أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المشرق العربي - أكرم شلغين - بين الخبز والحرية














المزيد.....

بين الخبز والحرية


أكرم شلغين

الحوار المتمدن-العدد: 8710 - 2026 / 5 / 19 - 23:16
المحور: اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المشرق العربي
    


كان الألمان، بعد سقوط جدار برلين ووحدة الألمانيتين، يروون حكايات صغيرة تكشف أكثر مما تقوله الكتب السياسية الضخمة. ومن بين أكثر العبارات التي كانت تتردد على ألسنة كثيرين ممن عاشوا في ألمانيا الشرقية قولهم: "ولكن لم يكن كل شيء سيئا في تلك الأيام."
كان الغربيون ينظرون إلى بعضهم البعض بابتسامات خفية، وكأن العبارة بالنسبة لهم هي نوع من حنين الشرقيين غير المفهوم إلى زمن القمع والجدران والأسلاك الشائكة. أما أبناء الشرق، أو "الأوسيون" كما كانوا يُعرفون، فقد شعروا سريعا أنهم موضع سخرية مبطنة، فكانوا يسارعون إلى الدفاع عن أنفسهم بالقول إنهم لم يكونوا جائعين، وإن الخبز والمواد الأساسية كانت متوفرة، وإن الإنسان كان يعرف كيف سيعيش غده، حتى لو لم يكن قادرا على الكلام بحرية.
هناك، تماما، تكمن العقدة القديمة التي يبدو أن البشرية لم تنجح بعد في حلها: ماذا يفعل الإنسان حين يُطلب منه أن يختار بين الخبز والحرية؟
أيّهما أكثر إيلاما: أن يجوع الجسد أم أن يختنق الصوت؟
في كثير من بلداننا العربية، لم تكن المسألة يوما مجرد سياسة، بل كانت دائما حياة يومية كاملة تُبنى على الخوف والصمت. وفي سوريا تحديدا، عاش الناس لعقود طويلة وهم يدفعون أثمانا باهظة مقابل الاستقرار الظاهري. لم يكن المواطن العادي يحلم بأكثر من حياة هادئة، ورغيف خبز متوفر، ووظيفة تقيه الحاجة، لكن الثمن كان معروفا للجميع، حتى وإن لم يُقل بصوت مرتفع: أن تخفض صوتك، وأن تتجنب الأسئلة الكبيرة، وأن تتعامل مع الصمت بوصفه شرطا من شروط النجاة.
وخلال أكثر من نصف قرن، نشأت أجيال كاملة وهي تتقن فن الهمس. وجزء منها فن الصمت.
كانوا يتحدثون داخل البيوت بطريقة، وخارجها بطريقة أخرى. وكانت الكلمات تُنتقى بحذر شديد، وكأن اللغة نفسها أصبحت حقل ألغام. لم يكن الخوف دائمًا مرئيا، لكنه كان حاضرا في تفاصيل الحياة الصغيرة، في النكات التي لا تُقال، وفي الآراء التي تُبتلع قبل أن تخرج إلى الهواء.
اليوم، وبعد كل ما جرى، يهمس كثيرون بمرارة أشد. فالمأساة لم تعد مقتصرة على الحرية وحدها، بل امتدت إلى أبسط شروط العيش أيضا. صار الناس يتحدثون عن الخبز كما يتحدثون عن الحلم، وعن الحياة الكريمة كما لو أنها ذكرى بعيدة. والأسوأ من ذلك أن الإحساس بالخوف لم يختفِ تماما من النفوس، بل تبدل شكله فقط.
كثيرون ما يزالون يترددون قبل قول ما يفكرون فيه حقا، وكثيرون يفضلون الصمت لأنهم تعبوا من الخيبات، أو لأنهم لا يريدون الاعتراف بأن زمن كمّ الأفواه ربما لم ينتهِ بالصورة التي تخيلوها.
إن أكثر ما يوجع الإنسان ليس القمع وحده، ولا الفقر وحده، بل ذلك الشعور القاسي بأنه يُدفع دائما إلى الاختيار بين حقين طبيعيين: أن يعيش… وأن يتكلم.
وكأن قدر هذه المنطقة أن تبقى عالقة في المعادلة نفسها؛ مرة يُقال لها اصبروا على غياب الحرية كي لا تجوعوا، ومرة يُطلب منها أن تتحمل الجوع على أمل أن يأتي الكلام الحر يوما ما.
لكن الحقيقة البسيطة التي تعلمتها الشعوب بعد تجارب طويلة هي أن الإنسان لا يكتمل بأحد الأمرين دون الآخر. فالخبز بلا كرامة يتحول مع الوقت إلى صدقة ثقيلة، والحرية بلا حد أدنى من العدالة المعيشية تصبح امتيازا لا يقدر عليه المنهكون.
وربما لهذا السبب تبدو جملة أولئك الألمان الشرقيين مفهومة أكثر اليوم:
"لم يكن كل شيء سيئا…"
فالبشر لا يتذكرون الأنظمة فقط، بل يتذكرون أيضا خوفهم القديم، وجوعهم القديم، وأحلامهم التي تأجلت طويلا، ويتذكرون قبل كل شيء تلك الأمنية البسيطة التي لم تتحقق بعد بصورة كاملة في كثير من أنحاء العالم:
أن يعيش الإنسان حرا… دون أن يجوع.



#أكرم_شلغين (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بين التوقيع واللاجدوى
- الجدل الذي يجعلنا أكثر إنسانية
- التقمص (Reincarnation) و استنساخ الأرواح
- قلب لا يهدأ وهوية معلّقة و وجع منفى
- حين يعيش الإنسان… ويترك غيره يعيش
- والخلود يصبح عبئا
- -هام-* في انتظار المستحيل: حيث تتمرد الأمنية على قوانين الزم ...
- المرأة المناسبة التي لا تأتي: عطب الرغبة
- أين يختبئ واحدنا؟
- الحقيقة التي تتسع للجميع
- جورة حسني
- بين القرب والبعد: تأملات في المسافة والحنين
- أثر الكلام في الأفراد والمجتمعات: بين السحر والسلطة
- يوم أن ألقى جورج أورويل بنفسه في السجن عمدا!
- حين تُختبر الحرية من داخلها
- استنقاذا للإنسانية: هل يمكن تحويل الشرير إلى إنسان؟
- بلاد حمزاتوف.. وبلادنا!
- قبلة الجلاد: حين يصبح الملاذ مصدرا للعذاب
- التطرف المختار: سيكولوجية الهوية الحادة بين الرحم والمذهب
- أحلام تتقلص...وأوطان تتلاشى


المزيد.....




- قرش شبح وإسفنجة مفترسة... اكتشاف أكثر من ألف كائن بحري جديد ...
- ما الذي يجمع الصين وروسيا فعلاً؟
- وليام هيغ: العودة إلى أوروبا ليست حلا سحريا لمشاكل بريطانيا ...
- مصادر تكشف لـCNN دور قادة الخليج في عدول ترامب عن شن -هجوم ا ...
- سموتريتش يتوعد بـ-حرب- على السلطة الفلسطينية بعد أنباء عن مذ ...
- ترامب يلوح بضربة جديدة لإيران ويقول إنه أرجأ الهجوم قبل ساعة ...
- ترمب: إيران لن تمتلك سلاحا نوويا والحرب معها ستنتهي سريعا
- واشنطن تتهرب من المسؤولية عن غارة أوقعت 155 قتيلا بمدرسة إير ...
- أمريكا.. تحذيرات من -صدمة محتملة- في صناعة السيارات جراء حرب ...
- مباشر: ترامب يقول إن الولايات المتحدة قد تُضطر إلى توجيه ضرب ...


المزيد.....

- سبل تعاطي وتفاعل قوى اليسار في الوطن العربي مع الدين الإسلام ... / غازي الصوراني
- المسألة الإسرائيلية كمسألة عربية / ياسين الحاج صالح
- قيم الحرية والتعددية في الشرق العربي / رائد قاسم
- اللّاحرّية: العرب كبروليتاريا سياسية مثلّثة التبعية / ياسين الحاج صالح
- جدل ألوطنية والشيوعية في العراق / لبيب سلطان
- حل الدولتين..بحث في القوى والمصالح المانعة والممانعة / لبيب سلطان
- موقع الماركسية والماركسيين العرب اليوم حوار نقدي / لبيب سلطان
- الاغتراب في الثقافة العربية المعاصرة : قراءة في المظاهر الثق ... / علي أسعد وطفة
- في نقد العقلية العربية / علي أسعد وطفة
- نظام الانفعالات وتاريخية الأفكار / ياسين الحاج صالح


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المشرق العربي - أكرم شلغين - بين الخبز والحرية