أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - رانية مرجية - ليس الموت آخر ما يفعله السجن














المزيد.....

ليس الموت آخر ما يفعله السجن


رانية مرجية
كاتبة شاعرة ناقدة مجسرة صحفية وموجهة مجموعات

(Rania Marjieh)


الحوار المتمدن-العدد: 8757 - 2026 / 7 / 5 - 12:01
المحور: القضية الفلسطينية
    


حين رحل الأسير المحرر ماهر عبد اللطيف يونس، لم يخطر ببالي عدد السنوات التي قضاها في الأسر. الأرقام، مهما كبرت، تبقى عاجزة عن وصف حياة. أربعون عامًا ليست رقمًا في سجل الحركة الأسيرة، ولا مدةً في حكمٍ قضائي. أربعون عامًا هي عمرٌ كامل عاشه رجل خارج الزمن الذي يعرفه البشر.

ثمة فارق بين أن يعيش الإنسان أربعين عامًا، وأن يقضي أربعين عامًا ينتظرها.

ذلك أن الاحتلال، في جوهره، لا يكتفي بالسيطرة على المكان. المكان يمكن أن يُستعاد، والحدود يمكن أن تتغير، والبيوت يمكن أن تُبنى من جديد. أما الزمن، فإذا سُرق، فلا يعود. وهذه، ربما، هي أكثر صور الاستعمار اكتمالًا؛ أن يتحول إلى سلطة على أعمار الناس، لا على أرضهم وحدها.

كان ماهر يونس واحدًا من أولئك الذين اختبروا هذه الحقيقة حتى أقصاها.

دخل السجن شابًا، وخرج منه رجلًا يحمل في جسده أربعة عقود من الغياب. لم يكن الغياب عن الحرية فقط، بل عن التفاصيل التي تصنع الحياة من دون أن ننتبه إليها؛ مقعدٌ بقي فارغًا على مائدة العائلة، أمٌّ كانت تعد الأيام ثم أدركت أن الأيام تعدها هي أيضًا، أبٌ ينتظر ابنه وهو يعرف أن العمر أقصر من الانتظار، وأطفالٌ كبروا على صورٍ أكثر مما كبروا على الوجوه.

من هنا، تبدو عبارة “أربعون عامًا في الأسر” قاسية لأنها ناقصة.

إنها تخبرنا كم مضى من الوقت، لكنها لا تخبرنا ماذا أخذ الوقت معه.

فالسنوات ليست وحدات حساب، بل أوعية للحياة. فيها تُولد العلاقات، وتنضج التجارب، وتتراكم الذكريات، ويتعلم الإنسان نفسه. وحين تُنتزع هذه السنوات، لا تضيع الأيام وحدها، بل تضيع الحيوات التي كان يمكن أن تولد خلالها.

ولعل هذا ما يجعل تجربة الأسر الفلسطيني تتجاوز معناها السياسي المباشر.

إنها ليست فقط قصة شعب يواجه احتلالًا، بل قصة إنسان يُنتزع من إيقاع الحياة، ثم يُطلب منه، بعد سنوات طويلة، أن يعود إليها كأن شيئًا لم يكن.

لكن الحياة لا تُستأنف بضغطة باب.

فالزمن لا يعرف الرجوع، والجسد لا ينسى.

ولهذا، فإن كثيرًا من الأسرى يغادرون السجن، بينما يبقى السجن مقيمًا في أجسادهم؛ في قلوب أنهكتها السنوات، وفي ذاكرة لا تنام بسهولة، وفي تفاصيل صغيرة لا يراها أحد. حتى المرض، في حالات كثيرة، لا يكون حادثًا منفصلًا عن الاعتقال، بل فصلًا متأخرًا منه.

لهذا لا يمكن فهم رحيل ماهر يونس خارج سياق السنوات الأربعين التي سبقته.

فالاحتلال لا يمارس العنف فقط حين يعتقل، بل حين يجعل آثار الاعتقال أطول عمرًا من الاعتقال نفسه.

ومع ذلك، لم يكن أكثر ما يلفت في سيرة ماهر يونس طول أسره.

كان أكثر ما يلفت فيها أن الزمن، الذي أراده السجّان أداةً للإخضاع، انتهى شاهدًا على فشله.

لقد أخطأت السجون، عبر التاريخ، في فهم الإنسان. ظنت أن طول العتمة كافٍ لإطفاء الضوء، وأن التكرار كافٍ لإضعاف المعنى، وأن الأعوام، إذا تراكمت، ستقنع صاحبها بأن الحرية فكرة باهظة الثمن.

لكن الحرية ليست حسابًا رياضيًا.

إنها علاقة الإنسان بنفسه.

ولهذا استطاع كثير من الأسرى أن يخرجوا من الزنازين بأجسادٍ متعبة، لكن بضمير لم يستطع السجن الوصول إليه. كانت خسائرهم هائلة، لكنهم رفضوا أن تكون خسارتهم الأخيرة هي خسارة ذواتهم.

وربما في هذا تكمن المعضلة الأخلاقية لكل استعمار.

فهو يستطيع أن ينتصر في معركة القوة، لكنه لا يستطيع أن يضمن انتصاره في معركة المعنى.

وحين يعجز عن امتلاك المعنى، يبدأ الزمن بالعمل ضده.

تمضي السنوات، وتُطوى الحكومات، وتتبدل الوجوه، وتختفي أسماء السجانين واحدًا بعد آخر، بينما يبقى في الذاكرة اسم الأسير الذي ظنوا أن الزمن سيبتلعه.

وهكذا، لا يصبح السؤال: كم سنة أمضى ماهر يونس في الأسر؟

بل: كيف استطاع، بعد كل تلك السنوات، أن يحفظ في داخله ما عجز السجن عن مصادرته؟

ربما لهذا لا تُقاس قيمة الإنسان بما خسره، بل بما بقي منه بعد الخسارة.

لقد رحل ماهر يونس، لكن رحيله يعيد إلينا حقيقةً كثيرًا ما نتجنبها: أن الاحتلال لا يسرق الأرض وحدها، بل يسرق أعمارًا كاملة. وأن أخطر ما يفعله السجن ليس أنه يمنع الإنسان من الحياة، بل أنه يحاول أن يغيّر معنى الحياة نفسها.

غير أن التاريخ، في النهاية، لا ينحاز إلى القوة المجردة.

إنه ينحاز، ولو بعد حين، إلى أولئك الذين استطاعوا أن يحموا إنسانيتهم في أكثر الأماكن تصميمًا على سلبها.

ولعل هذا، قبل أي شيء آخر، هو ما يبقى من ماهر يونس.



#رانية_مرجية (هاشتاغ)       Rania_Marjieh#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الحكاية حين تُربي الجمال قراءة نقدية في سلسلة «مملكة الأحلام ...
- أناشيد النور النشيد الأول حين بكى الكلمة
- حين عدتُ إلى مارون عبود… قرأتُ أمي من جديد
- حينَ صارَ الحبُّ مرئيًّا
- حين يحاكم الاحتلال التاريخ أرض الروم الأرثوذكس… من يملك حق ك ...
- الراحة بوصفها عودة الكائن إلى الله قراءة تأويلية في متى 11: ...
- القدس ليست للبيع… ولا لإعادة التعريف
- نائلة لبس ومشروع صون الذاكرة الشفوية الفلسطينية قراءة في تجر ...
- الأرجيلة… أحسن من كثير ناس
- “فاطرحوا كل خبث وكل مكر والرياء والحسد وكل مذمة” (1بطرس 2: 1 ...
- حين يحاول الإنسان أن يكتب ما لم يكتبه الله قراءة تأويلية في ...
- المقعد الأخير
- القاعدة: التنظيم السري… هل كتب عبد الباري عطوان سيرة تنظيم أ ...
- قراءة أدبية راقية/ قصيدة [فكِّر بنفسك] للاديبة الشاعرة: ((را ...
- الانهيار الصامت… أخطر أزمات عصرنا
- الذين لا يغادرون
- . فكِّر بنفسك
- 🕊‏[جماليات الصمود وسردية الانتماء] ‏ قراءة في قصيدة ...
- نايُ البلاد
- القرآن ليس ملكًا لأحد في الإنسان والمحبة والسلام… وفي الذين ...


المزيد.....




- من البقلاوة إلى التيراميسو.. 20 من أشهر الحلويات حول العالم ...
- إقامة صلاة الجنازة على جثمان خامنئي وعدد من أفراد أسرته
- جنازة حاشدة للمرشد الإيراني.. وترامب يعلّق على مشاهد الحزن و ...
- ألعاب نارية تضيء سماء واشنطن في الذكرى 250 لاستقلال أمريكا
- حشود شعبية هائلة تشارك في الصلاة على جثمان خامنئي
- واشنطن تسجل أكثر أيام عيد الاستقلال حرارة في تاريخها
- مقتل 25 شخصا في الولايات المتحدة بسبب الحر
- ما الذي تكشفه زيارة قائد البحرية الأمريكية لإسرائيل ولبنان؟ ...
- ألبانيا تشهد أكبر مظاهرة مناهضة لمنتجع عائلة ترمب
- أحمد زبانة.. أول من واجه المقصلة الفرنسية في الثورة الجزائري ...


المزيد.....

- خطة ترامب: بين النص والتطبيق / معتصم حمادة
- المحطات التاريخية لمشاريع التوطين و التهجير التصفوية لقضيتنا ... / غازي الصوراني
- إبادة التعليم: الحرب على التعليم من غزة إلى الغرب / محمود الصباغ
- بين العلمانية في الثقافة السياسية الفلسطينية والتيارات السلف ... / غازي الصوراني
- قراءة في وثائق وقف الحرب في قطاع غزة / معتصم حمادة
- مقتطفات من تاريخ نضال الشعب الفلسطيني / غازي الصوراني
- الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والموقف الصريح من الحق التاريخي ... / غازي الصوراني
- بصدد دولة إسرائيل الكبرى / سعيد مضيه
- إسرائيل الكبرى أسطورة توراتية -2 / سعيد مضيه
- إسرائيل الكبرى من جملة الأساطير المتعلقة بإسرائيل / سعيد مضيه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - رانية مرجية - ليس الموت آخر ما يفعله السجن