أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رانية مرجية - المجد حين يرتدي قناع الخراب قراءة تأويلية في قصيدة «بئس مجد» للشاعر سامي الجابري














المزيد.....

المجد حين يرتدي قناع الخراب قراءة تأويلية في قصيدة «بئس مجد» للشاعر سامي الجابري


رانية مرجية
كاتبة شاعرة ناقدة مجسرة صحفية وموجهة مجموعات

(Rania Marjieh)


الحوار المتمدن-العدد: 8769 - 2026 / 7 / 17 - 13:29
المحور: الادب والفن
    


ليست كل قصيدة تتناول الاستبداد قادرة على الإفلات من أسر مناسبتها؛ فكثير من النصوص يخبو وهجها بانقضاء الحدث الذي وُلدت في ظله، بينما تنجح نصوص أخرى في تجاوز الظرف العابر لتغدو مساءلةً مفتوحة للإنسان والتاريخ. ومن هذا الأفق تُقرأ قصيدة «بئس مجد» للشاعر سامي الجابري؛ فهي لا تكتفي بإدانة صورة الحاكم المستبد، بل تعيد النظر في مفهوم المجد نفسه، وتكشف الكيفية التي يتحول بها من قيمة أخلاقية إلى قناع يُخفي الخراب.

منذ العنوان، يضع الشاعر القارئ أمام حكمٍ قيمي لا يقبل المواربة. فعبارة «بئس مجد» ليست افتتاحًا لغويًا فحسب، بل هي عتبة دلالية تؤسس لرؤية النص بأكمله. فالذم هنا لا يتجه إلى شخص أو واقعة، وإنما إلى كل مجدٍ يفقد أساسه الأخلاقي. ويكتسب هذا المعنى عمقًا إضافيًا لأن كلمة «مجد» جاءت نكرة، وكأن الشاعر يوسّع دائرة التأويل لتشمل كل سلطة تُشيّد هيبتها على الزيف، وكل انتصار يُبنى على أنقاض العدالة.

لا يقدم سامي الجابري في قصيدته شخصيةً سياسية بملامح محددة، بل يصوغ نموذجًا رمزيًا يتكرر في التاريخ كلما انفصلت السلطة عن الضمير. ولهذا لا ينشغل النص بوصف الحاكم بقدر ما ينشغل بكشف البنية التي تُنتج الاستبداد، حيث تُستبدل القيم بالأقنعة، وتُختطف اللغة لتؤدي وظيفة معاكسة لمعناها الأصيل.

وتتجسد هذه الرؤية في واحدة من أكثر صور القصيدة كثافة:

ثوبُ نورٍ قلبُه عرشُ الظلام

ليست هذه الصورة مجرد مقابلة بين النور والظلام، بل هي تفكيك للعلاقة بين المظهر والحقيقة. فالثوب يحيل إلى الصورة التي تُقدَّم للناس، بينما القلب يمثل جوهر الكينونة. وهنا يضع الشاعر إصبعه على أخطر مظاهر الاستبداد؛ إذ لا يكتفي الطغيان بممارسة القهر، بل يسعى إلى ارتداء هيئة الفضيلة، فيتحول النور إلى قناع، ويغدو الظلام هو الحقيقة المستترة خلفه.

ومن هذا المنطلق، يكتسب قول الشاعر:

يسرق المال برفقٍ واحتشام

دلالة تتجاوز المفارقة البلاغية؛ فالقصيدة تشير إلى أن الفساد في صورته الأشد خطورة لا يظهر بوجهه الصريح، بل يتخفى خلف لغة النظام والوقار، حتى تصبح الجريمة مألوفة، ويغدو الظلم جزءًا من المشهد اليومي. وهنا يكشف النص عن وعي عميق بأن السلطة لا تُحكم بالسلاح وحده، بل باللغة أيضًا، حين تُعاد صياغة المفاهيم لتمنح الباطل شرعية ظاهرية.

ويعتمد البناء الشعري على حركة متصلة من الأفعال: قاد، خاض، يسرق، يحكم، يعتلي، ينهب، باع…، وهي أفعال لا تؤدي وظيفة السرد فحسب، بل ترسم مسارًا متدرجًا لانهيار المنظومة الأخلاقية. فالاستبداد، في رؤية الجابري، ليس حادثة منفصلة، وإنما بنية تتغذى على ذاتها؛ تبدأ بإقصاء الحقيقة، وتنتهي بابتلاع المجتمع كله.

كما يكشف المعجم الشعري عن صراع واضح بين حقلين دلاليين: الأول يستحضر النور والوئام والسلام والعهد، والثاني يستدعي الظلام والخصام والأثام والحطام. غير أن الشاعر لا يضعهما في مواجهة مباشرة، بل يصور لحظة أكثر تعقيدًا، حين يستولي معجم الخراب على مفردات الخير، فيغدو الظلم متكئًا على لغة العدالة، ويصبح الوهم قادرًا على استعارة أسماء الحقيقة.

وتبلغ القصيدة ذروة بعدها الفكري في قوله:

حلوُ ملكٍ غلّف الأحلام وهم
خبطُ فكرٍ أُشرب الشيطان سم

فهنا ينتقل النص من نقد السلطة إلى نقد الوعي. فالمشكلة لم تعد في الطغيان بوصفه ممارسة سياسية، بل في قدرته على إعادة تشكيل الإدراك الجمعي، حتى يغدو الوهم حقيقةً، ويصبح الخداع خطابًا رسميًا. ومن هنا تكتسب القصيدة بعدها الإنساني؛ إذ لا تتحدث عن سلطة بعينها، وإنما عن كل خطاب ينجح في تزييف الوعي وإعادة تسمية الأشياء بغير أسمائها.

ولا يغيب الإنسان عن هذه الرؤية، بل يحتل مركزها الأخلاقي. ففي قوله:

عزُّ شعبٍ ليس في حسبانهم

يختزل الشاعر أزمة الحكم حين يغيب الشعب عن معادلة السلطة، لتتحول الدولة إلى غاية في ذاتها، ويصبح الإنسان مجرد وسيلة. وهنا يتجاوز النص دائرة السياسة إلى فضاء القيم، حيث لا تستمد السلطة مشروعيتها من قدرتها على السيطرة، بل من قدرتها على صون كرامة الإنسان.

أما على المستوى الفني، فقد حافظ الجابري على البناء العمودي بإيقاعه المنتظم وقافيته الموحدة، لكن هذا الاختيار لم يكن مجرد وفاء للتقليد، بل أسهم في تعزيز النبرة الاحتجاجية للقصيدة؛ إذ يبدو تكرار القافية أشبه بإيقاع حكمٍ أخلاقي يتردد في نهاية كل بيت، مؤكدًا أن الخراب لا يمكن أن يتحول إلى مجد مهما طال زمنه.

وتنتهي القصيدة ببيتين يختزلان رؤيتها الفكرية:

دينهم فلسٌ وحاديهم ذمامي
عبرةٌ تُحكى لأرباب المقامي

فلا يعلن الشاعر سقوط الطغيان بقدر ما يعلن مصيره التاريخي. وحين تتحول السلطة إلى عبرة، فإن القصيدة تنتقل من تسجيل اللحظة إلى استشراف ما بعدها؛ فالتاريخ، كما يوحي النص، لا يخلّد من امتلك القوة، بل من امتلك العدالة.

إن القيمة الحقيقية لقصيدة «بئس مجد» تكمن في أنها لا تُدين الاستبداد وحده، بل تُعيد تعريف المجد نفسه. فالمجد، في رؤية سامي الجابري، ليس ما تصنعه العروش، ولا ما تروّجه أبواق السلطة، وإنما ما تؤسسه العدالة، وتحميه الكرامة، ويشهد له ضمير الإنسان. ولهذا يغادر النص حدوده المناسبة ليصبح سؤالًا أخلاقيًا مفتوحًا: ماذا يبقى من المجد إذا فقد معناه؟

ذلك هو السؤال الذي تتركه القصيدة معلقًا في وجدان قارئها، وهو أيضًا سر قدرتها على تجاوز زمن كتابتها؛ لأن التاريخ قد يغيّر وجوه الطغاة، لكنه نادرًا ما يغيّر الأقنعة التي يرتدونها



#رانية_مرجية (هاشتاغ)       Rania_Marjieh#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حين تُستهدف المدرسة… تُستهدف هوية القدس
- على مائدة الكلمة إذا كان الله معنا… فلماذا تهب العاصفة؟ قراء ...
- الخانة الأولى
- وجوهٌ من دخان
- الاستيطان الناعم… احتلال يكتب المستقبل قبل أن يصل
- على مائدة الكلمة لماذا تأخر يسوع؟ حين يبدو صمت الله قاسيًا… ...
- حين ترى السماء ما تعجز الخرائط عن رؤيته قراءة تأويلية في قصة ...
- غزة… حين تصبح النجاة خبرًا
- حين يكون السلوك لغة لا عقوبة إدارة السلوك الإيجابي مع أطفال ...
- الأرضُ التي تعرفُ اسمي -
- على مائدة الكلمة لماذا غسل يسوع أقدام تلاميذه؟ العظمة التي ا ...
- الوساطة والحوار: إعادة اكتشاف الإنسان في زمن الانقسام
- الوطن ليس مكانًا… بل ما يبقى منك حين يتغير المكان
- على مائدة الكلمة لماذا توقف يسوع من أجل امرأة مجهولة؟ حين تك ...
- الغرفة التي لا تُؤجَّر
- حيفا… المدينة التي تخفي وجعين
- ليس الموت آخر ما يفعله السجن
- الحكاية حين تُربي الجمال قراءة نقدية في سلسلة «مملكة الأحلام ...
- أناشيد النور النشيد الأول حين بكى الكلمة
- حين عدتُ إلى مارون عبود… قرأتُ أمي من جديد


المزيد.....




- -مصر الروسية-.. معرض في موسكو يستكشف حضور الثقافة الروسية في ...
- مسابقة -موسيقى الفخر- تسجل رقما قياسيا في عدد المشاركات
- أخبار الفن: تأثير سياسة الحكومة على صناعة السينما والتلفزيون ...
- شركة الكهرباء في جزيرة كيش: عودة التيار الكهربائي إلى المناط ...
- محور الإمبراطورية.. سجل المؤامرات والنفوذ في تاريخ العلاقات ...
- يكاترينبورغ تستضيف قراءات علمية حول تاريخ آل رومانوف ومشاريع ...
- افتتاح معرض في يكاترينبورغ يوثق مراسم تتويج القياصرة الروس ف ...
- خلف كواليس العروض الخطرة والمرحة في عاصمة السيرك العالمية بأ ...
- موسكو تستضيف أكثر من 80 منحوتة لستيبان إرزيا.. أحد أبرز نحات ...
- من الموسيقى إلى التجسس.. كيف تتحول السماعات اللاسلكية إلى ثغ ...


المزيد.....

- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رانية مرجية - المجد حين يرتدي قناع الخراب قراءة تأويلية في قصيدة «بئس مجد» للشاعر سامي الجابري