أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - أكرم شلغين - الجدل الذي يجعلنا أكثر إنسانية















المزيد.....

الجدل الذي يجعلنا أكثر إنسانية


أكرم شلغين

الحوار المتمدن-العدد: 8708 - 2026 / 5 / 17 - 00:47
المحور: قضايا ثقافية
    


في أحد المشاهد الرمزية الجميلة من رواية اصبحت فيما بعد فيلما سينمائيا، يلتقي رجل دين محافظ بفتاة يسارية تحمل افكارا مختلفة تماما عن رؤيته للعالم. يبدا الحوار بينهما هادئا، ثم يحتدم شيئا فشيئا حتى يبدو وكان كل واحد منهما يقف على الضفة المقابلة للآخر، لا سياسيا فحسب، بل فكريا ووجوديا ايضا. يحتد الخلاف بينهما ثم ينتهي اللقاء ويفترقان، ويسير كل منهما في طريق مختلف وذلك في لقطة رمزية معبرة. لكنهما لم يذهبا الى بيوتهما ليحصنا انتصارهما او يداويا جراح هزيمتهما، بل ذهبا ليفكرا فيما سمعه كل منهما من الآخر، إذ أن الكلمات التي سمعها كل واحد منهما لم تتوقف عن العمل في داخله. ظل الرجل يستعيد حجج الفتاة، وظلت هي تستعيد منطقه وتساؤلاته. وبعد مدة، وفي لقطة رمزية أخرى تكاد تكون شعرية، يلتقي الاثنان مجددا في منتصف طريق طويل، يأتي كل واحد منهما من جهة مختلفة، وحين يصبحان وجها لوجه يقول كل منهما للآخر: "كنت ابحث عنك لأقول إنني اقتنعت بوجهة نظرك".
هذه القصة التي تبدو مثالية او حالمة بما فيها ليست حكاية عاطفية عن التسامح فحسب، بل هي نموذج مصغر عن ثقافة الجدل بالمعنى العميق للكلمة، وتكشف جوهرا مهما غاب عن كثير من سجالات عصرنا؛ فالحوار الحقيقي لا تكون غايته أن أهزمك أو تهزمني، بل أن نقترب معا من فهم أوسع للحقيقة، او على الأقل من صيغة أكثر عدلا وإنسانية لما نعتقده. فحين يتحول النقاش الى معركة غرور يموت الفكر، وحين يصبح الهدف هو الانتصار فقط يخسر الجميع فرصة التعلم.
ما حدث بين رجل الدين والفتاة اليسارية لم يكن مجرد نقاش عابر. كان جدلا حقيقيا لأن نتيجته لم تكن أن يغادر أحدهما منتصرا والآخر مهزوما، بل أن يغادرا مختلفين ثم يعودا متفقين على أن الاقتناع قد تبدل. هذا هو جوهر ما يسميه الألمان Streitkultur أي ثقافة الجدل او الخلاف المتحضر. والفكرة هنا ليست مجرد الجدال، بل القدرة على الاختلاف دون عداء، وعلى النقاش دون كراهية، وعلى الاعتراف بحق الآخر في التفكير المختلف دون اعتباره خصما وجوديا. إنها مفردة ليس لها مقابل دقيق في لغتنا العربية ولا في ثقافتنا، وهي تعني ان الجدل ليس ساحة حرب بل فضاء للتفاهم. أن نتناقش لا لكي أسحق رأيك او تسحق رأيي، بل لكي نوسع معا مساحة الفهم، ولكي نتعرف على بعضنا وعلى آراء بعضنا، ولكي نصل معا إلى شيء نقتنع به فيصبح ذلك الشيء ساري المفعول في زماننا ومكاننا.
ولعل من أجمل ما قيل في هذا السياق ما ينسب الى العالم والسياسي الامريكي Benjamin Franklin حين اعتبر أن أصدقاءنا الحقيقيين هم نقادنا لأنهم يجعلوننا نرى ما نعجز عن رؤيته في أنفسنا. فالإنسان بطبيعته يميل إلى حب أفكاره والدفاع عنها، وأحيانا التعلق بها بوصفها جزءا من هويته، ولذلك يصبح النقد مزعجا. الصديق الحقيقي ليس من يقول لي دائما ما أريد سماعه، بل من يجرؤ على أن يختلف معي، ليس لأنه يريد ان يجرحني بل لأنه يريد أن يساعدني على أن أرى غير ما، أو أكثر مما، أرى. الخلاف إذاً ليس خيانة للصداقة، بل هو في أعمق معانيه تجسيد لها. لنتذكر ان الحضارات لم تتقدم إلا حين وجد من يجرؤ على السؤال، ومن يقبل الاستماع ايضا.
ان التاريخ نفسه يعلمنا أن ما نعتبره اليوم حقيقة مطلقة قد يصبح غدا موضع مراجعة. فالعالم Galileo Galilei دفع ثمن افكاره لأنه خالف ما كان يُعتقد إنه حقيقة نهائية، ومع ذلك تغير العالم لاحقا. بل ان كثيرا من الافكار التي كانت تعد بديهية في زمن ما أصبحت اليوم موضع سخرية أو نقد. وهذا لا يعني أن الحقيقة غير موجودة، بل يعني أن فهم الانسان لها يظل نسبيا ومتطورا وقابلا للمراجعة.
وقد أدرك فلاسفة كبار هذه المسالة منذ زمن بعيد. كان سقراط يعتقد أن الحكمة تبدأ حين يعترف الانسان بجهله، ولذلك كان يحاور الناس لا ليهزمهم، بل ليجعلهم يفكرون. أما Voltaire فقد ارتبط اسمه بفكرة الدفاع عن حق الآخر في التعبير حتى مع الاختلاف معه. وفي القرن العشرين اصبحت فكرة الحوار أساسا لفلسفات كاملة ترى ان الانسان لا يكتمل الا عبر الآخر، وان الهوية نفسها تتشكل من خلال النقاش والتفاعل لا من خلال العزلة الفكرية.
ويخطر في البال هنا مشهد من مسرحية Top Girls للكاتبة البريطانية Caryl Churchill، حيث تجتمع نساء من عصور وخلفيات مختلفة حول مائدة عشاء واحدة، والمشهد يبدو في ظاهره فوضويا لان الجميع يتكلم في الوقت نفسه، حتى يكاد المشاهد لا يميز جملة كاملة وسط تداخل الاصوات. لكن روعة المشهد لا تكمن في النظام بل في الفكرة نفسها؛ فكل واحدة من النساء لا تحاول ان تهزم الاخرى او تسكتها، بل تحاول ان تحكي قصتها، ان تقول: هذا ما عشته، وهذا ما رايته، وهذا ما جعلني ما انا عليه. وكأن المسرحية تقول لنا ان البشر لا يتكلمون دائما لكي ينتصروا، بل احيانا فقط لكي يشعروا ان اصواتهم مسموعة. ولعل كثيرا من خلافاتنا كانت ستصبح اقل قسوة لو فهمنا ان الاصغاء لا يقل اهمية عن الكلام.

واتذكر ايضا قصة طريفة وعميقة الدلالة عن شاب غربي كان يقف في أحد المتاجر الكبيرة يراقب اصوات اجهزة المحاسبة وصفارات قراءة البضائع وحركة العربات وحديث الناس المتداخل. بالنسبة لمعظم الموجودين كان كل ذلك مجرد ضجيج يومي عابر، لكنه أخذ يسجل تلك الاصوات ويعيد ترتيبها والاستماع اليها حتى اكتشف انها تحمل ايقاعا خفيا يشبه الموسيقى. وبعد فترة حول ذلك الخليط من الاصوات الى مقطع موسيقي لافت جذب الانتباه حتى ان الشركة نفسها اعجبت بالفكرة واشترت التسجيل لاستخدامه اعلانيا. وقد تبدو القصة بسيطة، لكنها تحمل معنى عميقا؛ فحتى الاصوات المتنافرة يمكن ان تتحول الى لحن إذا عرفنا كيف نصغي اليها. وكذلك الآراء المختلفة، قد تبدو لنا في البداية فوضى او تناقضا، لكنها ربما تخفي وراءها صورة اوسع لا يمكن ان تتشكل الا من تعدد الاصوات.
ولعل المشكلة الكبرى اليوم ان العالم، رغم كل وسائل التواصل، أصبح أقل قدرة على الاصغاء. الجميع يريد ان يتكلم، ان ينتصر، ان يثبت انه على حق، بينما تتراجع فضيلة الانصات. وفي زمن الاستقطاب الحاد صار كثيرون يختارون اصدقاءهم بناء على تشابه الآراء لا على عمق الانسانية، وكأن الاختلاف مرض ينبغي التخلص منه لا ظاهرة طبيعية تثري الوعي البشري.
ان الاختلاف لا يجب ان يؤدي الى خلاف، بل ربما يكون أحيانا الطريق الوحيد نحو المعرفة. فالإنسان لا يرى الصورة كاملة من زاويته وحدها، وانما يحتاج الى عيون الاخرين ايضا. وبتعبير جلال الدين الرومي، كأن الحقيقة مرآة في يد الله ثم انكسرت، فتفرق البشر يلتقطون شظاياها، وراح كل واحد يرى في قطعته جزءا من الصورة ويظنه الحقيقة كلها. ما نحتاجه هو أن ندرك ان مرآتنا ليست سوى جزء صغير من المرآة الكبرى، وان الصورة لا تكتمل بنا وحدنا، بل بمرايا الاخرين أيضا.

وقد يكون أخطر ما يمكن ان يحدث لاي مجتمع هو ان يتحول افراده الى نسخ متشابهة تخشى السؤال وتخاف النقاش. فالحقيقة لا تولد من الصمت، بل من الاحتكاك الفكري، ومن القدرة على مراجعة الذات، ومن الشجاعة في الاعتراف بأننا قد نكون مخطئين.
وربما لهذا السبب تحديدا تبقى الحوارات الصادقة فعلا انسانيا نبيلا؛ لأنها لا تسعى الى الغاء الاخر، بل الى فهمه. وحين يصل الانسان الى مرحلة يستطيع فيها ان يقول: "ربما املك جزءا فقط من الحقيقة"، فانه يكون قد خطا اول خطوة حقيقية نحو الحكمة.



#أكرم_شلغين (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- التقمص (Reincarnation) و استنساخ الأرواح
- قلب لا يهدأ وهوية معلّقة و وجع منفى
- حين يعيش الإنسان… ويترك غيره يعيش
- والخلود يصبح عبئا
- -هام-* في انتظار المستحيل: حيث تتمرد الأمنية على قوانين الزم ...
- المرأة المناسبة التي لا تأتي: عطب الرغبة
- أين يختبئ واحدنا؟
- الحقيقة التي تتسع للجميع
- جورة حسني
- بين القرب والبعد: تأملات في المسافة والحنين
- أثر الكلام في الأفراد والمجتمعات: بين السحر والسلطة
- يوم أن ألقى جورج أورويل بنفسه في السجن عمدا!
- حين تُختبر الحرية من داخلها
- استنقاذا للإنسانية: هل يمكن تحويل الشرير إلى إنسان؟
- بلاد حمزاتوف.. وبلادنا!
- قبلة الجلاد: حين يصبح الملاذ مصدرا للعذاب
- التطرف المختار: سيكولوجية الهوية الحادة بين الرحم والمذهب
- أحلام تتقلص...وأوطان تتلاشى
- مائدة الحنين
- الاقتباس والابداع في الميزان: بين الانفتاح الثقافي واخلاقيات ...


المزيد.....




- الجيش الأمريكي يعلن -انتهاء الرد على إسقاط الأباتشي-.. و-الح ...
- البحرين -تطلق صفارات الإنذار- بعد إعلان إيران عن -مهاجمة الأ ...
- تعثر محادثات القاهرة بشأن وقف إطلاق نار دائم في غزة بسبب حصر ...
- فريدمان لقادة الحرب في الشرق الأوسط: -لقد خسرتم جميعا-
- معضلة المفاوضات الأمريكية الإيرانية.. كلا الطرفين يسعى للنصر ...
- طعن يهز بلفاست.. وتوترات واحتجاجات مناهضة للهجرة
- الكوليرا تضرب شمال شرق نيجيريا.. 74 وفاة وآلاف الإصابات
- ليلة الرد الأميركي على إسقاط الأباتشي.. ماذا جرى؟
- عراقجي بعد الضربات الأمريكية: إيران لن تترك هجوماً دون رد
- عشاق ألعاب الفيديو في مواجهة مع شركات أوقفت تشغيل ألعاب -دفع ...


المزيد.....

- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - أكرم شلغين - الجدل الذي يجعلنا أكثر إنسانية