أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المشرق العربي - أكرم شلغين - حين كان الحلم أكبر من العالم















المزيد.....

حين كان الحلم أكبر من العالم


أكرم شلغين

الحوار المتمدن-العدد: 8712 - 2026 / 5 / 21 - 20:55
المحور: اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المشرق العربي
    


ثمة أجيال لا يمكن فهمها خارج سياق الحلم، وجيلنا كان واحدًا من تلك الأجيال التي عاشت على الحلم أكثر مما عاشت على الواقع. كنا أبناء مرحلة أعقبت تلك التي خرجت لتوّها من الاستعمار، محمّلة بخطب كبرى عن النهضة والوحدة والحرية والاشتراكية والإنسان الجديد. وكانت كلمة "الثورة" نفسها تحمل سحرا يكاد يكون دينيا؛ كأنها المفتاح السحري الذي سيقودنا دفعة واحدة إلى العدالة والحداثة والكرامة. لم نكن نرى العالم بوصفه شبكة معقدة من المصالح والقوى، بل بوصفه مسرحا أخلاقيا بسيطا: شعوب تقدّمت لأنها امتلكت الثورة، وأخرى بقيت متأخرة لأنها لم تحققها بعد.
أتذكر كيف كنا نتصفح مجلة “بلاد السوفييت” بشيء يشبه الدهشة الطفولية. كان الورق الأبيض المصقول وحده يبدو قادما من عالم آخر. الصور: شوارع نظيفة، عمارات شاهقة، عمّال يبتسمون، نساء يحملن الكتب، أطفال بملابس أنيقة، مصانع، جرارات، جامعات، علماء… وكأن الاشتراكية لم تكن مجرد نظام اقتصادي، بل وعدا بالخلاص الإنساني الكامل. وكنا نقرأ "بناء الصين" بالطريقة نفسها، ونلتهم الكتب الرخيصة الثمن التي تصلنا كأنها رسائل سرية من المستقبل: "كيف سُقينا الفولاذ"، "الدولة والثورة"، "ما العمل؟"، "البيان الشيوعي"، "عشرة أيام هزت العالم"، ويوميات غيفارا في بوليفيا. لم تكن تلك الكتب مجرد معرفة، بل كانت تمنحنا شعورا بالانتماء إلى"سرّ تاريخي" أكبر من حياتنا الصغيرة والهامشية.
وكان العائدون من الاتحاد السوفييتي وبلغاريا ورومانيا وتشيكوسلوفاكيا ويوغوسلافيا يحدثوننا عن عالم بدا أقرب إلى الخيال: تعليم، تقدم، طبابة، نظام، مواصلات، احترام للقانون، ومدن لا يشبه غبارها غبارنا، ولا علاقة الدولة فيها بالإنسان علاقتنا المرتبكة والموجوعة بالدولة. بالنسبة إلينا، لم تكن تلك البلاد مجرد نماذج سياسية، بل كانت تمثل إمكانية أخرى للوجود نفسه؛ إمكانية أن يعيش الإنسان بكرامة داخل دولة لا تعامل مواطنيها بوصفهم عبئا أو رعايا خائفين.
لكننا لم نكن نفهم شيئا أساسيا: أن العالم لا يتحرك باحتجاج خروتشوف بخبط حذائه على منضدة الاتحاد السوفييتي في الجمعية العامة للأمم المتحدة بنيويورك...ولا بالعواطف وحدها، ولا تدار السياسة فيه بوصفها مسألة أخلاقية خالصة. لم نكن نعرف كيف تتحرك الأمم الكبرى، ولا كيف تُرسم خرائط النفوذ والمصالح، ولا أن الدول الصغيرة كثيرا ما تجد نفسها مجرد تفصيل هامشي داخل لعبة أكبر منها بما لا يُقاس. كنا نتصور أن الإرادة وحدها تكفي، وأن مجموعة من الحالمين تستطيع تغيير التاريخ متى شاءت، بينما كانت "لعبة الأمم" تُدار في أماكن بعيدة، وفق موازين قوة لا ترى في أحلامنا أكثر من ضجيج صغير على الهامش.
من الناحية النفسية، كان جيلنا يعيش ما يمكن تسميته "فخ المركز المتخيَّل". لم نعش الحداثة فعليا، بل استهلكناها عبر الصور والكتب والخطابات. كنا نقرأ عن صناعة الفولاذ والثورة البلشفية فنشعر، بطريقة لا واعية، أننا قادرون على تكرار التجربة ذاتها. كانت المعرفة النظرية تمنحنا وهم القدرة العملية، وكأن قراءة "الدولة والثورة" أو "ما العمل؟" تعني امتلاك مفاتيح التاريخ. لم نكن ندرك أن تلك النصوص وُلدت في سياقات مختلفة تماما، وأن أصحابها أنفسهم كانوا جزءا من صراعات دولية وإمبراطوريات وموازين قوى، لا مجرد حالمين معزولين يحملون كتبا في غرف ضيقة.
كما أن ذلك الحلم الثوري لبّى حاجة نفسية عميقة لدى جيل خرج من الاستعمار مثقلا بالإحساس بالنقص والتأخر. فجأة، لم نعد مجرد شعوب مهزومة أو متخلفة، بل أصبحنا جزءًا من "حركة تحرر عالمية". كان ذلك التحول من موقع الضحية إلى موقع الفاعل الرمزي مُشبعا نفسيا إلى حد بعيد. وربما يعيننا هنا ما قاله إريك فروم في "الهروب من الحرية" حين أشار إلى ميل الإنسان، في لحظات القلق والاغتراب، إلى الارتماء في أيديولوجيات شمولية تمنحه اليقين والانتماء والمعنى.
لكن المشكلة الكبرى لم تكن في الحلم نفسه، بل في سوء فهمنا لطبيعة العالم. ومرة أخرى أكررها، لقد اعتقدنا أن الثورة تصنعها مجموعة صغيرة من المثقفين المخلصين، أو حزب طليعي، أو انتفاضة شعبية عفوية، بينما كانت السلطة الدولية تتحرك وفق اقتصاد وجيوش وتحالفات وأسواق وشركات ومصالح هائلة. كنا نقرأ "عشرة أيام هزت العالم"، لكننا لم نسأل أنفسنا: لماذا استطاعت روسيا أن تهز العالم أصلا؟ لماذا نجحت الصين أو فيتنام أو كوبا في فرض حضورها؟ لم يكن الأمر متعلقا فقط بالنقاء الثوري أو البطولة الفردية، بل أيضا بالحجم السكاني، والجغرافيا، والموارد، والتوازنات الدولية، واللحظة التاريخية المناسبة.
أما نحن، أبناء البلدان الصغيرة الخارجة حديثا من الاستعمار، فلم نكن نعرف حجمنا الحقيقي على خريطة القوى الدولية. كانت تلك، ربما، واحدة من أكثر الصدمات قسوة: أن تكتشف متأخرا أن التاريخ لا يتحرك وفقا لرغباتك، وأن البطولة الفردية لا تكفي لتغيير مصائر الشعوب. كنا نظن أنفسنا مركز العالم، بينما كنا بالكاد نُرى على خرائط القوى الكبرى.، وعلى هامش كل ما هو فاعل في الساحة الدولية.
ثم جاء الثمن الباهظ. دخل بعضنا السجون، ومات بعضنا في المنافي، وضاعت أعمار كاملة بين الحلم والهزيمة والانتظار. دفعت أجيال كثيرة أثمانا نفسية وسياسية وإنسانية هائلة، ومع ذلك لم نصل إلى ذلك العالم الذي تخيلناه ونحن نقرأ الكتب الثورية تحت ضوء خافت، أو نستمع بحماسة إلى حكايات العائدين من الشرق البعيد. وعندما يتحطم حلم جماعي بهذا الحجم، فإنه لا يتحطم في الفراغ، بل يترك وراءه خيبة مزمنة، وانقساما في الذاكرة، وأزمة هوية سياسية عميقة: إذا لم نكن "ثوارا" كما حلمنا، فمن نحن إذن؟
ومع مرور السنوات، بدأ يتكشف شيء مؤلم: أن كثيرا من أحلامنا لم يكن خاطئا من حيث النوايا، بل من حيث فهم العالم. ومن جديد أكررها لا جلدا للذات أو انتقادا لأحد بل من باب الكلام عن التجربة كما عشناها، لقد كنا رومانسيين أكثر مما ينبغي، واعتقدنا أن التاريخ يستجيب للنقاء الفكري والعواطف النبيلة، بينما كان التاريخ أكثر برودة ووحشية وتعقيدا مما تخيلناه. لكن، رغم كل شيء، لا أستطيع أن أسخر من ذلك الجيل أو أن أدينه. فالأمم لا تتقدم فقط بالنجاحات، بل أيضا بالأحلام التي تفشل. وربما كانت القيمة الحقيقية لذلك الجيل أنه حاول، وحلم، وآمن بأن الإنسان يستحق حياة أفضل، حتى وإن كانت أدواته محدودة، وحتى وإن كان العالم أكبر بكثير من قدرته على التغيير.
ربما كان الدرس الأقسى والأهم معا هو أن التغيير الحقيقي ليس حدثا دراماتيكيا واحدا، بل عملية طويلة وشاقة ومركبة، تحتاج إلى معرفة بالتاريخ والجغرافيا والاقتصاد والبنية الاجتماعية، بقدر ما تحتاج إلى الشجاعة والحلم. وربما لم نكن نعرف حجمنا في العالم يومها، لكننا نعرف اليوم أن الحجم لا يُقاس فقط بالقوة المادية، بل أيضا بالقدرة على التعلم من الألم، وإعادة بناء الحلم على أسس أكثر وعيا وأقل رومانسية. فهذا، في النهاية، ليس تراجعا عن الحلم، بل محاولة أخيرة لإنقاذ معناه.



#أكرم_شلغين (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بين الخبز والحرية
- بين التوقيع واللاجدوى
- الجدل الذي يجعلنا أكثر إنسانية
- التقمص (Reincarnation) و استنساخ الأرواح
- قلب لا يهدأ وهوية معلّقة و وجع منفى
- حين يعيش الإنسان… ويترك غيره يعيش
- والخلود يصبح عبئا
- -هام-* في انتظار المستحيل: حيث تتمرد الأمنية على قوانين الزم ...
- المرأة المناسبة التي لا تأتي: عطب الرغبة
- أين يختبئ واحدنا؟
- الحقيقة التي تتسع للجميع
- جورة حسني
- بين القرب والبعد: تأملات في المسافة والحنين
- أثر الكلام في الأفراد والمجتمعات: بين السحر والسلطة
- يوم أن ألقى جورج أورويل بنفسه في السجن عمدا!
- حين تُختبر الحرية من داخلها
- استنقاذا للإنسانية: هل يمكن تحويل الشرير إلى إنسان؟
- بلاد حمزاتوف.. وبلادنا!
- قبلة الجلاد: حين يصبح الملاذ مصدرا للعذاب
- التطرف المختار: سيكولوجية الهوية الحادة بين الرحم والمذهب


المزيد.....




- إحياء دعوى تعويضات أمريكية ضد عمالقة السياحة البحرية بسبب كو ...
- علماء يتحدون قوانين الفيزياء لمحاكاة عظام بشرية بالذكاء الاص ...
- وسط حديث عن مؤشرات إيجابية في المفاوضات.. ترامب يصر على منع ...
- -ألوموت-.. وحدة إسرائيلية جديدة لدمج الذكاء الاصطناعي في ساح ...
- -لن نسمح لهم بحيازته-.. ترامب يتعهد بالحصول على اليورانيوم ا ...
- جاموس يدعى -دونالد ترامب- يثير ضجة في بنغلادش قبل عيد الأضحى ...
- ترامب: هل يطيح بالنظام في كوبا؟
- إعلام روسي: أوروبا قد تشكل ناتو جديدا يضم أوكرانيا ويستبعد ت ...
- إندونيسيا تتحمل فارق تكلفة سفر 220 ألفا من حجاجها
- ملادينوف يعرض خارطة الطريق بشأن غزة.. ما تفاصيلها؟


المزيد.....

- سبل تعاطي وتفاعل قوى اليسار في الوطن العربي مع الدين الإسلام ... / غازي الصوراني
- المسألة الإسرائيلية كمسألة عربية / ياسين الحاج صالح
- قيم الحرية والتعددية في الشرق العربي / رائد قاسم
- اللّاحرّية: العرب كبروليتاريا سياسية مثلّثة التبعية / ياسين الحاج صالح
- جدل ألوطنية والشيوعية في العراق / لبيب سلطان
- حل الدولتين..بحث في القوى والمصالح المانعة والممانعة / لبيب سلطان
- موقع الماركسية والماركسيين العرب اليوم حوار نقدي / لبيب سلطان
- الاغتراب في الثقافة العربية المعاصرة : قراءة في المظاهر الثق ... / علي أسعد وطفة
- في نقد العقلية العربية / علي أسعد وطفة
- نظام الانفعالات وتاريخية الأفكار / ياسين الحاج صالح


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المشرق العربي - أكرم شلغين - حين كان الحلم أكبر من العالم