أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - رانية مرجية - الوساطة والحوار: إعادة اكتشاف الإنسان في زمن الانقسام















المزيد.....

الوساطة والحوار: إعادة اكتشاف الإنسان في زمن الانقسام


رانية مرجية
كاتبة شاعرة ناقدة مجسرة صحفية وموجهة مجموعات

(Rania Marjieh)


الحوار المتمدن-العدد: 8760 - 2026 / 7 / 8 - 17:38
المحور: المجتمع المدني
    


“السلام ليس غياب الصراع، بل القدرة على التعامل معه بوسائل خلاقة.” — يوهان غالتونغ

في زمنٍ تتعاظم فيه أصوات الاستقطاب، وتتراجع فيه مساحات الإصغاء، يبدو العالم وكأنه يفقد إحدى أهم مهاراته الإنسانية: القدرة على الحوار. فمن الحروب التي تمزق الدول، إلى الانقسامات التي تشطر المجتمعات، وصولًا إلى الخلافات التي تتسلل إلى الأسرة ومكان العمل، لم يعد النزاع استثناءً، بل أصبح جزءًا من المشهد اليومي. غير أن المشكلة ليست في وجود النزاعات، فالاختلاف قانون من قوانين الحياة، وإنما في الطريقة التي نختار بها إدارتها؛ فإما أن تتحول إلى وقود للكراهية والعنف، وإما أن تصبح فرصة للفهم والتغيير وإعادة بناء الثقة.

من هنا، تبرز الوساطة والحوار، لا باعتبارهما تقنيتين لحل الخلافات فحسب، بل بوصفهما فلسفة إنسانية تعيد الاعتبار للإنسان، وتؤكد أن العدالة لا تكتمل بالعقوبة وحدها، وأن السلام لا يُبنى بالغلبة، بل بالاعتراف المتبادل والكرامة المشتركة.

الوساطة، في جوهرها، عملية طوعية يتدخل فيها طرف ثالث محايد لمساعدة أطراف النزاع على الوصول إلى حل يصنعونه بأنفسهم، لا يُفرض عليهم من الخارج. ولهذا تختلف عن القضاء؛ فالقاضي يحسم النزاع وفق القانون، أما الوسيط فيفتح مساحة للحوار، ويبحث مع الأطراف عن المصالح والاحتياجات التي تختبئ خلف المواقف المتصلبة. إنها لا تبحث عن غالب ومغلوب، بل عن مستقبل يستطيع الجميع العيش فيه.

ولذلك أصبحت الوساطة إحدى أهم أدوات العدالة التصالحية، التي لا تنظر إلى النزاع باعتباره مخالفة قانونية فقط، بل باعتباره خللًا في العلاقة الإنسانية يحتاج إلى إصلاح. فالعدالة، في هذا التصور، لا تقتصر على إصدار الأحكام، وإنما تسعى أيضًا إلى إعادة بناء الثقة، وترميم ما كسرته الخصومة من علاقات ومشاعر وانتماء.

وقد طوّر الباحثان الأمريكيان روبرت بوش وجوزيف فولغر مفهوم “الوساطة التحويلية”، مؤكدين أن النجاح الحقيقي للوساطة لا يقاس بعدد الاتفاقيات الموقعة، بل بقدرتها على تمكين الأطراف من استعادة أصواتهم، والاعتراف بإنسانية بعضهم بعضًا، حتى عندما تبقى بعض نقاط الخلاف قائمة.

أما الحوار، فليس مجرد تبادل للكلمات، ولا منافسة لإثبات صحة الآراء، بل هو موقف أخلاقي يعترف بأن الحقيقة أوسع من أن يحتكرها فرد أو جماعة. إنه انتقال من سؤال: “كيف أنتصر؟” إلى سؤال أكثر نضجًا: “كيف نفهم بعضنا بعضًا؟”

وقد عبّر الفيلسوف الألماني مارتن بوبر عن هذه الفكرة في فلسفته “أنا–أنت”، حين دعا إلى النظر إلى الآخر بوصفه ذاتًا إنسانية كاملة، لا موضوعًا للاستعمال أو خصمًا ينبغي إقصاؤه. ومن هنا يصبح الحوار شجاعة فكرية وأخلاقية، لأنه يتطلب الإصغاء قبل الرد، والفهم قبل الحكم، والاعتراف بأن الاختلاف لا ينفي إمكانية العيش المشترك.

ولم تكن هذه المبادئ غريبة عن التراث الإنساني. ففي الإسلام يحتل الإصلاح بين الناس منزلة رفيعة، يقول الله تعالى: ﴿لا خير في كثيرٍ من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس﴾، كما جعل النبي محمد ﷺ الإصلاح بين المتخاصمين من أفضل الأعمال. وفي المسيحية تتجلى قيم الغفران والمصالحة بوصفها أساسًا للعلاقة الإنسانية، بينما تدعو الفلسفة البوذية إلى نبذ العنف واتباع “الطريق الأوسط”، القائم على الحكمة والتوازن. وعلى اختلاف المرجعيات، تلتقي هذه الرؤى جميعًا عند حقيقة واحدة: لا سلام حقيقيًا من دون الاعتراف بإنسانية الآخر.

وقد أثبتت تجارب الشعوب أن إنهاء الحروب لا يعني انتهاء الصراعات. فجنوب أفريقيا لم تستطع تجاوز إرث الفصل العنصري إلا عندما اختارت الحقيقة والمصالحة طريقًا لإعادة بناء المجتمع، ورواندا لم تتعافَ من الإبادة الجماعية بالعدالة الجنائية وحدها، بل بجهد طويل لاستعادة الثقة بين الناس، كما أدركت كولومبيا أن السلام المستدام يحتاج إلى مصالحة مجتمعية بقدر حاجته إلى اتفاقات سياسية.

هذه التجارب تؤكد أن السلام لا يُصنع في قاعات المفاوضات وحدها، بل في المدارس والجامعات والأحياء والمؤسسات، حيث يتعلم الناس كيف يديرون اختلافاتهم دون أن يتحولوا إلى أعداء.

ولعل المجتمع الفلسطيني أحوج من غيره إلى ترسيخ هذه الثقافة. فإلى جانب ما يفرضه الاحتلال من تحديات وجودية، عانى المجتمع خلال العقود الأخيرة من انقسامات سياسية واجتماعية أضعفت الثقة، وأرهقت النسيج الوطني، ووسعت مساحات الشك المتبادل. لذلك، فإن بناء ثقافة الحوار والوساطة ليس ترفًا فكريًا ولا مشروعًا قانونيًا فحسب، بل ضرورة وطنية تعزز صمود المجتمع، وتحمي وحدته، وتمنحه قدرة أكبر على مواجهة تحدياته.

إن المجتمع الذي يعرف كيف يدير خلافاته بالحوار يصبح أكثر قدرة على حماية قضيته، وأكثر مناعة أمام كل محاولات التفكيك والاستقطاب. ولهذا فإن الاستثمار في تعليم مهارات الحوار، وإعداد الوسطاء المجتمعيين، ودعم مؤسسات المجتمع المدني، وإدماج ثقافة الوساطة في المدارس والجامعات، ينبغي أن يُنظر إليه بوصفه استثمارًا في الأمن المجتمعي، لا مجرد نشاط تنموي.

إن الأزمة التي يعيشها عالمنا العربي اليوم ليست أزمة سياسة وحدها، بل أزمة ثقافة أيضًا. فحين يغيب الحوار، يصبح الاختلاف تهمة، ويتحول التنوع إلى تهديد، وتصبح الكراهية لغة مألوفة في المجال العام. وما أكثر الأوطان التي أنهكتها الانقسامات الداخلية قبل أن تنهكها الحروب.

إن بناء السلام يبدأ من المجتمع قبل الدولة، ومن الإنسان قبل المؤسسات. يبدأ من طفل يتعلم أن الاختلاف ليس خطرًا، ومن أسرة تستبدل الصراخ بالإصغاء، ومن مدرسة تعلّم التفكير النقدي واحترام الرأي الآخر، ومن إعلام يرى في الحقيقة مسؤولية لا وسيلة للتحريض.

لقد أثبت التاريخ أن الحضارات لا تُقاس فقط بما تمتلكه من قوة، بل بما تملكه من قدرة على إدارة الاختلاف. فالمجتمعات التي تتقن فن الحوار لا تلغي النزاعات، لكنها تمنعها من التحول إلى كراهية دائمة، وتحوّل التنوع إلى مصدر قوة بدل أن يكون سببًا للانقسام.

وفي النهاية، لا يكون المنتصر الحقيقي في أي نزاع هو من يهزم خصمه، بل من ينجح في أن يحفظ كرامة الجميع، ويحوّل الخصومة إلى شراكة، والصراع إلى فرصة لبناء مستقبل أكثر عدلًا وإنسانية. فذلك، في جوهره، هو المعنى الحقيقي للوساطة، والغاية الأسمى للحوار



#رانية_مرجية (هاشتاغ)       Rania_Marjieh#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الوطن ليس مكانًا… بل ما يبقى منك حين يتغير المكان
- على مائدة الكلمة لماذا توقف يسوع من أجل امرأة مجهولة؟ حين تك ...
- الغرفة التي لا تُؤجَّر
- حيفا… المدينة التي تخفي وجعين
- ليس الموت آخر ما يفعله السجن
- الحكاية حين تُربي الجمال قراءة نقدية في سلسلة «مملكة الأحلام ...
- أناشيد النور النشيد الأول حين بكى الكلمة
- حين عدتُ إلى مارون عبود… قرأتُ أمي من جديد
- حينَ صارَ الحبُّ مرئيًّا
- حين يحاكم الاحتلال التاريخ أرض الروم الأرثوذكس… من يملك حق ك ...
- الراحة بوصفها عودة الكائن إلى الله قراءة تأويلية في متى 11: ...
- القدس ليست للبيع… ولا لإعادة التعريف
- نائلة لبس ومشروع صون الذاكرة الشفوية الفلسطينية قراءة في تجر ...
- الأرجيلة… أحسن من كثير ناس
- “فاطرحوا كل خبث وكل مكر والرياء والحسد وكل مذمة” (1بطرس 2: 1 ...
- حين يحاول الإنسان أن يكتب ما لم يكتبه الله قراءة تأويلية في ...
- المقعد الأخير
- القاعدة: التنظيم السري… هل كتب عبد الباري عطوان سيرة تنظيم أ ...
- قراءة أدبية راقية/ قصيدة [فكِّر بنفسك] للاديبة الشاعرة: ((را ...
- الانهيار الصامت… أخطر أزمات عصرنا


المزيد.....




- مخاوف من انهيار شريان الحياة.. لاجئو غزة يحذرون من تداعيات و ...
- أوضاع صعبة يعيشها اللاجئون السوريون في مخيم السمونية شمال لب ...
- منظمات حقوقية وخبراء أمميون: مجلس حقوق الإنسان يتواطأ بصمته ...
- مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان بفلسطين: حياة الطبيب حسام أ ...
- المفوضية السامية تحذر.. الذكاء الاصطناعي وخطاب كراهية يلاحقا ...
- استشهاد طفل في غزة.. واعتقالات وهدم بالضفة
- -لاجئون بلا عنوان-.. بريطانيا تغلق فنادق اللجوء وتخلق أزمات ...
- الخارجية الإيرانية: الهجوم الأمريكي على السواحل الجنوبية الإ ...
- الخارجية الإيرانية:سنرد على أي عدوان أمريكي، ولن تتردد في اس ...
- منظمة حقوقية: مقتل 15 شخصًا في السودان إثر هجمات بطائرات مسي ...


المزيد.....

- مدرسة غامضة / فؤاد أحمد عايش
- أسئلة خيارات متعددة في الاستراتيجية / محمد عبد الكريم يوسف
- أية رسالة للتنشيط السوسيوثقافي في تكوين شخصية المرء -الأطفال ... / موافق محمد
- بيداغوجيا البُرْهانِ فِي فَضاءِ الثَوْرَةِ الرَقْمِيَّةِ / علي أسعد وطفة
- مأزق الحريات الأكاديمية في الجامعات العربية: مقاربة نقدية / علي أسعد وطفة
- العدوانية الإنسانية في سيكولوجيا فرويد / علي أسعد وطفة
- الاتصالات الخاصة بالراديو البحري باللغتين العربية والانكليزي ... / محمد عبد الكريم يوسف
- التونسيات واستفتاء 25 جويلية :2022 إلى المقاطعة لا مصلحة للن ... / حمه الهمامي
- تحليل الاستغلال بين العمل الشاق والتطفل الضار / زهير الخويلدي
- منظمات المجتمع المدني في سوريا بعد العام 2011 .. سياسة اللاس ... / رامي نصرالله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - رانية مرجية - الوساطة والحوار: إعادة اكتشاف الإنسان في زمن الانقسام