أكرم شلغين
الحوار المتمدن-العدد: 8709 - 2026 / 5 / 18 - 04:54
المحور:
العمل المشترك بين القوى اليسارية والعلمانية والديمقرطية
كثيراً ما يطلب مني بعض الأصدقاء أن أضع اسمي على بيان أو أن أوقع على قائمة تؤيد أمرا أو تعترض على آخر، وغالبا ما يتعلق ذلك بمصير وطن لم يعد يشبه الأوطان التي قرأنا عنها في كتب التربية الوطنية ونشدنا لها منذ الصغر وتغنينا بترابها....أبتسم أحيانا، وأشعر بالحزن أحيانا أخرى، ليس لأنني أرفض المشاركة أو لأنني ضد التعبير عن الرأي، بل لأنني أعرف في أعماقي أن أصواتنا في هذه البقعة من العالم تشبه الرسائل التي تُلقى في البحر؛ تصل متعبة، إن وصلت، وتضيع قبل أن تغير شيئا.
نحن نوقع وكأن القرار ُيصنع هنا، وكأن إرادة الناس ما تزال قادرة على تعديل مسار السفينة، بينما الحقيقة الأكثر قسوة أن مصائر شعوب كثيرة أصبحت ترسم بعيدا عنها، في غرف مغلقة لا تعرف أسماءنا، ولا تسمع أصواتنا، ولا ترى فينا أكثر من أرقام على خرائط المصالح.
أحياناً أشعر أننا لسنا أكثر من ورقة خريف تتقاذفها الرياح؛ تظن للحظة أنها تختار اتجاهها، بينما الريح وحدها تعرف إلى أين ستسقط.ولهذا، حين يطلب مني أحدهم أن أوقع، ينتابني ذلك السؤال المؤلم:هل أوقع لأنني أؤمن بقدرة التوقيع على التغيير، أم لأن الإنسان يحتاج أحيانا إلى وهم المشاركة كي لا يشعر بأنه غريب تماما عن دائرة من هم أبناء وطنه!؟
للفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر مقولة نحتاجها هنا فهي تفيد بأنه "حين يُحرم الإنسان من القدرة على التأثير، يصبح الصمت شكلاً من أشكال اليأس."
وربما هذا ما يحدث لكثيرين منا؛ فنحن لا نصمت لأننا لا نملك رأياً، بل لأننا تعبنا من الشعور بأن آراءنا لا تقدّم ولا تؤخر، وأن ما سيكون قد تقرر سلفاً وفق إرادات أكبر من قدرتنا على الفعل.
ومع ذلك، تبقى المأساة الحقيقية ليست في ضعف صوت الإنسان، بل في اعتياده على ضعفه.فالخطر يبدأ حين يتحول العجز المؤقت إلى قناعة راسخة، وحين يكف الناس حتى عن الحلم بأن يكون لهم وزن في تقرير مصيرهم.
ربما لا تغيّر التواقيع العالم، وربما لا توقف القرارات الكبرى، لكن المؤلم حقاً أن يشعر الإنسان بأن وجوده نفسه خارج المعادلة، وأن وطنه لم يعد مكاناً يصنع فيه أبناؤه مستقبلهم، بل مساحة مفتوحة لصراع الآخرين ورسم مصالحهم وتقسيم نفوذهم.
تلك هي الخسارة الأعمق…حين يفقد المواطن إيمانه بأن صوته يعني شيئاً.
#أكرم_شلغين (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟