أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رانية مرجية - حين ترى السماء ما تعجز الخرائط عن رؤيته قراءة تأويلية في قصة «طُموح» لعامر عودة















المزيد.....

حين ترى السماء ما تعجز الخرائط عن رؤيته قراءة تأويلية في قصة «طُموح» لعامر عودة


رانية مرجية
كاتبة شاعرة ناقدة مجسرة صحفية وموجهة مجموعات

(Rania Marjieh)


الحوار المتمدن-العدد: 8763 - 2026 / 7 / 11 - 10:02
المحور: الادب والفن
    


ليست كل قصة قصيرة مشروعًا للحكاية؛ فبعض القصص تكتب الحدث لكي تخفي وراءه سؤالًا أكبر من الحدث نفسه. هكذا تبدو قصة «طُموح» لعامر عودة؛ فهي، في ظاهرها، تروي حلم فتى يريد أن يصبح طيارًا، لكنها، في عمقها، تستدرج القارئ إلى مساءلة العلاقة بين الإنسان والمكان، وبين الحرية والحدود، وبين العالم كما تخلقه الطبيعة والعالم كما تعيد السلطة رسمه. وما إن يبلغ القارئ الجملة الأخيرة حتى يكتشف أن النص لم يكن يتحدث عن الطيران بقدر ما كان يتحدث عن استحالة التحليق الكامل في عالم ما تزال خرائطه تُدار بمنطق الفصل أكثر مما تُدار بمنطق الوصل.

تكمن قوة النص في أنه لا يقدّم أطروحته مباشرة، بل يبنيها من داخل التجربة الإنسانية الأكثر براءة: دهشة الطفل في رحلته الجوية الأولى. وهذه الدهشة ليست انفعالًا عابرًا، بل لحظة معرفية يتغير فيها شكل العالم. فالرؤية من الأعلى لا تمنح رائد منظرًا جديدًا فحسب، بل تمنحه وعيًا جديدًا؛ إذ كلما ابتعدت العين عن التفاصيل اقتربت من الصورة الكلية. وهكذا يغدو التحليق فعلًا معرفيًا قبل أن يكون فعلًا حركيًا.

يكتشف رائد، من نافذة الطائرة، حقيقة تغيب عن الخرائط المدرسية: الطبيعة لا تُجزِّئ نفسها. فالجبال لا تتوقف عند الحدود، والأنهار لا تغيّر مجراها احترامًا للسيادة، والبحار لا تعرف أسماء الدول التي تطل عليها. إن العالم، في انتظامه الطبيعي، أكثر انسجامًا من الصورة التي تنتجها السياسة عنه. ولهذا تأتي عبارة السارد: «فالطبيعة لا تعترف بالخطوط، خاصة الحمراء» بوصفها المفتاح التأويلي للنص كله؛ فهي ليست وصفًا للطبيعة، بل نقدًا لطريقة الإنسان في تمثيلها.

فالخط الأحمر في الخريطة ليس مجرد علامة كارتوغرافية، بل أثرٌ لقرار سياسي وتاريخ من الصراع، وإرادة في تعريف المكان عبر المنع لا عبر الامتداد. ومن هنا لا يرفض رائد الجغرافيا، بل يرفض اختزالها إلى سلطة. وتؤسس القصة بذلك ثنائية عميقة بين جغرافيا الطبيعة التي تنتج التواصل، وجغرافيا السلطة التي تنتج الفصل.

غير أن الكاتب لا يحوّل هذه الفكرة إلى خطاب مباشر، بل يتركها تتجسد في وعي الطفل. فلا يشرح للقارئ معنى الحدود، وإنما يجعله يكتشف، مع رائد، التناقض بين عالم يبدو من السماء متصلًا، وعالم يعاد تنظيمه على الأرض بمنطق الانقسام. وهنا ينتقل النص من الحكاية إلى التأمل، ومن الواقعة إلى الرمز.

ومن اللافت أن الطيران لا يُقدَّم بوصفه إنجازًا تقنيًا، بل بوصفه تغييرًا في زاوية النظر. ففي الأدب ليست الرؤية فعلًا بصريًا فحسب، بل هي فعل معرفي يتغير معه معنى الأشياء بتغيّر موضع الناظر إليها. ومن هنا لا يغيّر الكاتب شخصية رائد بقدر ما يغيّر موقع نظره؛ فالصعود إلى السماء ليس انتقالًا في المكان فحسب، بل انتقال في الوعي. إنها تقنية سردية تجعل زاوية الرؤية نفسها جزءًا من الدلالة، لا مجرد وسيلة لنقلها.

ولهذا لا تبدو نافذة الطائرة عنصرًا عابرًا، بل الحد الفاصل بين عالمين: عالم تُثقل الإنسانَ فيه التفاصيل اليومية، وآخر تتراجع فيه التفاصيل لصالح الصورة الكلية. ومن خلالها يكتشف رائد أن الحدود التي تبدو قاطعة على الورق تكاد تختفي حين تُرى من السماء، وكأن كثيرًا مما نظنه حقائق ثابتة ليس سوى نتاج لزاوية النظر التي اعتدناها.

ومن هنا تكتسب الجغرافيا في النص وظيفة تتجاوز موضوعها المدرسي؛ فهي ليست علمًا للمكان فحسب، بل طريقة لتمثيله. فالمكان واحد، أما الخرائط فمتعددة، وكل خريطة تحمل رؤيتها الخاصة للعالم. ولهذا يميز رائد، بحدسه الطفولي، بين خريطتين: واحدة تكشف تضاريس الأرض، وأخرى تفرض عليها نظامًا سياسيًا. وهكذا تتحول الخريطة من وثيقة جغرافية إلى نص ثقافي ينتج المعنى بقدر ما يصف المكان.

وتؤدي شخصية الأم، رغم حضورها المحدود، وظيفة تأسيسية في البناء السردي؛ فهي أول من يمنح الطفل شرعية أن يحلم. وحين تقول: «طموحات الأطفال كالأرض الخصبة…» لا تقدم حكمة تربوية فحسب، بل تؤكد أن الحلم هو البذرة الأولى التي ينمو منها المستقبل.

ومن أرقّ مشاهد القصة وصف الحلم بأنه «زنبقة» زرعها رائد في أرض أحلامه. فالزنبقة، بما تحمله من دلالات النقاء والهشاشة، تجعل الحلم كائنًا رقيقًا يحتاج إلى الحماية، لا قوة صلبة تفرض نفسها. ولهذا يخفيه رائد عن الآخرين خشية أن يُصاب بما تُصاب به الأحلام غالبًا: الاستهزاء أو الإحباط.

كما يكتسب استحضار عباس بن فرناس دلالة تتجاوز البعد التاريخي؛ فهو شاهد على أن الحلم يسبق الإنجاز دائمًا، وأن كل قفزة حضارية بدأت يومًا بما بدا مستحيلًا.

ويبلغ النسق الرمزي ذروته في مشهد الصف. فحين يسأل المعلم عن طموحات التلاميذ، يخرج الحلم من فضائه الداخلي إلى فضاء الواقع، ويستعير الكاتب لغة الطيران ليصف هذه اللحظة: «هبط بطائرة أحلامه هبوطًا اضطراريًا.» وهي صورة ناجحة لأن الاستعارة هنا ليست زينة لغوية، بل امتداد للبنية السردية نفسها؛ فالحلم الذي أقلع في بداية النص يختبر، للمرة الأولى، مقاومة الواقع.

ولا يجعل الكاتب المعلم خصمًا للحلم؛ فهو لا يسخر ولا يقمع، بل يبتسم ويتمنى. غير أن المشكلة لا تكمن في موقف المعلم، بل في ذلك الواقع الصامت الذي يحضر بين الكلمات أكثر مما يحضر داخلها. وهنا يمارس النص واحدة من أهم تقنياته، إذ يجعل المسكوت عنه أكثر حضورًا من الملفوظ.

وتبلغ القصة ذروتها الفنية في خاتمتها، حين يقول السارد: «هذا الحلم الجميل يستطيع أن يتخطى حدود جميع الدول، لكنه لا يستطيع أن يتخطى الحدود التي تفصل بين شعبين يعيشان في دولة واحدة.»

ولا ينبغي قراءة هذه الجملة بوصفها تصريحًا سياسيًا مباشرًا، بل بوصفها سؤالًا إنسانيًا عن العلاقة بين التقدم التقني والتقدم الأخلاقي. فالإنسان استطاع أن يهزم الجاذبية ويختصر المسافات، لكنه لم يهزم بعد نزعات الإقصاء والتمييز والخوف. وهكذا تصبح الطائرة رمزًا مزدوجًا: علامة على أقصى ما بلغه العقل من قدرة، وشاهدًا في الوقت نفسه على حدود تلك القدرة حين تصطدم بما يصنعه الإنسان من انقسامات.

ومن هنا لا يعود رائد بطلًا فرديًا، بل صورةً للإنسان كلما اصطدمت أحلامه بحدود لا تنتمي إلى الطبيعة، وإنما إلى التاريخ والسياسة وبنى الهيمنة. فالقصة لا تسأل: ماذا أريد أن أصبح؟ بقدر ما تسأل: أي عالم يسمح للأحلام أن تتحقق؟

ولعل هذا هو الإنجاز الأبرز لعامر عودة. فهو لا يكتب عن الحرية بوصفها شعارًا، بل بوصفها تجربة شعورية تبدأ من دهشة طفل أمام نافذة طائرة، ثم تتسع لتصبح سؤالًا عن العدالة والانتماء وإمكان العيش في عالم لا يُختزل فيه الإنسان إلى موقعه على الخريطة. فالكاتب لا يواجه الخرائط بالطيران، بل بالرؤية؛ لأن أول أشكال التحرر هو أن يرى الإنسان العالم خارج الصور التي فرضتها عليه السلطة والعادة.

وهكذا ينجح عامر عودة في أن يكتب قصة قصيرة بحجمها، كبيرة بأفقها. قصة تبدأ بحلم طفل، وتنتهي بسؤال يخص الإنسانية كلها: ليست المشكلة أن الإنسان لا يستطيع أن يطير، فقد فعل ذلك منذ زمن؛ المشكلة أنه، بعد كل هذا التحليق، لم يتعلم بعد كيف يجعل الأرض جديرةً بمن يحلّقون في سمائه



#رانية_مرجية (هاشتاغ)       Rania_Marjieh#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- غزة… حين تصبح النجاة خبرًا
- حين يكون السلوك لغة لا عقوبة إدارة السلوك الإيجابي مع أطفال ...
- الأرضُ التي تعرفُ اسمي -
- على مائدة الكلمة لماذا غسل يسوع أقدام تلاميذه؟ العظمة التي ا ...
- الوساطة والحوار: إعادة اكتشاف الإنسان في زمن الانقسام
- الوطن ليس مكانًا… بل ما يبقى منك حين يتغير المكان
- على مائدة الكلمة لماذا توقف يسوع من أجل امرأة مجهولة؟ حين تك ...
- الغرفة التي لا تُؤجَّر
- حيفا… المدينة التي تخفي وجعين
- ليس الموت آخر ما يفعله السجن
- الحكاية حين تُربي الجمال قراءة نقدية في سلسلة «مملكة الأحلام ...
- أناشيد النور النشيد الأول حين بكى الكلمة
- حين عدتُ إلى مارون عبود… قرأتُ أمي من جديد
- حينَ صارَ الحبُّ مرئيًّا
- حين يحاكم الاحتلال التاريخ أرض الروم الأرثوذكس… من يملك حق ك ...
- الراحة بوصفها عودة الكائن إلى الله قراءة تأويلية في متى 11: ...
- القدس ليست للبيع… ولا لإعادة التعريف
- نائلة لبس ومشروع صون الذاكرة الشفوية الفلسطينية قراءة في تجر ...
- الأرجيلة… أحسن من كثير ناس
- “فاطرحوا كل خبث وكل مكر والرياء والحسد وكل مذمة” (1بطرس 2: 1 ...


المزيد.....




- من ذهب القيصر إلى الياقوت السوفيتي.. قصة نجوم الكرملين الخال ...
- أصوات الزمن السوفيتي تعود إلى الواجهة.. مسلم ماغوماييف في صد ...
- من قاطرات بخارية إلى نغمات معاصرة.. -تون- يعيد إحياء مستودع ...
- قراءة في رواية ورد الشام للكاتب سعيد نفّاع
- بعدما كتبت له سطور في الحرية.. دعوة سورية مفتوحة للفنان فضل ...
- يعرض قريبا.. -خلي بالك من نفسك- أول فيلم يجمع بين ياسمين عبد ...
- كيف حوّل فنان ستيني رصيف مترو بالقاهرة إلى معرض مفتوح للرسم ...
- -بروفة يوم الحساب-.. مسرحية سورية حول العدالة الانتقالية رفع ...
- -إعلان بيروت العالمي-.. صرخة لإنقاذ ذاكرة جنوب لبنان من المح ...
- موسكو توسّع مهرجان -جادة المسرح- بعروض جديدة ومشاركة دولية


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رانية مرجية - حين ترى السماء ما تعجز الخرائط عن رؤيته قراءة تأويلية في قصة «طُموح» لعامر عودة