|
|
كتيب : فائض القيمة والمركز والمحيط..الجزء الاول
احمد صالح سلوم
شاعر و باحث في الشؤون الاقتصادية السياسية
(Ahmad Saloum)
الحوار المتمدن-العدد: 8705 - 2026 / 5 / 14 - 19:19
المحور:
ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية
من التسيير الذاتي إلى نظرية الاستغلال الأممي
"ليس الاشتراكية أن تنتمي إلى حزب، بل أن تشعر أن المصنع الذي تعمل فيه هو ملكك أنت ورفاقك"
الإهداء
إلى كل عامل يحلم أن تكون آلة الإنتاج التي يتصبب جبينه أمامها ملكًا ليديه لا لسيد متغطرس.
إلى كل شعب في المحيط يرى ثرواته تتدفق نحو المركز كأنهار لا تعود.
إلى ذكرى يوغوسلافيا التي قتلت لأنها جرحت كبرياء الاستغلال.
مقدمة الكاتب
نحن اليوم في عالم تشابكت فيه حبال الاستغلال حتى صارت كالشرنقة، وفي عصر لم تعد فيه العلاقة بين العامل وصاحب العمل هي المسرح الوحيد لنهب فائض القيمة، بل أصبحت القارات بأسرها ساحة لهذا الصراع الأبدي، تأتي الحاجة الملحة إلى كتيب يعيد ترتيب الأوراق.
ليس هذا الكتاب تأريخًا جافًا ولا نظرية مجردة. إنه محاولة لفهم لماذا لا تزال شعوب المحيط فقيرة رغم غناها، ولماذا يباع برميل النفط - شريان الحضارة - بأقل من ثمن حاسوب عابر. إنه رحلة في مفاهيم التسيير الذاتي الذي أجهضته صواريخ الناتو، ونظرية المركز والمحيط التي لم يعرفها ماركس لكنها صارت مفتاح فهم عالمنا.
إن أصبت فمن نور الحقيقة، وإن أخطأت فمن ظلالها.
الفصل الأول - جوهر فائض القيمة
فائض القيمة ليس كلمة سرية في معجم الاقتصاديين، ولا هو شعار يُرفع في المهرجانات. فائض القيمة هو الفرق بين جبين يتصبب عرقًا وجيب يمتلئ ذهبًا.
دعنا نبسط الأمر بلا لف ولا دوران: العامل الذي يقضي ثماني ساعات في المصنع لا يعمل لنفسه طوال هذه الساعات. جزء منها - أربع ساعات مثلًا - ينتج فيها ما يعادل قيمة أجره الذي يتقاضاه في نهاية الشهر. أما الساعات الأربع الباقية، فنتاجها يذهب إلى جيب صاحب العمل. هذا النتاج هو فائض القيمة. هذا هو الربح. هذه هي الزبدة التي يصنع منها الأغنياء ثرواتهم.
ولكن هل توقف الأمر عند هذا الحد؟ كلا. فما حدث بعد قرنين من الزمن أن هذا المفهوم البسيط تشابك وتعقد وصار يختبئ خلف آلاف الأقنعة.
تمدد المفهوم في العصر الراهن
لم يعد فائض القيمة محصورًا بين أربعة جدران مصنع، ولا بين عامل وبرجوازي. لقد تعمم المفهوم، وتجاوز الحدود، وأصبح يتحكم بمصائر أمم وشعوب. العلاقة بين الدول الغنية والدول الفقيرة لم تعد علاقة تجارة حرة عادلة، بل أصبحت علاقة استغلال منظمة، حيث تصبح الدول المتقدمة هي "صاحب العمل" والدول النامية هي "العامل".
هذا ما سنسميه لاحقًا نظرية المركز والمحيط. ولكن قبل أن نصل إلى هناك، علينا أن نعترف بشيء: حتى في الأنظمة التي نادت بالاشتراكية، لم يختف فائض القيمة. فقط تغير شكله وتبدلت أسماؤه.
الفصل الثاني - تجربة الدولنة السوفييتية
اتبع الاتحاد السوفييتي نمطًا أسماه "الدولة". وهو نمط، في التحليل الأخير، ليس اشتراكيًا بالمعنى الحقيقي. لماذا؟ لأن ما حدث هو أن طبقة إدارية جديدة - من الحزب وأجهزة الدولة - حلت محل الطبقة البرجوازية القديمة. فبدلًا من أن يملك المصنع رأسمالي طماع، أصبح المصنع مملوكًا للدولة. ولكن الدولة هنا ليست الشعب، بل هي مجموعة من البيروقراطيين.
النتيجة؟ العامل بقي يشعر بالاغتراب أمام وسائل الإنتاج. هو لا يملك المصنع. المصنع مملوك لجهاز الحزب، للحكومة، للمسؤول الكبير. والعلاقة بين العامل وهذه الطبقة الإدارية الجديدة أصبحت تحمل شيئًا من الاستغلال. فائض القيمة لم يختف، بل انتقل من جيب الرأسمالي إلى خزائن الحزب.
الاغتراب الذي لم يزل
الاغتراب - ذلك الشعور بأنك غريب أمام ما تنتجه، بأن الثمرة ليست لك رغم أن يدك هي التي غرستها وسقتها - هو الآفة الحقيقية التي تقتل روح العمل. في الرأسمالية الكلاسيكية، العامل يرى صاحب المصنع ويحسده ويمقته. في النموذج السوفييتي، العامل رأى جهازًا ضخمًا لا يعرف أين يبدأ وأين ينتهي، فزاد اغترابه لا نقص.
يقول المثل الشعبي السوفييتي: "هم يتظاهرون بأنهم يدفعون لنا، ونحن نتظاهر بأننا نعمل". هذه هي تراجيديا الدولنة. تغيير في اسم المالك، ولكن لا تغيير في جوهر العلاقة.
كان لا بد من حل آخر. وكان هذا الحول قد ظهر بالفعل في مكان غير متوقع: في يوغوسلافيا.
الفصل الثالث - التسيير الذاتي اليوغوسلافي
في قلب البلقان، وبين جبال تطل على بحرين، قامت تجربة فريدة في تاريخ البشرية. تجربة اسمها "التسيير الذاتي". ماذا تعني؟ ببساطة شديدة: أن تحول ملكية المعامل إلى الشعب وإلى العاملين أنفسهم. هم يديرونها. هم ينتخبون مجالس إدارتهم. هم يوزعون أرباحها. هم الذين يقررون مصيرهم.
تخيل معي: مصنع يملكه العمال. ليس رأسماليًا خاصًا، ولا دولة حزبية بيروقراطية. مالكو المصنع هم الذين يقفون أمام الآلات. هم من ينتجون، وهم من يقررون. هل يمكن أن يكون هناك حل أنجح لهذه المعادلة الصعبة التي حيرت البشرية؟ معادلة كيف نلغي الاغتراب؟
الجواب: بأن يكون العامل هو المالك. بأن يشعر الإنسان أن هذه الآلة التي تتساقط قطرات عرقه عليها هي ملكه هو ورفاقه.
لماذا استهدفت يوغوسلافيا؟
إذا كان هذا النموذج بهذه الروعة، فلماذا قصف الناتو يوغوسلافيا؟ ولماذا وقفت ضدها كل القوى الرجعية من آل سعود وآل نهيان والإخوانجية والقاعدة؟
لأن التسيير الذاتي كان يشكل خطرًا وجوديًا على مشروع الاستغلال العالمي. مصنع يديره العمال لا يمكن نهب فائض قيمته. دولة تقوم على الديمقراطية الاقتصادية لا يمكن اختراقها بوكلاء المركز الاستعماري. شعب يمتلك وسائل إنتاجه لا يمكن استعباده بوعود وهمية باسم الدين أو القومية.
يوغوسلافيا استهدفت لأنها أثبتت أن بديلًا آخر ممكنًا. استهدفت لأن نجاحها كان سيشعل ثورات في كل مكان. استهدفت لأنها كانت جرحًا في جسد المركز الاستعماري لم يندمل إلا بدمائها.
الديمقراطية شرط لا غنى عنه
ولكن دعنا نكن صريحين. التسيير الذاتي اليوغوسلافي لم يكن جنة على الأرض. كان فيه عيوبه، وكانت فيه تناقضاته. والمشكلة الأكبر ربما كانت أن الديمقراطية - الحقيقية، الجذرية، التي لا تخاف النقاش - لم تكتمل.
وهنا نصل إلى نقطة جوهرية: لا يكفي أن نرفع شعار الاشتراكية. لا يكفي أن نغير ملكية وسائل الإنتاج. لا بد دومًا من الديمقراطية. ديمقراطية تسمح بمناقشة السبيل الأفضل. ديمقراطية تتيح للعمال أن يخطئوا ثم يصححوا أخطاءهم. ديمقراطية لا تخاف من الاعتراض ولا من الاختلاف.
بدون هذه الديمقراطية، سيكون التسيير الذاتي مجرد شعار آخر، والدولة مجرد قناع جديد لوجه الاستغلال القديم.
الباب الرابع - نظرية المركز والمحيط
قبل أن نغوص في أعماق هذه النظرية التي هزت أركان الاقتصاد السياسي المعاصر، علينا أن نعترف باعتراف صريح: ماركس العظيم لم يعرف هذه النظرية. لم تكن في عهده. العالم الذي عاش فيه كان أبسط، وأقل تشابكًا، وأكثر وضوحًا في حدوده بين الأمم.
لكن الزمن تغير. الرأسمالية تطورت. الاستغلال لم يعد يتم فقط داخل مصنع واحد، بل أصبح يتم على مستوى الكوكب بأكمله. دول بأكملها صارت في موقع "العامل"، ودول أخرى صارت في موقع "صاحب العمل". هذه الحقيقة الجديدة ولدت حاجة ملحة إلى نظرية جديدة، أو على الأقل إلى امتداد للنظرية القديمة.
هكذا ولدت نظرية المركز والمحيط. يرفضها بعض الماركسيين التقليديين. يتمسكون بالحرف، يخافون من التجديد. لكن من يريد فهم الاقتصادات المعقدة اليوم، لا يمكنه الاستغناء عنها. هي أداة، وليست عقيدة. هي مفتاح، وليس الإيمان كله.
رواد النظرية
ثلاثة أسماء تتصدر قائمة من أسسوا لهذه النظرية، كل منهم من زاوية مختلفة، لكنهم جميعًا يصبون في نهر واحد.
راؤول بربيش، الاقتصادي الأرجنتيني الذي رأى بعينيه كيف تفقر أمريكا اللاتينية رغم غناها. كان أول من صك مصطلح "شروط التجارة غير المتكافئة". قال ببساطة: عندما تتبادل دولة غنية بالسلع المصنعة مع دولة فقيرة بالسلع الأولية، فإن الفقيرة تخسر دائمًا. ليس لأن تجارها أغبياء، بل لأن اللعبة نفسها مصممة لخسارتهم.
أندريه غوندر فرانك، الألماني المتمرد الذي ذهب إلى أبعد من ذلك. قال إن تخلف المحيط ليس مرحلة سابقة على التطور، بل هو نتاج التطور نفسه. المحيط فقير لأن المركز غني. الغنى والفقرفة وجهان لعملة واحدة، ليس مرحلتين منفصلتين.
سمير أمين، المصري العالمي الذي وضع أصبعه على الجرح العربي. قال إن الرأسمالية العالمية ليست نظامًا عادلاً، بل هي نظام يستنزف المحيط لصالح المركز. ونحن في الوطن العربي، للأسف الشديد، لسنا استثناءً. بل ربما نكون المثال الأكثر إيلامًا.
آلية الاستغلال - الحاسوب وبرميل النفط
لنضرب مثالاً بسيطًا، بسيطًا جدًا، لكنه يحمل في طياته كل تراجيديا المحيط.
حاسوب محمول صغير، تصنعه شركة أمريكية أو صينية بعلامة تجارية غربية، يُباع بألف دولار. برميل نفط خام، يستخرج من باطن أرض الخليج أو أفريقيا أو أمريكا اللاتينية، يستغرق ملايين السنين ليتكون، لا يمكن تعويضه، هو شريان الحضارة الحديثة، يُباع بمئة دولار.
أي بعبارة أخرى: حاسوب واحد يساوي عشرة براميل نفط.
لنتأمل هذا الجنون. النفط سلعة ناضبة، لا تتجدد. النفط هو ما يحرك السيارات والطائرات والمصانع. النفط هو الذي ينتج البلاستيك والأدوية والأسمدة. النفط هو الدم الذي تجري به عروق الحضارة. ومع ذلك، سعره أقل بعشر مرات من سعر جهاز صغير قد يصبح قديمًا بعد عامين.
هذا هو الاستغلال بعينه. هذا هو فائض القيمة الذي يشفط من المحيط إلى المركز. هذا هو السر وراء ثراء الأغنياء وفقر الفقراء.
التراكم الرأسمالي غير المتكافئ
لماذا يحدث هذا؟ هل لأنه لا أحد يعرف القيمة الحقيقية للنفط؟ كلا، بل لأن العلاقة بين المركز والمحيط ليست علاقة ندية، بل علاقة قوة. المركز يملك التكنولوجيا، ويملك براءات الاختراع، ويملك البنوك، ويملك شركات التأمين، ويملك الأساطيل الحربية.
المحيط يملك فقط المواد الأولية. ولا يملك حتى القدرة على تسعيرها.
هذا هو ما يسميه المنظرون "التراكم الرأسمالي غير المتكافئ". المركز يتراكم رأس المال بشكل هائل، بينما المحيط يتراكم الديون والفقر. ليس لأن شعوب المحيط كسولة أو غبية، بل لأن نظام التجارة العالمي مصمم بهذه الطريقة. كلما حاول المحيط التطور، وجد نفسه مضطرًا لشراء تكنولوجيا من المركز بأسعار خيالية، وبيع مواده الأولية بأسعار بخسة.
إنها حلقة مفرغة. يسميها البعض "استنزاف المحيط". ويسميها آخرون "استعمار جديد بلا جنود ولا مستعمرات". لكن الاسم لا يهم. المهم هو الحقيقة التي لا تقبل الجدل: اللعبة ليست عادلة.
إسرائيل كمركز استعماري
هنا نصل إلى نقطة حساسة، نقطة تؤلم وتوجع، لكن الحقيقة مرة ولا بد من قولها.
إسرائيل، هذا الكيان الصغير المسلح حتى أسنانه، المدعوم من أكبر قوة في العالم، المتسلح بأحدث التكنولوجيا، ليس مجرد دولة عادية في الشرق الأوسط. إسرائيل، في نظرية المركز والمحيط، هي مركز استعماري، والبلدان العربية هي محيط لهذا المركز.
ما معنى هذا؟ معناه أن العلاقة بين إسرائيل والدول العربية ليست مجرد علاقة عداء سياسي، بل هي علاقة استغلال اقتصادي منظم. إسرائيل تشفط فائض القيمة من محيطها العربي بنفس الآلية التي يشفط بها واشنطن وبروكسل وبكين موارد المحيط العالمي.
بالطبع، هناك مقاومة. بالطبع، هناك رفض. لكن المقاومة التي لا تفهم طبيعة الاستغلال الاقتصادي، التي تظن أن العدو مجرد جيش يحتل أرضًا، ستبقى ناقصة، مشلولة، عاجزة عن تحقيق النصر الحقيقي.
محميات الخليج - وهم السيادة
وماذا عن محميات الخليج؟ عن آل سعود وآل نهيان ومن لف لفهم؟ هؤلاء ليسوا محيطًا، لكنهم ليسوا مركزًا أيضًا. إنهم طبقة وسيطة، طبعة عميلة، وكيلة للمركز الاستعماري.
هذه الأنظمة الخليجية تعتقد أنها تستطيع أن تبقي الشعوب العربية مستعبدة للمركز الاحتكاري الرأسمالي تحت مسميات وهمية، تحت شعارات فارغة كـ"أهل السنة والجماعة". إنهم يبيعون أوهامًا، ويشترون بها ولاءً مؤقتًا.
وهم في النهاية ليسوا سوى عملاء. يديرون لعبة الاستغلال باسم المركز، ويأخذون عمولتهم. لكنهم ليسوا أصحاب القرار. هم ليسوا سادة أنفسهم. هم مجرد حراس سجون، يحرسون شعوبهم في غياب سادتهم الحقيقيين.
وهؤلاء السادة الحقيقيون يجلسون في واشنطن ولندن وباريس وتل أبيب.
الباب الخامس - وكلاء المركز في العالم العربي
المركز الاستعماري لا يعمل وحده. هو بحاجة إلى وكلاء، إلى أيادٍ محلية تنهب باسمه، إلى فئات تقوم بالأعمال القذرة نيابة عنه.
في العالم العربي، هناك لوبيات كاملة تعمل لصالح المركز. بعضها يحمل أسماء دينية، وبعضها يحمل أسماء قومية، وبعضها يحمل أسماء "مقاومة". لكن وظيفتهم واحدة: استقطاب الثروة. أي نهب كل فائض القيمة الإنتاجي.
من هم هؤلاء؟ الإخوانجية، حماس، فتح، وأحزاب أخرى كثيرة. كلهم، بدرجات متفاوتة، يلعبون نفس اللعبة. يتحدثون باسم الشعب، لكنهم يخدمون المركز. يرفعون شعارات التحرير، لكنهم ينهبون فائض القيمة. يظهرون بمظهر الأبطال، لكنهم في الحقيقة مجرد عملاء.
هذه فئة قليلة العدد. لكنها منظمة، ومدربة، ومتعودة على أسلوب معيشي محدد. وهي مجبرة على هذا الأسلوب من قبل مركزها الذي يمدها بالمال والسلاح. لو حاولت الخروج عن النص، لتوقفت عنها الإمدادات، وسقطت كأوراق الخريف.
القمع البوليسي كأداة للنهب
كيف تنهب هذه الفئة فائض القيمة؟ لا يمكنها أن تفعل ذلك بالقناعة والحوار. الشعب لن يتخلى عن ثرواته بمحض إرادته. لذلك، لا بد من القمع. لا بد من أجهزة بوليسية تخنق أي صوت معترض. لا بد من سجون ومطاردات وتعذيب.
هذه هي المعادلة البشعة: فائض القيمة لا يمكن استخلاصه بدون عنف. الرأسمالية، في جوهرها، ليست نظامًا سلميًا. إنها نظام قائم على الإكراه، على إجبار العامل على العمل أكثر مما يستحق أجره. وعلى المستوى الأممي، إجبار المحيط على التخلي عن ثرواته بأسعار بخسة.
هؤلاء الوكلاء المحليون يقومون بدور الحارس. هم الذين يضربون المعتصمين، ويسجنون النشطاء، ويصادرون الأصوات. هم الذين يخلقون مناخًا من الرعب يسمح للمركز بمواصلة نهبه دون عوائق.
تحويل الثروات إلى البنوك الإسرائيلية
وهنا تأتي المفارقة الأكثر إيلامًا. فائض القيمة الذي ينهبه هؤلاء الوكلاء لا يبقى في جيوبهم. هم ليسوا سوى أنابيب تمر عبرها الثروات. الفائض يتحول إلى سيولة، وهذه السيولة توضع في أرصدة بالبنوك الإسرائيلية - كبنك ليئومي - أو في بنوك البحرين أو قطر.
نعم، أنت لم تقرأ خطأ. بنوك إسرائيلية. العدو الذي يرفعون شعارات مقاومته، هم أنفسهم يودعون أموالهم عنده. ليس لأنهم خونة بالمعنى العاطفي فقط، بل لأنهم جزء من نفس النظام. إسرائيل هي المركز الإقليمي، وبنوكها هي الخزائن التي تحفظ أموال النهب.
إنها حلقة مفرغة، لكنها منظمة. الشعب ينهب، والثروات تذهب إلى البنوك الإسرائيلية، وإسرائيل تستخدم هذه الثروات لتعزيز هيمنتها، وهذا التعزيز يسمح بمواصلة النهب. وهكذا إلى ما لا نهاية.
آليات إعادة الشفط
لكن الأمر لا يتوقف عند الإيداع البنكي. هناك آليات معقدة لإعادة شفط هذه الثروات، لضمان أن الوكلاء لا يستطيعون الادخار والاستقلال. كيف؟
هذه الفئة تجبر على إنفاق أموالها بطرق معينة. تجبر على شراء سيارات فخمة، وقصور في لندن ودبي، وطائرات خاصة، ويخوت، ومجوهرات. كل هذه المشتريات ليست مجرد رفاهية، بل هي أداة تحكم. لأن هذه المشتريات تعيد ضخ الأموال إلى نفس الشركات التي يملكها المركز أو عملاؤه.
بهذه الطريقة، لا يستطيع الوكلاء تجميع ثروة حقيقية. هم يمررون الأموال من جيوب الشعوب إلى بنوك المركز، ويأخذون عمولة مؤقتة على شكل سيارات فارهة. لكن الثروة الحقيقية تذهب دائمًا إلى الأعلى، إلى القمة، إلى المركز الاستعماري.
هذا هو المستوى المتقدم من الاستغلال. استغلال لا يحتاج حتى إلى عنف مباشر، لأن العنف أصبح مدمجًا في هيكل العلاقات الاقتصادية ذاته.
الباب السادس - القومية بين التحرر والتوظيف
قبل أن نخوض في غمار هذا المفهوم الشائك، علينا أن نخلع عن أرواحنا كل رداء عنصري، وأن نترك خلفنا كل حقد قديم. القومية ليست شتيمة، وليست وصمة عار، وليست رجعية بالضرورة. القومية يمكن أن تكون سيفًا يقطع أغلال الاستعباد، كما يمكن أن تكون سلسلة جديدة تُقيّد بها الأرواح.
الفرق بين الحالتين ليس في الشعارات التي ترفع، بل في السياق التاريخي الذي تنبت فيه، وفي الطبقة الاجتماعية التي توظفها، وفي الهدف الذي تسعى لتحقيقه.
القومية التحررية هي تلك التي تنشأ في مجتمع مستعمر، في مجتمع محيط، في مجتمع يشعر بأن هويته مهددة بالذوبان في بوتقة المركز. هذه القومية هي رد فعل طبيعي، بل ضروري، على الاستغلال والهيمنة. إنها صرخة "أنا موجود" في وجه من يريد إلغاء وجودك.
أما القومية الرجعية، فتلك التي توظفها الطبقات المسيطرة لصرف أنظار الجماهير عن استغلالها، وتلك التي تتحول إلى عنصرية مقيتة، وإلى تفاخر واهم، وإلى عداء للآخر لمجرد أنه آخر.
القومية عند سمير أمين - عمق المفهوم
سمير أمين، ذلك المفكر المصري الكبير الذي رحل عن دنيانا تاركًا إرثًا فكريًا هائلاً، لم يكن يتعامل مع القومية كعاطفة جياشة أو كشعار يرفع في المناسبات. كان يتعامل معها كأداة تحليل، وكظاهرة تاريخية، وكقوة محركة للتغيير.
كان سمير أمين يرى أن الدولة لا يمكنها أن تعبر عن قوميتها بشعاراتها الدينية، مهما كانت براقة. القومية ليست عمامة على رأس، ولا لحية على ذقن، ولا صلاة في مسجد. القومية هي التعبير الجماعي عن إرادة شعب في تاريخه، عن تجربته في النضال، عن علاقته بالأرض واللغة والمصير المشترك.
ولهذا السبب، كان سمير أمين يرى أن إيران - سواء في عهد الشاه أو في عهد الخميني - كانت تعبر عن قوميتها وعنفوانها الإيراني، وليس عن شيعة أو سنة. لم يكن النظام الإيراني مثاليًا، ولم يكن عادلاً، لكنه كان إيرانيًا بامتياز. كان يعبر عن إرادة أمة لا تقبل التبعية، لا عن مذهب ديني يبحث عن موطئ قدم.
إيران نموذجًا - قومية بلا دين
هذه المقاربة الجريئة لسمير أمين تزعج الكثيرين. كيف يمكن لنظام الخميني - بكل ما فيه من دينية متطرفة - أن يكون تعبيرًا عن القومية لا عن الدين؟ أليس هو نفسه من جعل "ولاية الفقيه" أساس الحكم؟ أليس هو من أقام محاكم التفتيش الدينية؟
الجواب يكمن في التمييز بين الشكل والمضمون. نعم، استخدم الخميني لغة دينية. نعم، ألبس نظامه ثيابًا إسلامية. لكن الجوهر، الحركة الأساسية، كانت قومية. إيران كانت تريد أن تكون قوة إقليمية لا تتبع لأحد. كانت تريد أن تقول للعالم: نحن لنا حساباتنا، ولنا قرارنا، ولنا كرامتنا.
هذا هو العنفوان القومي. يمكنه أن يلبس ثياب الدين، كما يمكنه أن يلبس ثياب العلمانية. لكنه في العمق ليس دينًا ولا علمانية. إنه إحساس أمة بأنها قادرة على أن تكون فاعلاً في التاريخ، لا مجرد أداة في أيدي الآخرين.
محميات الخليج - غياب الأساس المجتمعي
إذا كانت إيران نموذجًا للقومية العنيفة المستقلة، فإن محميات الخليج تمثل النقيض التام. هذه الكيانات - الإمارات، قطر، البحرين، الكويت، السعودية - ليس لديها، في التحليل الأخير، أساس مجتمعي حقيقي.
لماذا؟ لأن هذه الدول لم تنشأ من رحم صراعات شعبية داخلية، ولم تتشكل عبر تاريخ طويل من النضال المشترك. إنها كيانات استعمارية بامتياز، رسمتها القوى الاستعمارية القديمة (بريطانيا بالأساس) لخدمة مصالحها، ثم ورثها الوكلاء المحليون بعد الاستقلال الشكلي.
هذه الأنظمة لا تستطيع الاعتماد على قومية حقيقية لأن القومية الحقيقية تتطلب تاريخًا. ولأنها لا تملك تاريخًا، فإنها توظف الدين. توظفه بشكل استعماري، بشكل مريض، بشكل يحول الإسلام من دين رحمة إلى أداة تكفير وتفجير وإقصاء.
الإسلام الذي يقدمونه هو إسلام الوهابية، إسلام القبيلة، إسلام الاستبداد. ليس إسلام ابن رشد ولا إسلام الجاحظ ولا إسلام الأندلس. إنه إسلام مشوه، خلقته المخابرات البريطانية ثم الأمريكية لضرب أي نهضة عربية حقيقية.
الدين كغطاء للتبعية
هنا تكمن المفارقة المؤلمة: الأنظمة الخليجية هي الأكثر تبعية للمركز الاستعماري، لكنها تتحدث باسم الإسلام. إيران المستقلة نسبيًا - رغم كل عيوبها - تتحدث أيضًا باسم الإسلام. لكن الفرق شاسع.
إيران تستخدم الدين لخدمة استقلالها القومي. محميات الخليج تستخدم الدين لخدمة تبعيتها للمركز. إيران تريد أن تكون فاعلاً. محميات الخليج تريد أن تكون وكيلاً أمينًا.
وهذا يفسر العداء المستعصي بين الطرفين. ليس لأن السنة والشيعة أعداء بالضرورة، بل لأن مشروع إيران القومي يهدد الوكالة الخليجية. إيران التي تقف على قدميها تقول للأنظمة الخليجية: أنتم مجرد حراس، وأنتم عملاء، وأنتم ليس لديكم كرامة. وهذا جرح لا يلتئم.
لذلك نرى كل هذا الإنفاق الهائل على الإعلام، على الفضائيات، على الدعاة، لتصوير إيران على أنها "العدو المطلق". ليس لأن إيران تشكل خطرًا وجوديًا على الإسلام، بل لأنها تشكل خطرًا وجوديًا على نظام الوكالة والتبعية.
القومية والعنصرية - الفارق الدقيق
لا بد هنا من وقفة دقيقة. القومية، كما أسلفنا، تتشكل حسب سياقها التاريخي. حين تُفهم في إطار هذا السياق، تبقى قوة دافعة إيجابية نسبيًا. أما حين تُعزل عن سياقها التاريخي، حين تُحوّل إلى "جوهر" ثابت لا يتغير، فإنها تتحول إلى عنصرية مقيتة.
ما هي العنصرية؟ العنصرية هي أن تعتقد أن قوميتك أفضل من غيرها ليس لأنها حققت إنجازات في فترة تاريخية معينة، بل لأن دمك أنقى، أو لأن لون بشرتك أفتح، أو لأن شكلك أجمل، أو لأن الله اختارك. العنصرية هي أن تجعل من الصدفة البيولوجية أساسًا للتفاخر.
هذا هو ما حدث مع القومية الألمانية النازية. تحدث هتلر عن "العرق الآري النقي"، عن الدم الألماني، عن الشكل الآري. كل هذا هراء علمي بالطبع، لكنه هراء قاتل. لأن هذا الهراء برر الهولوكوست، وبرر محو ملايين الأرواح.
العنصرية تنشأ عندما تُقدس القومية، عندما تُجعل فوق التاريخ، عندما تُحوّل إلى دين جديد. عندها تصبح أداة إبادة، وليس أداة تحرر.
"خير أمة أخرجت للناس" - عندما يصبح الدين عنصرية
ولنكن جريئين هنا. كثير من الخطاب الديني المعاصر، وخصوصًا ذلك الخطاب الذي تروج له محميات الخليج، سقط في فخ العنصرية تحت غطاء ديني.
ماذا يعني أن تكون "خير أمة أخرجت للناس"؟ إذا فُهمت هذه العبارة على أنها تفوق ذاتي، على أننا ولدنا أفضل من الآخرين لمجرد أننا مسلمون، دون النظر إلى أفعالنا وسلوكنا وإنجازاتنا، فإنها تتحول إلى عنصرية دينية. تصبح مثل "الشعب المختار" عند المتطرفين اليهود، تصبح مثل "العرق الآري" عند النازيين.
القرآن نفسه يرفض هذا الفهم. "إن أكرمكم عند الله أتقاكم". التقوى عمل، وليست ميراثًا. التقوى جهد، وليست صدفة. التقوى سلوك، وليست هوية جامدة.
لكن توظيف هذه العبارة بشكل كارثي، بشكل يبرر الاستعلاء على الآخرين، بشكل يجعل من "نحن" ملائكة ومن "هم" شياطين، هو بالضبط ما يفعله وكلاء المركز الاستعماري. يحولون الدين إلى أفيون للشعوب، وإلى أداة لتبرير التخلف، وإلى سيف يقطع أي حوار نقدي مع الذات.
#احمد_صالح_سلوم (هاشتاغ)
Ahmad_Saloum#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
دراسة مقارنة -ضفائر تحت الركام- وأدب الإبادة العالمي
-
دراسة نقدية معمقة لرواية( ضفائر تحت الركام )
-
تمهيد لرواية قصيرة (ضفائر تحت الركام)
-
سيمياء الضباب في رواية -خريطة الضباب-..تشريح استعمار العقل
-
دراسة مقارنة : -الجسد الذي كان يحلم- في سياق أدب الإبادة الع
...
-
مقدمة نقدية أدبية لرواية - الجسد الذي كان يحلم -
-
قراءة في أنطولوجيا السلطة الفارغة من خلال رواية (ميزان الأبل
...
-
دراسة مقارنة بين رواية - ميزان الابله- وأعمال غوغول وكافكا و
...
-
مرايا الحقيقة والسلطة: دراسة مقارنة بين رواية -مرايا السلطنة
...
-
دراسة مقارنة لرواية رائحة البنفسج المحترقة أو أوديسا : حكاية
...
-
رواية قصيرة : الجسد الذي كان يحلم ..الجزء الاول
-
رواية قصيرة : الجسد الذي كان يحلم..الجزء الثاني والاخير
-
رواية قصيرة : المقام الأبدي
-
كتيب ( جينات التراب وأساطير السماء ) في مرآة الإنتاج المعرفي
...
-
تفكيك خطاب اليأس في تغطية الجزيرة للحرب على إيران أمام ملحمة
...
-
سلاح النمر الورقي التركي : كيف تحول التحديث التكنولوجي إلى ف
...
-
قصة قصيرة : العراف والملكان
-
رواية قصيرة : جدار يبكي في القدس
-
من دولة المؤسسات إلى سلطة الغنيمة الاحتلالية: سوريا بين منطق
...
-
نورد ستريم وأزمة الطاقة و السردية الألمانية الجديدة
المزيد.....
-
بيان تضامن للتوقيع والنشر.. للمطالبة بالحرية لـ محمد القصاص
...
-
رامي شعث من سجون مصر إلى الترحيل الفرنسي
-
انكسر حزب العمال ليتقدم -البريطاني الغاضب-
-
The Man Who Seeks to Rule the World
-
تحليل: كيف يدفع الفقراء في أمريكا ثمن حرب ترامب على إيران؟
-
لماذا يستهدف النظام حزب النهج الديمقراطي العمالي؟ وما العمل؟
...
-
بلاغ مشترك بين فدرالية اليسار الديمقراطي وحزب النهج الديمقرا
...
-
المسيرات الجهوية التي دعت اليها الكونفدرالية الديمقراطية للش
...
-
شيفرات الكراهية: كيف يعيد اليمين المتطرف في الغرب تغليف عنصر
...
-
عشرات آلاف المحتجين في أنحاء لندن في مسيرتين متضادتين
المزيد.....
-
أفكار حول مقال رزكار عقراوي عن الذكاء الاصطناعي
/ ك كابس
-
روسيا: قوة إمبريالية أم “إمبراطورية غير مهيمنة في طور التكوي
...
/ بول هوبترل
-
بعض المفاهيم الخاطئة حول الإمبريالية المعاصرة
/ كلاوديو كاتز
-
فلسفة التمرد- نقد الايديولوجيا اليسارية الراديكالية
/ ادوارد باتالوف
-
كراسات شيوعية :تقرير عن الأزمة الاقتصادية العالمية والمهام ا
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
الثورة التحريريّة - التوجّه الإستراتيجي و البرنامج الأساسي -
...
/ شادي الشماوي
-
هناك حاجة إلى دفن النظام الرأسمالي و ليس إلى محاولة - دَمَقر
...
/ شادي الشماوي
-
ليست أزمة ثقافة: الجذور الطبقية والتاريخية لإشكالية الاندماج
...
/ رزكار عقراوي
-
المنظّمة الشيوعيّة الثوريّة ، المكسيك و الثورة التحريريّة
/ شادي الشماوي
-
كراسات شيوعية :صناعة الثقافة التنوير كخداع جماعي[Manual no74
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
المزيد.....
|