أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - فقه الكرش الممتلئ.. حين يُطلب من الجائع أن يزهد في رغيفه.














المزيد.....

فقه الكرش الممتلئ.. حين يُطلب من الجائع أن يزهد في رغيفه.


حامد الضبياني

الحوار المتمدن-العدد: 8733 - 2026 / 6 / 11 - 14:10
المحور: قضايا ثقافية
    


في الأزمنة التي يختلط فيها المقدس بالمصلحة، وتضيع فيها الحدود بين الرسالة والتجارة، يظهر ما يمكن تسميته بفقه الكرش الممتلئ، ذلك الفقه الذي لا يدعو صاحبه إلى الزهد فيما يملك، بل يدعو الآخرين إلى الزهد فيما لا يملكون، ويطلب من الفقير أن يصبر على الجوع بينما يتحدث إليه من وراء موائد عامرة، ومن فوق منابر مكسوة بالنفوذ والمال والامتيازات.ولعل أكثر المفارقات إيلاماً في التاريخ الإنساني أن الفقير كان دائماً الهدف الأسهل للمواعظ، فهو الذي يُطلب منه الصبر، ويُطلب منه القناعة، ويُطلب منه الرضا، ويُطلب منه أن ينتظر عدالة السماء، بينما لا يُطلب من الذين احتكروا الثروة أن يعيدوا ما أخذوه، ولا من الذين سرقوا الحقوق أن يعترفوا بسرقاتهم، ولا من الذين بنوا أمجادهم فوق ظهور الجياع أن يتنازلوا عن شيء من امتيازاتهم. وكأن الأخلاق في بعض الأزمنة لم تعد واجباً على الأقوياء، بل صارت واجباً حصرياً على الضعفاء.إن الله، في جوهر الرسالات، غني عن العالمين، ولم يخلق الفقر ليكون قدراً مقدساً، ولم يجعل الجوع عبادة، ولم يحوّل الحرمان إلى وسام شرف.فالعدل كان دائماً جوهر الرسالة، والكرامة كانت دائماً مقصدها، والإنسان كان دائماً غايتها. لكن بعض تجار الخطاب الديني عبر التاريخ نجحوا في تحويل النصوص من أدوات لتحرير الإنسان إلى أدوات لترويضه، ومن دعوات للعدالة إلى مبررات للسكوت على الظلم.فحين يجلس الفقير أمام مسؤول سرق المال العام ثم يسمع خطبة طويلة عن فضيلة الصبر، تتحول الكلمات إلى سخرية. وحين يرى العامل الذي أفنى عمره في الخدمة من يعيش في القصور باسم الدين ثم يسمع حديثاً عن القناعة، تتحول الموعظة إلى مفارقة مؤلمة. وحين تُنهب حقوق الأرامل والأيتام والمتقاعدين والكادحين، ثم يُطلب منهم أن يشكروا الله على ما هم فيه، يصبح السؤال مشروعاً: هل المشكلة في السماء أم في الذين نصبوا أنفسهم وكلاء عنها؟..لقد كان الأنبياء يقفون إلى جانب المظلومين، أما بعض المتاجرين بالدين فوقفوا إلى جانب الامتيازات. كان الأنبياء يواجهون الطغاة، أما هؤلاء فغالباً ما يطلبون من الضحايا المزيد من الصبر على الطغيان. كان الأنبياء يرفعون صوت العدالة، أما هؤلاء فيرفعون صوت التبرير. وبين الموقفين مسافة بحجم الفرق بين الرسالة واستغلال الرسالة.والأعجب أن بعضهم يغضب إذا طالب الفقير بحقه، لكنه لا يغضب حين تُسرق خزائن الأوطان. يهاجم الطامع برغيف، لكنه يصمت أمام الطامعين بقارات من الأموال. يوبخ العامل لأنه حلم بحياة كريمة، لكنه لا يوبخ الفاسد الذي بنى ثروته من دموع الناس.وهكذا يصبح الجائع متهماً، بينما يتحول السارق إلى واعظ، ويصبح المظلوم محل شبهة، بينما يرتدي الظالم عباءة الفضيلة.إن أخطر أنواع السخرية من آيات الله ليست تلك التي تأتي من الملحد أو المشكك، بل تلك التي تأتي من الذي يرفع الآية بيد، ويصادر حقوق الناس باليد الأخرى. لأن الآية التي تدعو إلى العدل تُهان حين تُستخدم لتبرير الظلم، والآية التي تدعو إلى الرحمة تُهان حين تُستخدم لإدامة القسوة، والآية التي تدعو إلى الإنصاف تُهان حين تتحول إلى غطاء لامتيازات لا تنتهي.ولهذا فإن الفقير لا يحتاج إلى خطبة جديدة عن الصبر بقدر ما يحتاج إلى استعادة حقه، ولا يحتاج إلى موعظة عن القناعة بقدر ما يحتاج إلى عدالة تمنع سرقة رزقه، ولا يحتاج إلى تذكيره بالجنة كل صباح بقدر ما يحتاج إلى أن يعيش إنسانيته على الأرض بكرامة. فالله لم يخلق الإنسان ليكون وقوداً لثراء الآخرين، ولم يخلق الأوطان لتتحول إلى مزارع خاصة للمتنفذين، ولم يجعل الدين جسراً تعبر عليه الامتيازات نحو المزيد من الامتيازات.ويبقى السؤال معلقاً فوق رؤوس الجميع: لو عاد الأنبياء اليوم، فهل كانوا سيجلسون على موائد المترفين ليحدثوا الجائعين عن فضيلة الجوع، أم كانوا سينزلون إلى الأزقة المظلمة ليطالبوا بحقوق الذين سُلبت منهم الحياة باسم كل الشعارات الجميلة؟ إن الجواب تعرفه الفطرة قبل أن تعرفه الكتب، وتعرفه العدالة قبل أن تكتبه القوانين، ويعرفه كل فقير أدرك أن الله لم يظلمه يوماً، وإنما ظلمه الذين تحدثوا باسمه وهم يملكون الدنيا كلها ويطلبون منه أن يزهد حتى في رغيف الخبز.



#حامد_الضبياني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- سبايكر... حين سقط الوطن مرتين.
- جمهورية الأغبياء النافعين.
- «الفأرُ الذي ابتلعَ دولةً: مذكّراتُ قارضٍ في وزارة المالية»
- «تأملاتُ لصٍّ أمام الكعبة»
- البلطجوقراطية الإعلامية: حين تُدار الحقيقة على إيقاع الضجيج.
- «جنرالاتُ النسيان: حين يُكافَأُ الوطنُ بمعاقبةِ حُرّاسه»
- الحمار الذي عاد إلى البرلمان .
- «لاهوتُ الكرةِ العراقية: كيف نصنعُ آلهتَنا ثم نبحثُ عن وطن؟»
- «خراب يبدأ من القاموس»
- لماذا سقط صدام والقذافي وبقيت إيران؟
- الدوثراكية العراقية: سيرةُ دولةٍ أضاعت الحصانَ واحتفظت بالصه ...
- أمام أنظار رئيس الوزراء العراقي.
- «الثراء الذي يقف في الطابور»
- العراق... مملكة الأصفار المفقودة.
- هيأة التقاعد.. جمهورية الأرقام التي لا تنام .
- جمهورية المرايا الكاذبة.
- ملف السجون السرية بعد 2003.
- كيف تقتلُ أمةً دون أن تُطلقَ رصاصة؟
- الاكتشافُ الذي جعلَ التكنولوجيا تنتحر في العراق.
- العراق بين راعي الصخول وتفلة الملا... ..


المزيد.....




- مسؤول إيراني يرد بعد تهديد ترامب بالاستيلاء على جزيرة خارك
- أول بيان من الحرس الثوري بعد إعلان ترامب التوصل لاتفاق نهائي ...
- -أفضت إلى تقدم-.. أمير قطر وترامب يستعرضان نتائج المشاورات و ...
- عون: لن ننسحب من المفاوضات مع إسرائيل وسنكملها رغم الضغوط
- مفاجأة ترامب.. التراجع عن قصف إيران
- اصطدام جناح طائرة تركية بهوائي في مطار أنطاليا.. وإخلاء 267 ...
- لماذا يندفع نتنياهو في الحرب على إيران؟
- -60 مليون طن من الركام-.. احصائية مفزعة عن الوحدات السكنية ا ...
- RT ترصد عمل قوات مجموعة المركز
- سفير: روسيا ليست معنية بمواجهة مع -الناتو- لكنها سترد على اق ...


المزيد.....

- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - فقه الكرش الممتلئ.. حين يُطلب من الجائع أن يزهد في رغيفه.