أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - أكرم شلغين - سجون بلا جدران














المزيد.....

سجون بلا جدران


أكرم شلغين

الحوار المتمدن-العدد: 8716 - 2026 / 5 / 25 - 02:47
المحور: قضايا ثقافية
    


قرأت مقطعا لكاتب يصف شيئا من تجربته داخل السجن وكيف كان جسده سجينا، يساوم العوز والعجز ليؤمّن ما يستر جسده، أو ما يقيه شيئا من برد الزنزانة وقسوة التعذيب. كان كل شيء فيه محاصرا… إلا روحه. تلك ظلت حرة على نحو يثير الدهشة؛ تجوب عوالم لا سلطان للسجن عليها، تركض عبر الحقول، تلاحق الفراشات، تعبر الجبال والوديان، وتحلّق عاليا لترى الكون في اتساعه… وترى، في المقابل، ضآلة من يتوهّم أنه قادر على حبس الإنسان.
كان يطير… إلى أماكن لا يعرفها السجّان، ولا يستطيع الوصول إليها، ولا حتى تخيّلها.
غير أن هذا المشهد، على جماله، ترك في داخلي سؤالا مقلقا: "ماذا عن أولئك الذين لا يعيشون خلف القضبان؟" ما جعلني أفيق صباح اليوم الذي تلى على فكرة معاكسة تماما:
ماذا لو كان كثيرون ممّن تسير أجسادهم بحرية، يحملون في دواخلهم أرواحا سجينة؟
هنا، تتكاثر الزنازين… لكنها لا تُبنى من حجر.
هناك من يستطيع أن يمشي، لكنه مشلول بالعُرف والعادة والتقليد، لا يجرؤ على خطوة خارج ما رُسم له. وهناك من تبدو حرة الحركة، لكنها أسيرة نظرات الآخرين، محكومة بشبكة خفية من الأحكام التي تقيدها أكثر مما تفعل القيود الحديدية. وثالث يجوب البلاد طولا وعرضا، لكنه يعيش في حالة ترقب دائم، يخشى كلّ نظرة، ويُحمّلها ما لا تحتمل، حتى يصبح الخوف سجنه الحقيقي.
كيف يكون الإنسان حرا، وهو يخاف أن يرافق زوجته إلى السوق؟
كيف يعيش طليقا، وهو يتهيب من احتمال أن تتحول نظرة عابرة إلى نزاع، ثم إلى دم؟
ليست هذه مبالغة، بل وصف لسجون من نوع آخر؛ سجون لا تحتاج إلى جدران، لأنّها قائمة في الداخل.
ولعلّ ما نراه اليوم يجد تفسيرا أعمق فيما حلّله ميشيل فوكو في كتابه المراقبة والمعاقبة. فقد بيّن كيف تحوّل العقاب، عبر التاريخ، من استهداف الجسد إلى استهداف العقل والسلوك. لم يعد الهدف أن يُعذَّب الإنسان علنا، بل أن يُعاد تشكيله بصمت، ليصبح "منضبطًا" من تلقاء نفسه.
في هذا التحوّل، لم يعد السجن مكانا معزولا، بل نموذجا تسلّل إلى بنية المجتمع كله: إلى المدرسة، إلى المؤسسة بل لكل المؤسسات (المؤسسات الأيديولوجية بتعبير ألثوسير)، إلى تفاصيل الحياة اليومية. وهكذا، لم نعد بحاجة إلى سجّانٍ يقف عند الباب، لأن الإنسان تعلّم أن يراقب نفسه بنفسه.
ومن هنا، يتشكّل أخطر أنواع الأسر:
أن يحمل الإنسان سجنه في داخله.
لقد صرنا، إلى حدّ بعيد، محكومين بمنظومات غير مرئية من الأعراف والتقاليد، وبمفاهيم تُستخدم لضبط السلوك أكثر مما تُستخدم لفهمه. ومع الوقت، يتحوّل الامتثال إلى طبيعة، والخوف إلى عادة، والانضباط إلى قيد لا يُرى.
وليس غريبا، في ظل ذلك، أن يبدو من عاش السجن الحقيقي أكثر حرية، أحيانا، ممن لم يعرفه. فالأول خبر القيد وقاومه، أما الثاني فقد يألفه دون أن يشعر. لنتذكر ما عبر عنه جان جاك روسو بالقول "وُلد الإنسان حرا، ولكنه في كل مكانٍ مكبّل بالأغلال." لكنّ الأغلال التي تحدّث عنها لم تعد دائما من حديد؛ كثير منها اليوم مصنوع من أفكار...في النهاية، قد لا يكون السؤال:
من هو السجين؟
بل: أين يقع السجن؟
أفي الزنزانة التي تُغلق على الجسد…
أم في ذلك الحيّز الخفي الذي يُغلق على الروح؟
لعلّ الأرقام التي تُعلنها المؤسسات عن أعداد السجناء تقول شيئا،
لكن الحقيقة الأكثر إزعاجا… أن عدد السجناء بلا جدران أكبر بكثير.



#أكرم_شلغين (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حين كان الحلم أكبر من العالم
- بين الخبز والحرية
- بين التوقيع واللاجدوى
- الجدل الذي يجعلنا أكثر إنسانية
- التقمص (Reincarnation) و استنساخ الأرواح
- قلب لا يهدأ وهوية معلّقة و وجع منفى
- حين يعيش الإنسان… ويترك غيره يعيش
- والخلود يصبح عبئا
- -هام-* في انتظار المستحيل: حيث تتمرد الأمنية على قوانين الزم ...
- المرأة المناسبة التي لا تأتي: عطب الرغبة
- أين يختبئ واحدنا؟
- الحقيقة التي تتسع للجميع
- جورة حسني
- بين القرب والبعد: تأملات في المسافة والحنين
- أثر الكلام في الأفراد والمجتمعات: بين السحر والسلطة
- يوم أن ألقى جورج أورويل بنفسه في السجن عمدا!
- حين تُختبر الحرية من داخلها
- استنقاذا للإنسانية: هل يمكن تحويل الشرير إلى إنسان؟
- بلاد حمزاتوف.. وبلادنا!
- قبلة الجلاد: حين يصبح الملاذ مصدرا للعذاب


المزيد.....




- بعد قصفها بصاروخ أوريشنيك.. أوكرانيا تردّ باستهداف محطة نفط ...
- زعموا أنهم تعرضوا للتعذيب.. سجناء يسيطرون على سجن بفنزويلا
- سفير أمريكا في إسرائيل للبنانيين: اشكروا تل أبيب على الطماطم ...
- حتى اللحظات الأخيرة.. غموض يلفّ تفاصيل اتفاق واشنطن وطهران
- الجيش الإسرائيلي يقصف أكثر من 30 موقعا في لبنان وحزب الله يع ...
- موجة حر مبكرة غير مسبوقة تضرب فرنسا وتتسبب في وفاة عداء في ب ...
- تفاهم إيراني أمريكي يلوح في الأفق لكن عقبات النووي والأرصدة ...
- تمبست البريطانية.. مقاتلة المستقبل أم كارثة عسكرية جديدة؟
- -حزب الصراصير- ظهر كمزحة فهزّ الهند
- مساعٍ بمحيط نتنياهو لحظر مشاركة -القائمة العربية- في الانتخا ...


المزيد.....

- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - أكرم شلغين - سجون بلا جدران