أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حسين علي الحمداني - الأمة العراقية واسئلة الهوية














المزيد.....

الأمة العراقية واسئلة الهوية


حسين علي الحمداني

الحوار المتمدن-العدد: 8764 - 2026 / 7 / 12 - 12:52
المحور: الادب والفن
    


في صالة الانتظار بمطار القاهرة الدولي، وأنا في طريقي إلى تونس، وقف إلى جانبي رجل تونسي تجاوز الخمسين من عمره. وما إن عرف أنني عراقي حتى بدأت تتشكل في ذهنه أسئلة كثيرة، هي ذاتها التي يواجهها معظم العراقيين كلما التقوا بعربي في الخارج.

لم أكن أرغب في التهرب من أسئلته، بل كنت أكثر فضولاً لمعرفة الصورة التي يحملها عن العراق، وهو الذي لا يعرف عنه سوى ما تنقله وسائل الإعلام.

لكن سؤاله الأول جاء مفاجئاً:

ـ أنتم أمة عراقية، أليس كذلك؟

أجبته: نعم، نحن أمة عراقية. ثم سألته: وما الذي دفعك إلى هذا الاستنتاج؟

قال: من خلال متابعتي لأخبار العراق لاحظت وجود ثقافات متعددة وآراء مختلفة.

قلت له: هذا التنوع كان موجوداً دائماً، لكنه ظل مغيباً لعقود طويلة، ولم يكن يُسمح بالظهور إلا لما يخدم صورة النظام السياسي آنذاك. وحين أتيحت مساحة من الحرية، ظهر العراق الحقيقي بكل تنوعه القومي والديني والثقافي والفكري.

في العراق اليوم لا يمكن أن تجد رأياً واحداً في قضية واحدة، بل تجد رؤى متعددة، وهذا ليس دليلاً على الضعف كما يظن البعض، بل هو سمة المجتمعات الحية التي تتعايش فيها الثقافات المختلفة لتصنع لوحة واحدة من ألوان متعددة. فالحقيقة لا تُرى من زاوية واحدة، وإنما تتجلى كلما تعددت زوايا النظر إليها.

العراق ليس لوحة بلون واحد.

أنصت الرجل بهدوء، وكأنه فتح شهيتي للحديث، لكن موعد الرحلة وتباعد مقاعدنا حالا دون استمرار الحوار.

خرجت من ذلك اللقاء وأنا سعيد باستنتاجه. فقد نظر إلى العراق بوصفه فضاءً للتعدد، لا ساحةً للصراع. رأى ثقافات متنافسة في الإبداع، ومتكاملة في صناعة الهوية، لا متناحرة كما تصر بعض وسائل الإعلام وبعض الخطابات العربية على تصويرها.

ولعل كثيراً من المثقفين العراقيين شعروا، خلال السنوات الماضية، بشيء من الاغتراب عن محيطهم العربي، لأن المثقف العراقي لم يعد يعبر عن ثقافة السلطة، بل عن ثقافة مجتمع متعدد ومتغير. بينما بقيت أجزاء واسعة من المنظومة الثقافية العربية أسيرة خطاب الأنظمة، تعكس أولوياتها أكثر مما تعكس تنوع شعوبها، لذلك بدا النموذج العراقي، في نظر بعضهم، حالة شاذة عن النسق الثقافي العربي السائد.

ويعود ذلك، في جانب منه، إلى اختلاف المشروعين الثقافيين. فالمشروع الثقافي العراقي، بعد عام 2003، يقوم ـ رغم كل ما يعتريه من مشكلات ـ على الاعتراف بالتعددية الفكرية والثقافات المحلية، بينما ارتكزت مشاريع ثقافية عربية عديدة على رؤية أحادية تجعل الثقافة أداةً لتكريس السلطة، وإعادة إنتاج صورتها، وإخفاء تشوهاتها خلف خطاب إعلامي وثقافي براق.

فالثقافات التي تنتجها الأنظمة الشمولية لا تكتفي بتوجيه الحاضر، بل تعمل على إعادة تشكيل الذاكرة الجمعية للمجتمع، فتُعيد كتابة التاريخ، وتُهمّش المجتمع، وتُضخّم صورة الحاكم حتى يصبح محور كل شيء، ومع مرور الزمن تتحول هذه الصورة إلى حقيقة يصعب تفكيكها.

لقد عانى العراق طويلاً من آثار هذا الإرث الثقافي، حتى وجد كثير من العراقيين أنفسهم مضطرين إلى إعادة قراءة تاريخهم لاكتشاف ما زُوِّر فيه وما مُحي منه. ولم يكن التاريخ وحده ضحية ذلك، بل الثقافة أيضاً بكل فروعها.

حتى الشعر، وهو أكثر الفنون التصاقاً بوجدان الإنسان، لم يسلم من هذا التشويه. فقد ارتبط، في أذهان أجيال كاملة، بقصائد الحرب والمديح والتقديس، بينما غابت القصيدة الإنسانية والوجدانية والغزلية عن المنابر الرسمية. وهكذا نشأ جيل لم يعرف من الشعر إلا رائحة المعارك، وصدى الشعارات، وهالات التقديس التي أُحيط بها الطاغية، قبل أن يكتشف لاحقاً أن للشعر وجهاً آخر، هو وجه الإنسان والحياة.



#حسين_علي_الحمداني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- اللقاء في عالم افتراضي
- من قتل الملك ؟
- صولة الفجر وسيادة القانون
- يوميات الحرب والحب والخوف (68)
- يوميات الحرب والحب والخوف (67)
- يوميات الحرب والحب والخوف (66)
- يوميات الحرب والحب والخوف (65)
- يوميات الحرب والحب والخوف (64)
- يوميات الحرب والحب والخوف (63)
- يوميات الحرب والحب والخوف (62)
- يوميات الحرب والحب والخوف (61)
- يوميات الحرب والحب والخوف (60)
- يوميات الحرب والحب والخوف (59)
- يوميات الحرب والحب والخوف (58)
- يوميات الحرب والحب والخوف (57)
- يوميات الحرب والحب والخوف (56)
- يوميات الحرب والحب والخوف (55)
- يوميات الحرب والحب والخوف (54)
- يوميات الحرب والحب والخوف (53)
- يوميات الحرب والحب والخوف (52)


المزيد.....




- يحيى جابر.. المسرحي الذي جعل اللبنانيين يشاهدون أنفسهم على ا ...
- سوريا.. بدء ترميم منزل أبي خليل القباني بعد سنوات من المطالب ...
- وفاة نجمة موسيقى الكانتري الأمريكية دولي بارتون عن 80 عاما
- -بطاقة بوشكين-.. أكثر من 40% من مؤسساتها في الريف الروسي
- شفيدكوي: حظر -ماشا والدب- في أوكرانيا يُفقِر صغارها
- -فقدنا ملاكاً على الأرض-.. العالم الفني يودّع دوللي بارتون ب ...
- من شنغهاي إلى موسكو.. تشاو لي هونغ والأدب الصيني في معرض موس ...
- -جاسوس ومتمرد-.. القصة الغامضة وراء إعدام الشاعر الروسي نيقو ...
- تركيا.. نجم مسلسل -الأوراق المتساقطة- يعمل سائق شاحنة في أمر ...
- ماجدة موريس تكتب :الموسيقي والناس.. والقلعة 


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حسين علي الحمداني - الأمة العراقية واسئلة الهوية