أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رانية مرجية - غزة… حين تصبح النجاة خبرًا














المزيد.....

غزة… حين تصبح النجاة خبرًا


رانية مرجية
كاتبة شاعرة ناقدة مجسرة صحفية وموجهة مجموعات

(Rania Marjieh)


الحوار المتمدن-العدد: 8762 - 2026 / 7 / 10 - 21:22
المحور: الادب والفن
    


لم تعد المأساة في غزة تقتصر على الموت.

المأساة الأكبر أن النجاة نفسها أصبحت خبرًا يستحق الاحتفاء.

حين يصبح الوصول إلى الماء حدثًا سعيدًا، والحصول على رغيف خبز مناسبة للامتنان، والنوم ليلة كاملة من دون قصف إنجازًا يُروى، ندرك أن الحرب لم تكتفِ بتدمير المكان، بل أعادت صياغة معنى الحياة.

ليس لأن الفلسطينيين اختاروا سقفًا أقل لأحلامهم، بل لأن الحرب دفعتهم إلى إعادة تعريف الحد الأدنى لما يمكن أن يُسمى حياة.

وهذه هي الحرب التي لا تلتقطها عدسات الكاميرات.

حرب تغيّر معايير الإنسان من الداخل.

في الأحوال الطبيعية، يحلم الأب بأن يرى أبناءه يكبرون، يتعلمون، ويشقون طريقهم نحو مستقبل أفضل.

أما في غزة، فقد صار حلم كثير من الآباء أن يعود أطفالهم سالمين من رحلة البحث عن الماء، أو أن تمر ليلة من دون أن يوقظهم دوي انفجار.

وحين تنخفض الأحلام إلى هذا الحد، لا تكون الخسارة مادية فقط.

إنها خسارة تمس صورة الإنسان عن مستقبله.

وهنا يكمن الوجه الأخطر للحرب.

فالحروب لا تقتل البشر فحسب، بل تعيد تشكيل معنى الحياة لديهم.

تجعل الإنسان يقيس يومه بعدد الساعات التي نجا فيها، لا بعدد ما أنجزه.

وتجعل الأطفال يعرفون أسماء الطائرات قبل أسماء الطيور.

وتجعل الأمهات يحفظن مواقع الملاجئ أكثر مما يحفظن عناوين الحدائق.

هذه ليست تفاصيل عابرة.

إنها تحولات اجتماعية ونفسية ستبقى آثارها طويلة بعد أن يصمت السلاح.

ولهذا، فإن أخطر ما يحدث في غزة ليس الدمار الذي تُظهره الصور.

بل ذلك الدمار الصامت الذي يصيب مفهوم الحياة الطبيعية.

حين يصبح السؤال كل صباح: «هل سنعيش اليوم؟» بدلًا من «ماذا سنفعل اليوم؟»، تكون الحرب قد تجاوزت حدود الجغرافيا، ودخلت إلى اللغة، وإلى الوعي، وإلى المستقبل.

ومع ذلك، تواصل غزة الإدهاش.

ليس بالشعارات، بل بالإصرار اليومي على حماية ما تبقى من الحياة.

أطفال يتلقون دروسهم في صفوف مؤقتة بين الركام.

أمهات يخبزن بما تيسر.

معلمون يشرحون دروسهم داخل خيام النزوح.

أطباء يواصلون أداء رسالتهم بأدوات لا تكفي.

ليست هذه بطولات استثنائية، بقدر ما هي دفاع يومي عن فكرة بسيطة: أن الإنسان خُلق ليحيا، لا ليكتفي بالنجاة.

وربما من هنا ينبغي أن تبدأ الصحافة.

لا من تعداد الضحايا، ولا من إحصاء حجم الدمار، بل من السؤال الذي لا يُطرح بما يكفي:

ماذا يحدث لمجتمع حين تصبح النجاة أعلى سقف للأمل؟

فالمجتمعات لا تُقاس فقط بعدد من بقوا أحياء.

بل بما بقي فيهم من قدرة على الحلم.

وإذا كان الموت يسلب الإنسان حياته مرة واحدة، فإن الاكتفاء بالنجاة قد يسلبه شيئًا آخر، أكثر هدوءًا وأشد قسوة:

حقه في أن يتطلع إلى الغد، لا أن يكتفي بالوصول إليه.

ولهذا، فإن غزة لا تحتاج إلى من يذكّر العالم بأنها تنزف.

فالعالم يعرف ذلك.

ما يحتاج إلى فهمه هو أن أكبر خسائر الحروب ليست دائمًا تلك التي يمكن إحصاؤها.

بل تلك التي تغيّر الإنسان من الداخل، حتى يصبح البقاء، لا الحياة، هو الحلم.

ولهذا، أخشى على غزة من اليوم الذي يصبح فيه الخبر السعيد الوحيد:

أن يومًا آخر مضى…

ولم يمت فيه أحد



#رانية_مرجية (هاشتاغ)       Rania_Marjieh#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حين يكون السلوك لغة لا عقوبة إدارة السلوك الإيجابي مع أطفال ...
- الأرضُ التي تعرفُ اسمي -
- على مائدة الكلمة لماذا غسل يسوع أقدام تلاميذه؟ العظمة التي ا ...
- الوساطة والحوار: إعادة اكتشاف الإنسان في زمن الانقسام
- الوطن ليس مكانًا… بل ما يبقى منك حين يتغير المكان
- على مائدة الكلمة لماذا توقف يسوع من أجل امرأة مجهولة؟ حين تك ...
- الغرفة التي لا تُؤجَّر
- حيفا… المدينة التي تخفي وجعين
- ليس الموت آخر ما يفعله السجن
- الحكاية حين تُربي الجمال قراءة نقدية في سلسلة «مملكة الأحلام ...
- أناشيد النور النشيد الأول حين بكى الكلمة
- حين عدتُ إلى مارون عبود… قرأتُ أمي من جديد
- حينَ صارَ الحبُّ مرئيًّا
- حين يحاكم الاحتلال التاريخ أرض الروم الأرثوذكس… من يملك حق ك ...
- الراحة بوصفها عودة الكائن إلى الله قراءة تأويلية في متى 11: ...
- القدس ليست للبيع… ولا لإعادة التعريف
- نائلة لبس ومشروع صون الذاكرة الشفوية الفلسطينية قراءة في تجر ...
- الأرجيلة… أحسن من كثير ناس
- “فاطرحوا كل خبث وكل مكر والرياء والحسد وكل مذمة” (1بطرس 2: 1 ...
- حين يحاول الإنسان أن يكتب ما لم يكتبه الله قراءة تأويلية في ...


المزيد.....




- -بروفة يوم الحساب-.. مسرحية سورية حول العدالة الانتقالية رفع ...
- -إعلان بيروت العالمي-.. صرخة لإنقاذ ذاكرة جنوب لبنان من المح ...
- موسكو توسّع مهرجان -جادة المسرح- بعروض جديدة ومشاركة دولية
- رسول حمزاتوف... الشاعر الذي حمل داغستان إلى العالم
- غموض يلف حادثة بوشهر: تضارب الروايات يفتح الباب أمام فرضية - ...
- لماذا تُعد رواية -يفغيني أونيغين- لبوشكين -موسوعة الحياة الر ...
- مسؤول أميركي يدعي: ?واشنطن لا ?تزال ملتزمة ?بإيجاد ?حل مع إي ...
- الثقافة السورية تدعو الفنان فضل شاكر لزيارة دمشق تكريما لموا ...
- روسيا وفلسطين توقعان مذكرة لتوثيق ومعالجة التراث الثقافي رقم ...
- روسيا تلتزم بترميم المعالم التاريخية والثقافية المتضررة


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رانية مرجية - غزة… حين تصبح النجاة خبرًا