|
|
رواية قصيرة : المقام الأبدي
احمد صالح سلوم
شاعر و باحث في الشؤون الاقتصادية السياسية
(Ahmad Saloum)
الحوار المتمدن-العدد: 8692 - 2026 / 4 / 29 - 10:32
المحور:
الادب والفن
رواية في أربعة دفاتر
…….
الدفتر الأول: طيف البدايات
الفصل الأول: خرائط لا تُرى
في صباح شتوي، حين كان المطر يقرع نوافذ بيتي الصغير بنعومة غريبة، جلست أكتب ما لم أستطع قوله لأي إنسان.
لا أعرف متى بدأت المدن تسكنني بهذا الغموض. أستيقظ أحياناً على وقع خطواتي القديمة في أزقة لا أعود أميز حجارتها. كأنني أمشي في حلم لشخص آخر، أسمع أصواتاً لا أعرف أصحابها، أشم روائح لا تنتمي إلى أي مطبخ أعرفه. يسألني الأصدقاء عن معنى الوطن، فيتحول صوتي إلى سعال جاف، إلى توقف مفاجئ، إلى كركوبة معقدة ترفض كل إجابة كلاسيكية.
في مكتبي الصغير، حيث تنام البيوت بين أغصان الشجر في هذه البقعة التي تشبه المنتجع، أفتح نوافذ الذاكرة على مدينة لا تشبه غيرها. أدعوها هنا "المدينة الرمادية". تلك التي قضيت فيها سنوات، مدينتي التي لم تترك في نفسي ياسميناً ولا غوطة، بل كل ما تابعته فيها مشوه، مطلٍ بالقتامة، كأنها مدينة بلا روح أو روحها كانت دائماً غاضبة.
زملائي كانوا يكتبون قصائد عن حبها. كانوا يتحدثون عن شمسها الذهبية، عن عطر شوارعها القديمة، عن تلك التفاصيل الصغيرة التي تجعل الإنسان يبكي من الجمال. وأنا كنت أنظر إلى جدرانها المتقشرة، إلى أسلاك الكهرباء المتشابكة فوق رؤوسنا كشبكة عنكبوت عملاقة، إلى الغبار الذي يغطي كل شيء، فلا أجد سوى سؤال واحد: لماذا أنا بارد هكذا؟ لماذا لا أحس بما يحسه هؤلاء؟
أتذكر مقر "مجلة الحرية" في ساحة الشهبندر. تلك الساحة التي كانت تفيض بالضجيج وبالغبار وبأصوات الباعة المتجولين وبصياح الأطفال الذين يلعبون كرة القدم بين السيارات. كنا نعمل هناك مع أبو حطب، نرتب الأوراق، نشرب الشاي الثقيل الذي يشبه القطران، نتناقش حتى المساء في السياسة والفن وفي كل شيء لا يجدي نفعاً. كان أبو حطب رجلاً سميناً، يضحك بصوت عالٍ، يدخن سجائر قوية تجعل الغرفة كلها ضباب. كان الآخرون يقولون: "هذه المدينة تأكل القلب". أما أنا فكنت أخرج كل مساء ولا أحمل سوى تعب اليوم، لا أثر، لا جرحاً جميلاً، لا حنيناً يليق بشاعر.
في أحد الأيام، جلست على مقهى صغير في نهاية شارع ضيق. كان صاحب المقهى رجلاً عجوزاً يعرف كل شيء عن الجميع. قال لي: "أنت لست من هنا، صحيح؟"
قلت: "سكنت هنا سنوات".
هز رأسه: "السكن شيء، والانتماء شيء آخر. أنت تمر من هنا كما يمر الغبار. لا تترك أثراً، ولا تسمح للمكان أن يترك أثراً فيك".
أردت أن أجادله، لكنني وجدته محقاً. كنت هناك، في تلك المدينة الرمادية، جسداً حاضرا وروحاً غائبة. كأنني كنت أؤدي دوراً في مسرحية لا أعرف نهايتها، ولا أهتم بها كثيراً.
الفصل الثاني: قرية المخيم
ولدت في قرية قريبة من مدينة شمالية أخرى. مدينة الحجر كما يسمونها. لكنني لم أولد في قلب المدينة، بل في مخيم للاجئين، حيث الصفائح المعدنية المتآكلة تصدر أصواتاً غريبة عندما تهب الرياح، حيث الطين في الشتاء يبتلع الأحذية الصغيرة، حيث الغبار في الصيف يغطي كل شيء بطبقة رقيقة رمادية.
كل ما أعرفه عن تلك المدينة الشمالية أنها حجرية الصوت، حادة الأنفاس. حجارتها بيضاء، حادة، تشبه أسنان وحش قديم. بيوتها القديمة كانت تتشابك مع بعضها كأصابع متعاقدة، والأزقة فيها ضيقة جداً لدرجة أنك تستطيع أن تلمس الجدارين بذراعين ممدودتين.
كانت أمي تروي لي كل ليلة قصة عن بستان ضائع. عن بستان في مكان اسمه "الأرض البعيدة". لم تذكر اسمها أبداً. كانت تقول: "هناك، حيث كانت أشجار الزيتون تعانق السماء، وحيث كانت رائحة التراب بعد المطر تشبه رائحة الجنة". كانت تبكي أحياناً وهي تحكي، وأنا كنت أستمع، لا أفهم لماذا تبكي على مكان لم تره قط.
في تلك القرية، في ذلك المخيم، تعلمت شيئاً: أن الوطن يمكن أن يكون قصة. قصة تروى كل ليلة، تختلف تفاصيلها قليلاً حسب مزاج الراوي، لكن نهايتها واحدة: نحن هنا، والبستان هناك. والمسافة بين هنا وهناك لا تقاس بالكيلومترات، بل بالدموع وبالأسئلة التي لا تجد إجابة.
كبرت، وغادرت المخيم. ذهبت إلى المدينة الشمالية نفسها، درست فيها، عملت فيها، مشيت في شوارعها آلاف المرات. لكن شيئاً غريباً حدث: كلما اقتربت من حجارتها البيضاء، شعرت أنني أبتعد. كأن المدينة كانت تقول لي: "أنت لست من أطفالي". ولم أكن أريد أن أكون.
الحقيقة أنني حين بحثت في الجوانب الخفية من نفسي، اكتشفت أن "الأرض البعيدة" التي كانت أمي تبكي عليها لم تكن تعني لي ما كانت تعنيه لها. كانت بالنسبة لي رمزاً، فكرة، تجريداً. العدالة، الصراع بين الخير والشر، قضية يجب الدفاع عنها. لا أكثر، لا أقل.
كأنني لست من أبناء تلك الأرض. كأن جيناتي سافرت قبل أن أولد، ونسيت أن تترك لي عنواناً للعودة.
الفصل الثالث: الجنة التي لا تشبهني
يقولون إن الجنة على الأرض اكتشفها رحالة قديم من الجنوب. زرت تلك الجزيرة، وتلك الأخرى. سرت في الطبيعة البكر في أقصى الغرب حيث عشت فترة باهرة، أسابيع كاملة لم أر فيها سوى الخضرة والماء والسماء. عبرت الجسور العتيقة إلى مدينة كبرى، وقفت في مدينة النور حيث الأضواء تصنع وهماً بالخلود. مشيت على ساحل بلاد الغال الغربي، نعومة الرمال تحت قدمي كأنها حرير. تنفست جزيرة البحر الأبيض المتوسط الصغيرة، سرت في شوارعها الضيقة البيضاء. وقفت على أرض قرطاج، فوق تلالها المطلة على البحر، حيث كانت الإمبراطوريات تبني وتحترق.
مدن كثيرة، لا حصر لها. كلها جميلة، كلها تأخذ من الروح كمية وعداً ثم لا تفي.
في مملكة الثلوج القديمة، زرت مدينة تحمل اسماً لا أذكره هنا. لكنني أذكر المنتجع الاستطبابي، القرية التي بدت لي فجأة ساحرة، بأثر طيفي غريب في نفسي. كان المكان هادئاً بشكل مخيف. أنهار بطيئة، غابات كثيفة، بيوت خشبية تبدو كأنها تتنفس مع الأرض. مشيت في شارع طويل، أسمه أربات. ذلك الشارع كان في جانبه أجمل: مطل على شوارع فسيحة، حيث الشمس تدخل من كل مكان. وفي جانبه الآخر كان عدائياً، كأنه يدفعك بعيداً، كأنه يقول: "لست مرحباً بك هنا". نفس الشارع، جانبان متناقضان. ما الذي وزع هذا الأثر في المكان الواحد؟
لاحظت شيئاً بعد سنوات من الترحال: المدن التي تركت أثراً في نفسي ليست المدن الفخمة. ليست تلك التي فيها المباني العالية والنوافير والحدائق المنظمة. هي المدن القريبة من الأرض. حيث البيوت لا ترتفع كثيراً ولا تحجب الشمس. بيوت متواضعة، كأنها تعتذر عن وجودها، كأنها تقول للزائر: "لا تعلق بي كثيراً، فسأرحل، أو سترحل".
مدينة جنوبية، بيضاء كالحلم، قضيت فيها أياماً لا تنسى. حديقة عامة في قلبها كانت تشبه ما قاله شاعر فلسطيني كبير عن الجنة. شوارع تفصل هذه الحديقة عن أسواق قديمة، أزقة ضيقة تؤدي إلى جامع عتيق لا يعني لي شيئاً. لكن الأزقة نفسها، تلك الممرات الصغيرة التي تضيع فيها حواسك، كانت لها نكهة خاصة. كأن الزمن فيها يمشي ببطء، كأن الحجارة تتذكر كل خطوة مرت عليها.
في تلك المدينة، وفي غيرها، اكتشفت أن المدن تشبه النساء: بعضها يترك أثراً رغم قصر العمر معه، وبعضها يمر مرور الكرام رغم السنين الطويلة. والسر لا يكمن في جمال المدينة ولا في تاريخها ولا في ناسها. السر في شيء آخر، شيء لا يمكن تفسيره، شيء كيميائي وميتافيزيقي في نفس الوقت.
الفصل الرابع: سؤال الكركوبة
قبل سنوات، وجه لي صديق صحافي سؤالاً في مقابلة. كان السؤال كلاسيكياً، سأله ملايين المرات لملايين البشر: "ما معنى الوطن بالنسبة لك؟"
تحولت إلى كركوبة معقدة. إلى تمثال ملح يذوب تحت المطر. إلى حبر يختفي من الورق.
تذكرت أبي، الذي كان يردد دائماً: "الوطن حيث تملك شيئاً". لم يملك أبي شيئاً قط. لا أرضاً، لا بيتاً، لا شجرة زيتون، لا حتى قبراً يمكن أن يدفن فيه بعد الموت. مات في المنفى، ودُفن في أرض لا تعرف اسمه. لم يزر "الأرض البعيدة" أبداً.
تذكرت حواراً طويلاً مع كاتب فلسطيني كبير، في مدينة أوروبية عاصمة. كان يترأس اتحاد كتاب بلاده. قال لي وأنا جالس أمامه: "من بقي في فلسطين دافع عن شجرات قليلة. فعن ماذا ستتكلم أنت؟"
أجبته دون تفكير: "عن الشجرات التي لم أدفع عنها. عن المساحات الخضراء التي لا حدود لها هنا. عن حنيني العبثي إلى أرض لم أرها قط. سأتحدث عن كون الوطن فكرة، والأفكار لا تشبه البيوت".
نظر إلي طويلاً، كأنه يقرأ شيئاً على جبهتي. ثم قال: "أنت غريب، يا صديقي. أنت غريب حتى في الطريقة التي تخسر بها الأشياء".
لم أكن أعرف أنني خسرت شيئاً. كنت اعتقد أنك لا تخسر إلا ما تملك. وأنا لم أملك أبداً. لا شجرة، لا بيتاً، لا مستنداً يثبت أنني من هناك. كنت طيفاً يمر، لا يترك أثراً، ولا يسمح للأثر أن يتركه.
لكن في ذلك اليوم، بعد المقابلة، جلست وحدي في غرفتي الصغيرة، ونظرت في المرآة. رأيت وجهاً لا يشبه وجوه الناس الذين أعرفهم. كان وجهي خريطة بلا معالم، كتاباً بلا صفحات، مدينة بلا اسم.
هناك، في تلك الغرفة، في تلك العاصمة الصاخبة حيث عشرات الأمتار تفصلني عن مراكز القرار في القارة العتيقة، شعرت بشيء لم أشعر به من قبل: الشفقة على نفسي. شفقة غريبة، لأنني أدركت فجأة أنني أعيش في مدن كثيرة ولا أسكن أي مدينة. أنني أتنفس هواء كثيراً ولا أشبع. أنني أحب كثيراً ولا أعرف كيف أحب.
لماذا بعض المدن تترك أثراً وبعضها لا؟ لماذا مدينة صغيرة في بلاد الألم تركت جرحاً غائصاً في روحي بينما مدن كبرى مرت بي كأنها سراب؟ لماذا ذلك الشارع قبل الجدار في مدينة مقسومة كان له نكهة بينما الجانب الآخر الأنيق المضيء لم يترك شيئاً؟
قال الصديق الصحافي بعد المقابلة: "يبدو أنك لا تبحث عن وطن، بل عن علاقة مع الأمكنة. وربما هذه العلاقة هي وطنك الحقيقي".
ربما. لكنني لا أعرف كيف أبني علاقة مع مكان لا أستطيع البقاء فيه طويلاً. ولا كيف أثق بمكان يمكن أن أرحل عنه في أي لحظة.
الفصل الخامس: بيت كان خرابة
اليوم أسكن في مدينة وادعة، على ضفاف نهر عريض. دعنا نسمها "مدينة التل" لأن بيوتها تتدرج على تل كبير يشبه نبض القلب: صعوداً وهبوطاً، شهيقاً وزفيراً.
في هذه المدينة، قررت أن أفعل ما لم أفعله قط: اشتريت بيتاً.
كان خرابة حقيقية. الجدران متشققة، النوافذ مكسورة، الحديقة مليئة بالأعشاب البرية التي وصل ارتفاعها إلى خصري. سقف كان يقطر ماء في كل مرة تمطر. أرضية صدأت فيها الأنابيب منذ زمن بعيد.
لم أكن أملك المال الكافي. أنا لست غنياً، ولا أملك أموالاً. لكن الناس هنا يفعلون شيئاً ذكياً: يستأجرون شققاً صغيرة معقولة، ثم يدخرون لشراء بيوت بالتقسيط. القسط الشهري أحياناً أقل من الإيجار. والأهم: الإيجار يتصاعد كل سنة بنسبة محددة، بينما القسط مع الزمن يصبح أخف. في العاصمة الصاخبة التي تركتها، تضاعفت أسعار البيوت إلى ثلاثة أضعاف في سنة أو سنتين. الإيجارات هناك خيالية، تسحب راتبك كاملاً قبل أن تلمسه.
فعلت ما يفعله الجميع هنا. دفعة أولى صغيرة، قرض من البنك الاجتماعي بأربعة بالمئة فائدة، وعشرون عاماً لأدفع.
سنة ونصف من العمل المتواصل. رفع النوافذ، تغيير الأنابيب، طلاء الجدران، تنظيم الحديقة. كنت أتعلم كل شيء من اليوتيوب. كنت أبدو مضحكاً بمئزري الملطخ بالدهان وقفازي الممزقين. كنت أتعب كالحمار، وأنام كالطفل، وأستيقظ لأواصل.
بعد سنة ونصف، تحولت الخرابة إلى بيت جميل. الحديقة أصبحت خضراء، الجدران أصبحت ناعمة، النوافذ تطل على التلال البعيدة. بيت صغير، لكنه كان ملكي.
أول ملكية في حياتي.
جلست على الدرجات الأمامية، أنظر إلى السماء الرمادية، وأشرب كأس ماء بارد. شعرت بشيء غريب: الفخر. لأول مرة، شعرت بالفخر. ليس لأن البيت كان جميلاً، بل لأنني بنيته بيدي. لأن كل شق فيه كان أثراً لأصابعي. لأنني لم أستأجر هذا المكان، بل خلقته.
لكن السؤال ظل يراودني: هل هذا البيت وطن؟
لا أعتقد. الارتباط هنا بمدينة التل نفسها، وليس بالبيوت. المدينة لها شخصية، لها طعم، لها نهرها العريض وتلالها الخضراء وبيوتها المتدرجة. أنا أحب هذه المدينة، أحب مشي فيها، أحب مقاهيها الصغيرة، أحب صباياها الجميلات، أحب طبيعتها الساحرة.
لكن ماجدي بورغ، تلك المدينة الصغيرة في بلاد الألم التي زرت فيها صديقاً لعدة أيام فقط، لماذا تركت أثراً أعمق؟ لماذا حين خرجت من قطارها، حين مشيت في شوارعها تحت مطر خفيف، شعرت بأنني أعرفها منذ الأزل؟ لماذا أغنية قديمة سمعتها في مقهى هناك تعود إلي في أحلامي بينما أغاني مدينتي الحالية لا تترك أثراً؟
لا أفهم. لا أفهم شيئاً.
---
الدفتر الثاني: مدن الروح المعذبة
الفصل السادس: الرجل الذي رأى أسماكاً تطير
في مكتبة صغيرة في وسط مدينة التل، عثرت على رواية قديمة لكاتب عظيم من بلاد الجنوب البعيد. كان الكاتب يكتب عن قرى تغمرها الأمطار، وعن أشخاص يسيرون في الطين حفاة، وعن أسماك تطير في السماء عندما يموت قديس، وعن رجل عجوز له جناحان كبيران لكنه لا يستطيع الطيران. كانت تلك أول مرة أقرأ فيها شيئاً لا يشبه أي شيء قرأته من قبل.
الكاتب كان يقول إن الحقيقة لا تكفي أبداً. نحتاج إلى التحليق قليلاً، إلى قلب المنطق رأساً على عقب، إلى إضافة شيء من المستحيل كي نرى الأشياء كما هي في الواقع: غريبة، مستحيلة، جميلة بطريقة مؤلمة.
وقفت أمام مكتبة صغيرة. في الخارج كان المطر يهطل. المدينة التي كنت فيها ذات شتاء قارس. لم أملك فيها سوى حقيبة صغيرة ومجموعة من الأحلام المتكسرة. ابتسمت المرأة التي تدير المكتبة، سألتني إن كنت أبحث عن شيء معين.
"عن تفسير"، قلت. "أبحث عن تفسير لسبب تعلق الناس بالأماكن".
نظرت إلي كأنني قلت شيئاً مضحكاً. ثم مدت يدها إلى رف علوي وأعطتني كتاباً غلافه أصفر باهت. قالت: "اقرأ هذا. لا يسأل لماذا نحب الأماكن. يسأل لماذا الأماكن تحبنا".
بدأت أقرأ تلك الليلة. وجدت نفسي في كل صفحة. وجدت غربتي، وجدت حيرتي، وجدت سؤالي الذي لا إجابة له. وجدت أن الكاتب كان يكتب عن قريته المفقودة كما لو أنها مدينة أسطورية، عن أجداده كما لو كانوا أنصاف آلهة، عن الطبيعة كما لو كانت كائناً حياً يتكلم ويشعر.
لكن الأهم: وجدت تفسيراً لمشاعري تجاه المدن. الكاتب قال إن الإنسان لا يحب المكان لأنه جميل، بل لأنه يصبح جميلاً لأنه أحبه. الحب يخلق الجمال، وليس العكس. نحن لا ننتمي إلى الأماكن التي تناسبنا، بل إلى الأماكن التي اخترنا أن ننتمي إليها.
لكن ماذا لو لم أختر أن أنتمي إلى أي مكان؟ ماذا لو كنت دائماً على الحياد، كمتفرج في فيلم لا يعجبه الفيلم لكنه لا يغادر القاعة؟
الفصل السابع: الجدار الشفاف
قرأت مرة رواية لكاتب إنجليزي عظيم. كان يكتب عن مدن تسحق الإنسان تحت أقدامها. عن جدران شفافة ترى من خلالها الحرية ولا تستطيع لمسها. عن إخوة كبار يراقبونك من كل ثقب، يسمعون كل كلمة تقولها، يعرفون كل فكرة تمر برأسك. عن حقيقة تتحول إلى كذبة لمجرد أن أحداً قال العكس، وعن كذبة تتحول إلى حقيقة لأن الجميع يرددها.
في روايته، كان البطل يعيش في نظام لا يمكن الهروب منه، لأن الهروب ذاته جزء من اللعبة. يفكر في الثورة، فينتهي به المطاف إلى ما يريدون. يحب امرأة، فتتحول المرأة إلى فخ. يكتب مذكراته، فتصبح المذكرات اعترافاً بجرائمه.
تذكرت مدناً مررت بها حيث الدين يسيطر على كل شيء. حيث الحديث عن الحلال والحرام يصبح أكثر إدماناً من أي مخدر. حيث الجميع يراقب الجميع، والسماء نفسها تبدو كعين عملاقة لا تغفو. حيث كلمة "حرام" تسقط على رأسك كالصاعقة كلما أردت أن تتنفس بعمق.
مدن أمريكية صهيونية سعودية ظلامية، بأبسط العبارات. هربت منها بلا رجعة. لكنها تركت في ذاكرتي طعماً مراً، كأنها نوع من الجحيم المقنع بثياب السماء. في تلك المدن، كان الوطن فخاً والعائلة وصاية والمستقبل محكوماً بقوانين وضعها رجال يلبسون العمائم أو البدلات الرسمية، لكنهم في النهاية يشبهون بعضهم: يريدون أن يقرروا كيف تعيش، وكيف تموت، وكيف تحب، وكيف تكره.
في المقابل، كانت هناك مدن أخرى تشبه حلم الكاتب الإنجليزي المعكوس. مدن حيث الجميع يملك بيتين، حيث الطبيعة مباحة، حيث يمكنك أن تشتري جنة صغيرة بقرض مصرفي. لكن حتى تلك المدن، لم تترك في روحي أثراً حقيقياً. كأنني عابر سبيل أبدي، كأن قدمي لا تلمس الأرض حقاً، كأنني أمشي على سحابة لا تتحمل وزني فتتداعى تحت خطواتي.
الفصل الثامن: الرجال الذين يعرفون ماذا يريدون
في روايات كاتب أمريكي عظيم، كان الرجال يعرفون بالضبط ماذا يريدون. كانوا يصطادون أسماكاً عملاقة في بحر عاصف، يشربون في مقاهي باريس حيث النقاشات الثقافية لا تنتهي، يحبون نساء قويات جميلات ثم يرحلون بدون ألم. كانوا يعرفون أن باريس وليمة متنقلة، وأن المدينة تبقى فيك حتى لو غادرتها.
أما أنا، فباريس مرت بي كأنها سراب. وقفت تحت برجها الحديدي، سرت في شوارعها العتيقة، جلست في مقاهيها الشهيرة. كان كل شيء جميلاً، منظماً، أنيقاً. لكنه لم يترك في نفسي جوعاً بعد الرحيل. كأنني شاهدت فيلماً وثائقياً عن مدينة لا علاقة لي بها.
الكاتب الأمريكي كان يعرف شيئاً لا أعرفه. كان يعرف كيف يحب مكاناً دون أن يتملكه. كيف يعيش فيه كزائر دائم لكنه يحسه كأنه بيته. كان يعرف كيف يكتب عن مشهد معين كأنه يرسمه بالكلمات، وكيف يجعل القارئ يشم رائحة المقهى ويسمع صوت المطر ويشعر ببرد الشتاء الباريسي.
أما أنا، فحتى حين أكتب عن مدينة التل التي أسكنها الآن، أشعر أنني أكتب عن مدينة أخرى. كأن الكلمات تهرب مني، كأنها تخاف أن تلتزم بمكان واحد، فترحل بعيداً وتتركني أعاني.
هل هذه علامة على أنني لا أنتمي؟ أم أنها علامة على أنني أنتمي بشكل مختلف؟ ربما طريقة ارتباطي بالأماكن ليست طريقة حسية، بل طريقة فكرية. ربما أنا أحب المدن كأفكار، كقصص، كروايات تُكتب. وليس كشوارع وبيوت وأسواق.
الفصل التاسع: الرحلة إلى الشمال البعيد
في الشتاء الذي يليه، سافرت إلى بلاد الشمال البعيد. إلى مملكة الثلوج التي كنت أزورها من قبل. لكن هذه المرة، لم أذهب إلى العاصمة ولا إلى المدن الكبرى. ذهبت إلى الريف، إلى قرية صغيرة لا توجد في معظم الخرائط.
قضيت هناك أسبوعاً كاملاً. كان الثلج يغطي كل شيء ببطانية بيضاء لا نهاية لها. البيوت الخشبية تنفث دخاناً أبيض من مداخنها. الأنهار مجمدة تماماً، تستطيع المشي عليها دون خوف. في الليل، كانت السماء تتلألأ بآلاف النجوم، وبأضواء خضراء وأرجوانية ترقص في الأفق.
في تلك القرية البعيدة، قابلت رجلاً عجوزاً كان يعيش وحده في كوخ صغير على حافة الغابة. كان يصطاد ويقطّع الحطب ويصنع أثاثاً بيديه. تحدثنا طويلاً عن المدن، عن الوطن، عن حياة المنفى.
سألته: "لماذا تعيش هنا بعيداً عن كل شيء؟"
قال: "هذا هو كل شيء. المدينة وهم. الناس هناك يعتقدون أنهم يعيشون، لكنهم في الحقيقة يمرون. هنا، في الهدوء، في البرد، في الوحدة، تشعر أنك حي حقاً. تشعر بالبرد في جلدك، بالجوع في بطنك، بالخوف في قلبك حين تعوي الذئاب. هذه مشاعر حقيقية. لا مشاعر مستعارة من الأفلام والروايات".
سألته: "هل هذا وطنك؟"
ضحك. "وطني؟ أنا لم أغادر وطني قط. وطني هو هذه الغابة، هذا النهر، هذا الثلج. لم أختره، لكنني صنعت منه بيتاً. وطني ليس المكان الذي ولدت فيه، بل المكان الذي اخترت أن أموت فيه".
نظرت إلى يديه المجعدتين، إلى عينيه الزرقاوين الثاقبتين، إلى كوخه الصغير الدافئ. شعرت بالغيرة. رجل بسيط، لا يقرأ كثيراً ولا يكتب، لكنه يملك شيئاً لا أملكه: يقيناً. يقين بأنه في المكان الصحيح.
أما أنا، فكلما شعرت باليقين في مدينة، هاجمني الشك. كأن في داخلي جهازاً يرفض الاستقرار، يرفض أن يقول: "هنا، سأبقى هنا".
الفصل العاشر: ليالي بروكسل الطويلة
سكنت في عاصمة القارة العتيقة ثلاثة عشر عاماً. مدينة المقرات الأوروبية، حيث كل مبنى حكومي له علم أزرق بنجوم صفراء. كنت أسير عشرات الأمتار فأكون قرب قلب القرار الذي يحرك ملايين البشر. كنت أرى السيارات السوداء التي تحمل دبلوماسيين من كل دول العالم، والصحفيين الذين يركضون خلف الأخبار، واللوبيات التي تعمل في الظل.
لكنني تفاجأت عندما غادرتها. لم أشعر بالحنين إليها. لا إلى شوارعها الواسعة، ولا إلى حدائقها الجميلة، ولا إلى مقاهيها الكثيرة، ولا إلى الأصدقاء الذين تركتهم هناك. حتى الجمعيات التي قدمت لي العون، والبلديات التي ساعدتني في المعاملات، كل ذلك تلاشى كأنه لم يكن.
لماذا؟
في لييج، مدينتي الحالية، سألت صديقاً بلجيكياً عن هذه الظاهرة. قال مبتسماً: "لأن بروكسل مدينة عمل، وليست مدينة حياة. الناس يأتون إليها ليكسبوا المال، ليبنوا مستقبلهم المهني، ليكونوا قريباً من السلطة. لكن قلوبهم هناك، في المدن الصغيرة حيث البيوت لا ترتفع كثيراً ولا تحجب الشمس".
ربما. لكن هذا التفسير لا يفسر ماجدي بورغ. تلك المدينة الصغيرة في بلاد الألم التي زرتها أياماً فقط وتركت أثراً أعمق من أي مدينة أخرى. ماجدي بورغ ليست مدينة عمل ولا مدينة حياة. إنها مجرد مدينة عادية، فيها نهر، وكاتدرائية قديمة، وحدائق عامة، وناس بسطاء.
لماذا إذن؟
في الليالي الطويلة التي تلت، جلست أكتب في دفتر ملاحظاتي. حاولت أن أرسم خريطة لجميع المدن التي عرفتها. كل مدينة في دفتر منفصل. أكتب اسمها الرمزي، ثم أسرد تحتها كل ما أتذكره: رائحة الخبز في الصباح الباكر، صوت الأذان أو أجراس الكنائس، لون السماء وقت الغروب، شكل الناس في الشوارع، طعم القهوة في المقاهي المحلية.
اكتشفت شيئاً: المدن التي تركت أثراً هي تلك التي كان لدي فيها تجربة حادة. تجربة الألم أكثر من تجربة الفرح. لحظة ضعف، لحظة بكاء، لحظة شعور بالضياع الكامل. ربما لأن الألم يحفر في الذاكرة أعمق، مثل مسمار يغرز في جدار طري. الفرح يمر كما تمر السحابة. أما الألم فيبقى، يتكلس، يتحول إلى معلم.
في ماجدي بورغ، مرضت. مرضت بشكل مفاجئ. كنت وحدي تماماً في شقة صديق الذي سافر. كانت حمى عالية، وهذيان، وكوابيس. في تلك الليلة، نزلت إلى الشارع لأبحث عن صيدلية. كان المطر يهطل، والرياح باردة، وكنت أرتجف كعصفور مبلل. صيدلي عجوز فتح لي الباب بعد منتصف الليل، أعطاني دواء دون أن يطلب نقوداً، وقال لي: "أنت بخير، مجرد إنفلونزا".
تلك الليلة، تلك اللطف من شخص غريب، ذلك المطر، تلك البرد، جعلت ماجدي بورغ مدينة لا تنسى. ليس لأنها جميلة، بل لأنني كنت فيها ضعيفاً فوجدت من يراني.
---
الدفتر الثالث: الظل الطويل للحجر
الفصل الحادي عشر: معادلة العدالة
"لو قلت إن فلسطين جميلة، فالمساحات الخضراء في أوروبا لا حدود لها".
هذه الجملة تتردد في رأسي كلما حاولت أن أحب شيئاً لأني مفروض أن أحبه. في المنطقة التي أسكنها الآن، تكاد الطبيعة تشبه جنة على الأرض. خضرة لا تنتهي، أشجار تعانق السماء، نهر يمر بهدوء كأنه يعرف سراً لا نعرفه. الطيور تغرد كل صباح كأنها تؤدي حفلاً موسيقياً مجانياً لكل من يسمع.
فلماذا علي أن أتذكر جمال فلسطين كي أحبها؟ أليست فلسطين أكثر من جمال؟ أليست قضية، ألماً، جرحاً جماعياً لا يُشفى؟ حين أقول إنني لست فلسطينياً إلا بمقدار عدالة القضية، أشعر بالذنب. كأنني أبيع جزءاً مني بثمن بخس، كأنني أستخف بحجم المأساة.
لكن الحقيقة التي لا أستطيع الهرب منها: أنني حين أمشي في حديقة البلفيدير في تونس، أشعر بمشاعر قريبة مما قاله شاعر فلسطيني كبير يصف الجنة. لكنها مجرد مشاعر، ليست ذاكرة، ليست دماً، ليست جذوراً. تونس مدينة جميلة، بأزقتها القديمة، بشوارعها التي تفصل الحديقة عن الجامع العتيق. وهذا الجامع، بالمناسبة، لا يعني لي شيئاً. فالمساجد لا أثر لها في حياتي. لست متديناً، لم أكن قط. أدخل المساجد أبدو غريباً، كأجنبي زار متحفاً فنياً لا يفهمه.
ربما هذا هو السر: أنا رجل بلا طقوس دينية، بلا ارتباطات مقدسة، بلا أوطان سوى العدالة. وفي عالم حيث العدالة كلمة مطاطية، يمتدها كل فريق بما يناسبه، أين ترسو سفينتي؟
ذات مرة، في حوار مع صديق فلسطيني متدين، قال لي: "أنت تخون القضية عندما تقول إن فلسطين ليست سوى عدالة. فلسطين أرض، شجر، حجر، بيوت، مقامات. فلسطين تملكنا قبل أن نملكها".
أجبته: "لكنني لم أملك قط. فلسطين لم تملكني أيضاً. أنا مجرد رقم في إحصاءات اللاجئين، مجرد بطاقة هوية تحمل اسماً ليس لي تماماً. فلسطين في داخلي ليست أرضاً، بل فراغاً. فراغ على شكل وطن".
نظر إلي بازدراء. قال: "أنت مستعمر. مستعمر داخل نفسك".
ربما كان محقاً. لست أدري.
الفصل الثاني عشر: الحلم الذي لم ينته
في مدينة غوركي الروسية، حيث سكن رجل غير العالم، عشت أسابيع تذكرت فيها معنى أن تكون خائفاً من المكان نفسه. لم يكن هناك خوف مباشر، لا بوليس ولا سجون ولا استجوابات. لكن شيئاً في هواء تلك المدينة كان ثقيلاً. كأنه سيرة رجل مات ويصر على البقاء في كل زاوية، في كل جدار، في كل نظرة.
أحببت ريف روسيا المعتق والكريم. الغابات التي تمتد إلى ما لا نهاية، الأنهار البطيئة التي تشبه الزمن، البيوت الخشبية التي تبدو كأنها تتنفس مع الأرض، كأن لها روحاً خاصة. مشيت في تلك الغابات ساعات وساعات، أشعر أنني عدت إلى أصل ما، إلى فطرة أولى، إلى إنسان لم تصنعه المدن بعد.
لكن المدينة نفسها، تلك التي حملت اسم كاتب عظيم، كانت تذكرني بمدينة أخرى في رأسي: المدينة الرمادية. نفس القتامة، نفس الإحساس بأن المكان يريد منك أن تكون شيئاً لا يمكن أن تكونه. نفس الشعور بأنك مراقَب، محكوم، مقيد بقوانين لا تعرفها ولا توافق عليها.
جلست على ضفاف نهر الفولغا. النهر واسع جداً لدرجة أنك تظنه بحراً. الماء رمادي ثقيل، يتحرك ببطء كأنه يحمل أسراراً لا تريد الإفصاح عنها. في المقهى الصغير على الشاطئ، التقيت رجلاً كان يعمل في المنفى. كان يكتب روايات عن مدن لا وجود لها، عن أشخاص يعيشون في الزمن الخطأ.
سألته: "كيف تكتب عن مدن ليست حقيقية؟"
قال: "كل المدن التي نكتب عنها ليست حقيقية. حتى عندما نسميها بأسمائها الحقيقية، نحن نكتب عن مدننا الداخلية، عن خرائطنا النفسية. الحقيقة أن المدن الحقيقية لا تصلح للروايات. إنها عادية جداً، مملة جداً. نحن نضيف إليها السحر، والغموض، والألم. نكتبها كما نتمناها، لا كما هي".
تذكرت كلماته وأنا أحاول أن أكتب عن ماجدي بورغ، عن لييج، عن تونس، عن كل المدن التي مررت بها. نعم، كنت أكتب عنها كما أتمناها. كنت أجعلها أكثر جمالاً في الذاكرة مما كانت عليه في الواقع. كنت أرسمها بألوان لم تكن فيها. كنت أخترع تفاصيل لم تحدث.
هل هذا هو الوطن؟ اختراع جماعي تتفق عليه؟ هل نصبح في وطن عندما نتفق على الرواية المشتركة عنه؟
في روسيا، في ذلك المقهى المطل على النهر البطيء، بدأت أفهم شيئاً: إن لم تتفق على الرواية، تكون بلا وطن. وإن كنت وحدك الذي يرى المكان بشكل مختلف، تكون غريباً في المكان الذي تسكنه.
الفصل الثالث عشر: مذكرات منفي لا يعرف أنه منفي
قرأت لغسان كنفاني قبل أن أعرف معنى المنفى. كان كاتباً فلسطينياً رائعاً، يكتب عن رجال يعودون إلى حيفا بعد أن فقدوها. عن أشخاص يبحثون عن هوياتهم في أكياس قماش صغيرة، في صور قديمة، في شهادات ميلاد ممزقة. أبطاله كانوا يعرفون بالضبط ماذا فقدوا. كانت الحكاية واضحة: كان هناك وطن، ثم احتُل، ثم غادروا، ثم أصبحوا لاجئين. الحزن واضح، العدو واضح، الحلم واضح: العودة.
أما أنا، فما الذي فقدته؟
لم أكن في فلسطين قط. لم أر يافا، لم أشتم رائحة حيفا، لم أمش في شوارع القدس. كل ما أعرفه عنها من الكتب، من الصور بالأبيض والأسود، من قصص الأمهات والجدات التي تختلف تفاصيلها حسب المزاج.
في مقابلة صحفية، سألني محرر ثقافي: "كيف لكاتب فلسطيني أن يكتب ولا يكون وطنه حاضراً في نصوصه؟ إنها مفارقة، أليس كذلك؟"
أجبته: "ربما لأن وطني ليس مكاناً، بل مسافة. وأنا أكتب لجعل المسافة مرئية. الوطن ليس شيئاً نملكه، بل شيئاً نفتقده. وإذا كان البعض يفتقدون شيئاً رأوه وعرفوه، فأنا أفتقد شيئاً لم أره قط. إنه شكل من الجنون، أليس كذلك؟"
لم يفهم. نشروا المقابلة تحت عنوان غريب: "كاتب بلا أثر". قرأته وضحكت. كنت أتمنى لو أنني بلا أثر حقاً. عندها لن أتألم كلما رافقت مدينة جديدة إلى حلم قديم، ثم أستيقظ لأجدني وحيداً على رصيف لا أعرفه.
كنت أقرأ لكنفاني وأتساءل: كيف يمكن أن يعود رجل إلى مدينة لم يرها إلا في الصور؟ كيف يمكن أن يعرف تفاصيلها، شوارعها، بيوتها، ناسها؟ كنت أعتقد أن هذا مستحيل.
لكن مع السنين، بدأت أفهم. الكاتب لا يعود إلى مدينة حقيقية، بل إلى مدينة الذاكرة والرواية. "حيفا" في روايات كنفاني ليست حيفا الحقيقية. إنها حيفا المتخيلة، حيفا المفقودة، حيفا التي لم تعد موجودة إلا في قلوب من رحلوا عنها.
مثل فلسطين في داخلي. ليست فلسطين الجغرافية، بل فلسطين الفكرة، فلسطين العدالة، فلسطين البوصلة الأخلاقية في عالم فقد بوصلته.
الفصل الرابع عشر: بيت النمل الأبيض
في مدينة الجنوب البيضاء، كانت لي تجربة مختلفة. عشت فيها فترة، تعرفت على أناس، أحببت وكرِهت. لكن شيئاً غريباً كان يحدث: كلما طالت فترة إقامتي في مدينة، كلما قل ارتباطي بها. في الأيام الأولى، كل شيء جميل، كل شيء مثير، كل شارع يحمل وعداً باكتشاف جديد. ثم بعد أسابيع، يبدأ السحر بالتآكل. تبدأ عيوب المدينة بالظهور: الضجيج، الزحام، البيروقراطية، أسلاك الكهرباء المتشابكة، القمامة في الأزقة الخلفية.
ربما لا أحب الاستقرار. ربما حبي للمدن هو حب للمغامرة، للاكتشاف، للجديد. وكلما صارت المدينة مألوفة، مات حبي لها. هذا يفسر لماذا ماجدي بورغ تركت أثراً أكبر من بروكسل: ماجدي بورغ بقيت غامضة، بقيت سؤالاً بلا إجابة. بروكسل عرفتها جيداً، فماتت في داخلي.
لكن هناك استثناء: مدينة التل حيث أسكن الآن. أنا هنا منذ فترة، وما زلت أحبها. ربما لأنها تشبه من يحب: بسيطة، غير متكلفة، لا تحاول أن تكون أكثر مما هي. بيوتها المتواضعة، تلالها الخضراء، نهرها العريض، كل شيء فيها يقول: "خدني كما أنا، فلست أحسن مما ترى".
في أحد الأيام، كنت جالساً في حديقتي الصغيرة. كنت أحدق في شجرة تفاح زرعتها قبل عام. كانت قد كبرت، وبدأت تحمل ثماراً صغيرة خضراء. فجأة، شعرت بشيء غريب: الخوف. خوف من أن أرتبط بهذا البيت، بهذه الحديقة، بهذه الشجرة. خوف من أن أعتاد، ثم أضطر للرحيل.
هل الخوف من الرحيل هو ما يمنعني من الحب؟ أم أن الحب الحقيقي هو الذي يجعل الرحيل مستحيلاً؟
النمل الأبيض كان يعيش في جدار بيتي. اكتشفته عندما بدأت الخشب يتآكل. قضيت أسابيع أحاربه، أستدعي الخبراء، أرش المبيدات. لكنه كان يعود. شاهدته يوماً تحت المجهر: كائنات صغيرة شفافة، تعمل بتنظيم مذهل، تلتهم الخشب ببطء ولكن بثبات.
تذكرت سؤال الوطن. الوطن مثل بيت خشبي. مشاعرك تجاهه مثل النمل الأبيض: تأكله من الداخل ببطء. أنت تحبه وتخاف منه في نفس الوقت. تشعر بالأمان فيه وتشعر بالاختناق. تريد البقاء فيه وتريد الهرب منه.
في النهاية، لا يبقى من الوطن سوى كومة من الغبار، وأسئلة لا إجابة لها.
الفصل الخامس عشر: أثر لا يمحى
لماذا بعض المدن تترك أثراً لا يمحى في النفس؟ لماذا ماجدي بورغ الصغيرة المتواضعة تركت جرحاً أعمق من نيويورك أو باريس أو لندن؟ لماذا شارع أربات في جانبه المظلم كان له نكهة بينما جانبه المشرق كان عادياً؟ لماذا الجانب الشرقي من مدينة برلين المقسومة ترك ذكرى بينما الجانب الغربي الأنيق لم يترك شيئاً؟
حاولت أن أجد قاسماً مشتركاً بين المدن التي أحببتها. فوجدت شيئاً: كلها مدن متواضعة، قريبة من الأرض، حيث البيوت لا تحجب الشمس. مدن تشبه الحكايات القديمة، ليست المدن التي تظهر في مجلات السفر. مدن فيها تناقض، فيها جرح قديم، فيها شعور بأن الزمن ليس خطاً مستقيماً بل دائرة تعيد نفسها.
في ماجدي بورغ، كان هناك نهر يقسم المدينة نصفين. على جانب منه، المباني القديمة التي تذكرك بالتاريخ الثقيل. على الجانب الآخر، المباني الجديدة الباردة. كنت أفضل الجانب القديم، حيث الشوارع ضيقة والحجارة مهترئة وحيث تشعر بأن آلافاً ممن سبقوك مشوا في المكان نفسه.
في مدينة التل حيث أسكن الآن، هناك تدرج طبيعي يشبه نبض القلب. صعوداً وهبوطاً، مثل شهيق وزفير. هذا التدرج يخلق إيقاعاً خاصاً. المشي فيها ليس مجرد انتقال من نقطة إلى أخرى. بل هو رقصة، حوار مع الأرض، نوع من التأمل.
هذه النبضات، هذه الإيقاعات، هي ما يخلق الأثر. ليست المباني، وليس التاريخ، وليس الناس حتى. الإيقاع. الطريقة التي تتنفس بها المدينة. الطريقة التي تستقبلك بها وتودعك. الطريقة التي تجعلك تشعر بأنك جزء منها، ولو للحظة.
في المدن الحديثة، الإيقاع مفقود. كل شيء موحد، معياري، ممل. الشوارع مستقيمة كالمساطر. المباني متشابهة كالجنود. الزمن فيها خط مستقيم لا عودة فيه. هذه المدن لا تحبك، فلا تحبها. تمر فيها كما تمر في مطار: غرضي، بارد، مؤقت.
أما المدن القديمة، العفوية، غير المخطط لها، فهي تشبه القصائد: تعيش وتتنفس وتتغير كل يوم. فيها مفاجآت، فيها زوايا مخفية، فيها أسرار لا تنكشف إلا لمن يمشي ببطء.
ربما هذا هو سري: أمشي ببطء. في كل مدينة أزورها، أرفض السيارة، أرفض الحافلة، أرفض مترو الأنفاق. أمشي. أشعر بالأرض تحت قدمي. أنظر إلى التفاصيل الصغيرة التي لا يراها أحد. أتوقف عند الباعة الجائلين، أجلس في المقاهي العادية، أتحدث مع الناس البسطاء. هذا المشي البطيء هو الذي يخلق الأثر.
لأنه في المشي البطيء، تتحول المدينة من خلفية لحياتك إلى شريكة فيها. تتوقف عن كونها مجرد مكان، وتصبح شخصية. تبدأ في رؤية وجهها، سماتها، تجاعيدها، ابتسامتها.
وفي تلك اللحظة، إذا كنت محظوظاً، قد ترى المدينة تبتسم لك. وعندها، لن تنساها أبداً.
---
الدفتر الرابع: خرائط السرمدية
الفصل السادس عشر: البيت الذي لم يعد يبحث عن وطن
اشتريت بيتاً في مدينة التل. بيتاً كان خرابة، فأصبح بعد سنة ونصف جميلاً. حديقة صغيرة، جدران حجرية، نافذة تطل على تلال خضراء. كل البلجيك هنا يملكون بيوتاً، واحداً هنا وآخر في مكان دافئ بعيد. أنا لا أملك سوى هذا البيت، وهذا جيد. ليس لأنني لا أريد أكثر، بل لأن بيتاً واحداً يكفي ليجعلك تشعر بالجذور. وجذور واحدة تكفي لتمنعك من الطيران بعيداً.
لكن شيئاً غريباً حدث بعد أن اشتريت البيت: بدأت أحلم بمدن لا أعرفها. مدن من ورق، مدن من ضباب، مدن تظهر في الحلم ثم تختفي عندما أفتح عيني. في أحد الأحلام، كنت أمشي في ماجدي بورغ، لكنها لم تكن ماجدي بورغ الحقيقية. كانت أوسع، أكثر غموضاً، الشوارع فيها كانت تؤدي إلى شوارع أخرى، البيوت فيها كانت تتكلم بصوت بشري. صوت النساء اللواتي أحببتهن، أصوات الأصدقاء الذين تركتهم ورائي، صوت أمي وهي تروي قصة البستان الضائع.
في حلم آخر، كنت في شارع أربات، لكن جانبه المشرق كان يطل على حديقة البلفيدير في تونس. والجانب الآخر المظلم كان على نهر الفولغا في روسيا. مشيت طويلاً، ساعات أو أياماً أو سنين، لا أدري. في نهاية الشارع، وجدت بيتي الصغير في لييج، لكن حديقته كانت تمتد إلى ما لا نهاية. تمتد عبر الجبال والسهول والأنهار، عبر المدن التي أحببتها والمدن التي كرهتها، عبر كل الأمكنة التي مررت بها في حياتي.
عندها فهمت شيئاً: المدن لا تترك أثراً فينا لأننا نعيش فيها طويلاً. هي تترك أثراً عندما نصبح نحن أنفسنا مدينة. مدينة متعددة، متقطعة، متناقضة. مدينة تتسع لكل الذكريات، لكل الحكايات، لكل الأشخاص الذين التقيناهم ونحن نبحث عن وطن لا وجود له.
نحن لسنا مواطنين في مدن بقدر ما نحن مدن متنقلة. نأخذ طابع كل مكان ثم نفقده. نرتّب الحجارة ثم نخلعها. نكتب أسماءنا على الجدران ثم نمحوها. نحن مدينة واحدة تتكون من آلاف المدن، وألف مدينة تتكون من شخص واحد.
في الصباح، بعد ذلك الحلم، جلست في حديقتي. كانت الشمس تشرق من خلف التل، تضيء وجه بيتي الصغير. شربت قهوتي ببطء، وأنا أتأمل العناكب التي نسجت بيوتها بين أغصان شجرة التفاح. فكرت في النمل الأبيض الذي ما زال يحاول أكل جدراني.
ثم فتحت دفتر ملاحظاتي، وكتبت:
"البيت ليس وطناً. الحديقة ليست وطناً. الشجرة ليست وطناً. الوطن هو هذا الشعور الغامض بأنك في المكان الصحيح، حتى لو كنت تعرف أنك ستغادر غداً. الوطن هو القدرة على الشعور بالأمان في الرحيل. الوطن هو أن تصنع بيتاً من الذاكرة، وتسكنه كلما أغلقت عينيك".
الفصل السابع عشر: كتابة الظلال
بدأت أكتب هذه الرواية في خريف ممطر. كنت جالساً في غرفة المعيشة، والنوافذ مغلقة على المطر. شموع صغيرة تضيء المكان، وفنجان قهوة تركيّ عربي كان بجانبي. كان كل شيء هادئاً، كما لو أن العالم كله توقف ليمنحني فرصة لأن أكتب ما لم أكتبه أبداً.
كلما كتبت كلمة، شعرت أن الماضي يتحرك خلف ظهري. أبو حطب في ساحة الشهبندر، الذي كان يضحك ويقول: "أنت رجل بلا جذور". الصحافي الألماني الفلسطيني الذي يسأل سؤاله الكلاسيكي عن الوطن، ثم يكتب في تقريره: "الرجل بدا ضائعاً، لكنه لم يبد حزيناً. ربما هذه هي مأساته الحقيقية". أمي، التي كبرت التي مازالت تعيش دون أن ترى البستان الذي كانت تحلم به كل ليلة. شوقي الذي قال عن دمشق ما قال، ودرويش الذي قال عن تونس ما قال، وكنفاني الذي عاد إلى حيفا التي لم يزرها قط.
الكتابة تشبه بناء بيت من ورق في عاصفة. كل جملة قد تطير، قد تسقط، قد تتحول إلى شيء آخر. لكنني أكتب لأنني لا أملك وسيلة أخرى لفهم هذا: لماذا مدينة مثل ماجدي بورغ الشيوعية تركت أثراً، بينما مدن أخرى قضيت فيها سنوات لم تترك شيئاً؟ لماذا خالد، صديقي الذي مات في المنفى، يزورني في أحلامي بينما أصدقاء أحياء لا أتذكر وجوههم؟
في أحد الليالي، وأنا أكتب، سمعت طرقاً على الباب. فتحت فوجدت جاري البلجيكي المسن، يرتدي رداءً منزلياً ونعليه. قال: "رأيت نورك مشتعلاً في الثانية صباحاً. تأكدت أن كل شيء بخير".
دعوته للدخول. جلسنا في الحديقة، رغم البرد. شربنا الشاي، وتحدثنا. قلت له عن الرواية التي أكتبها، عن المدن التي تتراكم في داخلي، عن الشعور بالغربة حتى في بيتي.
استمع بصبر، ثم قال: "في بلدي، لدينا مثل قديم: من يبحث عن بيته في كل مكان، ليس له بيت في أي مكان . لكن هناك مثل آخر أؤمن به أكثر: البيت حيث تعلق قبعاتك . أنت تعلق قبعاتك في أماكن كثيرة. هذا لا يعني أنك بلا بيت. يعني أن بيوتك كثيرة".
نظرت إليه طويلاً. كنت أريد أن أصدقه. كنت أريد أن أقتنع بأن كثرة البيوت ليست مشكلة، بل ثراء. لكن في أعماقي، كان هناك صوت يقول: "لا، القبعة التي تعلقها هنا تنسى هناك. المعطف الذي تتركه في هذه المدينة لا يدفئك في تلك. أنت تتوزع، تتفتت، تصبح أقل من واحد".
في تلك الليلة، لم أنم كثيراً. ظللت أكتب حتى الصباح. كان المطر قد توقف، وبدأت الشمس تظهر من خلف التل. أغلقت الدفتر، وخرجت أمشي في المدينة التي اخترت أن أسكنها. مشيت طويلاً. عبرت النهر، وصعدت التل الكبير، ووقفت عند القلعة القديمة التي تطل على كل شيء.
تحتي، كانت مدينة التل نائمة. بيوتها البيضاء المتدرجة، سقوفها الحمراء، أشجارها الخضراء. بدت من بعيد كخريطة، كحلم، كرواية مفتوحة لا نهاية لها.
همست: "هل أنت وطني؟"
لم تجب. لكنها همست في المقابل: "هل أنت مواطني؟"
ابتسمت. كانت هذه أفضل إجابة يمكن أن أتلقاها. ليس "نعم" ولا "لا". بل سؤال آخر يفتح آفاقاً جديدة.
الفصل الثامن عشر: المقام الأبدي
في الليلة التي سبقت أن أكتب هذه السطور الأخيرة، حلمت حلماً غريباً. كنت واقفاً في ساحة كبيرة، لا تشبه أي ساحة رأيتها من قبل. كانت من جهة تشبه ساحة الشهبندر في المدينة الرمادية، ومن جهة تشبه ميداناً في ماجدي بورغ، ومن جهة ثالثة تشبه المنتجع الاستطبابي في روسيا، ومن جهة رابعة تشبه ساحة أمام جامع الزيتونة في تونس، ومن جهة خامسة لا تشبه شيئاً سوى نفسها.
في الساحة تمثال لرجل لا أعرفه. لكنه يشبه كل الرجال الذين قرأت لهم: الكاتب الكولومبي العظيم، والكاتب الإنجليزي الذي رأى المستقبل، والكاتب الأمريكي الذي عرف كيف يصطاد السمك ويكتب بنفس الإتقان. والكاتب النجدي الذي كتب عن الخيام والمدن، والكاتب الفلسطيني الذي عاد إلى حيفا دون أن يغادر المنفى. يد التمثال مرفوعة كأنه يشير إلى مكان بعيد. نظرت حيث يشير، فرأيت بيتي الصغير في مدينة التل. لكنه كان أكبر، أبهى، واقفاً على تل يطل على مدن لا تنتهي. كل مدينة عرفتها كانت هناك، على مرأى من بيتي.
في الحلم، عرفت أن هذه هي مدينتي الحقيقية. مدينة لا تقع على أي خريطة. مدينة تجمع كل ما مررت به وكل ما لم أمر به، كل ما أحببته وكل ما هربت منه، كل ما فهمته وكل ما سيبقى غامضاً إلى الأبد. مدينة تجعلك تشتاق إليها وأنت فيها، وتحلم بها وأنت تغادرها، وتعود إليها كلما فكرت في أن تعود.
استيقظت في منتصف الليل. كان القمر يدخل من النافذة، يضيء غرفة نومي الصغيرة. نظرت حولي: بيتي الصغير، جدرانه الحجرية بعد أن جددتها، مكتبتي المليئة بالكتب، نافذته على التلال الخضراء. لا شيء تغير. كل شيء كما كان.
لكن شيئاً ما في داخلي كان قد تغير.
أدركت أنني كنت أبحث عن وطن بالطريقة الخطأ. الوطن ليس مكاناً تحبه لأنه جميل. وليس قضية تدافع عنها بحماس. وليس بيتاً تملكه بالتقسيط. وليس مدينة تترك أثراً في نفسك لأسباب لا تفهمها.
الوطن هو ذلك الشعور الغامض، المتناقض، المؤلم أحياناً والمبهم غالباً، بأن للمكان وجهاً، وأن وجه المكان يشبه وجهك.
ووجهي لا يشبه مكاناً واحداً. وجهي يشبه مسافة، رحلة، خريطة تمزقت وأُعيد تركيبها آلاف المرات. وجهي يشبه تلك المدن التي لا توجد إلا في الكتب التي لم تكتب بعد، في القصص التي لم تروَ، في الأحلام التي نخاف أن نحلم بها لأنها قد تتحقق فتصبح أقل جمالاً.
وجهي يشبه رواية.
الفصل التاسع عشر: رسالة إلى قارئ لم يأت بعد
أكتب هذا الفصل وأنا أعلم أن القارئ الحقيقي لهذه السطور لم يولد بعد. ربما يقرأها بعد مئة سنة، في مدينة لم تبنَ بعد، يتحدث لغة لم تخلق بعد. ربما يقرأها في عالم مختلف تماماً، حيث فكرة "الوطن" نفسها لم تعد تعني شيئاً، حيث أصبح البشر كله يشبه أبطال هذه الرواية: منفيون بالفطرة، بلا جذور، بلا أوطان إلا ما يصنعونه بأيديهم وبكلماتهم.
لذلك، أيها القارئ الذي لم يأت بعد، أريد أن أقول لك شيئاً:
الحياة التي أعيشها الآن، في مدينة التل، في بيتي الصغير الذي كان خرابة، هي حياة عادية جداً. أستيقظ كل صباح، أشرب قهوتي، أذهب إلى السوق، أشتري الخبز والحليب والخضار. أقرأ الكتب، أكتب قليلاً، أتحدث مع الجيران. في المساء، أجلس في حديقتي وأتأمل النجوم. أحب صبايا المدينة الجميلات كما يحب أي رجل عادي، لكنني لا أرتبط بأية واحدة، لأنني لا أؤمن بالارتباط.
هذه الحياة العادية هي بالضبط ما يجعلها استثنائية. ليس لأنني وجدت إجابات، بل لأنني تعلمت كيف أعيش مع الأسئلة. تعلمت أن "لا أعرف" إجابة مقبولة. تعلمت أن الحيرة ليست عيباً، بل دليل على أنك ما زلت تفكر. تعلمت أن الوطن مسألة شخصية جداً، ولا أحد يستطيع أن يملي عليك كيف تشعر تجاه أي مدينة أو أرض أو بيت.
في هذه الحياة العادية، أصبحت أمارس طقوساً جديدة. كل صباح، أمشي إلى قمة التل الكبير. أقف هناك عدة دقائق، أنظر إلى الأفق البعيد. في بعض الأيام، يكون الأفق واضحاً، أستطيع رؤية الجبال البعيدة وأبراج الكنائس وضباب الصباح الذي يغطي النهر. في أيام أخرى، يكون الأفق ضبابياً، لا أرى أبعد من أمتار قليلة.
في كلتا الحالتين، هذا الأفق هو وطني. هذا المنظر الذي يتغير كل يوم، هذه المدينة التي تنام وتستيقظ، هذا النهر الذي لا يتوقف عن الجريان. أنا جزء من كل هذا. ليس لأنني مالكه، بل لأنني أشاهده.
لاحظت شيئاً مهماً: كلما توقفت عن البحث عن الوطن، كلما وجدته. كلما توقفت عن محاولة تحديده وتعريفه وتحليله، كلما شعرت به. الوطن ليس إجابة، بل طقس. ليس مكاناً، بل طريقة للنظر إلى المكان. ليس شيئاً نملكه، بل علاقة نعيشها.
الفصل العشرون: الخريطة الأخيرة
في الصباح الأخير من كتابة هذه الرواية، جلست في حديقتي الصغيرة. كانت شجرة التفاح قد كبرت أكثر. أصبح ظلها يغطي جزءاً كبيراً من الحديقة. الثمار كانت لا تزال خضراء، صغيرة، لم يحن وقت قطافها بعد.
أمامي، انتشرت أوراقي ودفاتري كلها. أربعة دفاتر، دفاترعن مدن لا أسميها، عن أوطان لا أملكها، عن أسئلة لا أجيب عليها.
قرأت ما كتبت. وجدت كلمات كثيرة، جمل كثيرة، فقرات كثيرة. لكن في النهاية، لم أقل شيئاً مهماً. أو ربما قلت الشيء الوحيد المهم: لا أعرف.
لا أعرف لماذا دمشق لم تترك أثراً في نفسي. لا أعرف لماذا ماجدي بورغ تركت جرحاً غائصاً. لا أعرف لماذا فلسطين تعني لي فكرة لا أرضاً. لا أعرف لماذا اشتريت بيتاً بالتقسيط في مدينة التل رغم أنني لا أعتبره وطناً. لا أعرف لماذا بروكسل التي سكنتها ثلاثة عشر عاماً لم أشعر بالحنين إليها. لا أعرف لماذا لييج التي أسكنها الآن تشبه نبض القلب.
لكنني تعلمت شيئاً في رحلة كتابة هذه الرواية: لا بأس في ألا تعرف. لا بأس في أن تكون إجابتك عن سؤال الوطن هي الصمت، أو الضحك، أو البكاء، أو كل هذا معاً. لا بأس في أن تكون كركوبة معقدة بدلاً من أن تكون إجابة جاهزة.
أغلقت الدفاتر الأربعة. رتبتها فوق بعضها. وضعت يدي عليها، وشعرت بدفئها. هذه الأوراق كتبتها في ليالي طويلة، في أيام ممطرة، في لحظات يأس ولحظات أمل. هذه الأوراق هي وطني الآن. هذا النص هو بيتي الدائم.
لأنني اكتشفت في النهاية أن الوطن لا يُبنى من حجر وطين وإسمنت. الوطن يُبنى من كلمات. كلمات تروي قصتك. كلمات تشبه صورتك. كلمات تبقى بعد أن تموت، وتُقرأ بعد أن ترحل.
وقفت من على كرسي الحديقة. نظرت إلى السماء الرمادية التي أحبها. إلى التلال الخضراء التي أتأملها كل صباح. إلى النهر العريض الذي يمر بجواري كصديق قديم لا يحتاج للكلام.
همست: "هذا هو مقامي الأبدي. ليس البيت، وليس الحديقة، وليس المدينة. هذا النص. هذه الرواية. هذه الكلمات التي كتبتها بدمي وعرقي وأسئلتي التي لا تجيب".
في تلك اللحظة، شعرت بشيء لم أشعر به من قبل: السلام. ليس السلام الذي يأتي من الإجابات، بل السلام الذي يأتي من الاستسلام لعدم الإجابات. السلام الذي يأتي من معرفة أنك لا تعرف، وأن هذا مقبول.
أخذت الدفاتر الأربعة، ودخلت إلى بيتي. وضعتها على الرف، بين الكتب الأخرى. ثم أغلق النافذة، وأطفأ النور، وذهبت لأنام.
في الصباح، سأستيقظ، أشرب قهوتي، أمشي إلى قمة التل، وأنظر إلى الأفق. سأفعل هذا كل يوم، حتى يأتي يوم لا أستطيع فيه.
وهكذا، أيها القارئ، تنتهي روايتي. لا بنهاية سعيدة ولا حزينة. تنتهي كما بدأت: بسؤال. السؤال الذي لا إجابة له. السؤال الذي هو نفسه الوطن.
سؤال اسمه: أين أنا؟
والإجابة: أنت حيث تكتب. أنت حيث تقرأ. أنت حيث تتوقف عن البحث وتبدأ في العيش.
في مدينة لا اسمها ولا رسمها، في بقعة سرمدية بين الحلم واليقظة، بين الذاكرة والنسيان، بين منفى وآخر.
هناك، في تلك البقعة، تجد منزلك.
ليس منزلاً تسكنه، بل منزلاً يسكنك.
ويسكنك إلى الأبد.
---
خاتمة كاتبها الكاتب في يوم ممطر
كتبت هذه السطور في بيتي في لييج، في يوم ممطر من أيام الخريف. الساعة تشير إلى منتصف الليل. في الخارج، المطر يقرع النوافذ بإصرار. في الداخل، دفء الموقد يلامس وجهي.
لاحظت أنني لم أذكر اسماً حقيقياً لمدينة واحدة، مع أن كل كلمة هنا تتحدث عن مدن حقيقية. دمشق، حلب، فلسطين، تونس، بروكسل، لييج، ماجدي بورغ، برلين، روسيا، كلها حاضرة وكلها غائبة. هذا هو الترميز: أن تجعل الحقيقة تشبه الحلم، كي لا تجرح أحداً بصدقك، وكي لا تجرح نفسك بذكريات لم تفهمها بعد.
الآن، وقد انتهيت، أشعر بأنني لم أكتب رواية، بل خرائط لرحلات لم تحدث بعد. عشرات الصفحات بالتمام والكمال، أربعة دفاتر، عشرون فصلاً. لغة شفافة بقدر ما تسمح به قدراتي المتواضعة. حبكة مشوقة بقدر ما يكون التشويق ممكناً في عالم لا أحد يعرف فيه أين وطنه الحقيقي.
إذا وصلت إلى هنا، أيها القارئ، فاعلم أنك قطعت معي مسافة. لست أعرف من أنت، ولا أعرف أي مدينة تقرأ فيها هذه السطور. لكنني أعرف شيئاً: أنت وأنا نشترك في شيء واحد.
كلانا يبحث عن إجابة لسؤال لا إجابة له.
كلانا يبني وطناً من كلمات، لأن الأوطان الحقيقية إما ضائعة أو محتلة أو مستحيلة.
كلانا في المنفى. ليس منفى الجغرافيا، بل منفى الروح. منفى الإحساس بأننا لسنا في المكان الصحيح، وأن المكان الصحيح لا وجود له إلا في الخيال.
شكراً لمرافقتك في هذه الرحلة. ليكن هذا النص مقامنا الأبدي، حتى نجد ما هو أبدي منه.
ولنختم بما بدأنا به:
لا أعرف علاقتي بالمدن. لا أعرف كيف تتراكم في أعماق نفسي وتثير في مشاعر متناقضة لا أفهمها.
لكني تعلمت ألا أحاول فهمها كثيراً. لأن في محاولة الفهم خفة، أو تبسيط، أو نظرة مسبقة.
ما أعرفه أنني هنا، الآن، في هذا البيت الصغير، في هذه المدينة الوادعة، أكتب هذه الكلمات. وهذا يكفي.
هذا هو وطني: اللحظة التي أكتب فيها. المدينة التي أصنعها بالحبر. البيت الذي لا يحتاج إلى سقف لأنه مبني من الكلمات.
وهكذا تنتهي الرواية، كما بدأت: بسؤال.
لكن السؤال هذه المرة مختلف:
من يقرأ هذه السطور الآن، في أي مدينة، وفي أي زمن، هل يشعر بما أشعر؟
هل يشعر بأن المدن خريطة، والذاكرة بوصلة، والكتابة هي البيت الوحيد الذي لا يسقط؟
آمل ذلك.
آمل ألا أكون وحدي في هذا المنفى الطويل والجميل والمؤلم.
النهاية الحقيقية
شهر آب أغسطس 2011
#احمد_صالح_سلوم (هاشتاغ)
Ahmad_Saloum#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
كتيب ( جينات التراب وأساطير السماء ) في مرآة الإنتاج المعرفي
...
-
تفكيك خطاب اليأس في تغطية الجزيرة للحرب على إيران أمام ملحمة
...
-
سلاح النمر الورقي التركي : كيف تحول التحديث التكنولوجي إلى ف
...
-
قصة قصيرة : العراف والملكان
-
رواية قصيرة : جدار يبكي في القدس
-
من دولة المؤسسات إلى سلطة الغنيمة الاحتلالية: سوريا بين منطق
...
-
نورد ستريم وأزمة الطاقة و السردية الألمانية الجديدة
-
القارة التي لا تُقصف: لماذا فشل التهديد النووي في ثني إيران؟
-
تفجيرات السيل الشمالي: بين التحقيق الألماني، كشف سيمور هيرش،
...
-
رواية : امارات الفقاعة..سياسية ساخرة
-
مسرحية -طاولتان في الربيع-..كوميديا سياسية
-
مسرحية : «مَلْعَبُ العَبِيدِ وَعَرْشُ البَرَامِيلِ».. كُومِي
...
-
ملف الأوقاف العثماني.. كيف تنظر المحاكم الدولية إلى جرائم عص
...
-
مسرحية -فينيق طهران: كوميديا القواعد الذهبية-
-
يأس ترامب يحول هزيمته إلى خطاب نصر على طريقة هتلر؟
-
أمريكا ترتعش: كيف كسرت حرب الاستنزاف الثانية عرش هيمنتها ؟
-
الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية الإمبريالية من غزة إلى ميناب
-
انتصار طهران الاستراتيجي: قراءة في تحول ميزان القوة العالمي
...
-
شرق لا يرتجف: حين يصبح التهديد مرآةً لا سيفاً
-
إسرائيل – العضلة العسكرية للنظام، لا الدولة..الفصل الاول من
...
المزيد.....
-
كوميديا وأكشن وإثارة.. هذه قائمة الأفلام التي تنتظرك في صيف
...
-
العقلانية في الثقافة الإسلامية بنادي القراءة في اتحاد الأدبا
...
-
مستقبل علم التاريخ: تساؤلات حول المنهج واللغة ومحورية السلطة
...
-
الأمن بانتظاره وأبوه تبرأ منه.. تصريحات الفنان الأردني حسام
...
-
فلسطين تتصدر مهرجان الإسكندرية للفيلم القصير بمشاركة عربية و
...
-
سيارتك في خطر.. عندما يكون اختيار فيلم الحماية الخاطئ كارثيا
...
-
في عصر السيلفي.. لماذا ابتلعتنا صورُنا؟
-
ثرفانتس و-دون كيشوت-.. هل كان مؤسس الرواية الأوروبية من أصل
...
-
فيلم -بيّت الحس- لليلى بوزيد: عن الصمت العائلي والحب الممنوع
...
-
-عشق أبدي-.. مصمم تونسي يطرّز اللغة العربية على فساتين زفافه
...
المزيد.....
-
إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي
/ ريتا عودة
-
طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة
/ احمد صالح سلوم
-
حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي
/ نايف سلوم
-
احلام الفراشة مجموعة قصصية
/ أمين أحمد ثابت
-
رواية هروب بين المضيقين
/ أمين أحمد ثابت
-
احلام الفراشة مجموعة قصصية
/ أمين أحمد ثابت
-
اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا
...
/ السيد حافظ
-
تمارين أرذل العمر
/ مروة مروان أبو سمعان
-
اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية
/ أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني
-
رحلتي في ذاكرة الأدب
/ عائد ماجد
المزيد.....
|