أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - احمد صالح سلوم - قصة قصيرة : العراف والملكان














المزيد.....

قصة قصيرة : العراف والملكان


احمد صالح سلوم
شاعر و باحث في الشؤون الاقتصادية السياسية

(Ahmad Saloum)


الحوار المتمدن-العدد: 8687 - 2026 / 4 / 24 - 12:00
المحور: الادب والفن
    


في قديم الزمان ، وفي مملكةٍ كانتْ خريطتُها تُرسمُ على جلدِ نمرٍ ذابلٍ، ومملكةٍ أخرى كانتْ أعلامُها من ريشِ طاووسٍ أبرشَ، اجتمعَ الملكانِ ذاتَ مساءٍ في قصرٍ من ورقٍ على تخومِ الصحراءِ. كانَ القصرُ يترنَّحُ كلَّما هبَّتْ نسمةٌ، وكانَ الملكانِ يظنانِ أنَّ ارتفاعَه يجعلهُ منيعًا.

قالَ ملكُ النمرِ لصاحبِه: «الرملُ يزحفُ إلينا من الشرقِ. رأيتُ بعينَيَّ جيشًا يخرجُ من كثبانِه، لا راياتِ له ولا طبولَ، لكنه يتحركُ كأنه ريحُ السمومِ. ما رأيُكَ أن نرميَه بقنابلَ من دخانٍ ولهبٍ؟»

أطرقَ ملكُ الطاووسِ لحظةً، ثم رفعَ هاتفَه من ذهبٍ كانَ لا يتصلُ إلا برقمٍ واحدٍ، فقال: «لقد كلَّمتُ عرافَ الغربِ الذي يزرعُ البرتقالَ في فلوريدا. قالَ لي: الرملُ لا يُقصفُ، الرملُ يُزرعُ. لكنني لا أفهمُ ما قالَ».

ضحكَا طويلاً، وأمرَا الجندَ أن يحفروا خندقًا حولَ القصرِ الورقيِّ، وأن يملؤوه زئيرًا مسجَّلًا. وقالا للرعيةِ: «لا تخافوا، نحنُ نحميكم بصواريخَ لا تصدأْ، وبقنابلَ لا تنفجرُ إلا في الكتبِ».

وفي ليلةِ القدرِ – على ما يزعمونَ – أتاهما حكيمٌ من الشرقِ، شيخٌ طويلُ اللحيةِ قصيرُ القامةِ، يحملُ ميزانًا من ذهبٍ لا يطيقُ حملَه عشرةُ رجالٍ. وضعهُ بين أيديهما وقال:

«يا ملكَ النمرِ الجريحِ، ويا ملكَ الطاووسِ الأبترِ، اسمعا مني كلمةً لا ثقلَ فيها إلا على القلوبِ المريضةِ. أنتما تظنانِ أن القنابلَ تزنُ الأمورَ، والحقُّ أن الأمورَ توزنُ بالإراداتِ. جربا أن ترفعا ميزاني هذا إن كنتما صادقينَ».

وثبَ ملكُ النمرِ من كرسيِّه المخلوعِ، وتناولَ كفَّ الميزانِ بكلتا يديه، فلم يتحركْ. ثم جاءَ ملكُ الطاووسِ فأمسكَ بالكفِّ الآخرِ، فلم يتحركْ أيضًا. فتنفسَا عميقينِ، وتناولا الميزانَ معًا، فما زادَ الأمرُ إلا تعبًا.

قالَ الحكيمُ: «أتعلمانِ ما في هذا الميزانِ؟ فيه إرادةُ شعبٍ علَّمَ أبناءَه أن الجوعَ أشرفُ من الركوعِ. فيه صبرُ أمةٍ صنعتِ الصاروخَ في القبوِ حينَ منعَها الغربُ من شرائِه. فيه كرامةُ قارةٍ اختارتْ أن تموتَ واقفةً على ألا تحياَ راكعةً. هذا هو الميزانُ الذي تخافانِ منه، ليس لأنه ذهبٌ، بل لأنه ثقيلٌ بثقْلِ الحقِّ».

احمرَّ وجهَا الملكينِ، ثم شحبَا، ثم ارتسمتْ على شفاهِهما ابتسامةٌ مريضةٌ. قالَ ملكُ النمرِ: «هذا الميزانُ لا يعجبُنا، سَنَصْنَعُ لنا ميزانًا من ريشٍ، أخفَّ وأبهى».

وثبَ ملكُ الطاووسِ إلى ذيلِه، ونتفَ منه ريشاتٍ، وبدأَا ينسجانِ ميزانًا من ريشٍ أزرقَ وأخضرَ. كانَ جميلاً في عيونِهما، قبيلاً في عيونِ كلِّ من رآه. ثم رفعاهُ إلى السماءِ، فما كانَ من الريحِ إلا أن هبَّتْ، فطارَ الريشُ في كلِّ اتجاهٍ، وبقيَ الملكانِ عاريَيْنِ يضحكانِ من خسارتِهما.

قالَ الحكيمُ: «ألمْ أقلْ لكما إنَّ الميزانَ الحقيقيَّ ليسَ مما يصنعُه الجبناءُ، بل مما يصنعُه الأحرارُ؟ ارتحلا عن هذه الأرضِ قبلَ أن ترحلَ عنكما. انسحبا إلى حيثُ لا رملَ يزحفُ، ولا شعبَ ينتفضُ. ادفعا التعويضاتِ لأهلِها، وعودا إلى أوكارِكما سالمينَ».

فنظرَ الملكانِ إلى بعضِهما، وتذكَّرا جنودَهما النيامَ، وزوجاتِهما الباكياتِ، وأطفالَهما الذينَ لا يعرفونَ لونَ الوطنِ الحقيقيِّ. ثم أدارا ظهورَهما للصحراءِ، وسارا في الاتجاهِ المعاكسِ، يجرَّانِ خلفَهما خريطةً ممزقةً وطبلًا مثقوبًا.

وظلَّ الحكيمُ واقفًا هناكَ، عندَ مفترقِ الرمالِ، يحملُ ميزانَه الذهبيَّ، وينتظرُ. لم ينتظرْ نصرًا، لأنه كانَ يعرفُ أن النصرَ ليسَ شيئًا يأتي، بل هو شيءٌ يقيمُ في القلبِ منذُ البدايةِ. إنما انتظرَ أن يفهمَ العالمُ يومًا أن القنابلَ لا تصنعُ التاريخَ، بل يصنعُه أولئكَ الذينَ يزنونَ الأمورَ بميزانٍ لا يخضعُ للريحِ.

ومنذُ ذلكَ اليومِ، والناسُ يتناقلونَ حكايةَ الملكينِ العاريينِ والميزانِ الذهبيِّ. يقولُ بعضُهم إنها أسطورةٌ. ويقولُ آخرونَ إنها بشارةٌ. لكن الحكيمَ يعرفُ – والحكيمُ لا يتكلمُ كثيرًا – أن كلَّ أسطورةٍ هي بشارةٌ، وكلَّ بشارةٍ هي تاريخٌ لم يُكتبْ بعدُ.



#احمد_صالح_سلوم (هاشتاغ)       Ahmad_Saloum#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- رواية قصيرة : جدار يبكي في القدس
- من دولة المؤسسات إلى سلطة الغنيمة الاحتلالية: سوريا بين منطق ...
- نورد ستريم وأزمة الطاقة و السردية الألمانية الجديدة
- القارة التي لا تُقصف: لماذا فشل التهديد النووي في ثني إيران؟
- تفجيرات السيل الشمالي: بين التحقيق الألماني، كشف سيمور هيرش، ...
- رواية : امارات الفقاعة..سياسية ساخرة
- مسرحية -طاولتان في الربيع-..كوميديا سياسية
- مسرحية : «مَلْعَبُ العَبِيدِ وَعَرْشُ البَرَامِيلِ».. كُومِي ...
- ملف الأوقاف العثماني.. كيف تنظر المحاكم الدولية إلى جرائم عص ...
- مسرحية -فينيق طهران: كوميديا القواعد الذهبية-
- يأس ترامب يحول هزيمته إلى خطاب نصر على طريقة هتلر؟
- أمريكا ترتعش: كيف كسرت حرب الاستنزاف الثانية عرش هيمنتها ؟
- الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية الإمبريالية من غزة إلى ميناب
- انتصار طهران الاستراتيجي: قراءة في تحول ميزان القوة العالمي ...
- شرق لا يرتجف: حين يصبح التهديد مرآةً لا سيفاً
- إسرائيل – العضلة العسكرية للنظام، لا الدولة..الفصل الاول من ...
- مقدمة كتاب : غرب آسيا: من نظام التكامل الاستعماري إلى فضاءات ...
- مسرحية -سرداب المنامة: كوميديا الضمائر المعلبة-
- غرب آسيا في مرمى التحول: حين تعيد السماء كتابة قواعد الاشتبا ...
- هند الضاوي تكشف حلم ترامب النفطي منذ 1987: قراءة استراتيجية ...


المزيد.....




- فريق من ذوي الأطراف المبتورة يبحر بقارب من غزة إلى مهرجان كا ...
- رُكام الأسى في قصيدة -الحزن وباء عالمي- لإدريس سالم
- مدير عام الصندوق العربي للمعونة الفنية للدول الإفريقية: حريص ...
- عن الخوف وشرطة الفكر
- -بابيون-عملاقة.. ديمي مور تظهر بـ -فستان ضخم- في مهرجان كان ...
- في معرض الدوحة.. ناشرون يرصدون تحديات صناعة النشر العربية
- رحيل «مرسول الحب».. المغرب والعالم العربي يودعان الهرم الموس ...
- بانفجار ضخم.. فيلم -7Dogs- يحطم رقمين قياسيين قبل عرضه المُر ...
- مغامرات خارج الزمن.. طفلة قطرية تهزم العمى بأنامل الخيال
- -كانال+- توقف التعاون مع 600 عامل في قطاع السينما بعد توقيعه ...


المزيد.....

- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا ... / السيد حافظ
- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - احمد صالح سلوم - قصة قصيرة : العراف والملكان