أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رانية مرجية - باب الأسرار














المزيد.....

باب الأسرار


رانية مرجية
كاتبة شاعرة ناقدة مجسرة صحفية وموجهة مجموعات

(Rania Marjieh)


الحوار المتمدن-العدد: 8770 - 2026 / 7 / 18 - 09:50
المحور: الادب والفن
    


في آخر الحارة القديمة كان باب أزرق يشيخ ببطء.

بهت لونه تحت شمس سنواتٍ طويلة، وأكل الصدأ مقبضه النحاسي، حتى بدا كيدٍ تعبت من الانتظار. لم يكن مغلقًا تمامًا، ولا مفتوحًا تمامًا، بل مواربًا، كما لو أنه لا يزال يمنح العالم فرصة أخيرة.

وراء ذلك الباب عاشت أم زيد.

لم يعرفها أحد حق المعرفة. كانوا يرونها قبيل الفجر، تعود من المخبز حاملة رغيفًا أو اثنين، تمشي بخطوات هادئة، ثم تختفي.

لكن الحارة كانت تعرف كيف تملأ الفراغ.

قالوا إنها طبيبة فقدت عقلها. وقالوا إنها هربت من حرب بعيدة. وقالوا إنها خسرت زوجًا وابنًا في ليلة واحدة. وكلما قلّت الحقيقة، ازداد الكلام.

ولم يخطر لأحد أن يطرق الباب.

ربما لأن الناس يخشون الحقيقة أكثر مما يحبون الحكايات.



في مساءٍ مطير، وقف كريم أمام الباب الأزرق.

كان في التاسعة من عمره، وفي عينيه ذلك الفضول الذي لم تلوثه ظنون الكبار.

رفع يده، وطرق الباب.

ثلاث طرقات.

انتظر.

ثم انفتح الباب ببطء.

وقفت امرأة يغزو الشيب شعرها، لكنها كانت تملك وجهًا هادئًا، كأن الزمن مرّ به دون أن ينتصر عليه.

نظرت إلى الطفل قليلًا، ثم سألت:
– أضعت طريقك؟

ابتسم.
– لا… بس حبيت أعرف مين ساكن هون.

ساد صمت قصير.

ثم تنحت عن الباب وقالت:
– تفضل.

دخل كريم.

لم يجد بيتًا للأسرار كما تخيل، بل بيتًا يشبه الكتب القديمة.

رفوف ممتلئة بالمجلدات، نباتات تعيش قرب النافذة، وصورٌ بالأبيض والأسود لوجوهٍ يكسوها الغياب.

وضعت أمامه كوب يانسون دافئ.

ظل يتأمل المكان، ثم سأل:
– ليش الناس ما بيجوا لعندك؟

ابتسمت ابتسامة خفيفة.

– يمكن لأنهم عرفوا عني قبل ما يعرفوني.

لم يفهم كريم الجملة تمامًا، لكنه شعر بثقلها.



صار يزورها كل يوم جمعة.

يحضر لها خبزًا ساخنًا أحيانًا، أو زهرةً برية يقطفها في طريقه.

وكانت، في المقابل، تعلّمه شيئًا جديدًا في كل زيارة.

مرةً أعطته كتابًا، وقالت:
– اقرأ ببطء… الكتب لا تحب المستعجلين.

ومرةً صححت له رسالة كتبها إلى معلمه، ثم أخبرته أن الكلمة الطيبة قد تغيّر يوم إنسانٍ كامل.

وفي مرة أخرى، جلسا صامتين طوال ساعة، يستمعان إلى المطر.

عندها اكتشف كريم أن الصمت أيضًا لغة.



كبر الطفل.

وكبر معه السؤال الذي لم يسأله يومًا.

من تكون أم زيد؟

لكنه، كلما همّ بالسؤال، تراجع.

أدرك أن الإنسان ليس ملزمًا بأن يروي جراحه حتى يستحق المحبة.



في صباح ربيعي، بقي الباب مواربًا كما هو.

لكن أم زيد لم تخرج.

وجدها كريم راحلة في كرسيها الخشبي، وكتاب مفتوح على حجرها، ونظارتها ما تزال بين الصفحات، كأنها توقفت عن القراءة لتلتقط أنفاسها… ثم مضت.

شيعها غرباء أكثر مما شيعها جيرانها.

وبعد أيام، عاد كريم إلى الباب الأزرق.

ظل واقفًا أمامه طويلًا.

ثم وضع وردة بيضاء على العتبة، وكتب بخط يده على الجدار:

“ليست كل الأبواب المغلقة تخفي سرًا… بعضها يحرس قلبًا أنهكه العالم.”

ومنذ ذلك اليوم، لم يعد أهل الحارة يمرون أمام الباب كما كانوا.

صار بعضهم يبطئ خطواته.

وبعضهم يلمس الخشب الأزرق برفق.

أما الأطفال، فكانوا يسمونه…

باب الأسرار.



#رانية_مرجية (هاشتاغ)       Rania_Marjieh#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حين يفقد المجتمع ثقته
- المجد حين يرتدي قناع الخراب قراءة تأويلية في قصيدة «بئس مجد» ...
- حين تُستهدف المدرسة… تُستهدف هوية القدس
- على مائدة الكلمة إذا كان الله معنا… فلماذا تهب العاصفة؟ قراء ...
- الخانة الأولى
- وجوهٌ من دخان
- الاستيطان الناعم… احتلال يكتب المستقبل قبل أن يصل
- على مائدة الكلمة لماذا تأخر يسوع؟ حين يبدو صمت الله قاسيًا… ...
- حين ترى السماء ما تعجز الخرائط عن رؤيته قراءة تأويلية في قصة ...
- غزة… حين تصبح النجاة خبرًا
- حين يكون السلوك لغة لا عقوبة إدارة السلوك الإيجابي مع أطفال ...
- الأرضُ التي تعرفُ اسمي -
- على مائدة الكلمة لماذا غسل يسوع أقدام تلاميذه؟ العظمة التي ا ...
- الوساطة والحوار: إعادة اكتشاف الإنسان في زمن الانقسام
- الوطن ليس مكانًا… بل ما يبقى منك حين يتغير المكان
- على مائدة الكلمة لماذا توقف يسوع من أجل امرأة مجهولة؟ حين تك ...
- الغرفة التي لا تُؤجَّر
- حيفا… المدينة التي تخفي وجعين
- ليس الموت آخر ما يفعله السجن
- الحكاية حين تُربي الجمال قراءة نقدية في سلسلة «مملكة الأحلام ...


المزيد.....




- شجرة البتولا... الرمز الذي لا تكتمل صورة روسيا من دونه
- مبادرة شبابية في غزة توظف الذكاء الاصطناعي لكسر الحصار الرقم ...
- نزع صور الفنان اللبناني محمد إسكندر في يبرود قبل حفله بوادي ...
- وفاة -سيدة الحمام- الشهيرة
- -مينيونز والوحوش-.. رسالة في حب السينما الصامتة
- -لكل طفل أسرة-.. فعالية لتعميم ثقافة الاحتضان ورعاية أطفال ا ...
- كريستوفر نولان يعيد ملحمة هوميروس إلى الشاشة في -الأوديسة-
- ناشط يطالب النيابة العامة بالتحقيق مع مديرة متحف بوشكين السا ...
- الجمعية العراقية العلمية للفنون تبحث تأثير السينما في الثقاف ...
- فضل شاكر يستعد لمغادرة لبنان إلى الدوحة بعد رفع منع السفر عن ...


المزيد.....

- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رانية مرجية - باب الأسرار