفعله السجن
- الحكاية حين تُربي الجمال قراءة نقدية في سلسلة «مملكة الأحلام ...
- أناشيد النور النشيد الأول حين بكى الكلمة
- حين عدتُ إلى مارون عبود… قرأتُ أمي من جديد
- حينَ صارَ الحبُّ مرئيًّا
- حين يحاكم الاحتلال التاريخ أرض الروم الأرثوذكس… من يملك حق ك ...
- الراحة بوصفها عودة الكائن إلى الله قراءة تأويلية في متى 11: ...
- القدس ليست للبيع… ولا لإعادة التعريف
- نائلة لبس ومشروع صون الذاكرة الشفوية الفلسطينية قراءة في تجر ...
- الأرجيلة… أحسن من كثير ناس
- “فاطرحوا كل خبث وكل مكر والرياء والحسد وكل مذمة” (1بطرس 2: 1 ...
- حين يحاول الإنسان أن يكتب ما لم يكتبه الله قراءة تأويلية في ...
- المقعد الأخير
- القاعدة: التنظيم السري… هل كتب عبد الباري عطوان سيرة تنظيم أ ...
- قراءة أدبية راقية/ قصيدة [فكِّر بنفسك] للاديبة الشاعرة: ((را ...
- الانهيار الصامت… أخطر أزمات عصرنا
- الذين لا يغادرون
- . فكِّر بنفسك
- 🕊‏[جماليات الصمود وسردية الانتماء] ‏ قراءة في قصيدة ...
- نايُ البلاد


المزيد.....




- السينما الغنائية العربية: من وهج البدايات إلى انحسار التيار ...
- حكاية لعبة 5: صرخة سينمائية في وجه الاغتراب الرقمي للأطفال
- ثقافة -البالة- في العراق: من ملاذ للفقراء إلى -صيد ذكي- للما ...
- السينما المصرية في مواجهة -سحر المونديال-: تراجع الإيرادات و ...
- ليلة -إيفان كوبالا- التاريخية.. طقوس الماء والنار والأساطير ...
- فنان مصري يعترف بتعاطيه المخدرات ويكشف عن فترة صعبة
- بمشاركة فنانين وسياسيين وحقوقيين.. بيان من لجنة الدفاع والتض ...
- الفنان فضل شاكر يغادر المستشفى العسكري بعد استكمال فحوصاته ا ...
- صيف يفيض بالمتعة.. فعاليات ثقافية نابضة بالحياة في موسكو خلا ...
- ما تبقى منكم ..؟! فيلم مدهش يصور هوية و ذاكرة الانسان الفلسط ...


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رانية مرجية - حيفا… المدينة التي تخفي وجعين