أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - احمد صالح سلوم - الإرهاب الفكري: صناعة إمبريالية في ثياب الديمقراطية















المزيد.....


الإرهاب الفكري: صناعة إمبريالية في ثياب الديمقراطية


احمد صالح سلوم
شاعر و باحث في الشؤون الاقتصادية السياسية

(Ahmad Saloum)


الحوار المتمدن-العدد: 8715 - 2026 / 5 / 24 - 18:06
المحور: الادب والفن
    


ليس الإرهاب الفكري وليد الصدفة أو نتاجاً لحالات استثنائية طارئة، بل هو مشروع منهجي متكامل الأركان، تصنعه أذرع الإمبريالية الغربية – وفي مقدمتها الولايات المتحدة – بأدوات فائقة التطور، تهدف إلى إعادة تشكيل الوعي الجماعي للشعوب، وتوجيهه بما يخدم مشاريع الهيمنة والسيطرة. إنه حرب لا تُرى فيها الجيوش، ولا تُسمع فيها دوي المدافع، لكنها أخطر من كل الحروب التقليدية، لأنها تغزو العقول قبل الأوطان، وتستعبد القلوب قبل الأبدان.

في هذه الصفحات، نُقارب هذه الظاهرة من جذورها الأولى، وكيف تحولت الصناعة الإعلامية الغربية من وسيلة لنقل الخبر إلى آلة لغسل الأدمغة وتشويه الحقائق، ونكشف الستار عن التناقضات الصارخة بين الخطاب الديمقراطي الذي تروجه واشنطن وحلفاؤها، والممارسات الإمبريالية التي تمزق النسيج الاجتماعي للدول التي تقف في وجه هذا المشروع.

إنها محاولة لتفكيك خطاب السلطة، كما تفعل النخب الفكرية التقدمية في الغرب نفسها، انطلاقاً من مبدأ أن نقد الإمبريالية ليس حكراً على ضحاياها، بل هو واجب إنساني يقع على عاتق كل مفكر حر، أينما كان موقعه على خريطة العالم.



الإمبراطورية الإعلامية وآليات غسل الدماغ

أولاً: إمبراطوريات الظل

عندما نتحدث عن الإمبراطورية الأمريكية، لا ينبغي أن تنحصر صورنا الذهنية في حاملات الطائرات والقواعد العسكرية المنتشرة في بقاع الأرض. فهذه مجرد الأدوات الظاهرة للقوة، أما العمق الاستراتيجي الحقيقي لهذه الإمبراطورية، فيكمن في تحالفها العضوي مع إمبراطوريات إعلامية هائلة، تمتلك من القدرات المالية والتقنية ما يجعلها قادرة على إنتاج "الحقيقة" حسب الطلب.

هذه الإمبراطوريات – من سي إن إن إلى فوكس نيوز، ومن واشنطن بوست إلى نيويورك تايمز – لا تعمل بمعزل عن المشروع الإمبريالي الأمريكي، بل هي جزء لا يتجزأ من بنيته التحتية الأيديولوجية. ففي دراسة نشرتها جامعة أوهايو تحت عنوان "Selling US Wars" (تسويق الحروب الأمريكية)، يوثق نخبة من المفكرين التقدميين آليات تحول وسائل الإعلام إلى أداة دعائية تخدم المجمع الصناعي العسكري. ويأتي على رأس هؤلاء المفكرين نعوم تشومسكي، الذي أمضى عقوداً من عمره في تفكيك أساطير الإعلام الغربي، وكشف كيف يتم "تصنيع التوافق" حول السياسات العدوانية.

واللافت أن تشومسكي، الذي يُعتبر أيقونة النقد للسياسة الخارجية الأمريكية، لم يقل قط إن وسائل الإعلام الغربية تخدع مواطنيها بمعزل عن الإرادة الشعبية، بل إنها تنجح في ذلك لأنها تتماهى مع مصالح النخبة الحاكمة. وهنا يكمن مكمن الخطر: أن يصبح المواطن الأمريكي العادي شريكاً غير مدرك في مشروع الهيمنة، لأنه يستهلك بشكل يومي خطاباً إعلامياً يعيد إنتاج الصورة النمطية عن "الآخر" الشرير، وعن "الأمة الأمريكية المختارة" التي تحمل رسالة الحرية والديمقراطية إلى العالم.

ثانياً: كيان الإبادة الجماعية كواحة ديمقراطية

ما أشد المفارقة تعقيداً وتناقضاً، ذلك المشهد الذي يجعل فيه الإعلام الغربي كيان الاحتلال الصهيوني – الذي ترتكب آليته العسكرية يومياً أبشع جرائم الحرب والإبادة الجماعية في فلسطين – نموذجاً يحتذى به في الديمقراطية وحقوق الإنسان! إنها لعبة سحرية في إعادة تسمية الأشياء، حيث تصبح "الدولة الوحيدة في العالم التي تمارس التطهير العرقي في القرن الحادي والعشرين"، وفق تعبير العديد من الباحثين، واحة أمنية وديمقراطية في قلب الشرق الأوسط.

كيف يتم ذلك؟ من خلال آليات متقنة لصناعة "العدو" و"الصديق". فكل من ينتقد سياسات الاحتلال يصبح معادياً للسامية، بينما تُغضى الطرف عن جرائم حرب مكتملة الأركان، وتُحاكم المحكمة الجنائية الدولية ليس على إبادة غزة، بل على جرأة المدعي العام في طلب مذكرات اعتقال بحق قادة الاحتلال!

هذا الانحياز الغربي المطلق ليس وليد لحظة عاطفية، بل هو نتاج ضغط لوبيات منظمة تمتلك القدرة على تشكيل السياسة الأمريكية، وفي مقدمتها لوبي أيباك (AIPAC) وميريام أديلسون، تلك الشخصية التي لم تتردد في ضخ مئات الملايين من الدولارات لدعم سياسات دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو في الإبادة الجماعية في فلسطين وإيران و سورية والعالم ، اللذين يتباهيان بعلاقتهما الوثيقة، كما لو كانت جائزة على الإجرام. ففي الوقت الذي تُطارد فيه دول العالم من يمول الإرهاب، يظل هؤلاء محميين بغطاء إعلامي وسياسي سميك، لا يجرؤ أحد في واشنطن على اختراقه، وإلا انقلب عليه الإعلام واتهمه بكل النعوت الجاهزة: "معادٍ للسامية، متعاطف مع الإرهاب، عدو لأمريكا".



تناقضات السياسة الأمريكية في مواجهة الإرهاب

أولاً: من الإرهابي إلى الحليف.. لعبة التصنيفات

إذا أردنا الدليل الأوضح على أن "الإرهاب" ليس ظاهرة موضوعية، بل هو سلاح سياسي بامتياز، فإن تاريخ التعامل الأمريكي مع منظمة مجاهدي خلق (مجاهدة) خير شاهد. تلك المنظمة التي كانت مدرجة على قوائم الإرهاب الأمريكية لعقود، بتهمة التعاون مع نظام صدام حسين في قمع الانتفاضة الشيعية والكردية في التسعينيات، وبتورطها في اغتيال مواطنين أمريكيين وإيرانيين.

ولكن فجأة، وبدون مقدمات منطقية، بدأت واشنطن عملية "إعادة تسمية" هذه المنظمة. فبعد ضغط مكثف من لوبياتها، وبعد أن دفعت مبالغ طائلة لشركات علاقات عامة أمريكية كبرى (مثل شركة "دي فيني" التي يديرها ديك تشيني سابقاً)، تم رفع اسمها من قائمة الإرهاب. واليوم، تعيش قيادات هذه المنظمة في ألبانيا وكوسوفو في حماية أمنية غربية، تمارس أنشطتها بكل حرية، بينما تُطارد كل من يطالب بتسليمهم للعدالة في إيران أو العراق.

أليس هذا هو الإرهاب الفكري بعينه؟ أن تفرض واشنطن على العالم تصنيفاتها الانتقائية للإرهاب، فمن يقف في صفها هو "مقاتل حرية" حتى لو كان جلاداً، ومن يقف ضدها هو "إرهابي" حتى لو كان مدافعاً عن حقوق شعبه. وفي هذا السياق، يكتب أكين فاندايك في كتاب "Political Terrorism & the US Imperial Project" (الإرهاب السياسي والمشروع الإمبريالي الأمريكي) أن واشنطن تستخدم مفهوم الإرهاب كغطاء لتبرير أي تدخل عسكري يخدم مصالحها، مثلما فعلت في أفغانستان والعراق.

ثانياً: محميات الخليج.. بين الديمقراطية المزعومة والحماية الغربية

إذا كان المبرر الأمريكي لشن الحروب ونشر "الديمقراطية" في غرب آسيا هو إسقاط الأنظمة "الديكتاتورية" ونشر قيم الحرية والانتخابات، فكيف نفسر علاقة واشنطن الوثيقة بأنظمة خليجية لا تعرف الدستور ولا الانتخابات، وتحكم بقبضة من حديد منذ عقود؟

هذه الأنظمة، التي تخلو مؤسساتها من أي شكل من أشكال التمثيل الشعبي الحقيقي، تُعتبر "حلفاء استراتيجيين" لواشنطن، وتُمد بالسلاح والأغطية السياسية والدبلوماسية في كل المحافل الدولية. السر بسيط: إنها تخدم النموذج العبودي الأمريكي في المنطقة. فهي تشتري سلاحها الأمريكي بأسعار خيالية، وتستضيف قواعد عسكرية أمريكية، وتصوت في الأمم المتحدة لصالح المصالح الأمريكية، وتستورد النموذج الاستهلاكي الغربي دون أدنى تحفظ.

إن ازدواجية المعايير هذه ليست خطأً في النظام، بل هي خاصية جوهرية فيه. إنها تذكير دائم بأن "الديمقراطية" التي تتحدث عنها واشنطن هي مجرد سلاح تستخدمه ضد أعدائها، وليست قيمة عالمية تسعى لنشرها. وكما يقول تشومسكي: "إذا طبقت الولايات المتحدة على نفسها المعايير التي تطبقها على الآخرين، لتم إدانتها بتهمة الإرهاب مئات المرات".



سوريا نموذجاً.. من نظام علماني إلى "إمارة جولاني"

أولاً: الأسد والإخوان.. دحض أسطورة الطائفية

من أكثر روايات الإعلام الغربي تلفيقاً وتضليلاً، تلك التي صورت النظام السوري السابق – بقيادة حافظ ثم بشار الأسد – ككيان طائفي مضطهد للسنة. هذه الرواية التي كررتها قنوات "الجزيرة" و"العربية" والغربية على مدى عقد من الزمن، لم تكن مجرد كذب، بل كانت غطاءً أيديولوجياً لحرب تدميرية شنت على سوريا، بدعم من تحالف أمريكي-تركي-خليجي، استخدم كل أنواع الأسلحة والإعلام لتقويض دولة كانت تشكل حجر عثرة في وجه المشروع الإمبريالي في المنطقة.

الحقيقة الموثقة تاريخياً، أن نظام الأسد – رغم قسوته وقمعية أجهزته الأمنية – كان يتبنى خطاباً علمانياً قومياً، ولم يمارس أي شكل من أشكال التطهير الطائفي ضد المكونات السورية. فالمسيحيون كانوا يحتفلون بأعيادهم بكل حرية، والأكراد كانوا جزءاً من النسيج الوطني (رغم الأخطاء السياسية)، والدروز والشيعة والعلويون والسنة، كلهم كانوا يعيشون في دولة مدنية (بالمفهوم السوري القاسي) تحارب التطرف الديني بكل أشكاله، وتعتبر الإخوان المسلمين "عدواً" ليس لأنهم سنة، بل لأنهم مارسوا العنف السياسي وحاولوا اغتيال الدولة.

ثانياً: الجولاني.. من إرهابي دولي إلى "زعيم" مدعوم

واليوم، وبعد أن دمرت الحروب الاستعمارية الأمريكية الصهيونية الخليجية سوريا، وأُخرجت من حساباتها، نجد أن المشهد السوري يُعاد تشكيله على يد شخصية كان يُطارد في كل دول العالم: أبو محمد الجولاني، ذلك القيادي في تنظيم الدولة الإسلامية سابقاً، ثم في جبهة النصرة (ذراع القاعدة في سوريا)، المطلوب للعدالة دولياً بتهم تتراوح بين تمويل الإرهاب وارتكاب جرائم حرب.

هذا الرجل نفسه، الذي كانت واشنطن تضع مكافأة مالية على رأسه، أصبح اليوم عنصراً محورياً في المعادلة السورية الجديدة، بغطاء تركي-قطري صهيوني، يتنقل بين شيوخ القبائل وقادة الفصائل، ويحاول فرض رؤيته في دمشق وما حولها. وكأن واشنطن وحلفاءها تريد أن تقول للعالم: "نحن من نصنع الإرهابيين، ونحن من نصنع القادة الشرعيين، حسب ما تمليه مصلحتنا في اللحظة".

هذا التحول الصارخ يذكرنا بما يكتبه المفكر مايك ماركيزي في كتابه "The Iron Click: American Exceptionalism and US Empire" (الاستثنائية الأمريكية والإمبراطورية الأمريكية)، حول كيفية تحويل الأعداء أداة لخدمة المشروع الهيمني. فالجولاني اليوم لم يعد "إرهابياً" لأنه أصبح أداة لتحقيق أهداف تركيا الاردوغانية و محمية قطر وإسرائيل في تفكيك ما تبقى من الدولة السورية، وإجهاض أي محاولة لإعادة بناء سوريا موحدة مستقلة.



القوة الناعمة الإمبريالية.. الإعلام والجامعات

أولاً: قناة الجزيرة.. من صوت الثورات الكاذبة إلى بوق الإخوان

لم تكن قناة الجزيرة مجرد قناة فضائية عادية، بل كانت واحدة من أخطر آلات "الإرهاب الفكري" في العقدين الماضيين. ففي الوقت الذي كانت تقدم نفسها على أنها "صوت الحرية" و"ضمير الأمة"، كانت تمارس أخطر أنواع التحريض الطائفي والسياسي، تحت إدارة القطريين الذين يملكونها، وبتمويل خليجي-أمريكي مشترك.

ربما يتذكر القارئ كيف تحولت الجزيرة أثناء ما يسمى الربيع العربي من قناة إخبارية إلى "وزارة إعلام" لجماعة الإخوان المسلمين الوهابية الإرهابية ، تنقل كل شائعة وافتراء ضد الأنظمة التي كانت تستهدفها الثورات المضادة. وعندما وصل الإخوان إلى الحكم في مصر (لفترة وجيزة)، كانت الجزيرة وكأنها "الإذاعة الداخلية" لمرشدهم، تبشر بخلافة إسلامية قادمة، وتصف معارضيها بالعمالة والكفر.

وفي سوريا، كان دور الجزيرة أكثر سوداوية. لقد مولت خطاباً متطرفاً يصف كل من لا يؤيد "الثورة" بأنه "شبيحة" و"علوي كافر" ويستحق القتل. هذا الخطاب الذي أفرز تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) نفسه، لم يكن مجرد تعبير عن حماس ثوري، بل كان جزءاً من خطة إقليمية ودولية لتدمير سوريا وإخراجها من المعادلة السياسية.

هذه الحقائق لا يأتي بها كاتب عربي متحمس، بل هي موثقة في دراسات أكاديمية غربية، وفي كتبي المنشورة ، التي تخصص (مثل تلك الموجودة في مكتبة الحوار المتمدن) لتحليل خطاب الجزيرة، وكيف أنه انحرف تماماً عن أخلاقيات المهنة، وتحول إلى آلة دعائية تخدم أجندات سياسية بحتة.

ثانياً: "لوبي المجمع العسكري الصناعي" من يحرك واشنطن؟

السؤال الجوهري: هل القرارات الأمريكية التي تقود إلى الحروب والتوتر الدولي تأتي نتيجة "خطأ في التقدير" أو "دفاع عن النفس"، أم أنها نتاج طبيعي لبنية اقتصادية متكاملة قائمة على إشعال النيران؟

المؤرخ والمفكر الأمريكي التقدمي والدن بيلو في كتابه "The Capitalist Conjuncture" يقدم تشريحاً دقيقاً لهذه المسألة. فهو يشرح كيف أن الاقتصاد الأمريكي تحول، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، إلى اقتصاد "شبه دائم للحرب". فشركات السلاح العملاقة (لوكهيد مارتن، رايثيون، بوينغ، إلخ) أصبحت تمتلك نفوذاً هائلاً في واشنطن، ليس فقط من خلال تمويل الحملات الانتخابية، بل من خلال توظيف آلاف من المسؤولين السابقين في إداراتها (الباب الدوار)، ومن خلال تمويل مراكز الأبحاث والجامعات التي تنتج "دراسات علمية" تبرر زيادة الإنفاق العسكري.

هذا ما يعرف بـ "المجمع العسكري الصناعي"، وهو التعبير الذي صاغه الرئيس الأسبق دوايت أيزنهاور في خطاب وداعه الشهير، محذراً من نفوذه الخطير على السياسة الأمريكية. واليوم، أصبح هذا المجمع أقوى مما كان عليه في عهد أيزنهاور، فهو يتحكم في ما يقرب من تريليون دولار سنوياً (نصف الإنفاق الحكومي الاختياري)، ويحرك أكبر شبكة دعائية في التاريخ لترويج فكرة أن العالم مكان خطير، وأن أمريكا يجب أن تكون مستعدة للحرب في كل لحظة.

من هنا، نفهم لماذا ترفع الإدارة الأمريكية "تصنيف التهديد الإرهابي" كلما احتاجت إلى تبرير حرب جديدة، ولماذا تظل إيران (التي سنتحدث عنها بتفصيل لاحق) هدفاً دائماً للاتهامات رغم أن إنفاقها العسكري لا يزيد عن 1% من الإنفاق الأمريكي. إنها معادلة بسيطة: الحرب تعني أرباحاً خيالية لشركات السلاح، والإعلام هو الأداة التسويقية التي تبيع هذه الحرب للشعب الأمريكي.



إيران.. نموذج مختلف في مواجهة الإمبريالية

أولاً: ديمقراطية مؤسسات أم دولة أصولية؟

من أكثر الصور النمطية التي يكرسها الإعلام الغربي – بتواطؤ إعلامي عربي – هي صورة إيران كـ"دولة مارقة" و"ديكتاتورية دينية" و"دولة إرهابية". هذه الصورة، التي أصبحت حقيقة مسلمة عند الكثيرين، تحتاج إلى مراجعة جذرية، ليس بدافع التعاطف مع النظام الإيراني، بل بدافع من الصدق الفكري والمعرفي.

إيران، بعد ثورة 1979، أنشأت نظاماً سياسياً فريداً يجمع بين الولاية الفقهية (حكم الفقيه) والمؤسسات الجمهورية المنتخبة. فإلى جانب "ولي الفقيه" (الذي يعتبره الكثيرون أعلى سلطة في البلاد)، هناك رئيس منتخب، وبرلمان منتخب (مجلس الشورى الإسلامي)، ومجالس مدن منتخبة، ومجلس خبراء منتخب (وهو الهيئة التي تعين ولي الفقيه وتشرف على عمله).

هذا المزيج من "الثيوقراطية" و"الديمقراطية" ليس مثالياً بالتأكيد، فهو يعاني من مشاكل كثيرة، ويواجه انتقادات من الداخل والخارج. لكن السؤال: هل هو "أسوأ" من الأنظمة التي تدعمها أمريكا في المنطقة؟ هل هو أسوأ من الملكيات المطلقة الخليجية التي لا انتخابات فيها ولا دساتير؟ هل هو أسوأ من نظام مبارك في مصر (الذي كانت واشنطن تعتبره "حليفاً استراتيجياً")؟ هل هو أسوأ من النظام السعودي الذي يقطع رؤوس المعارضين ويقصف اليمن بأسلحة أمريكية؟

واقعياً، إيران لديها نقاش سياسي حيوي، وأحزاب سياسية (محافظة وإصلاحية)، وصحف معارضة، وانتخابات تنافسية (رغم كل القيود)، وحركة نسوية قوية تطالب بحقوقها، وحركة طلابية ناشطة. لا يمكن قول هذا عن أي من "محميات الخليج" التي تنعم بحماية أمريكية كاملة.

ثانياً: إنفاق عسكري متواضع.. فلماذا الهوس الأمريكي؟

من أكثر الحقائق إحراجاً للدعاية الغربية، أن إيران تنفق على جيشها ما لا يتجاوز 20 مليار دولار سنوياً، وهو رقم لا يمثل سوى جزء بسيط من الإنفاق العسكري السعودي (الذي يصل إلى 80 ملياراً)، ولا يمثل حتى 1% من الإنفاق العسكري الأمريكي (الذي يتجاوز 900 مليار دولار سنوياً).

فإذا كانت إيران تشكل ذلك "التهديد الوجودي" للمنطقة والعالم، فلماذا لا تمتلك قوة عسكرية تعادل 10% من القوة الأمريكية؟ الجواب: لأن "التهديد الإيراني" هو تهديد مصطنع، يُستخدم لتبرير وجود القواعد العسكرية الأمريكية في محميات الخليج الوهابية الإرهابية ، ولتبرير بيع مئات المليارات من الدولارات من الأسلحة إلى الأنظمة الخليجية القروسطبة ، ولتشتيت الانتباه عن العدو الحقيقي: إسرائيل التي تمتلك ترسانة نووية ولا تُسأل عنها، والتي تتدخل عسكرياً في سوريا والعراق ولبنان دون حسيب ولا رقيب.

إن إيران المستقلة، التي تمتلك برنامجاً نووياً سلمياً (كما أكدت وكالة الطاقة الذرية مرات عديدة)، والتي تدعم قوى المقاومة في فلسطين ولبنان وسوريا، هي نموذج يحتذى به في رفض التبعية، وهذا هو "جرمها" الحقيقي في نظر واشنطن. لأن واشنطن لا تريد "ديمقراطية" في المنطقة، ولا "حقوق إنسان"، ولا "حرية"، إنها تريد أنظمة عميلة تفتح أسواقها لشركاتها، وتشتري سلاحها، وتدعم سياساتها في الأمم المتحدة. وأي نظام يخرج عن هذا الإطار، يجب تدميره، تحت أي ذريعة، من "حقوق الإنسان" إلى "مكافحة الإرهاب" إلى "منع انتشار السلاح النووي".



أصوات أمريكية معارضة.. شركاء في النقد لا في التطبيل

أولاً: كتابات تشومسكي.. من الداخل ضد الإمبراطورية

من أعجب المفارقات التي تكشف زيف الادعاءات القائلة بأن معاداة الإمبريالية هي مجرد "شعارات عربية راديكالية" أو "تأثر بالشيوعية"، أن أقوى النقضات للسياسة الخارجية الأمريكية تأتي من داخل أمريكا نفسها، من مفكرين وكتاب وصحفيين لا يخشون في الحق لومة لائم.

نعوم تشومسكي، أستاذ اللغويات في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، هو أيقونة هذا التيار. في العقد الماضي وحده، أصدر أكثر من عشرة كتب تكشف الوجه الحقيقي للإمبريالية الأمريكية، كان آخرها كتاب "The Myth of American Idealism" (أسطورة المثالية الأمريكية) الذي صدر قبل أشهر قليلة.

في هذا الكتاب، الذي شاركه في كتابته ناثان روبنسون، يعيد تشومسكي تشريح التاريخ الدموي للسياسة الخارجية الأمريكية، من فيتنام إلى تشيلي، ومن نيكاراغوا إلى أفغانستان، ومن العراق إلى غزة. يشرح كيف كانت واشنطن تتبنى شعارات "الحرية" و"الديمقراطية" و"حقوق الإنسان" في خطاباتها، بينما تدعم في الخفاء أبشع الديكتاتوريات، وتنظم الانقلابات، وتدرب قوات الموت، وتغض الطرف عن جرائم الحرب.

ويكتب تشومسكي بجرأة نادرة: "إذا طبقنا على الولايات المتحدة المعايير التي تطبقها على الآخرين، لثبت أنها دولة إرهابية بامتياز. إن غزو العراق كان جريمة حرب مكتملة الأركان، لم تتم محاسبة أحد عليها. وإن الدعم اللامحدود لإسرائيل في جرائمها ضد الفلسطينيين هو انتهاك صارخ لكل القوانين الدولية".

هذه الشجاعة الفكرية هي التي تجعل من تشومسكي "خائن" في نظر اليمين الأمريكي، و"بطل" في نظر اليسار العالمي، لكنها فوق كل هذا، تجعله نموذجاً يحتذى به للمثقف الحر الذي لا يبيع ضميره لمنصات المجمع الصناعي العسكري.

ثانياً: أحمد صالح سلوم.. منبر الحوار المتمدن

على الجانب العربي، اعتبر نفسي واحد من أهم نقاد "الإرهاب الفكري" و"صناعة الوعي" بأدوات إعلامية متطورة. من خلال منبر "الحوار المتمدن" المستقل، حيث اصف في كتبي ومقالاتي الممتدة كيف تحولت قنوات مثل الجزيرة والحدث والعربية ومن يشبهها من وسائل إعلام تمولها محميات الخليج إلى أداة لتدمير الوعي العربي، تحت شعارات "الثورة" و"الحرية".

في دراساتي، استخدم أدوات التحليل النقدي لتفكيك خطاب هذه القنوات، مبيناً كيف تعيد إنتاج الأيديولوجيا الصهيوأمريكية في قوالب عربية الطابع، وكيف تتحول إلى منصات لتطبيع "الإرهاب الفكري الاستعماري". حيث اخصص فصولاً كاملة لتحليل التغطية الإعلامية للحرب على سوريا، ولما يسمى الربيع العربي، وللصراع مع إيران، مبيناً الانحياز الصارخ لهذه القنوات للرواية الأمريكية-الإسرائيلية، رغم ادعائها "الموضوعية" و"الاستقلالية".

اعتبر أن بعض الكتاب العرب خارج دائرة التمويل الخليجي الصهيوني الغربي هم الأصوات العربية الناقدة، التي تعمل في ظل ظروف صعبة، بعيداً عن تمويل الحكومات أو المؤسسات الإعلامية الضخمة، هي بمثابة "منارة فكرية" في عتمة الدعاية الإعلامية الممنهجة. إنها تذكرنا بأن النضال ضد الإمبريالية ليس مجرد معركة سياسية أو عسكرية، بل هو في جوهره معركة فكرية وثقافية، معركة استعادة الوعي، والتحرر من هيمنة الصور النمطية التي يزرعها الإعلام التابع.



الطريق إلى تحرير العقل

بعد هذه الجولة الطويلة في متاهات "الإرهاب الفكري"، نعود إلى سؤال البداية: كيف يمكن مواجهة هذا المشروع الإمبريالي الضخم، الذي يمتلك كل أدوات القوة الناعمة والصلبة؟

المواجهة، كما توحي هذه المادة، ليست في الدخول في معركة شرسة مع الإعلام الغربي على أرضه، لأنه يمتلك تفوقاً تقنياً ومالياً لا يمكن مجاراته. بل هي في "الانسحاب الاستراتيجي" من ساحة لعبه، وبناء "خطاب مضاد" خاص بنا، قائم على الحقيقة والمنطق والأخلاق، يستهدف الجمهور الذي لا يزال يحتفظ ببعض الاستقلالية الفكرية.

إنها مهمة النخب الثقافية والفكرية والدينية في العالم العربي والثالث ، أن تقدّم سردية بديلة، لا تقوم على رد الاتهامات فقط، بل على بناء رؤية إيجابية للعالم: رؤية تقوم على العدالة والمساواة والكرامة الإنسانية، بعيداً عن أي نزعة تطرف أو إقصاء.

كما أن المهمة تقع على عاتق المثقفين والأكاديميين الغربيين الأحرار، الذين يدركون أن إمبراطوريتهم تغرق العالم في حروب لا طائل منها، وأن الحل ليس في "إصلاح" الإمبريالية، بل في تفكيكها من جذورها، وإعادة بناء عالم متعدد الأقطاب، قائم على الاحترام المتبادل وسيادة القانون الدولي.

وفي هذا السياق، لا يمكننا أن ننهي هذه المادة دون أن ننحني احتراماً لمن سبقونا في هذا الطريق الوعر، من نعوم تشومسكي إلى سوزان جورج إلى أكين فاندايك إلى طارق علي، وغيرهم من المثقفين التقدميين الذين دفعوا ثمناً باهظاً لنقد أوطانهم، ليس حباً في "الآخر"، بل حباً في الحقيقة والعدالة.

فشكراً لهم، ولأمثالهم في عالمنا العربي، الذين يذكروننا بأن أعظم أنواع الجهاد، هو "جهاد البيان"، وكشف حقائق السلطة، مهما كانت القوة التي تحميها. وبأن المستقبل، رغم كل هذا الظلام الإعلامي الكثيف، لا يزال مفتوحاً على إمكانية التحرر، ليس فقط من الاحتلال العسكري، بل من احتلال العقول والقلوب.

فهل من مستمع؟

………

المراجع والمصادر

1. Vanaik, Achin (Ed.). Selling US Wars. Interlink Books, 2004.
2. Chomsky, Noam & Robinson, Nathan. The Myth of American Idealism: How U.S. Foreign Policy Endangers the World. Penguin, 2024.
3. Chomsky, Noam. "The Responsibility of Intellectuals in the Age of Fascism and Genocide." Boston Review, 2025.
4. Coyne, Christopher J. & Hall, Abigail R. Manufacturing Militarism: U.S. Government Propaganda in the War on Terror. Stanford University Press, 2021.
5. Rockhill, Gabriel. Who Paid the Pipers of Western Marxism? The Intellectual World War. Monthly Review Press, 2025.
6. سلوم، أحمد صالح. مقالات وتحليلات منشورة في موقع "الحوار المتمدن". (بعض كتبه موجودة في مكتبة التمدن وعلى منصة بيت الثقافة البلجيكي العربي على سوبستاك ).
7. George, Susan. "Manufacturing Common Sense,´-or-Cultural Hegemony for Beginners." في Selling US Wars، 2004.
8. Marqusee, Mike. "The Iron Click: American Exceptionalism and US Empire." في Selling US Wars، 2004.



#احمد_صالح_سلوم (هاشتاغ)       Ahmad_Saloum#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حوار الأبدية: من أبواق الثالوث النووي إلى خنادق دونباس
- قصص : جثى على ركام الحقيقة.. مستلهمة من شهادات الألم الفلسطي ...
- الصين والآلة الهولندية… حين يختصر التاريخ سبع سنوات في عامين
- كيف ترسم إيران وروسيا والصين ملامح نظام عالمي جديد
- قراءة في حرب الخليج الثالثة من منظور المناخ والصواريخ والنفط
- بين سطوة الدعاية وبهاء الحضارة: إيران كما لم يروها الخصوم
- فجر النار: كيف غيّر انفجار «تومر» معادلة الردع في اغرب آسيا ...
- رواية -ريح الخامس عشر من أيار- – تفكيك الخطاب والبناء والسرد ...
- تمهيد - رواية : ريح الخامس عشرة من أيار - التي تصدر قريبا
- -قيادة التضاد: إيران بين فك الارتباط وأوهام الفتنة-
- انتصارات المحور: قراءة في تحولات الهيمنة من الغرب إلى الشرق
- فائض القيمة والمركز والمحيط..الجزء الثاني
- عندما يزور -الطاغية- عرين التنين طالباً لا آمراً
- كتيب : فائض القيمة والمركز والمحيط..الجزء الاول
- دراسة مقارنة -ضفائر تحت الركام- وأدب الإبادة العالمي
- دراسة نقدية معمقة لرواية( ضفائر تحت الركام )
- تمهيد لرواية قصيرة (ضفائر تحت الركام)
- سيمياء الضباب في رواية -خريطة الضباب-..تشريح استعمار العقل
- دراسة مقارنة : -الجسد الذي كان يحلم- في سياق أدب الإبادة الع ...
- مقدمة نقدية أدبية لرواية - الجسد الذي كان يحلم -


المزيد.....




- المغنية والممثلة مايلي سايروس تحصل على نجمة المشاهير في ممشى ...
- هل تخشى أن تصبح مثلهم؟.. 5 أفلام تكشف الوجه الآخر للأبوة في ...
- مهرجان كان : السعفة الذهبية لفيلم -فيورد- للمخرج الروماني كر ...
- الفنان المصري إدوارد يحتفل بزفاف نجله ماركو
- محمد سعيد أحجيوج: لهذا تسقط الرواية العربية في فخ الأيديولوج ...
- لماذا تتضارب الروايات الإيرانية والأمريكية حول الاتفاق الوشي ...
- فيلم -FJORD- يفوز بالسعفة الذهبية.. إليكم جوائز مهرجان كان ا ...
- بيت المدى يستذكر صاحب - المنعطف -..جعفر علي عراب السينما الع ...
- فيلم -فيورد- يفوز بجائزة السعفة الذهبية في مهرجان كان عام 20 ...
- مهرجان كان السينمائي: السعفة الذهبية لفيلم -فيورد-


المزيد.....

- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا ... / السيد حافظ
- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - احمد صالح سلوم - الإرهاب الفكري: صناعة إمبريالية في ثياب الديمقراطية