|
|
الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية الإمبريالية من غزة إلى ميناب
احمد صالح سلوم
شاعر و باحث في الشؤون الاقتصادية السياسية
(Ahmad Saloum)
الحوار المتمدن-العدد: 8672 - 2026 / 4 / 9 - 20:56
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
لحظة الانكشاف
ليس الليل بغامض حين تُطفأ الشمس، بل حين تُقنعنا بأن النهار كان وهماً.
يمر العالم بلحظة قلما شهدها التاريخ: انكشاف الإمبراطورية ليس على يد عدو خارجي، بل بفعل تناقضاتها الداخلية التي أطلقت العنان لهمجيتها الكامنة في صميم بنيتها. فلم تعد مراكز الهيمنة بحاجة إلى أقنعة القوة الناعمة، ولا إلى خطاب حقوق الإنسان الذي انهار في غزة كما انهار جدار برلين. صار الصاروخ هو سفيرها الوحيد، والإبادة هي بطاقتها الدبلوماسية.
في هذه المقالة، لا نكتب تاريخ لحظة عابرة، بل نشريح تشريحاً لكائن إمبريالي بلغ مرحلة الشيخوخة، فأصبح أكثر دموية كلما اقترب من الموت. من عقلية ترامب التي لا تؤمن بالحقيقة، إلى شبكة إبستين التي حوّلت الابتزاز إلى أداة حكم، إلى مجزرة ميناب التي أثبتت أن طفلة في السابعة يمكن أن تكون "هدفاً عرضياً" إذا كانت تقف في المكان "الخاطئ".
وهذه المقالة أيضاً ليست تأبيناً لضحايا، بل تحضيراً لمعركة. فما يراه البعض أفولاً، نراه نحن فجراً. وما يراه البعض إفلاساً، نراه نحن لحظة انكشاف – تلك اللحظة التاريخية التي تسبق كل ولادة جديدة. فمن رحم الإبادة، يولد المقاوم. ومن رماد الهمجية، تنهض الحضارة من جديد.
البنية النظرية – لماذا تتوحش الإمبريالية في لحظة أفولها؟
السؤال المركزي الذي يلخص كل ما نكتبه: لماذا تصبح الإمبراطوريات أكثر وحشية في لحظة انهيارها؟
لأنها تفقد أدواتها الناعمة أولاً، قبل أن تفقد أدواتها العسكرية. حين كان الاقتصاد الأمريكي يهيمن على العالم بلا منازع، كان بإمكانها شراء الحلفاء، وإغراق الأسواق، وتمويل النخب الموالية، وتصدير "الحلم الأمريكي". كانت القوة الناعمة – الثقافة، الإعلام، التعليم، الدبلوماسية – تعمل كزيت تشحيم للآلة الإمبريالية، تجعل الاحتلال مقبولاً، والحروب مبررة، والانقلابات "نشراً للديمقراطية".
لكن حين تفقد الإمبراطورية تفوقها الاقتصادي، وتنهار هيبتها الأخلاقية، وتنكشف أقنعتها واحداً تلو الآخر، ماذا يتبقى لديها؟
القوة العسكرية فقط.
والقوة العسكرية وحدها لا تبني إمبراطوريات، بل تدمرها. لأن القوة العسكرية يمكن أن تنتصر في معركة، لكنها لا تستطيع أن تنتصر في حرب طويلة ضد شعوب بأكملها. القوة العسكرية تقتل، لكنها لا تقنع. تدمر، لكنها لا تبني. تخيف، لكنها لا تكسب ولاءً.
وهذا هو بالضبط ما نراه اليوم: إمبراطورية تحولت إلى "قوة قصف" لا غير. لم تعد قادرة على إقناع العالم بشرعية حروبها، فلم يبق أمامها إلا التخويف. لم تعد قادرة على جذب الحلفاء، فلم يبق أمامها إلا ابتزازهم. لم تعد قادرة على تصدير نموذجها، فلم يبق أمامها إلا تدمير كل نموذج آخر.
هذه المرحلة الجديدة نسميها "الإمبريالية المفرطة": مرحلة فقدت فيها الهيمنة الاقتصادية لكنها لا تزال تحتفظ بالهيمنة العسكرية، مما يخلق ميلاً للسعي للتغلب على عقبات الانخفاض الاقتصادي عبر الحل العسكري.
الريع الإمبريالي – كيف يشتري الشمال سلامه بدماء الجنوب؟
لفهم كيف تعمل الإمبريالية المفرطة، نحتاج إلى فهم القوانين الاقتصادية التي تحكمها. ليس قانون القيمة الكلاسيكي – الذي يقول إن قيمة السلعة تحددها كمية العمل المنفقة في إنتاجها – فهذا القانون كان صالحاً لمرحلة الرأسمالية التنافسية.
أما اليوم، فنحن أمام قانون القيمة المعولم الذي يتجاوز الحدود الوطنية ويفرض شروطاً جديدة على الاقتصاد العالمي كله. وهذا القانون يقوم على ركيزة مركزية واحدة: الريع الإمبريالي.
والريع الإمبريالي هو الفارق الهائل بين الأجر المدفوع للعامل في الشمال والأجر المدفوع للعامل في الجنوب، لنفس العمل، وبنفس الإنتاجية. هذا الفارق ليس مجرد نتيجة طبيعية لاختلاف الأسواق، بل هو نتاج للبنية القسرية للنظام العالمي.
فالعامل في بنغلاديش ينتج قميصاً بنفس الجودة التي ينتجها عامل في أمريكا، لكن أجره لا يتجاوز 2% من أجر العامل الأمريكي. هذا الفارق لا يذهب إلى جيب العامل البنغلاديشي، بل إلى جيب الشركة متعددة الجنسية التي تستغل كلاً منهما. وهذا هو الريع الإمبريالي.
وهذا الريع هو الذي يسمح للنخب الحاكمة في الشمال بشراء ولاء طبقاتها العاملة. فالأرباح الفائضة الناتجة عن استغلال الجنوب تُستخدم لرفع مستوى معيشة العمال في الشمال نسبياً، وتوفير شبكات أمان اجتماعي، وتمويل دولة الرفاه.
ما معنى هذا؟ معناه أن العامل الأمريكي أو الألماني أو الفرنسي – دون أن يدري في أغلب الأحيان – أصبح شريكاً في استغلال الجنوب. ليس لأنه ظالم أو عنصري، بل لأنه مستفيد من نظام لا يرى بديلاً عنه. ولأنه مستفيد، فإن وعيه الطبقي يضعف، واستعداده للنضال من أجل التغيير يتراجع، وولاؤه لنظام يظلم الآخرين يزداد.
وهذا ما يفسر ظاهرة محيرة: كيف يمكن للطبقة العاملة في الغرب أن تصوت لأحزاب يمينية متطرفة تخدم المصالح الرأسمالية الكبرى؟ الجواب: لأنها لم تعد الطبقة العاملة بالمعنى الكلاسيكي. إنها طبقة عاملة "مرتاحة" نسبياً، تشتري راحتها بدماء عمال الجنوب.
من ميناب إلى غزة – الإبادة كضرورة هيكلية
في 28 فبراير 2026، وفي خضم الغارات الأمريكية-الإسرائيلية على إيران، استُهدفت مدرسة "شجرة طيبة" الابتدائية للبنات في مدينة ميناب بمحافظة هرمزغان.
التوقيت: الساعة 10:45 صباحاً، أثناء تبديل الحصص الدراسية – أي في وقت ذروة الوجود الطلابي. الضحايا: 180 قتيلة، معظمهن فتيات تتراوح أعمارهن بين 7 و12 عاماً، بالإضافة إلى 95 جريحاً. السلاح: صاروخ توماهوك أمريكي.
الاعتراف الأمريكي: كشفت صحيفة نيويورك تايمز أن تحقيقاً عسكرياً أمريكياً أولياً خلص إلى أن الولايات المتحدة مسؤولة عن القصف، مرجحاً أنه نجم عن "خطأ في تحديد الهدف". لكن صور الأقمار الصناعية أظهرت أن المدرسة تعرضت لضربة دقيقة بالتزامن مع الهجوم على القاعدة البحرية المجاورة – مما يجعل فرضية "الخطأ" ضعيفة.
ما يحدث في غزة ولبنان وإيران ليس حوادث معزولة، بل منهجية ممنهجة. في غزة، إبادة جماعية متواصلة، استشهد فيها أكثر من 70,000 فلسطيني، غالبيتهم من النساء والأطفال. في لبنان، القصف الأخير أوقع مئات القتلى والجرحى من المدنيين، بينهم 250 طفلاً. في إيران، مجزرة ميناب التي وُصفت بأنها "لا مثيل لها حتى في غزة".
لماذا هذا كله؟ لأن الإبادة الجماعية، في هذه المرحلة من الرأسمالية الهمجية، لم تعد جريمة حرب بالمعنى القانوني فقط. إنها ضرورة هيكلية لمرحلة أفول الإمبريالية. لأن الإمبراطورية المحتضرة لا تستطيع أن تترك وراءها مجتمعات حية يمكن أن تشهد على هزيمتها. تريد أن تأخذ الجميع معها.
عقلية ترامب – الهمجية البورجوازية كمنهج حكم
ترامب ليس حالة شاذة في السياسة الأمريكية، وليس انحرافاً عن "الديمقراطية الطبيعية"، وليس وليدة الصدفة. ترامب هو التعبير الأكثر كمالاً للمرحلة التي وصلت إليها الإمبريالية الأمريكية. هو الوجه الذي لم يعد بحاجة إلى قناع. هو الصوت الذي لم يعد بحاجة إلى تزييف. هو الفعل الذي لم يعد بحاجة إلى تبرير.
قبله، كانت النخب الأمريكية تتحدث عن "الديمقراطية" و"حقوق الإنسان" و"النظام الدولي القائم على القواعد". كانت تكذب، وكان الجميع يعرف أنها تكذب، لكنها كانت تحافظ على شكل الكذب. ترامب جاء ليكسر الشكل. لم يعد يكذب، بل صار يمارس الهراء السياسي – أي أنه توقف عن الاهتمام بالحقيقة أصلاً.
الفرق بين الكذب والهراء: الكاذب يعرف الحقيقة ويخفيها. صانع الهراء لا يهتم أصلاً بما إذا كانت هناك حقيقة أم لا. يمكنه أن يقول شيئاً ويقول ضده بعد دقيقة، دون أن يشعر بأي تناقض. لأن الحقيقة عنده ليست قيمة، بل عائق.
ترامب ليس أيديولوجياً. ليس لديه رؤية للعالم، ولا مبادئ ثابتة، ولا قناعات عميقة. لديه صفقات. في عالم ترامب، كل شيء قابل للبيع والشراء: السياسة صفقة، والدبلوماسية صفقة، والعدالة صفقة، والحقيقة صفقة. الصديق هو من يقدم أفضل عرض. والعدو هو من يعترض طريقه. والمبدأ هو ما يخدم الصفقة الحالية. والقيمة هي ما يحقق الربح الآن.
هذه العقلية تفسر التحولات الدراماتيكية في سياسته. كيف يمكن لرجل وعد ناخبيه بسحب القوات من غرب آسيا أن يشن أكبر حرب على إيران منذ عقود؟ الجواب: لأن صفقة جديدة عُرضت عليه. كيف يمكن لرجل يصف نفسه بأنه "صانع سلام" أن يتبنى سياسة الإبادة الجماعية في غزة؟ الجواب: لأن ثمناً دُفع.
شبكة إبستين – الابتزاز كآلية لحكم العالم
جيفري إبستين، في التحليل السطحي، كان رجل أعمال ثرياً أدين بالاتجار بالجنس واستغلال القاصرات، وانتحر في زنزانته قبل محاكمته. هذا صحيح لكنه لا يروي سوى جزء بسيط من القصة.
إبستين كان أكثر من ذلك بكثير. كان وسيط نفوذ، يجمع بين ثلاثة أطراف كانوا بحاجة إلى بعضهم البعض: المصالح الإسرائيلية، رؤوس الأموال الخليجية، والنخب السياسية الأمريكية.
كيف يعمل وسيط النفوذ؟ يقدم خدمة لا يمكن لأي من الأطراف تقديمها بنفسه. الطرف الإسرائيلي يريد التأثير على السياسة الأمريكية، لكنه لا يستطيع الوصول إلى ترامب مباشرة دون أن يبدو وكأنه يملي الأجندة. الطرف الخليجي يريد شراء نفوذ في واشنطن، لكنه لا يريد أن يظهر في الصحف كمن يشتري السياسيين. الطرف الأمريكي يريد تمويلاً لحملاته، لكنه لا يريد أن يبدو فاسداً.
إبستين يقدم لهم كل شيء: يربط، يسهل، ينقل الرسائل، يرتب اللقاءات، ويحتفظ بالملفات عن الجميع. وهذه هي نقطة التحول: عندما يكون لديك ملفات عن الجميع، فأنت لم تعد وسيطاً، بل أصبحت شريكاً في الحكم.
المراسلات المسربة تكشف عن دور خليجي نشط في شبكة النفوذ. الكويت سألت إبستين عن "نصائح حول كيفية التواصل مع ترامب". قطر رتب إبستين لقاء مع رئيس وزرائها السابق. الإمارات أراد رجل أعمالها "مصافحة ترامب" في حفل التنصيب.
في النظام الإمبريالي التقليدي، كان الحكم يمارس عبر ثلاث آليات رئيسية: القوة العسكرية، القوة الاقتصادية، والقوة الأيديولوجية. شبكة إبستين تضيف آلية رابعة: الابتزاز. من يمتلك "الملفات" يمتلك القدرة على توجيه السياسات، بغض النظر عن الانتخابات أو البرلمانات أو المحاكم. من يمتلك صوراً أو تسجيلات أو أدلة على سلوك غير قانوني لصانع القرار، يصبح هو صانع القرار الحقيقي.
حرب الاستنزاف الفسيفسائية – كيف تواجه إيران الهمجية؟
كيف تستطيع دولة مثل إيران – محاصرة، محرومة من التكنولوجيا المتقدمة، تحت عقوبات قاسية لسنوات – أن تصمد أمام الإمبراطورية العسكرية الأعظم في التاريخ؟
الجواب في نموذج "الحرب الفسيفسائية". الفسيفساء، في الفن، هي صورة تتكون من آلاف القطع الصغيرة، كل قطعة وحدها لا معنى لها، لكنها معاً تشكل لوحة متكاملة. الحرب الفسيفسائية تستعير هذه الفكرة. بدلاً من جيش مركزي كبير يمكن تدميره بضربة واحدة، توزع القدرات القتالية على آلاف القطع الصغيرة المنتشرة في المكان والزمان.
المبادئ ثلاثة:
المبدأ الأول: اللامركزية القصوى. كل وحدة قتالية تملك استقلالية كاملة في اتخاذ القرار. يمكنها أن تقاتل، تنسحب، تتمركز، تهاجم، دون انتظار أوامر من أحد. وإذا فقدت وحدة الاتصال بالقيادة، فإنها لا تشل، بل تواصل العمل بناءً على فهمها الخاص للموقف.
المبدأ الثاني: التنوع كسلاح. مسيرات صغيرة ومسيرات كبيرة، صواريخ باليستية وصواريخ كروز، ألغام بحرية وزوارق سريعة، هجمات إلكترونية وعمليات خاصة. هذا التنوع يجعل من المستحيل على العدو تطوير دفاع واحد يناسب كل شيء.
المبدأ الثالث: الغموض التشغيلي. الهدف ليس معرفة نوايا العدو، بل جعله في حالة من الارتباك الدائم بحيث لا يعرف من أين سيأتيه الضرب التالي.
وقد أثبت هذا النموذج فعاليته في حرب يونيو 2025، حيث استنزفت المقاومة مخزون القبة الحديدية الإسرائيلي بالكامل خلال 12 يوماً فقط. معادلة بسيطة: كل صاروخ إيراني بـ 50,000 دولار يُعترض بصاروخ إسرائيلي بـ 2 مليون دولار. هذا لا يستمر طويلاً.
أي شعب يواجه إمبريالية همجية يمكنه الاستفادة من هذه المنهجية. ليس بتقليد التفاصيل، بل بفهم المبادئ وتطبيقها في سياقه الخاص.
إفلاس القوة الناعمة – ماذا بقي من "الحلم الأمريكي"؟
قبل عقدين أو ثلاثة، كانت أمريكا تمثل "الحلم" لملايين البشر حول العالم. ليس الحلم الأمريكي داخل أمريكا، بل الحلم بالحداثة، التقدم، الديمقراطية، الحرية – كلها مرتبطة في المخيال العالمي بأمريكا.
كيف كان هذا ممكناً؟ أمريكا استثمرت عقوداً في بناء قوتها الناعمة: الإعلام (هوليوود، CNN)، الثقافة (الموسيقى، الأفلام)، التعليم (أفضل الجامعات)، الدبلوماسية، المساعدات الإنسانية. كلها معاً خلقت صورة لأمريكا كقوة خيّرة، تحارب الشر، وتنشر الديمقراطية، وتدافع عن حقوق الإنسان.
اليوم، لم يبق من هذا شيء تقريباً.
لم يعد أحد يصدق CNN أو نيويورك تايمز أو الجزيرة والعربية . تغطيتهم للحروب مكشوفة التحيز. تقاريرهم عن حقوق الإنسان انتقائية فاضحة. هوليوود لا تزال تنتج أفلاماً، لكن تأثيرها تضاءل. المحتوى الايراتي ، الكوري، الهندي، وحتى الصيني أصبح ينافس بقوة. الجامعات الأمريكية فقدت بريقها. الطلاب الدوليون أصبحوا يفضلون أوروبا أو الصين.
أمريكا عزلت نفسها في الأمم المتحدة. تصوت ضد إدانة إسرائيل وحدها. حلفاؤها التقليديون بدأوا يبحثون عن بدائل. محميات الخليج الصهيو أمريكية تتقرب من الصين. أوروبا تريد "استقلالاً استراتيجياً". إيران ، الهند والبرازيل كلها تلعب دوراً مستقلاً.
أمريكا أصبحت، في عيون المليارات، القوة الإرهابية الأولى في العالم. ليس لأنها كذلك فقط، بل لأنها فقدت القدرة على إقناع الناس بأنها ليست كذلك.
هذا هو إفلاس القوة الناعمة. وهذا الإفلاس هو الذي يفسر الهمجية المتصاعدة: لأن الإمبريالية فقدت كل أسلحتها غير العسكرية، فلم يبق لديها سوى القصف والإبادة.
طريق المواجهة – بناء البديل من غرب آسيا إلى العالم
ماذا نفعل بعد كل هذا التحليل؟ كيف نواجه الهمجية؟
أولاً: نستمر في المقاومة. ليس لأننا سننتصر غداً، بل لأن الاستسلام هو الهزيمة الحقيقية. المقاومة ليست مجرد وسيلة لتحقيق النصر، بل هي غاية في حد ذاتها. هي إعلان أننا لن نركع. إعلان أننا لن نستسلم. إعلان أننا بشر، وليسوا مجرد أرقام في إحصاءات القتلى.
ثانياً: نوحد صفوفنا. لا وقت للخلافات الداخلية. العدو واحد، والمواجهة واحدة، والمصير واحد. إما أن نقف معاً، أو نسقط منفردين. ما يحدث في غزة ولبنان واليمن والعراق وإيران ليس صراعات منفصلة. هو جبهة واحدة تواجه عدواً واحداً.
ثالثاً: نستعد لمعركة طويلة. لن ننتصر بين عشية وضحاها. الإمبريالية لن تنهار غداً. الهمجية لن تختفي بعد شهر. الطريق طويل، وسنخسر معارك، وسنسقط شهداء، وسنعاني كثيراً. لكننا سنصمد. والصمود نصف النصر.
رابعاً: نبني البديل. لا يمكننا هدم النظام القديم بدون بناء نظام جديد. البديل يقوم على عدة مبادئ: القطبية المتعددة (عالم لا تسيطر فيه قوة واحدة)، تحالفات الجنوب العالمي (شعوب أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية تتحد لرفع نفسها)، العدالة الاجتماعية، السيادة على الموارد، والكرامة الإنسانية.
هذا البديل ليس يوتوبيا. ليس حلماً بعالم بلا صراعات. لكنه أفضل مما لدينا. أفضل من عالم الإبادة. أفضل من عالم الهمجية. أفضل من عالم الهيمنة والاستغلال والقهر.
وهو قيد البناء الآن. أمام أعيننا. في تحالفات بريكس، وفي صمود المقاومة، وفي انتفاضات الشعوب، وفي وعي الأجيال الجديدة. إنه ليس حلماً، بل مشروع. مشروع طموح، صعب، طويل، لكنه ممكن.
والنصر للحياة
نختم حيث بدأنا: بفتيات ميناب. وبأطفال غزة. وبشهداء لبنان. بكل من ضحى بحياته حتى نكتب هذه الكلمات، وحتى تقرأها أنت، وحتى تقوم وتفعل.
في ميناب، بعد مجزرة المدرسة، وقفت أم إحدى الفتيات الشهيدات أمام الكاميرات. كانت تبكي. كان وجهها مغبراً. كانت تمسك بحذاء ابنتها الصغير.
سألها الصحفي: "ماذا تريدين أن تقولي للعالم؟"
نظرت إليه. نظرت إلى الكاميرا. نظرت إلى كل من سيشاهد. ثم قالت بصوت هادئ، لكنه كان كالرعد:
"ابنتي لم تمت. ابنتي أصبحت فكرة. والأفكار لا تُقتل."
هذه الأم الجريحة، الحزينة، الثكلى – هي أعظم من كل جنرالات العالم. هي أعظم من كل رؤساء أمريكا. هي أعظم من كل جيوش إسرائيل. لأنها فهمت شيئاً لم يفهموه: أن الموت الجسدي ليس نهاية. وأن القتل لا يمحو الوجود. وأن الدماء تسقي بذور المقاومة.
فتيات ميناب لم يمت. أصبحن أفكاراً. والأفكار لا تُقتل.
أطفال غزة لم يموتوا. أصبحوا أفكاراً. والأفكار لا تُقتل.
شهداء لبنان لم يموتوا. أصبحوا أفكاراً. والأفكار لا تُقتل.
مقاومو فلسطين لم يموتوا. أصبحوا أفكاراً. والأفكار لا تُقتل.
والإمبريالية تعرف هذا. تعرف أنها تقتل الأجساد، لكنها تصنع الأفكار. تعرف أن كل قنبلة تخلق مئة مقاوم جديد. تعرف أن كل مجزرة تزرع بذور مئة مجزرة قادمة – لكن هذه المرة من الجانب الآخر.
ولهذا هي خائفة. ولهذا هي يائسة. ولهذا هي همجية.
لكننا لسنا كذلك. نحن نكتب، ونقرأ، ونفهم، ونقاوم، ونصمد، وننتصر في النهاية. ليس لأننا أقوياء، بل لأن الحق أقوى. ليس لأننا نملك السلاح، بل لأن التاريخ إلى جانبنا. ليس لأننا نستحق النصر، بل لأن الهمجية تستحق الهزيمة.
والنصر للحياة. والنصر للمقاومة. والنصر لكل طفلة في ميناب أصبحت فكرة.
والأفكار لا تُقتل.
#احمد_صالح_سلوم (هاشتاغ)
Ahmad_Saloum#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
انتصار طهران الاستراتيجي: قراءة في تحول ميزان القوة العالمي
...
-
شرق لا يرتجف: حين يصبح التهديد مرآةً لا سيفاً
-
إسرائيل – العضلة العسكرية للنظام، لا الدولة..الفصل الاول من
...
-
مقدمة كتاب : غرب آسيا: من نظام التكامل الاستعماري إلى فضاءات
...
-
مسرحية -سرداب المنامة: كوميديا الضمائر المعلبة-
-
غرب آسيا في مرمى التحول: حين تعيد السماء كتابة قواعد الاشتبا
...
-
هند الضاوي تكشف حلم ترامب النفطي منذ 1987: قراءة استراتيجية
...
-
في عالم مقلوب: حين تُحاكَم الشعوب ويُعفى النظام
-
سوريا بين وهم -الإعمار- وحقيقة -الفاتورة-: كيف يدفع المواطن
...
-
الفخ المقدس..رواية قصيرة
-
مسرحية: -الفَاتُورة- .. (فصلان في خراب سوريا الجديدة)
-
مسرحية -مُسْتَنْقَعُ الْوَاعِدِينَ-.. كوميديا سياسية سوداء ف
...
-
ترامب… حين يتحوّل الوعد إلى مستنقع
-
مقدمة كتاب إمبراطورية الجزيرة كنموذج للانتحار الجماعي
-
مقدمة كتاب : حَمَّالُ أَوْجُهٍ..الصراع الطبقي والتأويل في ال
...
-
مسرحية الفرات والنيل..كوميديا
-
إيران، الإمبراطورية، وانحطاط المركز الابستيني الأمريكي
-
كتاب : حين تنكسر الأصنام .. تفكيك آلهة الإمبراطورية الأمريكي
...
-
التحولات الكبرى من مضيق هرمز إلى صناديق الاقتراع
-
تداخل شبكة إبستين مع الموساد الإسرائيلي واللوبيات المنفذة له
...
المزيد.....
-
مصدران لـCNN: ترامب طلب من نتنياهو التفاوض المباشر مع لبنان
...
-
نتنياهو: أصدرت تعليماتي ببدء مفاوضات مباشرة مع لبنان بأسرع و
...
-
لبنان تحت القصف.. مشاهد مؤثرة ومواقف إنسانية بعد الهجوم الإس
...
-
إيران تحول مضيق هرمز لكشك رسوم والدفع باليوان الصيني أو عملا
...
-
-من لا يقفز فهو مسلم- هتافات عنصرية في ملاعب إسبانيا
-
هل تتجه سوريا وإسرائيل إلى تطبيع العلاقات؟
-
إسرائيل توافق على مفاوضات مباشرة مع لبنان لنزع سلاح حزب الله
...
-
باكستان.. وسيط مقبول من طهران وواشنطن.. لماذا؟
-
البرازيل: حريق ضخم بمضمار الدراجات في مجمع ريو دي جانيرو الأ
...
-
اتهامات لإسرائيل بالسعي لنسف الاتفاق على وقف إطلاق النار بين
...
المزيد.....
-
كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام
/ احمد صالح سلوم
-
كتابات غير.. ساخرة
/ حسين جداونه
-
يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية
/ حسين جداونه
-
جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا
...
/ احمد صالح سلوم
-
مقالات في الثورة السورية
/ عمر سعد الشيباني
-
تأملات علمية
/ عمار التميمي
-
في رحيل يورغن هبرماس
/ حامد فضل الله
-
بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر
...
/ رياض الشرايطي
-
أطلانتس
/ فؤاد أحمد عايش
-
أطلانتس
/ فؤاد أحمد عايش
المزيد.....
|