عطا درغام
(Atta Dorgham)
الحوار المتمدن-العدد: 8752 - 2026 / 6 / 30 - 20:13
المحور:
مقابلات و حوارات
ثانياً: المرأة والمجتمع والنسق الثقافي
كيف تفكك المصادفة "الهيمنة الذكورية" في المشهد الثقافي من خلال أدواتها الروائية؟
* حين أكتب الرواية، لا أفكر كثيرًا في تفكيك الهيمنة الذكورية في المشهد الثقافي أو محاربتها، الأحداث تقودني إلى مصائر أبطالي، وجميعهم مأزومون؛ النساء والرجال على حدّ السواء، في الحقيقة الرجل نفسه مأزوم بشكلٍ أكبر، فهو المسكين يدافع بشراسة الآن عن آخر قلاعه التي هي الثقافة، يبذل جهودًا غير عادية في سبيل إرجاع عجلة الزمن إلى الوراء لتعود المرأة فتقرّ في بيتها كما كان الحال في القرن التاسع عشر وما قبله، يتكاتفون معًا كذكورٍ ويطردونها من المواقع القيادية؛ أوَ ليس مكانها المطبخ لتطعمه، وتؤدي خمس وظائف فقط لا غير؛ وجميعها لخدمته وخدمة نسله! يكتبون كلّ يومٍ أنها لا تصلح للعمل فما بالنا بالكتابة والتفكير! تنتشر رقعة الأفكار السلفية في هذه الأيام أكثر بسبب نجاح المرأة، أكاد أجزم أن محاولة سلفنة المجتمع المصري في الآونة الأخيرة جاء ردًا على خروج المرأة وتفوقها في الكثير من المجالات وليس الكتابة وحدها، يستغلون سلاطة ألسنتهم لينكلوا بها بما يظنون أنه سخرية على صفحاتهم بمواقع التواصل الاجتماعي وهم يعرفون أنها لن تستطيع الردّ على الشتيمة، فلديها -على أيّ حالٍ- أطفال وأسرة، يخفون ما تكتب بعد سرقة محتواه، ولكنهم ينسون أن حالة دفاعهم تلك عن مواقعهم التاريخية يجعلهم لا يتقنون عملهم الأساسي ومنه؛ الكتابة نفسها.
ما هي ملامح "الأنوثة المتمردة" التي تسعين لتجسيدها في نصوصك؟
* الأنثى متمردة منذ الأزل، متمردة لتتحرك الحياة إلا الأمام، كونها هي مصنع الحياة نفسه، تحملها في بطنها لتسعة أشهر، ثم تربيها حتى تقف أمامها بشرًا سويًّا، طوال الوقت وهي تسأل: "لماذا؟!". تودّ الخروج من محبسها؛ خرجت من الخِباء، وتم حرقها حيّةً في العصور الوسطى بمحرقة الساحرات حين كتبت الشّعر قائلين: "ساحرة"، لتبقى للرجال كتابة الشعر والتاريخ بالطبع، سحلوها وقطعوها إربًا في الإسكندرية، ثم أحرقوها لأنها فيلسوفة وعالمة نابغة، وما هيباتيا إلا مثالٌ شديد البشاعة لما حدث للمرأة في ذلك العصر وما سبقه من عصور. المرأة في رواياتي كحالها منذ الأزل؛ ما زالت متمردة لأنها مجبرة على الدفاع عن الحياة بكل جَمالها وحريتها وبهجتها أمام الموت والسكون.
لماذا تعتبر "المرأة" في رواياتك "ترمومتر" لقياس انكسارات المجتمع؟
* حين ينكسر المجتمع تحت نير الفقر والجهل ومحاولة اللحاق بركب المجتمعات المتحضرة ويفشل لا يجد المهيمنون عليه أمامهم سوى المرأة لاعتبارها الحلقة الأضعف، فينتقمون منها مدعين أنها السبب فيما يمرون به، فهي تأخذ مكانهم في الوظيفة حين تتعلم، وتحتل جزءًا في قمة الهرم الإبداعي من المفترض أن يكون لهم، ولا تربي أولادهم كما ينبغي، فيحاولون طوال الوقت كسرها وتهميشها. نحن لا نرى - مثلًا- كلمة "المرأة" مؤرقة للمجتمع في العالم الأول - كما يطلقون عليه- مثلما هو حالها في مجتمعنا المصري والعربي.
كيف تردين في رواياتك على تساؤلات النقاد حول "أحقية المرأة في الكتابة"؟
* لا أرد، أدع رواياتي نفسها ترد. السؤال نفسه غير منطقي وغير صحيح، وهم أنفسهم سواء الكتاب أو النقاد لا يصدقونه كثيرًا، فهم -دون شكٍّ- قرأوا أن صاحبة أوّل رواية - بشكلها الحديث الذي نكتب به الآن- هي امرأة، فتاريخ الأدب يذكرنا بأن: "الرواية ظهرت بشكلها الفني الحديث في القرن الثامن عشر، ومن النقاد مَن يذهب إلى القول إن "حكاية جنجي" للكاتبة اليابانية "موراساكي شيكيبو"، التي نُشرت عام 1005 ميلادية، هي أولّ رواية في تاريخ الأدب العالمي"، وهم يستدلون في كتبهم النقدية بآراء "سوزان برنار"، وجميعهم يعيشون على فائض تيار وعي "فيرجينيا وولف"، وينهلون من صوت شهرزاد السردي، ويعيدون كتابة حكايا الجدات والأمهات الشفاهية، اعترف كاتب نوبل الكولومبي الشهير "ماركيز"، حين سألوه عن الواقعية السحرية في أدبه، إنه لم يفعل شيئًا أكثر ممَّا تفعله جدّته وهي تحكي له الحكايات، وخرج شباب الكتاب الذين يكتبون أدب الجريمة الآن من عباءة "أجاثا كريستي"، التي ظلّت وتظل الأكثر مبيعًا عبر عقودٍ طويلة. أصمت تمامًا مدهوشة أمام صلافة سؤالهم، وعادة لا أرد على أكاذيب لا تخضع لأي منطقٍ.
ما المسافة التي تفصل بين "سهير المصادفة الإنسانة" و"بطلاتها الروائيات"؟
* كتبت شهادة لملتقى المبدعات العربيات في سوسة بتونس، كانت بعنوان: "أنا كلهنّ..." ولست أيًّا منهنّ، تناولت فيها حالتي كروائية مع بطلاتي، فما يجعلني كلهنّ، أنهنّ بنات خيالي، مثلما الحال لدى الكاتب الرجل، ولكنه لا يعاني مثل الكاتبة العربية من التلصص على أبطاله كما الحال مع الكاتبة العربية، لا يُسأل عندما يكون بطله قوادًا؛ هل عمل بالقوادة؟ بينما تُسأل الكاتبة المرأة؛ من أين لها بهذا المشهد، وهل مرّت به في حياتها الخاصة؟ بالطبع هم يفترضون أنها لا تمتلك عقلًا وبالتالي لا تمتلك الخيال. كلمة المسافة هنا شائكة ومحيرة جدًّا، حين أغرق في أحداث روايتي، أنفصل تمامًا عن واقعي، وأتماهى مع بطلة روايتي، إذا كانت مهندسة كبطلة "شيء من سالومي"، أرى المعمار والحجر وتخطيط المدن والطرق بعينها، وإذا كانت قاتلة كبطلة "لعنة ميت رهينة" أقضي أيامي ولياليّ في كوابيس لا تنتهي، وإذا كانت كوافيرة كما هو الحال في "ميس إيجيبت" أغرق في تفاصيل التجميل وأكاد أتمزق وأنا أتأرجح بشدّة بين القبح بالجمال، هل أستطيع في هذه الحالة أن أتحدث عن مسافة؟! أظن؛ لا، فكلّ مشاعري وأفكاري ومنظور رؤيتي للحياة تكون لها آنذاك، حتى يُسدل الستار على الأحداث، فأعود لنفسي.
هل تتبنىن في كتابتها موقفاً "نسوياً" أم "إنسانياً عاماً"؟
* لا يوجد موقف نسوي أو ذكوري بمعزل عن الموقف الإنساني العام، حتى حين أكتب عن المرأة فعالمها لا ينفصل عن الرجل والشجر والحجر والوضع السياسي ودرجة تحضر مجتمعها ورؤيته لها. مصطلحات مثل النسوية والأدب النسوي خاطئة، وبها عوار منطقي واضح، حيث تكملة العبارة تستلزم ذكر الأدب الذكوري ومواصفاته، وهذا لا يحدث عادة. لقد تم استخدام مصطلح "الأدب النسوي" في فترة زمنية محددة لدعم المرأة ومساندتها أثناء خروجها من محبسها الطويل، وفي الواقع كنت مؤيدة لهذا الدعم، فالمرأة التي حُرمت من التعليم حتى القرن التاسع عشر، والتي حُبست في قمقمها طوال قرون كانت تحتاج إلى كلّ دعم. ولكن الآن وبعد أن وقفت الكاتبة على قدميها في الغرب وأصبحت في الصدارة خفتت الأضواء حول هذه المصطلحات كثيرًا ولم يعد أحدٌ يرددها إلا في منطقتنا العربية، كحالنا مع العديد من القضايا التي نتأخر في حسمها.
كيف تعرّي رواياتك "الازدواجية الاجتماعية" التي تعيشها المرأة العربية؟
* أحيانًا أفكر أن منظور رؤية المرأة في مجتمعاتنا هو المسؤول الأول عن نكبتنا الحضارية؛ تلك الحيرة في التعامل معها منذ وقت طويل، فهم يرحبون الآن بتعليمها وخروجها إلى سوق العمل للمشاركة في حمل الأعباء الاقتصادية، ولكنهم يتحفظون أمام صعودها في سلم العمل إلى درجات أعلى، حتى ولو كانت مؤهلة وموهوبة أكثر منهم، ولكن القمة ضيقة كما نعرف، وهم يتكاتفون ويقاتلون معًا للاحتفاظ بها لأنفسهم، يريدون لأولادهم أمًّا متعلمة ومثقفة وفي الوقت نفسه خادمة لرغباتهم المختلفة، حتى إن بعض النساء تراجعن وأصابهنّ اليأس، وجلسن في بيوتهنّ، ودافعن بعد ذلك عن وجهة نظر الرجل نفسه. ورغم ذلك؛ ما حققته المرأة في قرن واحدٍ فقط لا غير من الزمان يجعلنا متفائلين، وخصوصًا أنها كلما ازداد علمها ووعيها فهمت هذه الازدواجية، وطورت سُبل التعامل معها.
ما الذي تمنحه "صوت الأنثى" للنص الأدبي ولا يستطيع الرجل تقديمه؟
* وما الذي يمنحه "صوت الذكر" للنص الأدبي ولا تستطيع المرأة تقديمه؟! هل يصح أن أسأل هذا السؤال؟ إذا كان يصح، فهو وفقًا للمنطق سؤالٌ صحيح، ولكن لا يصح، إلا إذا افترضنا أن الأنثى ليست إنسانًا؛ روبوت مثلًا أو كائن آخر لا يمتلك عقلًا ووعيًا وذاكرة وتجربة حياتية ومشاعر وأحلامًا وكوابيس وخيالًا يحلّق بها إلى عوالم لا يمكن لغيرها خلقها. من الطريف أنني تمنيت في روايتي "رحلة الضباع" أن أكون رجلًا، وحينها لن أكتب على الإطلاق بل سأستمتع بالحياة ليلًا ونهارًا؛ فالشوارع لي والأرض والسموات لي، والحرية على إطلاقها لي، فلماذا أحبس نفسي في غرفةٍ مغلقة لساعات لأكتب، ومن باب المزاح نفسه كتبت أن الكتابة نفسها مؤنثة.
كيف ترسم المصادفة حدود الحرية للمرأة في مجتمع لا يزال يحاصرها بالتقاليد؟
* حرية المرأة هي الصداع المزمن في رأس مجتمعنا، وهو لا يريد منذ سنوات طويلة أن يعالجه، يؤجله كما يؤجل العديد من القضايا التي لم يبحثها كما ينبغي ليحسم أمرها، ونحن نعرف أن الدول والمجتمعات تموت إذا لم تستطع حلّ أسئلة الواقع في وقتها، وهذا ما حدث لنا بالضبط؛ يعاني وجودنا من حالة احتضار طويلة؛ لم نجد منظومة أخلاقية ننطوي تحتها؛ مثلًا أن ننبذ الكذب والغشّ والخيانة والظلم واستقواء البعض على البعض؛ القادرون على الضعفاء، والأثرياء على الفقراء، وأن نُعلي من قيم العلم والحرية والمساواة والعدل في إتاحة الفرص، والنظافة، والجمال ومحبة الناس والشجر والحجر. حتى هذه اللحظة لم تستطع التقاليد حماية مجتمعنا من الانحدار، وما هي التقاليد - على أي حالٍ- مجرد كلماتٍ وأفكار لمَن عاشوا قبلنا من سنين، صاغوها آنذاك لتناسب ظروف حياتهم، ولكننا لم نستطع بعدُ تأليف مثلها لتناسب لحظتنا الزمنية.
هل تعد رواياتك بياناً أدبياً ضد "سلطة الحريم" التاريخية؟
* لا. أنا أكتب عن مأزق الإنسان الوجودي، عن ورطته في كون فسيح يعرف عنه القليل مهما تعلم، عن ذكريات الأمكنة التي نغادرها أو تغادرنا، عن الفقد والمحبة، والاغتراب، ولأنه توجد بطلات في رواياتي إلى جوار الأبطال، تظهر أحيانًا مواطن الخلل في التعامل معهنّ، ولكنها لا تكون بيانًا أدبيًّا بقدر ما هي صورٌ ومشاهد لا يمكن أن يتجاهلها إلا الأعمى.
#عطا_درغام (هاشتاغ)
Atta_Dorgham#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟