عطا درغام
(Atta Dorgham)
الحوار المتمدن-العدد: 8742 - 2026 / 6 / 20 - 11:55
المحور:
مقابلات و حوارات
مصباح المهدي هو شاعر عامية مصري بارز وعضو في اتحاد كتاب مصر، ويُعد من الأصوات المميزة في شعر العامية المصرية. ..عاش طفولة كادحة وبدأ العمل منذ سن السابعة في صناعة "الحصير اليدوي" مع عائلته، وتولى إدارة المشغل بعد وفاة شقيقه. يصف نفسه أحياناً بـ "ملك المهن المنقرضة" لارتباطه بهذه الحرف التقليدية...انعكست نشأته البسيطة وتجربته مع القهر الاجتماعي والجهد البدني على قصائده، فجاءت محملة بنبض الشارع والقرية المصرية.
يكتب شعر العامية بأسلوب يتميز بالعمق والبساطة والمشاعر الإنسانية الجارفة...حاز على عدة جوائز أدبية تقديراً لأعماله وشاعريته...ترشح وفاز بعضوية مجلس إدارة النقابة العامة لاتحاد كتاب مصر.
وربطته مواقف ولقاءات إنسانية وأدبية لافتة بالشاعر الكبير عبد الرحمن الأبنودي "الخال".
ومن أبرز أعماله ودواوينه: ديوان "بحبك هروباً من الانتحار" (الصادر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة).قصيدة "كلها ساعتين ويدن".قصيدة "لا عجين ولا لت".
المحور الأول: النشأة والبيئة (الجذور)
كيف ساهمت بيئة الريف في المنصورة بتشكيل وعيك الشعري الأول؟
ملامح الروح حتى التفاصيل الصغيرة داخل الوجدان شكلتها خريطة قرية البرامون التي تنام على ذراع النيل فرع دمياط، تحرسها ترعة الشرقاوية وترعة الغوات بين الترعتين مئات الفدادين من الأرض السمراء الخصبة.. صحيح لا علاقة لي طفلًا وصبيًا وشابًا وكهلا بكل هذا ،لكنني مدين لهذا الجمال البكر والهدوء خالق التأمل.
كيف تصف علاقتك بقرية "البرامون" في وجدانك؟
علاقة عاشق بمعشوقة ارتبطبت بها وكتبت فيها الشعر
على خد وردة نقطتين الندى
النيل صحي م النوم ولبى الندا
قال لي صباح الخير على ما بدا
بلغ سلامي قرية البرامون
هل كانت "الأمية" في محيطك دافعاً أم عائقاً أمام طموحك الأدبي؟
الأمية الحقيقية أمية المشاعر.. صحيح أن الفلاحين وقت ميلادي 1963، وحتى العام 1070 كان غير متعلمين ،لكنني تعلمت منهم واستفدت من قراءتهم للمشاعر
الفلاحون في الغيط والبياعون في السوق ،حفظت قسمات وجوههم وترجمتها شعرًا
هل تعتقد أن "الفقر" كان وقوداً لإبداعك أم كان قيداً حاولت التحرر منه؟
يقول نزاز قباني ماذا من الشعر يبقى حين نرتاح
ويقول المتنبي على قلق كأن الريح تحتي
ويقول أمل دنقل أتقدس في صرخة الجوع فوق الفراش الخشن
وكان الأبنودي دائما يقول لي الفقر مفتاح الفرج
الفقر أنجب الجوع والعري، وكل أولئك يستنفرون طاقات لا تستنفرها سعة العيش ورغده
لكن أكيد مجنون من يستسلم، ويستمريء الإذعان لحالة الفقر
ما هو أول نص كتبته في حياتك؟ وهل لا يزال موجوداً؟
كتبت في سن 13 سنة ،لكن قصديدة الحروف الراقصة وأطياف الوهم كتبتهما في عمر 18 سنة، وتمت إذاعتهما ببرنامج شعر وموسيقى بإذاعة الشرق الأوسط بصوت الأستاذة حكمت الشربيني -أمد الله في عمرها- 1981، وكان البرنامج يوميا في الساعة العاشرة إلا عشر دقائق
كيف كان تأثير "إذاعة صوت العرب" على خيالك الطفل؟
بالفعل لم يكن متاحًا في مشغل للحصر من 1970 حتى 1980
غير مايشبه المذياع يصلنا منه إذاعة الجمهورية العربية المتحدة ( البرنامج العام وإذاعة صوت العرب، ولم يكن وسيلة للتسلية أثناء يوم عمل يمتد من السادسة صباحا للسادسة مساء غير البرامج والأغاني تعرف مواعيدها ..طبعا كانت للإذاعة ظهورا مهمًا في قرية بلا ماء ولا كهرباء تغرق في ظلام ليل حالك.
هل تعتقد أنك كنت "طفلاً استثنائياً" في وعيه، أم أن القسوة هي التي أنضجتك؟
دون مبالغالات ،كنت سريع الفهم أحفظ ما يعجبني من أشعار ومن مقالات، وأربط بين المعطيات وأستخرج النتائج.
المحور الثاني: "ملك المهن المنقرضة" (سوسيولوجيا العمل)
لماذا اخترت لقب "ملك المهن المنقرضة" لنفسك؟
اتصل بي الأديب حسن عبد الموجود اتصالًا هاتفيًا طويلًا جدا ...كان هذا الاتصال هو المادة الخام للجزء الخاص بي في كتابه كعب دائر حكيت عن عدة مهن أهمها ،وأبلغها أثرًا في صناعة الحصير، وخرجت مني عبارة أنا ملك المهن المنقرضة، ثم صارت عنوانا للمقال بأخبار الأدب.
هل تعتبر "صناعة الحصير" مهنة ضائعة أم "فناً" اندثر؟
مهنة تطورت بوجود الحصير البلاستيك ،وكان لانقراضها معنيان عندنا :معنى الفرح والانعتاق من مهنة مضنية، وعندي أبي من مصدر رزق انقطع.
ما هو الدرس الأخلاقي الأكبر الذي تعلمته من "الزبون" في حكاياتك المهنية؟
تجربة تركت مرارة في الحلق أورثتني حب العزلة .
كيف أثر العمل كـ "وزّان" (قبّاني) على دقة لغتك الشعرية في وصف الأشياء؟
مجرد قاسم مشترك بين شيئين مختلفين، بالتأكيد وزن الشعر أحب إلى قلبي من وزن القطن وباقي المحاصيل الزراعية، لكن مسمى وزان عمومي الذي لازمني عشرين عاما ،يعاودني على سبيل التفكه فأقول يا ابني أنا وزّان عمومي معتمد.
هل كانت الحرف اليدوية الشاقة خصماً من رصيدك الشعري؟
انتظرني الشعر ،ولم تخذلني موهبتي التي صقلتها تجربتي الفريدة، وكنت على طول الخط رغم تنقلي بين مهن مختلفة.. أقرا الرواية والشعر والمسرح وعلم النفس والفلسفة والتاريخ.
ما هي أكثر مهنة شعرت أنها "أهانت" كرامتك؟
كل المهن تقريبًا جرحتني عجان مبيض المحارة جرحتني الأيام فيه، وكذلك عامل الديكورات الجبسية ..وبالتأكيد مهنة القباني ،والجرح ليس مصدره المهنة في حد ذاتها، بل بسبب أناس قابلتهم على ضفاف تلك المهن ...لكن مصباح المهدي بقي رغم كل ماحدث.
ما الذي تبقى في جسدك من أثر انحناءة "صانع الحصير"؟
تقوس الظهر وتقفيع الكتفين.. كنت طفلًا آنذاك ؛فشكلتني جلستي منحنيًا 12 ساعة في اليوم في عمل مضن.. لا تتخيل أنى لطفل عمره سبع سنوات الجلد على ذلك.
لماذا كان الفشل في المهن أحياناً هو البداية للنجاح في الشعر؟
ربط تعسفي بين امتهان مهنة بغية التعيش سميته أنت فشلًا وبين شعر، ولدت به نجاحي كشاعر ابن كل ما حدث لي... شكرا لكل تلك الظروف، لولاها مأ أضاء في العتمة مصباح.
كيف تعاملت مع "الرفض" الاجتماعي كصانع حينما تغلق الأبواب في وجهك؟
السخرية والتحدي والجلد وصناعة مساحة من الظل، رغم أنف شمس الظروف الحارقة.
المحور الثالث: التجربة الإبداعية (القصيدة والديوان)
"الكلمة جنين في بطون النواميس".. ما هي الفلسفة التي تؤمن بها في الكتابة؟
أنا أكتب بجرحي لا أكتب جرحي
أشكل عالمًا موازيًا يشبه الواقع ،تمتزج فيه المأساة بالكوميديا ..شعري يضرب الجرس، ويضع أسئلة مكان الإجابات.. يشاركني المتلقي إنتاج النص وهو يملأ بنفسه فراغًا أو أكثر بالنص.
كيف تحول "الفحم" في يدك إلى "ألماس" شعري؟
المخزون الإستراتيجي اللازم مودود الشنفرى بجوار نيتشة، المتنبي بجوار سيجموند فرويد، المعري بجوار رامبو، امرؤ القيس بجوار رامبو، أجلس وتنهال فوق رأسي سطور شعري ..كما لو كنت أتلقى وحيًا.
ما هو الفرق بين "الكلمة المقروءة" و"الكلمة المسموعة" في تجربتك؟
أعتني بالتدوين على مذهب وطريقة فؤاد حداد.. وعلى القاريء أن يقرأ كما أردت مثال (على الركاب مراعاة إن هذا القطر مش رايح لأي مكان).
شبه الفصحى لكنها تقرأ عامية
كيف تختار عناوين دواوينك؟ (مثال: "بحبك هروباً من الانتحار")
مرة يكون العنوان أول جملة ومرة آخر جملة،والتوفيق من عند الله.
كما لو كانوا بيحبوك
باحبك هروبا من الانتحار
لله أمل يا محسنين
كمشكاة بلا مصباح
عناوين تشبهني وتدل على ما بداخل الديوان
هل الشعر بالنسبة لك "تطهير" أم "مواجهة"؟
الاثنان معًا ،بل وأيضا استشفاء وبديلا عن الانتحار.
ما هو دور "الموسيقى" و"الوزن" في قصيدتك العامية؟
الموسيقى قاعدة عسكرية تنطلق منها طائراتي ومنصة صواريخ ..ورغم ذلك لا أقع في فخ الاستسهال.
كيف توازن بين "الغنائية" وبين "واقعية" الموضوعات؟
هي خلطة اشتغل عليها من قبلي ،نزاز والأبنودي
أن تكون نفسك وغيرك والمجموع ،وأن يكون همك هم الجميع، وأن تقرأ القصيدة العاطفية فتخرج منها بنص سياسي، وأن ينزلق منك النص السياسي فتلقاه حديث مريض نفسي لطبيبه.
لماذا يسيطر "الصوت الفردي" للذات على مجمل نصوصك؟
ما دمت أشبه كثيرون وكثيرون يعيشون ما أعيشة ،فصوتي الفردي هو صوتهم.
هل تشعر بالرضا عن إصداراتك حتى الآن؟
ليس كل الرضا ..كان يجب أن لا أتعجل في النشر في حالتين أو ثلاثة.
المحور الرابع: قضايا الوطن والسياسة والذاكرة
قصيدة "عراقي".. ما الذي دفعك لكتابتها في ذلك الوقت؟
أنا م العراق واسمي عراقي
من 9 إبريل أنا باقي
لو حتى مروا بأشلائي
جمجتي راح تنسف مية
مية ميتين سنة أمريكا
مريول وشنطة وأستيكا
واحنا الصبا واحنا السيكا
تمنتلاف سنة غي الدنيا
بعد 9 إبريل 2003 ،ذلك الزلزال كان لابد أن نذكر أنفسنا بتاريخنا وتاريخ المحتل.. ليست هذه الأغنية فقط كتبت محموعة قصائد عن العراق الحبيب.
كيف ترى دور الشاعر في القضايا القومية العربية؟
الشاعر صوت أمته ،وقائد فيلق في الدفاع عنها.
ما هو مفهوم "الوطن" في قصائدك؟ هل هو الأرض أم الإنسان؟
الوطن هو الإنسان ..هو قلب الحبيبة.. هو حق الأطفال في مستقبل أفضل.
هل ترى أن الأدب قادر على توثيق التاريخ أكثر من كتب التاريخ الرسمية؟
نعم ،شعر بيرم وشوقي وحافظ وبديع خيري ونزار وأمل دنقل.. أرخوا أفضل من المؤرخين.
كيف تعاملت مع "الخيبة" والانتصارات في قصيدتك؟
عجنت خالخيبات السياسية باليومي المعاش الخيبات الموازية ،وكتبت شجر للعياط، وعلى يد محضر ،وتخاريف حمى ،وكلها ساعتين ،ويدن ويرجى، إعادة شحن الطاقة ...خمسة دواوين وغيرها ،كانت صدى خيبات وانكسارات وأماني.
ما هي نظرتك للتغيرات الاجتماعية في الريف المصري؟
تمدين الريف وتبخر الفلاح الذي يشبه أبو سويلم في رواية الأرض، شعرت بالغربة في قريتي لكنني لازلت أحبها، وأمشي بين غيطانها وأصطاد سمك بترعها ونيلها.
هل تعتبر نفسك "لسان حال" الطبقة الكادحة؟
هم يعتبرونني كذلك ،لكنني أتمنى صوت الإنسان أينما كان كيفما كان.
كيف تجعل من الوجع الشعبي "قضية إنسانية" عامة؟
قلبي الذي ينتمي للإنسانية بلا حدود جغرافية.
#عطا_درغام (هاشتاغ)
Atta_Dorgham#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟