رانية مرجية
كاتبة شاعرة ناقدة مجسرة صحفية وموجهة مجموعات
(Rania Marjieh)
الحوار المتمدن-العدد: 8768 - 2026 / 7 / 16 - 15:39
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
في القدس، لا تُقاس قيمة المدرسة بعدد صفوفها أو طلابها، بل بما تمثله من ذاكرة وهوية ومستقبل. فهي ليست مكانًا لتلقي المعرفة فحسب، وإنما مساحة تحفظ الرواية الوطنية، وتمنح الأجيال القدرة على التمسك بحقها في مدينتها وتاريخها. لذلك، فإن الاعتداء على مؤسسة تعليمية لا يمكن قراءته باعتباره حادثة معزولة، بل بوصفه جزءًا من واقع تتعرض فيه المدينة لضغوط متواصلة تمس الإنسان والمكان والهوية.
لقد أعاد اقتحام مدرسة دار الأيتام الإسلامية في البلدة القديمة بالقدس، وما رافقه من اعتداء على مرافقها ورموزها، التذكير بأن الصراع لا يدور على الأرض وحدها، بل يمتد إلى الوعي أيضًا. فحين تُنتهك حرمة مدرسة، فإن الرسالة تتجاوز الجدران والكتب، لتلامس حق المجتمع في أن يربي أبناءه على تاريخه وثقافته وانتمائه.
والمدرسة في القدس تؤدي دورًا يتجاوز وظيفتها التعليمية؛ فهي إحدى مؤسسات الصمود المدني، وحلقة أساسية في حماية الذاكرة الجماعية. ولهذا، فإن المساس بها لا ينعكس على العملية التعليمية وحدها، بل يترك أثرًا في الشعور بالأمان، وفي قدرة المجتمع على الحفاظ على مقومات وجوده الثقافي والوطني.
ولعل أخطر ما في استهداف المؤسسات التعليمية أنه يستهدف المستقبل بصمت. فالرهان على إضعاف المدرسة هو رهان على إضعاف الوعي، لأن الشعوب التي تفقد مؤسساتها التعليمية تفقد تدريجيًا قدرتها على صون هويتها وروايتها. أما حين تبقى المدرسة قائمة، ويبقى الطالب متمسكًا بكتابه، فإن ذلك يعني أن المستقبل ما زال قادرًا على مقاومة محاولات الطمس والإلغاء.
إن حماية المدارس ليست قضية تربوية فحسب، بل مسؤولية قانونية وأخلاقية وإنسانية، لأن الحق في التعليم الآمن من الحقوق الأساسية التي كفلتها المواثيق الدولية، ولأن المؤسسات التعليمية يجب أن تبقى بمنأى عن كل ما يهدد رسالتها أو يحولها إلى ساحة للصراع.
القدس لا تحتاج إلى مزيد من الخوف في مدارسها، بل إلى مزيد من الطمأنينة التي تتيح لأطفالها أن يتعلموا، ويحلموا، ويبنوا مستقبلهم. فالمعرفة كانت، وستبقى، أقوى وسائل حماية الإنسان من محاولات الاقتلاع، وأقصر الطرق إلى صون الهوية.
قد تُقتحم مدرسة، وقد تُكسر لافتة، وقد تُنتهك حرمة مكانٍ خُصص للعلم، لكن التاريخ يثبت أن الأفكار لا تُهزم بالقوة، وأن الهوية لا تُمحى ما دام هناك طفل يحمل حقيبته كل صباح، ومعلم يؤمن برسالته، ومجتمع يدرك أن الدفاع عن المدرسة هو، في جوهره، دفاع عن الإنسان، وعن القدس، وعن حقها في أن تبقى مدينةً تصنع مستقبلها بالعلم قبل أي شيء آخر
#رانية_مرجية (هاشتاغ)
Rania_Marjieh#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟