أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - رانية مرجية - حين يفقد المجتمع ثقته














المزيد.....

حين يفقد المجتمع ثقته


رانية مرجية
كاتبة شاعرة ناقدة مجسرة صحفية وموجهة مجموعات

(Rania Marjieh)


الحوار المتمدن-العدد: 8770 - 2026 / 7 / 18 - 00:52
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


لا تُقاس خطورة الجريمة بعدد الضحايا الذين يسقطون، مهما كان ذلك موجعًا، وإنما بما تتركه من أثر في نفوس الأحياء. فالقتيل يرحل، أما الذين يبقون خلفه فيواصلون حياتهم محمّلين بسؤال ثقيل: هل نحن في مأمن؟

من هنا تبدأ الحكاية الحقيقية.

في المجتمع العربي الفلسطيني في الداخل، لم تعد الجريمة خبرًا طارئًا يقطع إيقاع الحياة، بل أصبحت جزءًا من هذا الإيقاع. نستيقظ على نبأ إطلاق نار، ونودّع ضحية جديدة، ثم نعود إلى أعمالنا ومدارسنا وأسواقنا، وكأننا نتعلم، بصمت، كيف نتعايش مع ما كان ينبغي ألا نتعايش معه أبدًا.

هذا الاعتياد هو أخطر ما أنتجته سنوات العنف.

فالخوف لا يغيّر مزاج الناس فحسب، بل يغيّر علاقتهم بالمكان. الشارع الذي كان مساحة للقاء يصبح مساحة للحذر. والساحة التي كانت تضج بالأطفال تغدو فارغة مع حلول المساء. والأب الذي كان يقلق من تأخر ابنه دقائق، بات يقلق من عودته أصلًا. بهذه التفاصيل الصغيرة تُقاس الهزائم الكبرى؛ لا بعدد الرصاصات، بل بما تسرقه من حياة يومية كان الناس يعدّونها حقًا بديهيًا.

الجريمة، في جوهرها، ليست انتصارًا للمجرم فقط، بل هزيمة لفكرة القانون عندما يعجز عن حماية الناس بالقدر الذي ينتظرونه. فالدولة ليست مطالبة فقط بملاحقة الجناة بعد وقوع الجريمة، بل بمنع المجتمع من الوصول إلى هذه الدرجة من الشعور بالعجز. وحين يضعف الإحساس بأن القانون حاضر وعادل وفاعل، تتآكل الثقة، ومعها تتراجع هيبة المؤسسات، ويصبح الخوف سلطة موازية.

غير أن الدولة، على أهمية دورها، ليست الطرف الوحيد في هذه المعادلة. فالمجتمع أيضًا مسؤول عن حماية قيمه قبل حماية أفراده. وكل صمت عن العنف، وكل تبرير للمجرم، وكل استسلام لفكرة أن «لا شيء سيتغير»، يمنح الجريمة مساحة إضافية كي تتمدد. فاليأس، في كثير من الأحيان، هو الحليف الأقوى للعنف.

إن القضية، في النهاية، ليست قضية أمن فقط، ولا قضية سلاح فقط، بل قضية ثقة. ثقة المواطن بأن حياته لها القيمة نفسها، وثقة الأسرة بأن أبناءها سيعودون إلى بيوتهم سالمين، وثقة الشاب بأن مستقبله يُبنى بالعلم والعمل لا بالخوف، وثقة المجتمع بأن القانون لا يميّز بين دم وآخر.

ولا يُعاد بناء هذه الثقة بالتصريحات، بل بالفعل. بتطبيق القانون على الجميع بلا استثناء، وتجفيف منابع الجريمة، والاستثمار في التعليم والشباب، ودعم السلطات المحلية، وتمكين المبادرات المجتمعية التي تعيد للناس شعورهم بأنهم شركاء في حماية مجتمعهم، لا مجرد متفرجين على نزيفه.

التحدي الحقيقي أمامنا ليس أن نمنع الجريمة التالية فحسب، بل أن نمنع الجريمة من إعادة تشكيل وعينا. لأن المجتمع الذي يفقد ثقته، يفقد شيئًا أكبر من الأمن؛ يفقد القدرة على الحلم.

وحين يصبح الخوف لغة الحياة اليومية، لا يكون السؤال: كم ضحية سقطت؟

بل: كم بقي فينا من إيمان بأن الغد يمكن أن يكون أفضل من اليوم؟

ذلك هو السؤال الذي يستحق أن نواجهه، قبل أن يفرض علينا الواقع إجابته



#رانية_مرجية (هاشتاغ)       Rania_Marjieh#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- المجد حين يرتدي قناع الخراب قراءة تأويلية في قصيدة «بئس مجد» ...
- حين تُستهدف المدرسة… تُستهدف هوية القدس
- على مائدة الكلمة إذا كان الله معنا… فلماذا تهب العاصفة؟ قراء ...
- الخانة الأولى
- وجوهٌ من دخان
- الاستيطان الناعم… احتلال يكتب المستقبل قبل أن يصل
- على مائدة الكلمة لماذا تأخر يسوع؟ حين يبدو صمت الله قاسيًا… ...
- حين ترى السماء ما تعجز الخرائط عن رؤيته قراءة تأويلية في قصة ...
- غزة… حين تصبح النجاة خبرًا
- حين يكون السلوك لغة لا عقوبة إدارة السلوك الإيجابي مع أطفال ...
- الأرضُ التي تعرفُ اسمي -
- على مائدة الكلمة لماذا غسل يسوع أقدام تلاميذه؟ العظمة التي ا ...
- الوساطة والحوار: إعادة اكتشاف الإنسان في زمن الانقسام
- الوطن ليس مكانًا… بل ما يبقى منك حين يتغير المكان
- على مائدة الكلمة لماذا توقف يسوع من أجل امرأة مجهولة؟ حين تك ...
- الغرفة التي لا تُؤجَّر
- حيفا… المدينة التي تخفي وجعين
- ليس الموت آخر ما يفعله السجن
- الحكاية حين تُربي الجمال قراءة نقدية في سلسلة «مملكة الأحلام ...
- أناشيد النور النشيد الأول حين بكى الكلمة


المزيد.....




- ما الرسالة وراء توسيع إيران هجماتها في المنطقة؟.. مراسل CNN ...
- وزير مصري سابق يحذر إثيوبيا من محاولات تفجير قضية سد النهضة ...
- لافروف: أظهرنا حسن نية بشأن أوكرانيا
- خفر السواحل اليمني: نتابع حادثة الاستيلاء على ناقلة نفط قبال ...
- ترامب يدرس توسيع رقعة الحرب على إيران ويرسل عشرات طائرات الت ...
- عضو مجلس القيادة اليمني يحذر من انتهاكات الحوثيين ويدعو إلى ...
- سلطات الهجرة الأمريكية تعتقل محامياً صينياً غادر بلاده هرباً ...
- إنذار جديد لأمن الملاحة.. قراصنة يستولون على ناقلة نفط قبالة ...
- بينهم 8 في استهداف موكب تشييع.. 14 قتيلاً في غارات إسرائيلية ...
- غادي آيزنكوت.. هل يطيح الجنرال ذو الأصول المغربية بنتنياهو؟ ...


المزيد.....

- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - رانية مرجية - حين يفقد المجتمع ثقته