أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - رانية مرجية - الاستيطان الناعم… احتلال يكتب المستقبل قبل أن يصل














المزيد.....

الاستيطان الناعم… احتلال يكتب المستقبل قبل أن يصل


رانية مرجية
كاتبة شاعرة ناقدة مجسرة صحفية وموجهة مجموعات

(Rania Marjieh)


الحوار المتمدن-العدد: 8764 - 2026 / 7 / 12 - 20:44
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


ليست كل أشكال الاحتلال تُفرض بالدبابات، ولا كل الخرائط تُرسم على طاولات المفاوضات. فثمة احتلال يتقدم بخطوات بطيئة، يكاد لا يُرى، لكنه يترك أثرًا أعمق من ضجيج الحروب. إنه ما بات يُعرف بـ”الاستيطان الناعم”، حيث لا يكون الهدف السيطرة على الأرض فحسب، بل إعادة تشكيلها سياسيًا وثقافيًا وتاريخيًا، حتى يصبح الواقع الجديد مألوفًا، ويغدو الاعتراض عليه مع مرور الوقت أكثر صعوبة.

هذا التحول لم يعد مجرد توصيف سياسي، بل أصبح نهجًا واضحًا في إدارة الصراع. فإلى جانب التوسع الاستيطاني، تتسارع عمليات شق الطرق، وتطوير البنية التحتية، واستثمار المواقع الأثرية، وإقامة المشاريع السياحية في الأراضي المحتلة، في إطار سياسة تتجاوز البعد العمراني إلى محاولة تثبيت رواية سياسية على الأرض. وتكشف التقارير الأخيرة عن اتساع هذا التوجه في الضفة الغربية والقدس، بما يحمله من آثار على الواقع الجغرافي والسكاني.



القدس، بطبيعة الحال، هي أكثر الأماكن تعبيرًا عن هذا التحول. فهي ليست مجرد مدينة تتنازعها السياسات، بل مدينة تختزن ذاكرة دينية وإنسانية يصعب فصلها عن حاضرها. لذلك، فإن أي تغيير يطال معالمها أو مقدساتها أو تركيبتها السكانية لا يبقى شأنًا محليًا، بل يتحول إلى قضية تمس التراث الإنساني والقانون الدولي معًا. والإجراءات التي شهدها المسجد الأقصى مؤخرًا، بما فيها القيود المفروضة على بعض الشخصيات الدينية، تأتي ضمن سياق أوسع يثير قلقًا متزايدًا بشأن مستقبل المدينة وهويتها.



ما يميز الاستيطان الناعم أنه لا يسعى إلى تحقيق انتصار سريع، بل إلى صناعة واقع دائم. فهو يراهن على عامل الزمن، وعلى قدرة التغيير التدريجي على تحويل الوقائع المؤقتة إلى حقائق يصعب التراجع عنها. وهذه هي المفارقة الأكثر خطورة؛ إذ يصبح الزمن نفسه أداة من أدوات الصراع، ويغدو الاعتياد على المشهد الجديد جزءًا من تكريس هذا الواقع.

في المقابل، يقف المجتمع الدولي أمام اختبار يتكرر منذ عقود. فالقانون الدولي يرفض الاستيطان في الأراضي المحتلة، والقرارات الأممية تؤكد عدم شرعيته، غير أن الفجوة بين النصوص القانونية والواقع الميداني ما تزال واسعة. والسؤال الذي يفرض نفسه ليس عن غياب المواقف، بل عن غياب الآليات القادرة على تحويل تلك المواقف إلى أثر ملموس يحفظ ما تبقى من الثقة بالمنظومة القانونية الدولية.

ومع ذلك، فإن التاريخ لا يُكتب بالقوة وحدها. فالأرض قد تتغير معالمها، لكن الذاكرة الجماعية لا تُعاد صياغتها بسهولة. والهوية الوطنية لا تُقاس بعدد المباني أو أسماء الشوارع، بل بقدرة أصحابها على صون روايتهم، ونقلها إلى الأجيال، والدفاع عنها في وجه محاولات الطمس والتهميش. ولهذا، فإن الحفاظ على القدس لا يبدأ عند حدود الدفاع عن حجارتها، بل يبدأ من حماية معناها، ومن الإيمان بأنها ليست ملكًا لجيل واحد، بل إرثًا إنسانيًا تتقاسمه الذاكرة والتاريخ.

إن أخطر ما في الاستيطان الناعم أنه لا يفرض نفسه دفعة واحدة، بل يتسلل إلى تفاصيل الحياة حتى يبدو، بعد سنوات، وكأنه الواقع الوحيد الممكن. ولهذا، فإن مواجهته لا تكون بردود فعل موسمية، وإنما برؤية بعيدة المدى تستند إلى القانون، وتعزز صمود الإنسان الفلسطيني، وتحافظ على الرواية التاريخية، وتمنع تحويل الزمن إلى شريك في تكريس الظلم.

فالقدس، في نهاية المطاف، ليست مجرد قضية حدود، ولا مجرد عنوان في نشرات الأخبار. إنها سؤال دائم عن العدالة، وعن قدرة العالم على حماية القيم التي أعلن التزامه بها. وما بين واقع يُفرض بقوة الأمر الواقع، وحق تؤيده الشرعية الدولية، يبقى الرهان على أن التاريخ لا ينصف الأقوى دائمًا، بل قد ينصف أيضًا أولئك الذين يواصلون الدفاع عن حقهم بصبر، ويتمسكون بهويتهم رغم كل ما يحيط بها من محاولات للمحو.



#رانية_مرجية (هاشتاغ)       Rania_Marjieh#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- على مائدة الكلمة لماذا تأخر يسوع؟ حين يبدو صمت الله قاسيًا… ...
- حين ترى السماء ما تعجز الخرائط عن رؤيته قراءة تأويلية في قصة ...
- غزة… حين تصبح النجاة خبرًا
- حين يكون السلوك لغة لا عقوبة إدارة السلوك الإيجابي مع أطفال ...
- الأرضُ التي تعرفُ اسمي -
- على مائدة الكلمة لماذا غسل يسوع أقدام تلاميذه؟ العظمة التي ا ...
- الوساطة والحوار: إعادة اكتشاف الإنسان في زمن الانقسام
- الوطن ليس مكانًا… بل ما يبقى منك حين يتغير المكان
- على مائدة الكلمة لماذا توقف يسوع من أجل امرأة مجهولة؟ حين تك ...
- الغرفة التي لا تُؤجَّر
- حيفا… المدينة التي تخفي وجعين
- ليس الموت آخر ما يفعله السجن
- الحكاية حين تُربي الجمال قراءة نقدية في سلسلة «مملكة الأحلام ...
- أناشيد النور النشيد الأول حين بكى الكلمة
- حين عدتُ إلى مارون عبود… قرأتُ أمي من جديد
- حينَ صارَ الحبُّ مرئيًّا
- حين يحاكم الاحتلال التاريخ أرض الروم الأرثوذكس… من يملك حق ك ...
- الراحة بوصفها عودة الكائن إلى الله قراءة تأويلية في متى 11: ...
- القدس ليست للبيع… ولا لإعادة التعريف
- نائلة لبس ومشروع صون الذاكرة الشفوية الفلسطينية قراءة في تجر ...


المزيد.....




- هل واشنطن في حرب جديدة مع طهران؟ سفير أمريكا لدى الناتو يعلق ...
- مصر تواصل ترسيخ مكانتها.. معرض العلمين للطيران يعود بنسخة أك ...
- المجلس الرئاسي الليبي يشيد باجتماع سرت ويؤكد دعم مسار توحيد ...
- تحرك عاجل للجامعة العربية بعد الاعتداءات الإيرانية على عدد م ...
- خلال 12 ساعة الدفاع الجوي يدمر 220 طائرة مسيرة أوكرانية فوق ...
- ترامب يأمر بتنكيس الأعلام لمدة أسبوع حدادا على رحيل السيناتو ...
- رسالة مصرية تحذيرية لإثيوبيا حول خطوة -غير مسموح بها-
- الشرطة التركية تفض شجارا بين سوريين في شانلي أورفا وتقرر ترح ...
- وسائل إعلام: أنباء عن مقتل 3 جنود أمريكيين وإصابة آخرين في ه ...
- كيف وصلت العلاقات العُمانية الإيرانية إلى تصعيد غير مسبوق؟


المزيد.....

- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - رانية مرجية - الاستيطان الناعم… احتلال يكتب المستقبل قبل أن يصل