|
|
حوار مع الكاتب والأديب أسامة كمال( 1-3 )
عطا درغام
(Atta Dorgham)
الحوار المتمدن-العدد: 8760 - 2026 / 7 / 8 - 15:38
المحور:
مقابلات و حوارات
ثمة كتّاب يكتبون عن المدن، وآخرون تتحول المدينة في كتاباتهم إلى كائن حي، وإلى طريقة خاصة في رؤية العالم. ومن هؤلاء يأتي الكاتب والأديب أسامة كمال أبو زيد، أحد أبرز أصوات جيل التسعينيات في مصر وبورسعيد، الذي تنقل بين الشعر والقصة والمقال وأدب الطفل، وظل وفيًا لمدينته رغم اتساع حضوره في الصحافة الثقافية العربية. في هذا الحوار، نتوقف معه أمام أسئلة جيل كامل عاش سقوط الأيديولوجيات الكبرى، وصعود الصورة، وبدايات النشر الإلكتروني، كما نتأمل تجربته مع الكتابة من قلب بورسعيد، وعلاقته بالقاهرة، وأثر التحولات الاجتماعية والثقافية في مشروعه الإبداعي. ونتوقف أيضًا عند تجربته في الصحافة الثقافية، وترشحه لـ«جائزة الصحافة العربية»، لنطرح السؤال الذي ظل طويلًا يؤرق أدباء الأقاليم: هل ما زالت الجغرافيا تصنع الفارق، أم أن الموهبة وحدها أصبحت قادرة على العبور؟ ■ بداية، كيف ترى ملامح التمرد الفني لجيل التسعينيات الأدبي في بورسعيد مقارنة بالأجيال السابقة؟ أعتقد أن الأجيال الأدبية، سواء في مدينة المركز بالقاهرة أو في مدن الأقاليم، تتشابه إلى حد بعيد؛ لأن فكرة الأجيال في العالم الثالث تخضع في الأساس لظروف سياسية ومجتمعية وثقافية واحدة، فتنتج ملامح متقاربة مهما اختلفت الجغرافيا. جيلنا خرج إلى الكتابة في لحظة تاريخية مختلفة تمامًا. كانت مصطلحات مثل «نهاية التاريخ» عند فوكوياما، و«صراع الحضارات» عند هنتنجتون، وسقوط الأيديولوجيات الكبرى، تشكل المناخ الفكري للعالم بعد انهيار الاتحاد السوفيتي وتحوله إلى عالم أحادي القطبية. وهذا يختلف جذريًا عن المناخ الذي تشكلت فيه أجيال الستينيات والسبعينيات والثمانينيات. وهناك عامل آخر لا يقل أهمية، وهو وسائل إنتاج الثقافة. فجيل الثمانينيات، على سبيل المثال، أُطلق عليه «جيل الأحلام المسروقة»، لأنه عاش أزمة نشر حقيقية؛ ثلاث صحف رئيسية، وقناتان تلفزيونيتان، وسلاسل حكومية تمتد قوائم انتظارها سنوات طويلة، لذلك اتجه كثير منهم إلى مراسلة المجلات العربية. أما جيل التسعينيات، فقد وُصف بأنه «جيل الأحلام المؤجلة»، لأنه وجد نفسه بعد اختفاء المظلات الأيديولوجية الكبرى، فلم يعد يبحث عن انتماء فكري بقدر ما كان يبحث عن مظلة جمالية جديدة. كذلك كان جيلنا أول من عاش طوفان الصورة. فقد زاحمت الصورة وسائط المعرفة الأخرى، أولًا عبر السينما والتلفزيون، ثم عبر القنوات الفضائية التي انتشرت في النصف الثاني من التسعينيات، فدخلت المشهدية والرؤية البصرية والسينمائية إلى روح النصوص. لذلك لم يكن تمردنا موجهًا ضد الآباء، بقدر ما كان تمردًا على اليقين نفسه. لم نكن نبحث عن مدرسة ننتمي إليها، بل عن صوت يشبهنا، فدخلت السينما والفنون البصرية وقصيدة النثر والسرد العابر للأنواع إلى النص من باب واحد، هو البحث عن حرية أوسع للكتابة. ■ رغم ترشحك لجائزة الصحافة العربية، بقيت مقيمًا في بورسعيد. هل ما زالت الهجرة إلى القاهرة شرطًا للانتشار؟ أعتقد أن هذا التصور أصبح جزءًا من الماضي، خاصة بعد انتشار الإنترنت. أنت تتحدث مع كاتب ترشح لجائزة الصحافة العربية وهو لم يغادر مدينته، وربما لو كنت أعمل متفرغًا في مؤسسة صحفية أو كنت عضوًا نقابيًا لكانت فرصي أكبر، لكنني اخترت أن أبقى مرتبطًا ببورسعيد، حبًا للمكان وانتماءً إليه. بدأت علاقتي اليومية بالإنترنت منذ عام 2006، وكانت تلك نقطة تحول كبيرة في حياتي. صرت أرسل مقالاتي إلى الصحف والمجلات عبر البريد الإلكتروني، وفوجئت بأن معظمها يرحب بالنشر. وأذكر أنني كتبت مرة دراسة نقدية عن فيلم «عمارة يعقوبيان»، فأبدت خمس دوريات ثقافية كبيرة رغبتها في نشرها، فاخترت واحدة منها واعتذرت للبقية، بل إن بعض المؤسسات عرض عليّ العمل معها، لكن ارتباطي الوظيفي بهيئة قناة السويس حال دون ذلك. لقد غيّر الإنترنت قواعد اللعبة. قبل ذلك كان الكاتب في الأقاليم يحتاج إلى السفر حتى يصل صوته، أما اليوم فقد أصبح النص هو الذي يسافر. لم يلغِ الإنترنت أهمية القاهرة، لكنه أنهى احتكارها للمنابر الثقافية، وأعاد الاعتبار إلى الموهبة أينما كانت. ■ تخرجت في كلية الآداب بجامعة القاهرة. كيف أسهم الانتقال من بورسعيد إلى العاصمة في إدراكك لخصوصية هويتك الساحلية؟ ما زلت موزع الهوى بين القاهرة وبورسعيد. أحب القاهرة التي عرفتها في التسعينيات، وعشت فيها طالبًا مغرمًا بالمعرفة ومهمومًا بقضايا الوطن. حتى إنني لم أغادرها خلال سنوات الدراسة إلا مرات قليلة، فقد غرقت في محبتها، وتحولت بالنسبة لي إلى «نداهة» تغوي كل عاشق للثقافة. لكن مع مرور الوقت أدركت أن جذوري الساحلية ليست مجرد انتماء جغرافي، بل أوتاد روحية يصعب اقتلاعها. ولم أكتشف عمق هذا الانتماء إلا عندما ابتعدت عنه. القاهرة علمتني اتساع العالم، وفتحت أمامي أبواب الفكر والأدب، أما بورسعيد فقد علمتني معنى الانتماء. أحيانًا لا ندرك قيمة المكان إلا حين يتحول إلى ذاكرة، ومنذ عودتي لم أكتب عن بورسعيد لأنها مدينتي فقط، بل لأنها أصبحت طريقتي في رؤية العالم. شهدت بورسعيد تحولات عميقة مع قيام المنطقة الحرة وسياسات الانفتاح الاقتصادي. كيف انعكست تلك التحولات على وعيك وكتاباتك؟ اتخذ الرئيس محمد أنور السادات قرار إنشاء المنطقة الحرة عام 1976، لكن أسرتي لم تكن لها علاقة مباشرة بها. كان والدي موظفًا بهيئة قناة السويس، ولذلك لم أعرف المنطقة الحرة، في طفولتي، من خلال التجارة أو الأسواق، وإنما من خلال ما كانت تتركه خلفها من بقايا الكراتين والأخشاب وأشرطة القماش وأسياخ الألومنيوم التي كانت تغلف البضائع. كانت تلك المخلفات بالنسبة إلينا جزءًا من ألعاب الطفولة وخيالها. صنعنا منها عوالمنا الصغيرة، قبل أن أكتشف لاحقًا أنها كانت أيضًا من أسباب تغير ملامح المدينة. وما زلت أذكر القنال الداخلي، ذلك الشريان المائي الجميل الذي كان يشق بورسعيد، وكيف امتلأ تدريجيًا بالمخلفات، قبل أن يُردم نهائيًا تقريبًا عام 1982. لم أكن يومًا من المستفيدين من المنطقة الحرة، لكنني رأيت آثارها الاجتماعية بوضوح. وكانت السينما المصرية من أكثر الفنون وعيًا بهذه التحولات، ويكفي أن نتأمل أفلامًا مثل «المشبوه» و**«أهل القمة»** و**«سواق الأتوبيس»** لنرى كيف رصدت التحولات التي أحدثها الانفتاح الاقتصادي في المجتمع المصري. ومن الناحية الفكرية، كنت وما زلت منحازًا إلى نقد تجربة الانفتاح الاقتصادي، ذلك الذي وصفه الكاتب الكبير أحمد بهاء الدين بـ«انفتاح السداح مداح»، وهو وصف أراه معبرًا عن تجربة أضرت بالاقتصاد المصري أكثر مما أفادته. وأذكر أنني أجريت حوارًا مع المثقف البورسعيدي الراحل سمير معوض، الذي شغل منصب المستشار الاقتصادي لمحافظ بورسعيد، فأكد لي أن المشروع الذي وُضع للمنطقة الحرة على الورق كان مختلفًا تمامًا عما جرى تنفيذه على أرض الواقع. فالمدن الحرة في العالم تمتلك مجالس إدارة مستقلة ترسم سياساتها وتطورها، كما حدث في هونج كونج وتايوان وسنغافورة، بينما اختلطت عندنا الاختصاصات، وتعددت جهات اتخاذ القرار، فتحولت المنطقة الحرة إلى مدينة استهلاكية أكثر منها مدينة منتجة، وأصبحت بطاقات الاستيراد في كثير من الأحيان امتيازات تمنح لأصحاب النفوذ، حتى إنني كنت أسمي بعض الحاصلين عليها «العاطلين بالبطاقة»، في مقابل «العاطلين بالوراثة». أما على مستوى الكتابة، فقد كنت في بداياتي أطمح إلى كتابة نصوص تتجاوز حدود المدينة، ولذلك لم ترتبط مجموعتي القصصية «لك الموت يا راعي اليمامة» ولا مجموعتي الشعرية «كتابة بيضاء» مباشرة بما جرى في بورسعيد. لكن مع مرور السنوات اكتشفت أن بورسعيد ليست مجرد مكان أكتب عنه، بل مرآة يمكن أن أقرأ من خلالها تاريخ مصر المعاصر كله. ومن هنا بدأت أكتب عن المدينة، وعن ناسها، وعن تاريخها، لأنني أدركت أنها كانت، وما تزال، بوصلة دقيقة لكثير من التحولات التي عاشتها مصر. ■ كيف أسهمت الحواضن الثقافية في إقليم القناة وسيناء في تشكيل بداياتك الإبداعية؟ منذ بدأت الكتابة عام 1994 وجدت احتضانًا حقيقيًا من الجماعة الثقافية والأدبية في بورسعيد، وهو احتضان سبق كثيرًا من مراحل النشر والانتشار. ولا أنسى موقف شيخ شعراء بورسعيد، الأستاذ حامد البلاسي (1924-1999)، الذي كان، إلى جانب مكانته الشعرية، شيخ العطارين في المدينة. قرأ بعض نصوصي، ثم قال لي جملة لا تزال عالقة في ذاكرتي: «أنا ابن زمن آخر، لكن كتابتك لها طعم خاص.» وكان يقصد بالطعم ذلك التذوق الجمالي الذي لم يكن بعيدًا عن خبرته الطويلة في عالم العطارة. وما قاله حامد البلاسي، سمعته بصيغة نقدية مختلفة من المفكر والناقد الكبير محمود أمين العالم، حين راسلته ببعض أعمالي في العام نفسه. كما وجدت دعمًا من أدباء كبار، في مقدمتهم السيد الخميسي وقاسم مسعد عليوة، وكذلك من عدد من رموز جيل الثمانينيات في بورسعيد، مثل السيد زرد، وأحمد عبد الحميد، وإبراهيم أبو حجة، ومحمد النادي، وصلاح عساف، وصلاح متولي، ومحمد حامد السلاموني. آمن هؤلاء جميعًا بموهبتي، وتحولت العلاقة معهم إلى صداقة إنسانية وإبداعية ممتدة. لكنني أعترف أيضًا بأنني، في مرحلة من حياتي، قصرت في حق موهبتي، بسبب شعور طال أمده بعدم جدوى العمل الثقافي في مجتمع لا يمنح الثقافة ما تستحقه من اهتمام. ■ كتبت عن بورسعيد كثيرًا في السنوات الأخيرة، فما الذي دفعك إلى هذا التحول؟ في بداياتي كنت أهرب من المحلية، ظنًا مني أن العالمية تبدأ بالابتعاد عن المكان. لكنني اكتشفت مع الزمن أن أكثر الكتاب قدرة على مخاطبة العالم هم أولئك الذين يكتبون عن أمكنتهم بصدق. لذلك لم أعد أرى بورسعيد مدينة صغيرة على أطراف الخريطة، بل صارت عندي نصًا مفتوحًا على تاريخ مصر كله. كل شارع فيها يحمل حكاية، وكل وجه يحتفظ بذاكرة، وكل تحول شهدته المدينة كان يعكس، بطريقة أو بأخرى، تحولًا أوسع في المجتمع المصري. ولهذا أصبحت الكتابة عن بورسعيد، بالنسبة إلي، كتابة عن الإنسان، وعن الزمن، وعن الوطن، قبل أن تكون كتابة عن مدينة بعينها. كنت من أوائل أبناء جيلك الذين استفادوا من النشر الإلكتروني. كيف تنظر إلى تجربة مواقع مثل "كيكا" في كسر مركزية المشهد الثقافي؟ كان موقع كيكا من أوائل المنابر الإلكترونية التي نشرت لي في مطلع الألفية الجديدة، وكان يتمتع وقتها بقيمة ثقافية كبيرة، لأن كثيرًا من أبرز الكتاب العرب، ولا سيما المقيمين في أوروبا، كانوا ينشرون عبره. كما نشرت في مواقع مهمة مثل جهة الشعر وقصيدة النثر المصرية ودروب، وكانت جميعها تمثل آنذاك منصات مؤثرة في الحركة الثقافية العربية، وإن تراجع تأثير بعضها مع مرور الزمن. منذ تلك اللحظة أدركت أن للكتابة أجنحة، وأن مصطلح "الأديب الإقليمي" لم يعد يعني شيئًا في عصر الفضاء الرقمي. فحين يكون النص قادرًا على الوصول إلى قارئه، تصبح الجغرافيا أقل سلطة مما كانت عليه في الماضي. ■ كتبت في "البديل" ثم "البداية" خلال سنوات التحولات السياسية. كيف انعكست تلك المرحلة على مشروعك؟ تزامنت كتاباتي المنتظمة في موقع البديل، ثم البداية بعد تغيير الاسم، مع أحداث ثورة يناير، ولذلك انشغلت معظم مقالاتي برصد ما جرى وتحليل تلك اللحظة التاريخية والتعبير عن موقفي منها. ولهذا لم تكن تلك المقالات معنية، على نحو مباشر، برصد التحولات الأخلاقية في الشارع البورسعيدي، بقدر ما كانت محاولة لفهم ما كان يحدث في مصر كلها. ■ تكتب الشعر والقصة والمقال وأدب الطفل، ومع ذلك تبدو لغتك واحدة. كيف تفسر ذلك؟ لم أعرف في الحقيقة إلا لغة واحدة أكتب بها. قد تتغير الأجناس الأدبية، لكن الروح التي تكتب تظل هي نفسها. لذلك أعتقد أن القارئ يستطيع أن يتعرف إلى نصي، سواء كان قصيدة أو قصة أو مقالًا أو نصًا موجهًا إلى الطفل، لأن لكل كاتب بصمته الروحية قبل أن تكون له بصمته الأسلوبية. ورغم أنني كتبت كثيرًا عن بورسعيد، فإنني لم ألجأ إلى العامية، بل حاولت أن أنقل خصوصية المكان وأجواءه من خلال اللغة العربية نفسها، لأنها قادرة، في تقديري، على احتضان التفاصيل المحلية دون أن تفقد أفقها الإنساني. ■ كيف أثرت دراستك بكلية الآداب في تعاملك مع تاريخ بورسعيد وذاكرتها الشفهية؟ تشكل وعيي الفكري والأدبي في كلية الآداب بجامعة القاهرة، على أيدي أساتذة كبار، منهم: عبد المحسن طه بدر، وجابر عصفور، ونصر حامد أبو زيد، والسيد البحراوي، وأحمد شمس الدين الحجاجي، كما درس لي الدكتور خيري دومة في سنواته الأولى بالكلية. أما بورسعيد، فقد سكنت داخلي منذ الطفولة، وترسخت في وجداني حتى أصبحت جزءًا من تكويني الإنساني. وربما كان من حسن الحظ أنني لم أكتب عنها إلا بعد أن امتلكت أدواتي الفنية، فأصبحت قادرًا على أن أقترب من جماليات المكان والناس، لا من ظواهرهما فقط. أما التاريخ الشفهي، فأراه مفهومًا واسعًا، يضم ما تناقلته الأجيال من حكايات، وما أبدعته من فنون، وفي القلب منها الضمة والسمسمية. لكنني حين أكتب لا أنقل الرواية الشفهية كما هي، بل أبحث عن أسرارها الكامنة، وعن روحها الإنسانية، ثم أعيد خلقها بلغة أدبية تخصني. ■ يصف بعض النقاد قصصك بأنها تنتمي إلى الواقعية، بينما يرى آخرون أن شعريتك تطغى على السرد. كيف ترى هذه العلاقة؟ لا أرى بين الشعر والسرد حدودًا فاصلة. فاللغة التي أكتب بها ترافقني في كل ما أكتب، سواء كان شعرًا أو قصة أو مقالًا أو أدبًا للطفل. المهم بالنسبة إلي ليس نوع الكتابة، بل صدقها وقدرتها على التعبير. ■ أشرفت على ملفات ثقافية عن أدباء بورسعيد في دوريات عربية. هل كنت تحاول تقديم أصوات المدينة إلى المشهد الثقافي الأوسع؟ لم أكن أتصور نفسي ناقلًا لأصوات بورسعيد بقدر ما كنت أكتب عن أدباء كبار أحببتهم وقدرت تجاربهم. وحين أشرفت على ملفات خاصة بالأدب في بورسعيد، كنت أحاول أن أقدم صورة أمينة عن الحركة الأدبية في المدينة، لأنني من القلائل الذين تابعوا تاريخها وتفاصيلها عن قرب. إذا جاز التعبير، فقد كنت أؤدي دور الوسيط بين تجربة تستحق أن تُعرف، وبين قارئ ربما لم تتح له فرصة التعرف إليها. ■ كيف تنظر إلى آليات تقييم المبدعين في الأقاليم بعد تجربتك الطويلة؟ كنت محظوظًا لأن الجماعة الثقافية في بورسعيد احتضنتني منذ البدايات، وكان بين رموزها أدباء كبار يملكون الثقة في أنفسهم، ولذلك لم يخشوا تشجيع الأصوات الجديدة. وأحاول اليوم أن أرد جزءًا من هذا الجميل، بدعم الأدباء الشباب وتشجيعهم. لكنني أرى، في المقابل، أن كثيرًا من أندية الأدب لم تعد تؤدي الدور الذي قامت به في الماضي، بعدما تصدر المشهد فيها، في أحيان كثيرة، أصحاب المواهب المحدودة، وهو ما أضعف تأثيرها الثقافي. وربما كان هذا أحد الأسباب التي دفعتني، مع نخبة من مثقفي بورسعيد، إلى المشاركة في تأسيس صالون الشرق الثقافي، ليكون مساحة حقيقية للحوار والإبداع. ■ يتردد في كتاباتك مفهوم الاغتراب، لكنك تتحفظ على وصفه بالاغتراب الساحلي. لماذا؟ لأنني لا أعتقد أن الاغتراب يرتبط بالبحر أو بالصحراء أو بأي جغرافيا. الاغتراب، في جوهره، حالة إنسانية، قد يعيشها الإنسان في المكان الذي وُلد فيه، كما قد يتجاوزها وهو بعيد عنه.ولهذا أميل إلى استخدام مفهوم الاستلاب أكثر من الاغتراب؛ لأن أخطر ما يمكن أن يواجهه الإنسان هو أن تُسرق روحه تحت وطأة ضغوط الحياة، أو فقر وسائل إنتاج الثقافة، أو قسوة الواقع. في كتابتي لا يكون الاغتراب اغترابًا عن المكان، بل عن الزمن الذي تغير. فقد يبقى الإنسان في الشوارع نفسها، وبين الوجوه نفسها، لكنه يشعر أن القيم والأحلام التي نشأ عليها أصبحت تنتمي إلى مدينة أخرى. ومن هنا تبدأ الحكاية، ويبدأ السرد، بوصفه محاولة دائمة لاستعادة ما لا يعود إلا بالكلمات. في مجموعتك "لك الموت يا راعي اليمامة"، كيف تظهر بورسعيد في لحظات انكسارها وهدوئها بعيدا عن صخب البطولات؟ لم تكن بورسعيد في تلك المجموعة واضحة كمكان ، بل كانت مجرد روح تتسرب بين السطور. كنت مشغولا بالإنسان أكثر من المكان، لكن المكان ساكن كظل فى التفاصيل ، ومن ذلك الإحساس الخفي بأن المدينة تسكن أبطالها حتى حين لا يذكر اسمها. • كيف أسهم صدور المجموعة عن سلسلة "كتابات جديدة" في لفت أنظار النقاد إلى جيل جديد؟ جاءت السلسلة في لحظة كانت تبحث فيها عن أصوات لا تشبه ما سبقها. لذلك لم يكن صدور المجموعة اعترافا بكتاب واحد، بقدر ما كان اعترافا بأن جيلا جديدا يحاول أن يكتب بلغته، وأن يعيد النظر في شكل السرد وحدوده.
#عطا_درغام (هاشتاغ)
Atta_Dorgham#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
المصورون الأرمن وتشكيل صورة إثيوبيا
-
جون جارو: سيد النور المنسي
-
الأرمينية إيدا كار، أستاذة عالمية مشهورة في فن تصوير البورتر
...
-
العالم الإبداعي للمصور الأرمني المصري ليفون بويجيان: علاقاته
...
-
من تاريخ التصوير الفوتوغرافي الأرمني: أول استوديوهات التصوير
...
-
كيف غيّرت الإبادة الجماعية للأرمن مفهوم التصوير الفوتوغرافي
...
-
كانت بروفاته مسرحاً بحد ذاتها: مسرح هراتشيا غابلانيان
-
-يرقص وكأنه يحترق-: ليون دانيليان - نجم الباليه الأمريكي
-
-لقد عاش ألف حياة-: سيلفا كابوتيكيان عن فاهرام بابازيان
-
-لقد غربت شمسنا يا أريف-. في الذكرى السنوية ال 113 لميلاد ال
...
-
مع الروائية والشاعرة المصرية الدكتورة سهير المصادفة(6-6)
-
مع الروائية والشاعرة المصرية الدكتورة سهير المصادفة(5-6)
-
مع الروائية والشاعرة المصرية الدكتورة سهير المصادفة(4-6)
-
مع الروائية والشاعرة المصرية الدكتورة سهير المصادفة(3-6)
-
مع الروائية والشاعرة المصرية الدكتورة سهير المصادفة(1-6)
-
مع الروائية والشاعرة المصرية الدكتورة سهير المصادفة_(2-6)
-
فاهرام بابازيان: مسار المأساة
-
فلورا زابيل: الأرمنية التي غزت برودواي
-
عالم شكسبير، الذي يجسده الممثل بيتروس أداميان
-
صنع التاريخ من خلال تغيير الأرضيات: في ذكرى ميلاد فيلين غالس
...
المزيد.....
-
نظارات ماكرون الشمسية تعود.. ما قصتها؟
-
فضل شاكر أمام إخلاء سبيل محتمل: كيف بدأت القصة وأين وصلت؟
-
رداً على تصريحات ترامب.. رئيسة وزراء الدانمارك: غرينلاند ليس
...
-
-الأوكتاغون-.. أكبر مجمع عسكري في العالم في بلد يئن من الفقر
...
-
دواء سريع الفعالية للحساسية
-
تحذير من منتجات أطفال خطرة تُباع عبر منصات التسوق الإلكتروني
...
-
روسيا تؤكد استمرار تقدم قواتها على جميع جبهات القتال وتكبيد
...
-
سبح حتى الإرهاق ثم اختفى.. مصرع المؤثر الأمريكي كونور ميرفي
...
-
النوم والصحة الجنسية.. دراسة تكشف رابطا مهما لدى الرجال
-
موناكو.. استمرار التحقيق في محاولة اغتيال الأوليغارشي الأوكر
...
المزيد.....
-
رزكار عقراوي في حوار مفتوح مع القارئات والقراء حول كتابه: ال
...
/ رزكار عقراوي
-
تساؤلات فلسفية حول عام 2024
/ زهير الخويلدي
-
قراءة في كتاب (ملاحظات حول المقاومة) لچومسكي
/ محمد الأزرقي
-
حوار مع (بينيلوبي روزمونت)ريبيكا زوراش.
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
رزكار عقراوي في حوار مفتوح مع القارئات والقراء حول: أبرز الأ
...
/ رزكار عقراوي
-
ملف لهفة مداد تورق بين جنباته شعرًا مع الشاعر مكي النزال - ث
...
/ فاطمة الفلاحي
-
كيف نفهم الصّراع في العالم العربيّ؟.. الباحث مجدي عبد الهادي
...
/ مجدى عبد الهادى
-
حوار مع ميشال سير
/ الحسن علاج
-
حسقيل قوجمان في حوار مفتوح مع القارئات والقراء حول: يهود الع
...
/ حسقيل قوجمان
-
المقدس متولي : مقامة أدبية
/ ماجد هاشم كيلاني
المزيد.....
|