|
|
مسرحية الفرات والنيل..كوميديا
احمد صالح سلوم
شاعر و باحث في الشؤون الاقتصادية السياسية
(Ahmad Saloum)
الحوار المتمدن-العدد: 8659 - 2026 / 3 / 27 - 16:46
المحور:
الادب والفن
الجيش الذي ينهش نفسه
تحقيق في ثلاثين لوحة
من انهيار الاحتياط الإسرائيلي إلى استراتيجية الصمود الإيرانية
ومستقبل الصراع في غرب آسيا
حين يتحدث التاريخ بلغة الأرقام والأساطير
ليس الانهيار حدثاً يحدث فجأة. الانهيار قصيدة تُكتب حرفاً حرفاً، بمداد من دماء الجنود وعظام الدبابات وصمت القيادات. في مارس 2026، وقف رئيس أركان جيش الاحتلال الإسرائيلي إيال زامير في قاعة مغلقة، وقال ما لم يقلْه قبله أحد: الجيش على وشك الانهيار على نفسه. لم تكن الكلمات عادية، بل كانت شهادة ميلاد مرحلة جديدة في صراع قديم.
هذا التحقيق هو محاولة لقراءة تلك اللحظة بعيون متعددة: عيون القادة الذين يرون الجيش ينهار من الداخل، وعيون الجنرالات المتقاعدين الذين تنبأوا بالهزيمة، وعيون المقاومة التي تخوض حرب استنزاف لا تشبه الحروب السابقة، وعيون التاريخ الذي لا يرحم.
ثلاثون لوحة، كل لوحة فصل من فصول هذه الملحمة.
…..
القسم الأول: أعلام حمراء في قاعة مغلقة
اللوحة الأولى: رئيس الأركان الذي كسر القاعدة
في مارس 2026، كان إيال زامير قد تسلم منصب رئيس الأركان قبل أيام فقط. جاء في ظل ظروف لم يشهدها أي رئيس أركان من قبله: حرب متعددة الجبهات، جيش منهك، ونظام احتياط يئن تحت وطأة الاستنزاف. في أول اجتماع للمجلس الوزاري الأمني، وقف زامير أمام الوزراء وقال بعبارات لم تكن مألوفة في لغة القادة العسكريين الإسرائيليين:
"أرفع أمامكم عشرة أعلام حمراء قبل أن ينهار الجيش الإسرائيلي على نفسه. قبل فترة طويلة، لن يكون الجيش جاهزاً لمهامه الروتينية، ولن يصمد نظام الاحتياط."
لم يكن هذا الخطاب مجرد نداء استغاثة، بل كان خلاصة تقارير سرية رُفعت إلى مكتبه، أظهرت أن الجيش يعاني نقصاً حاداً يتراوح بين 12 ألف و15 ألف جندي، منهم 7 إلى 8 آلاف في التشكيلات القتالية الأمامية. كانت تلك الأرقام هي الرصاصة التي أطلقها زامير في قلب المؤسسة السياسية.
اللوحة الثانية: 80 ألف شاب لا يريدون الحرب
خلف الرقم 12 ألفاً قصة أكبر. في شوارع القدس وبني براك، يمتنع نحو 80 ألف شاب من اليهود الحريديم عن التجنيد بدعوى دينية. هؤلاء الشبان، الذين يشكلون شريحة متزايدة من السكان، يرفضون حمل السلاح بحجة تفرغهم لدراسة التوراة. في المقابل، يتحمل جنود الاحتياط العلمانيون العبء الأكبر، يستدعون للمرة الثالثة والرابعة، يتركون أعمالهم وعائلاتهم، بينما نظراؤهم الحريديم يسيرون في شوارعهم آمنين مطمئنين.
هذه الأزمة ليست جديدة، لكنها بلغت ذروتها في زمن الحرب. زامير ألحّ على ضرورة إقرار قانون تجنيد الحريديم، لكن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو كان يتجنب الإقدام على هذه الخطوة خوفاً من انهيار ائتلافه الحكومي. وهكذا تحولت قضية وطنية إلى رهان سياسي ضيق.
اللوحة الثالثة: ثلاثة قوانين تنقصها الإرادة
زامير لم يكتف بالتحذير، بل قدّم حلولاً: قانون تجنيد الحريديم، قانون خدمة الاحتياط، وقانون تمديد مدة الخدمة الإلزامية. لكن هذه القوانين الثلاثة اصطدمت بجدار سياسي. أحزاب الحريديم هددت بإسقاط الحكومة إذا مرر قانون التجنيد، ونتنياهو اختار بقاءه السياسي على بقاء الجيش.
في تلك اللحظة، تحولت القاعة العسكرية إلى مسرح لمأساة يونانية: القائد يرى الخطر بوضوح، والقادة السياسيون يغضون الطرف، والجيش ينهار ببطء.
…..
القسم الثاني: صوت من الماضي – الجنرال الذي تنبأ
اللوحة الرابعة: يتسحاق بريك – نبي الهزيمة
قبل زامير بعام، في يوليو 2025، كان لواء الاحتياط المتقاعد يتسحاق بريك يجلس أمام الكاميرات في استوديوهات التلفزيون الإسرائيلي. لم يكن بريك رجلاً عادياً؛ فهو من كبار القادة العسكريين السابقين، وله سجل حافل في النقد الاستراتيجي. في ذلك اليوم، قال كلمات كانت بمثابة صفارة إنذار:
"لم نكن مستعدين لحرب السيوف الحديدية، وعانينا من خسارة استراتيجية. حماس لا تزال تملك نحو 40 ألف مقاتل، واستعادت قوتها."
أضاف بريك أن القوات البرية "مستنزفة بشدة"، وأن نظام الاحتياط "في حالة إنهاك لا توصف". لم يتوقف عند غزة، بل حذر من أن الجيش غير جاهز لمواجهة تهديدات أكبر، مثل حرب شاملة مع حزب الله أو مواجهة مع مصر.
اللوحة الخامسة: من التنبؤ إلى التحقق
ما قاله بريك كان تشخيصاً استراتيجياً، وما قاله زامير كان إنذاراً عملياً. بريك تحدث عن هزيمة محتملة، وزامير تحدث عن انهيار وشيك. لكن الجوهر واحد: الجيش الإسرائيلي الذي كان يُعتقد أنه الأقوى في المنطقة، أصبح على حافة الانهيار.
العلاقة بين الرجلين هي علاقة تكامل: بريك وضع الإطار النظري للأزمة، وزامير ترجمه إلى أرقام وتواريخ. وكلاهما يعرف أن الجيش الذي لا يجد جنوداً هو جيش هُزم قبل أن تبدأ المعركة.
…..
القسم الثالث: جنوب لبنان – حيث تموت الدبابات
اللوحة السادسة: الميركافا في كمين التاريخ
على طول الشريط الحدودي بين لبنان وفلسطين المحتلة، في تلال جنوب الليطاني، تدور معركة من نوع مختلف. معركة لا تُحسم بالقصف الجوي ولا بالتفوق التكنولوجي، بل بصبر المقاتلين على الأرض، وقدرتهم على تحويل الدبابة الأقوى في العالم إلى كتلة حديدية مشتعلة.
خلال الأيام الأخيرة من مارس 2026، أعلنت المقاومة الإسلامية في لبنان عن تدمير 21 دبابة ميركافا في يوم واحد، ليرتفع العدد إلى 30 دبابة خلال يومين، وإلى أكثر من مئة دبابة خلال شهر واحد فقط. هذه الأرقام، التي تفرض الرقابة العسكرية الإسرائيلية تعتيماً عليها، تعكس واقعاً ميدانياً مؤلماً: الدبابة التي صُممت لتكون درعاً للجنود صارت مقبرة متنقلة.
اللوحة السابعة: تكتيك الكمائن المضادة للدروع
ما يحدث في جنوب لبنان ليس مجرد مواجهات عابرة، بل مدرسة قتالية متكاملة. تعتمد المقاومة على مزيج من الصواريخ الموجهة المضادة للدروع (مثل الكورنيت)، والطائرات المسيرة الانقضاضية، والخلايا الأرضية المدربة على الاقتراب من الدبابات في تضاريس وعرة.
لكن الأهم من السلاح هو الفكرة: المقاومة لا تسعى إلى احتلال أرض، بل إلى استنزاف العدو. كل دبابة تُدمر تعني فقدان أربعة جنود، وكل جندي يُقتل يعني استدعاء ثلاثة احتياطيين لتعويضه، وكل عملية إنقاذ لطاقم محاصر تعرض قوات إضافية للخطر.
اللوحة الثامنة: الكارثة في محور الطيبة
أقر الجيش الإسرائيلي بصعوبة الوضع في محور الطيبة تحديداً، حيث تحدثت تقارير إسرائيلية غير رسمية عن "كارثة عسكرية غير مسبوقة" وشلل في نقل القتلى والجرحى. المنطقة التي كانت تعتبر ذات يوم منطقة أمنية تحولت إلى مستنقع يبتلع الآليات والجنود.
في هذه اللوحة، تتجلى مفارقة القوة: من يمتلك أقوى سلاح لا يضمن النصر، إذا كان الخصم يمتلك إرادة أطول ومعرفة أعمق بالتضاريس.
…….
القسم الرابع: محور المقاومة – استراتيجية الحلقة النارية
اللوحة التاسعة: من طهران إلى صنعاء – خريطة الاستنزاف
ما يجري في جنوب لبنان ليس معركة منعزلة. إنه جزء من استراتيجية كبرى ترسمها إيران مع حلفائها، تعرف بـ "حلقة النار". هذه الاستراتيجية، التي وضعت قبل سنوات، تقوم على تطويق إسرائيل بجبهات متعددة: حزب الله في الشمال، حماس والجهاد في الجنوب، فصائل المقاومة في سوريا والعراق، والحوثيون في البحر الأحمر.
الهدف ليس تحقيق نصر عسكري حاسم في يوم واحد، بل حرب استنزاف طويلة الأمد تُرهق الكيان عسكرياً واقتصادياً واجتماعياً، وتدفعه نحو الانهيار من الداخل. هذه الاستراتيجية لا تعتمد على التفوق التكنولوجي، بل على الصبر، وعلى قدرة كل جبهة على إلحاق خسائر متواصلة بالعدو.
اللوحة العاشرة: الحوثيون – ورقة الضغط على واشنطن
في هذه الخريطة، يلعب الحوثيون دوراً متزايد الأهمية. من صنعاء، تمكنوا من إغلاق البحر الأحمر أمام الملاحة الإسرائيلية، وضربوا السفن المرتبطة بالكيان، وأجبروا الموانئ الإسرائيلية على العمل بنصف طاقتها. كما استهدفوا القواعد الأمريكية في الخليج، مثل قاعدة العديد في قطر (أكبر قاعدة أمريكية في المنطقة) ومقر الأسطول الخامس في البحرين.
هذه الضربات لم تكن مجرد عمليات عسكرية، بل رسالة سياسية واضحة: الوجود الأمريكي في الخليج لم يعد مجانياً، وأي دعم أمريكي لإسرائيل سيكلف القواعد الأمريكية ثمناً باهظاً.
اللوحة الحادية عشرة: القواعد الأمريكية – من حماية إلى عبء
واحدة من أعظم إنجازات استراتيجية الاستنزاف، من وجهة نظر محور المقاومة، هي تحويل القواعد الأمريكية في المنطقة من عامل ردع إلى عامل ضعف. بعد الضربات التي استهدفت القواعد الأمريكية في الخليج، وجدت دول مثل قطر والإمارات والكويت نفسها أمام معادلة صعبة: بقاء هذه القواعد على أراضيها لم يعد يجلب الأمان، بل جلب الدمار.
بدأت هذه الدول تتحرك نحو "استراتيجية دفاع ذاتي" أكثر استقلالية، عبر تعزيز قدراتها العسكرية المحلية وتنويع مصادر السلاح (روسيا، الصين، باكستان)، بينما تتصاعد أصوات داخل المجالس التشريعية الخليجية تطالب بإعادة النظر في العلاقة مع واشنطن.
هذا التحول في المشهد الخليجي يعني أن إسرائيل تفقد تدريجياً الغطاء الاستراتيجي الذي كانت توفره لها القواعد الأمريكية، وأنها أصبحت أكثر عزلة في مواجهة حرب الاستنزاف.
…..
القسم الخامس: إيران – متى يصير الصمود نصراً؟
اللوحة الثانية عشرة: الشعب الإيراني – أكثر تشدداً من القيادة
هنا نقطة مفصلية في التحليل. التقديرات الغربية التي تتحدث عن "انهيار وشيك للنظام الإيراني" غالباً ما تخطئ في قراءة المشهد الداخلي. فالشعب الإيراني، رغم معاناته من الأزمات الاقتصادية، يمتلك وعياً تاريخياً عميقاً بمعنى الصراع مع أمريكا وإسرائيل. التجربة الإيرانية منذ الثورة الإسلامية عام 1979 علمت الإيرانيين أن العدوان الخارجي لا يأتي بمنجزات، وأن التراجع أمام العدو يعني المزيد من الهيمنة.
في الشارع الإيراني، ثمة إجماع شعبي واسع على أن المقاومة خيار استراتيجي وليس مجرد سياسة حكومية. حتى المعارضون للنظام يرفضون أي شكل من أشكال الخضوع لأمريكا أو إسرائيل. هذا الوعي الوطني هو الدرع الحقيقي لإيران، وهو ما يجعل سيناريو "الانهيار الداخلي" صعب التحقق مهما اشتدت الضغوط الاقتصادية.
اللوحة الثالثة عشرة: مضيق هرمز – سلاح الإيرانيين لقلب موازين الانتخابات الأمريكية
إيران تمتلك أداة ضغط اقتصادي لا تقل قوة عن صواريخها: مضيق هرمز. نحو 20% من النفط العالمي يمر عبر هذا المضيق، وأي تصعيد إيراني في المنطقة يمكن أن يرفع أسعار النفط إلى مستويات قياسية. في سياق الانتخابات الأمريكية، ارتفاع أسعار الوقود يعني ضربة قوية لأي رئيس أمريكي، وخاصة دونالد ترامب الذي يعتمد في شعبيته على وعود اقتصادية.
إذا تمكنت إيران من رفع أسعار النفط عبر تهديد الملاحة في المضيق، فإنها ستضع الرئيس الأمريكي أمام معضلة: إما التراجع عن دعم إسرائيل، أو تحمل تبعات اقتصادية قد تكلفه الرئاسة. هذه المعادلة تجعل إيران أكثر جرأة في التصعيد، وتجعل واشنطن أكثر تردداً في دعم تل أبيب.
اللوحة الرابعة عشرة: حسابات القيادة الإيرانية – النصر بالصمود
القيادة الإيرانية لا تنظر إلى الصراع الحالي كمعركة عابرة، بل كمرحلة في حرب طويلة الأمد. المبدأ الأساسي في الاستراتيجية الإيرانية هو أن "النصر لا يأتي بالهجوم فقط، بل بالصمود أيضاً".
هذا المنطق مستمد من تجربة الحرب العراقية-الإيرانية (1980-1988)، حيث صمدت إيران لسنوات ضد العدوان العراقي المدعوم من الغرب والخليج، وخرجت من الحرب ليس كمنتصر عسكرياً، لكن كمنتصر سياسياً لأنها لم تسقط. اليوم، تعيد إيران إنتاج هذه التجربة: الصمود في وجه الضغوط، واستنزاف العدو، وانتظار اللحظة المناسبة لقلب المعادلة.
في هذا السياق، فإن "الانهيار الإسرائيلي" الذي يتحدث عنه زامير وبريك هو الهدف الاستراتيجي لإيران. لكن القيادة الإيرانية تعرف أن هذا الانهيار لن يحدث بين ليلة وضحاها، بل سيأتي نتيجة تراكم الضغوط والاستنزاف. لذلك، فهي مستعدة للصمود لسنوات، حتى لو كلفها ذلك ثمناً اقتصادياً وسياسياً كبيراً.
اللوحة الخامسة عشرة: المعادلة الإيرانية المعقدة
القيادة في إيران ليست متجانسة. هناك تيارات متعددة: تيار متشدد يريد التصعيد السريع، وتيار براغماتي يريد تجنب الحرب الشاملة، وتيار وسط يسعى إلى الاستفادة من التصعيد دون الانزلاق إلى المواجهة المباشرة. هذه التعددية تعطي إيران مرونة في اتخاذ القرار، لكنها تزيد أيضاً من تعقيد قراءة نواياها.
ما يجمع هذه التيارات هو الرفض القاطع لأي تراجع استراتيجي. ففي الثقافة السياسية الإيرانية، "التراجع" كلمة محظورة، لأنها تعني خسارة كل ما بني خلال أربعة عقود من الثورة. لذلك، فإن أي حل للصراع يجب أن يحقق "نصراً إيرانياً" ولو كان هذا النصر مجرد صمود ومنع العدو من تحقيق أهدافه.
…….
القسم السادس: الانهياران – كيف يلتقيان؟
اللوحة السادسة عشرة: الانهيار الإسرائيلي – ثلاث حلقات في سلسلة واحدة
إذا أردنا أن نفهم كيف يتقاطع تحذير زامير الداخلي مع تحذير بريك الاستراتيجي ومع استراتيجية محور المقاومة، يمكننا تصور ثلاث حلقات في سلسلة واحدة:
· الحلقة الأولى (بريك) : التشخيص الاستراتيجي. الجيش منهك، خسر قدرته على تحقيق نصر حاسم، وهو عالق في مستنقع غزة وجنوب لبنان. · الحلقة الثانية (زامير) : الإنذار العملي. الجيش لم يعد يملك الجنود لمواصلة القتال. نظام الاحتياط ينهار، وغياب قانون التجنيد يعني أن النقص سيزداد وليس أن يقل. · الحلقة الثالثة (محور المقاومة) : الاستغلال الميداني. عبر استنزاف الجيش في جنوب لبنان وغزة، واستهداف القواعد الأمريكية في الخليج، وزيادة الضغط الاقتصادي على إسرائيل عبر إغلاق البحر الأحمر.
عندما تنكسر الحلقة الأولى والثانية، تنهار السلسلة بأكملها.
اللوحة السابعة عشرة: علامات الانهيار الوشيك
من خلال قراءة التقارير الإسرائيلية غير الرسمية، والتحليلات الاستراتيجية المستقلة، يمكن استخلاص أربع علامات تشير إلى أن الانهيار الذي يتحدث عنه زامير قد بدأ بالفعل:
1. انهيار نظام الاحتياط: آلاف جنود الاحتياط تقدموا بطلبات للإعفاء من الخدمة، أو رفضوا أوامر الانتشار في جبهات القتال. عائلات كثيرة انهارت تحت وطأة الاستدعاءات المتكررة. 2. عجز عن سد النقص: رغم إعلان حالة الطوارئ، لم تتمكن وزارة الحرب من تجنيد عدد كافٍ من الجنود الجدد، خاصة من قطاع الحريديم. 3. شلل جزئي في الحياة المدنية: المدارس مغلقة في المناطق الشمالية، المستشفيات تنقل المرضى تحت الأرض، الموانئ تعمل بنصف طاقتها، والاقتصاد يخسر مليارات الشواكل شهرياً. 4. تراجع الردع: دول الجوار، بما في ذلك مصر والأردن، بدأت تتعامل مع إسرائيل بصلابة غير مسبوقة، والتهديدات الإيرانية لم تعد تقابل بردع حقيقي.
…….
القسم السابع: التصفية الاستعمارية – حلم أم واقع؟
اللوحة الثامنة عشرة: معنى التصفية الاستعمارية في سياق غرب آسيا
المصطلح الذي ورد في السؤال الأولي عن "التصفية الاستعمارية" يعبّر عن رؤية محور المقاومة للصراع. من هذه الرؤية، فإن المشروع الغربي (الأمريكي) في المنطقة، والمشروع الصهيوني كامتداد له، هما مشروعان استعماريان يجب إنهاؤهما.
الانهيار الذي تتحدث عنه إيران وحلفاؤها ليس مجرد انهيار عسكري لإسرائيل، بل انهيار النموذج السياسي الغربي برمته في غرب آسيا، وانسحاب القوات الأمريكية من المنطقة، وتفكيك الكيان الإسرائيلي ككيان قائم على الهيمنة العسكرية.
هذا التصور قد يبدو طوباوياً لبعض المراقبين الغربيين، لكنه يجد ترجمته الميدانية في التطورات الجارية: الضربات المتكررة على القواعد الأمريكية في الخليج، والاستنزاف المستمر للجيش الإسرائيلي، والنفوذ الإيراني الممتد من طهران إلى البحر الأبيض المتوسط.
اللوحة التاسعة عشرة: هل يمكن تحقيق التصفية؟
التصفية الاستعمارية ليست حدثاً واحداً، بل عملية طويلة. تتطلب تحقيق ثلاثة أهداف مترابطة:
· انسحاب القوات الأمريكية من المنطقة. · تفكيك التحالف الإسرائيلي-الغربي. · انهيار الكيان الإسرائيلي من الداخل.
الهدف الأول يبدو في طريقه للتحقق جزئياً، مع تصاعد الضربات على القواعد الأمريكية وتغير مواقف دول الخليج. الهدف الثاني يتقدم ببطء، مع تراجع الثقة بين تل أبيب وواشنطن. الهدف الثالث هو الأصعب، لكن تحذيرات زامير وبريك تشير إلى أنه لم يعد مستحيلاً.
……
القسم الثامن: المستقبل بين السيناريوهات
اللوحة العشرون: السيناريو الأول – الانهيار التدريجي لإسرائيل
إذا استمرت الحرب بالوتيرة نفسها، واستمر الجمود السياسي حول قوانين التجنيد، فإن الجيش الإسرائيلي سيواجه عجزاً حاداً في الأعداد خلال عام، مما سيؤدي إلى انسحابات من بعض الجبهات، وانهيار القدرة على تنفيذ عمليات برية كبيرة.
في هذا السيناريو، ستجد إسرائيل نفسها مضطرة لقبول وقف إطلاق نار بشروط المقاومة، وهو ما سيعتبر نصراً استراتيجياً لإيران وحلفائها.
اللوحة الحادية والعشرون: السيناريو الثاني – صمود إيران وتحول المعادلة
في المقابل، سيناريو "انهيار إيران" الذي تروّج له بعض الدوائر الغربية يبدو صعب التحقق لأسباب ذكرناها: وعي الشعب الإيراني، قدرة القيادة على الصمود، والأدوات الاقتصادية التي تملكها إيران (مضيق هرمز) للتأثير على السياسة الأمريكية.
ما هو أكثر ترجيحاً هو سيناريو "صمود إيران وتحول المعادلة"، حيث تتمكن طهران من استنزاف إسرائيل عسكرياً واقتصادياً، ودفع واشنطن إلى الضغط على تل أبيب لقبول تسوية لا تحقق الأهداف الإسرائيلية الكبرى.
اللوحة الثانية والعشرون: السيناريو الثالث – التسوية الكبرى
في ظل استمرار الاستنزاف من الجانبين، قد تدفع الولايات المتحدة وإيران نحو تسوية شاملة تشمل:
· وقفاً شاملاً لإطلاق النار في غزة ولبنان. · ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل. · تفاهمات غير معلنة بشأن البرنامج النووي الإيراني. · انسحاباً أمريكياً تدريجياً من بعض القواعد الخليجية.
هذا السيناريو قد لا يحقق "النصر الكامل" لأي طرف، لكنه سيمثل استقراراً مؤقتاً مع بقاء التوتر تحت السطح.
……
القسم التاسع: الإنسان – العامل الحاسم
اللوحة الثالثة والعشرون: الجندي الإسرائيلي بين العبء والرفض
في الجيش الإسرائيلي، ثمة أزمة لا تتعلق بالأعداد فقط، بل بالروح. جنود الاحتياط الذين استدعوا مراراً بدأوا يشعرون أن دولتهم تطلب منهم التضحية دون أن تطلب من الآخرين (الحريديم) شيئاً. هذه المشاعر تحولت إلى رفض تدريجي للخدمة، وأحياناً إلى عصيان.
الروح القتالية للجيش الإسرائيلي، التي كانت يوماً سلاحه الأقوى، أصبحت نقطة ضعفه الأكبر.
اللوحة الرابعة والعشرون: المقاتل في المقاومة – إرادة الجبال
في المقابل، المقاتلون في حزب الله وحماس والحوثيين يخوضون الحرب بإرادة مختلفة. بالنسبة لهم، هذه الحرب ليست مجرد واجب عسكري، بل جزء من هويتهم ووجودهم. الاستنزاف لا يرهقهم، بل يزيدهم إيماناً بأن النصر قادم.
هذا الاختلاف في الروح هو ما يجعل معادلة الاستنزاف تعمل لصالح المقاومة وضد إسرائيل.
…….
القسم العاشر: لغة الأدب في زمن الانهيار
اللوحة الخامسة والعشرون: عندما يتحدث التاريخ عبر الجنرالات
في الأدب الإسرائيلي، ثمة مقولة شهيرة للأديب عاموس عوز: "تبدأ الدول بالأساطير وتنتهي بالبيروقراطية". لكن ما يحدث اليوم في إسرائيل هو العكس: البيروقراطية العسكرية، بأرقامها عن نقص الجنود وانهيار الاحتياط، تروي أسطورة السقوط.
تحذيرات زامير وبريك ليست مجرد تقارير عسكرية. إنها نصوص أدبية بامتياز، تحمل في طياتها دراما إنسانية: جنود مرهقون يودّعون عائلاتهم مراراً، أمهات تقفن أمام مقار التجنيد احتجاجاً، آباء يحملون نعوش أبنائهم ويسألون: "لماذا؟".
اللوحة السادسة والعشرون: مرثية الميركافا
كانت دبابة الميركافا ذات يوم رمزاً للهندسة العسكرية الإسرائيلية: صُممت لتكون الأكثر تحصيناً في العالم، مزودة بنظام "القبة الحديدية" المصغر، وقادرة على حمل جنود مشاة في مؤخرتها.
اليوم، في حقول جنوب لبنان، تتحول الميركافا إلى رمز آخر: رمز للاستنزاف. كل دبابة محترقة هي قصيدة حزينة عن غطرسة القوة التي واجهت صبر الأرض.
اللوحة السابعة والعشرون: الشعب الإيراني – قصيدة صمود
في شوارع طهران، لا ترى يأساً بقدر ما ترى إصراراً. الشعب الإيراني الذي عاش الحرب والحصار والعقوبات، طور مناعة ضد الانهيار النفسي. الأزمة الاقتصادية موجودة، لكنها لا تترجم إلى رغبة في الاستسلام.
هذا الشعب، الذي يخرج في ذكرى الثورة الإسلامية بأعداد تفوق التوقعات، يرسل رسالة واضحة: نحن هنا لنبقى، ولن نسمح لأحد بتمرير مشاريعه على حساب كرامتنا.
اللوحة الثامنة والعشرون: مضيق هرمز – قصيدة الجغرافيا
مضيق هرمز ليس مجرد ممر مائي. إنه شريان الاقتصاد العالمي، وساحة معركة غير تقليدية. إيران تعرف أن التحكم في هذا المضيق يمنحها نفوذاً يفوق قوتها العسكرية. عندما تلوح طهران بإغلاق المضيق، فإنها لا تهدد فقط إسرائيل، بل تهدد الاقتصاد العالمي بأسره.
هذه القدرة على تحويل الجغرافيا إلى سلاح هي ما يجعل إيران لاعباً لا يمكن تجاوزه في أي تسوية إقليمية.
اللوحة التاسعة والعشرون: القيادة الإيرانية – لغز معقد
القيادة في إيران تشبه نسيجاً معقداً: آيات، جنرالات، دبلوماسيون، ومجلس خبراء. كل طرف له حساباته، لكن الجميع متفق على مبدأ واحد: لا تراجع. هذا التوافق هو ما يجعل إيران قادرة على الصمود رغم كل الضغوط.
اللوحة الثلاثون: في انتظار التاريخ
تحذير إيال زامير في مارس 2026 سيظل علامة فارقة في تاريخ الصراع، ليس لأنه كشف عن نقص في العتاد، بل لأنه كشف عن أزمة أعمق: أزمة الثقة بين الدولة ومواطنيها، وأزمة المعنى التي تجعل الشباب يفرون من الخدمة العسكرية بدل أن يلتحقوا بها.
في الجهة المقابلة، استراتيجية محور المقاومة أثبتت، حتى الآن، أنها قادرة على استغلال هذه الأزمة وتحويلها إلى أداة قتال. استنزاف الدبابات، استهداف القواعد الأمريكية، إغلاق البحر الأحمر، كلها حلقة واحدة في سلسلة طويلة تهدف إلى إنهاك الخصم حتى الانهيار.
لكن التاريخ لا يكتب بنسق واحد. فقبل أن يكتمل انهيار هذا الجانب أو ذاك، تبقى المنطقة على صفيح ساخن، تنتظر من يقرع جرس النهاية. وحدها الأيام القادمة سترى إن كان تحذير زامير سيبقى مجرد كلمات في قاعة مغلقة، أم سيكون النص الأول في مرثية جيش ظن أنه الأقوى في المنطقة، فإذا به ينهار على نفسه قبل أن ينهزم أمام عدوه.
…….
المادة الساخرة :
مسرحية الفرات والنيل
أو
كيف علّق جيش الاحتلال في وحل جنوب لبنان
وانسحب ترامب أمام سعر البنزين
بينما نتنياهو يشرح للشعب معنى "النصر"
……
مشاهد في ثلاثين لوحة
برؤية ساخرة لا تخلو من عبرة
وبأسلوب أدبي يجعل التاريخ يضحك باكياً
……
المشهد التمهيدي: الجيش الذي لا يستطيع التقدم أشباراً
في البدء كان الوعد. وعد الله إبراهيم بأرض تفيض لبناً وعسلاً، ووعد هيرتزل بدولة للمارد اليهودي، ووعد نتنياهو بالنصر المطلق، ووعد ترامب بصفقة القرن، ووعد سفير أمريكا في تل أبيب بأن إسرائيل ستتوسع من الفرات إلى النيل.
لكن يبدو أن الأنهار والفرات لم يقرأوا البيانات الصحفية. فالفرات بقي في العراق، والنيل بقي في مصر، والجيش الإسرائيلي بقي عالقاً في وحل جنوب لبنان، لا يستطيع التقدم أشباراً، بينما دبابات الميركافا تتحول إلى منحوتات حديدية معاصرة في متحف المقاومة المفتوح.
هذه مسرحيتنا. ثلاثون لوحة نرسم فيها سقوط الأوهام، ونضحك على من ظن أن التاريخ يقف احتراماً لخطاباته.
…….
الفصل الأول: في قاعة مغلقة – أو حكاية رئيس أركان انتهى صبره
اللوحة الأولى: إيال زامير يرفع الأعلام الحمراء
في أحد أيام مارس 2026، دخل الفريق أول إيال زامير إلى قاعة المجلس الوزاري الأمني، حاملاً تحت ذراعه ملفاً سميكاً، وفوق رأسه عشرة أعلام حمراء. قال للحاضرين:
"أرفع أمامكم عشرة أعلام حمراء قبل أن ينهار الجيش على نفسه."
نظر الوزراء إلى بعضهم البعض. أحدهم ظن أن زامير يقدم عرضاً للأزياء العسكرية، وآخر سأل إن كان هناك كعك في الاجتماع. أما نتنياهو فابتسم ابتسامته الأبوية وقال:
"إيال، إيال... دائماً دراما. تذكر أنني رئيس الحكومة، وعندما أقول إننا سننتصر، فإن الجيوش لا تنهار."
فأجابه زامير:
"مع احترامي، سيدي الرئيس، الجيوش التي لا تجد جنوداً تنهار. نحن بحاجة إلى 15 ألف جندي إضافي، أو أن الجيش سينهار قبل نهاية العام."
ضحك الوزراء. أحدهم قال: "ألا يوجد في الجيش ماكينة تصوير؟ نصور 15 ألف جندي ونضعهم في الميدان."
ضحك الجميع، ما عدا زامير.
اللوحة الثانية: 80 ألف حريدي لا يريدون الحرب
في اليوم التالي، خرجت الصحف الإسرائيلية بعناوين مثيرة: "رئيس الأركان يهدد بالانهيار"، و"الحريديم يهددون بإسقاط الحكومة"، و"نتنياهو بين مطرقة الجيش وسندان الائتلاف".
القصة بسيطة: هناك 80 ألف شاب حريدي لا يخدمون في الجيش بدعوى دراسة التوراة. وفي المقابل، جنود الاحتياط العلمانيون يستدعون للمرة الرابعة، ويتركون أعمالهم وزوجاتهم وأطفالهم، ويتساءلون:
"لماذا نحن وحدنا من يموت؟ أليست التوراة مقدسة بما يكفي ليقتل من أجلها أحدهم؟"
في الكنيست، ناقشوا قانون تجنيد الحريديم. قال أحد النواب الحريديين:
"إذا أجبرتم أبناءنا على حمل السلاح، فمن سيحمل التوراة؟"
فرد عليه نائب علماني:
"إذا لم يحمل أبناؤكم السلاح، فمن سيحمي التوراة عندما يسقط الجيش؟"
انتهى النقاش. خرجوا جميعاً لتناول الغداء.
اللوحة الثالثة: ماذا لو استبدلنا الجنود بالطائرات المسيرة؟
في أحد اجتماعات الأركان، اقترح ضابط شاب حلاً مبتكراً:
"لماذا لا نعتمد كلياً على الطائرات المسيرة؟ ليست بحاجة إلى جنود، ولا تطالب بإجازات، ولا تسأل لماذا الحريديم لا يخدمون."
هتف الحاضرون: "فكرة رائعة!"
لكن الجنرال المسؤول عن العمليات البرية قال ببطء:
"الطائرات المسيرة لا تحتاج إلى جنود، صحيح. لكنها لا تستطيع أيضاً أن ترفع العلم على تلة في جنوب لبنان. والدبابات التي تدمرها المقاومة لا يمكن استبدالها بطائرات مسيرة، لأن الطائرة المسيرة لا تستطيع جر دبابة محترقة من المستنقع."
صمت الجميع. ثم قال أحدهم:
"إذاً نحن بحاجة إلى جنود."
فقال الآخر: "والجنود بحاجة إلى قانون."
فقال الثالث: "والقانون بحاجة إلى حكومة."
فقال الرابع: "والحكومة بحاجة إلى حريديم."
فقال الخامس: "والحريديم بحاجة إلى..."
قاطعه زامير: "كفى. دعونا نعود إلى الاجتماع."
…..
الفصل الثاني: الجنرال الذي تنبأ – أو نبوءات بريك التي لم تصدقوها
اللوحة الرابعة: يتسحاق بريك يتحدث من تحت الرماد
في يوليو 2025، كان لواء الاحتياط يتسحاق بريك يجلس في استوديو تلفزيوني، يقول كلمات كان يعرف أنها ستجعله غير مرغوب فيه في حفلات الوزراء:
"حماس لا تزال تملك 40 ألف مقاتل. الجيش عالق في غزة. نحن خسرنا استراتيجياً."
قال المذيع: "لكن يا جنرال، رئيس الحكومة يقول إننا على أعتاب نصر عظيم."
فأجاب بريك: "رئيس الحكومة يقول ذلك لأن منصبه يعتمد على قول ذلك. لكن الحقيقة في الميدان، وليس في الاستوديو."
بعد أيام، اختفى بريك من التلفزيون. قيل إنه ذهب ليكتب مذكراته، وقيل إنه مُنع من الظهور، وقيل إنه ببساطة سئم من تكرار الحقائق لمن لا يريد سماعها.
لكن بريك كان يعلم أن كلماته ستعود يوماً. وعادت مع زامير.
اللوحة الخامسة: بريك في المقهى – نبوءات من نوع خاص
بعد تحذير زامير، اتصلت الصحف ببريك. قال لهم:
"أنا قلت ذلك قبل سنة. لكن من كان يسمع؟ كنت مثل نبي في صحراء، لكن الصحراء كانت في الكنيست."
سألته إحدى الصحفيات: "ماذا تتوقع الآن؟"
قال بريك: "أتوقع أن يستمر الجيش في الانهيار حتى يقر السياسيون قوانين التجنيد. لكنهم لن يقرّوها لأنهم يخافون من الحريديم. والحريديم يخافون من الله. والله... الله يبدو مشغولاً هذه الأيام."
سألته: "هل تعتقد أننا سننتصر؟"
فأجاب: "النصر؟ لقد نسيت كيف تبدو كلمة النصر. في هذه الحرب، النصر هو ألا تخسر. لكننا نخسر كل يوم."
اللوحة السادسة: بريك يشرح الفرق بين النصر والانهيار
في مقابلة نادرة، سئل بريك: "ما الفرق بين ما تقوله أنت وما يقوله رئيس الأركان؟"
أجاب: "زامير يتحدث عن انهيار الجيش من الداخل. أنا أتحدث عن انهيار الفكرة من الأساس. الجيش ينهار لأنه لم يعد يعرف لماذا يقاتل. هل يقاتل من أجل غزة؟ من أجل المستوطنات؟ من أجل أن يظل نتنياهو في الكرسي؟"
ثم أضاف: "في الماضي، كنا نقاتل لأننا كنا نؤمن أن لا خيار لنا. الآن، صار هناك خيار: يمكن للحريديم ألا يخدم، ويمكن للعلمانيين أن يهاجروا، ويمكن للجيش أن ينهار. المشكلة أن الخيارات كلها سيئة."
سألته الصحفية: "ما الحل؟"
قال بريك: "الحل أن يقرر الشعب ما إذا كان يريد دولة أم لا. لكن الشعب مشغول بمشاهدة التلفزيون."
…….
الفصل الثالث: جنوب لبنان – حيث تذهب الدبابات لتموت
اللوحة السابعة: الميركافا في متحف المقاومة
في جنوب لبنان، تحولت حقول التبغ إلى متحف مفتوح للدبابات الإسرائيلية المحترقة. كل يوم، تضيف المقاومة قطعة جديدة إلى المجموعة.
في الأسبوع الماضي، دمرت 21 دبابة في يوم واحد. قال أحد مقاتلي حزب الله ساخراً:
"نحن لا نحتاج إلى مصانع لصنع الدبابات. نحتاج فقط إلى انتظار الإسرائيليين ليقودوها إلينا."
في تل أبيب، حاول المتحدث العسكري تفسير الأمر:
"ما يحدث هو أن الدبابات تتوقف طواعية للتأمل في جمال طبيعة جنوب لبنان."
فقال أحد المراسلين: "حتى متى ستستمر في الكذب؟"
فأجاب المتحدث: "حتى ينتهي الاجتماع."
اللوحة الثامنة: الجندي الذي سأل: لماذا نحن هنا؟
في إحدى الفيديوهات التي انتشرت على وسائل التواصل، ظهر جندي إسرائيلي في جنوب لبنان، ملطخ بالوحل، يتحدث إلى الكاميرا:
"أنا هنا منذ سبعة أشهر. رأيت زملائي يموتون. رأيت دبابات تحترق. كل يوم أتساءل: لماذا نحن هنا؟ هل نحن هنا لنساعد المستوطنين على العيش في الشمال؟ هل نحن هنا لنثبت أننا الأقوى؟ هل نحن هنا لأن نتنياهو بحاجة إلى البقاء في منصبه؟"
قاطعته الكاميرا: "هل تعتقد أننا سننتصر؟"
فأجاب: "أنا لا أعرف ما معنى النصر بعد الآن. أعرف فقط أنني أريد العودة إلى المنزل."
الفيديو انتشر. ثم حذف. ثم انتشر مجدداً.
اللوحة التاسعة: محور الطيبة – حيث ينقل الجرحى سراً
في محور الطيبة، حدثت "كارثة عسكرية غير مسبوقة". هذا ما قالته التقارير الإسرائيلية غير الرسمية. لكن الرسمي قال:
"وضع طبيعي. عمليات نوعية. العدو يدفع ثمناً باهظاً."
المضحك أن الجميع كان يعرف أن ثمناً باهظاً يدفعه الجيش، وليس العدو. في مستشفيات الشمال، كان الجرحى يُنقلون سراً، والعائلات كانت تنتظر أخباراً لا تأتي، والقادة كانوا يعدون بنصر لا يلوح في الأفق.
قال أحد الضباط المتقاعدين:
"في حرب 1973، كنا نعرف أننا خسرنا في الأيام الأولى، لكننا استدرنا وربحنا. الآن، نخسر كل يوم، ولا نعرف كيف نستدير."
اللوحة العاشرة: المقاومة تشرح للعالم قواعد الاستنزاف
في مؤتمر صحفي لحزب الله، سُئل القائد: "كيف تدمرون الدبابات الإسرائيلية بهذا المعدل؟"
أجاب: "الأمر بسيط. هم يأتون إلينا في التضاريس التي نعرفها. نصبر. نقترب. نضرب. ننسحب. نكرر."
سأل الصحفي: "هل تعتقد أنكم ستنتصرون؟"
أجاب: "نحن بالفعل ننتصر. كل دبابة تدمر هي نصر. كل جندي يموت هو نصر. كل يوم يمر دون أن يحقق العدو أهدافه هو نصر. نحن لا نحتاج إلى احتلال تل أبيب. نحتاج فقط إلى أن يبقى الجيش الإسرائيلي في وحل جنوب لبنان حتى ينهار."
ضحك الصحفيون. لكن القائد لم يكن يمزح.
…….
الفصل الرابع: سفير أمريكا – أو حكاية الرجل الذي قرر إعادة رسم الخرائط
اللوحة الحادية عشرة: السفير يقول: من الفرات إلى النيل
في مؤتمر صحفي في تل أبيب، وقف سفير الولايات المتحدة في إسرائيل، مبتسماً ابتسامة عريضة، وقال:
"إسرائيل ستتوسع. من الفرات إلى النيل. هذا هو المستقبل."
صمتت القاعة. أحد الصحفيين رفع يده:
"سعادة السفير، هل تعلم أن الفرات في العراق؟ والنيل في مصر؟ وهذه دول ذات سيادة؟"
ابتسم السفير: "هذه تفاصيل فنية. نحن نتحدث عن رؤية."
سأل الصحفي: "وهل تعلم أن الجيش الإسرائيلي لا يستطيع التقدم أشباراً في جنوب لبنان؟"
أجاب السفير: "أشباراً؟ ما هذه الوحدة الغريبة؟ نحن نتحدث عن فرات ونيل، وليس عن أشبار."
ضحك الحضور. أحدهم همس: "ربما يخلط بين الفرات والنيل وبين نهر الليطاني؟"
قال آخر: "حتى الليطاني بعيد عن متناول الجيش الآن."
اللوحة الثانية عشرة: السفير يكتشف أن الخرائط تغيرت
بعد المؤتمر، عاد السفير إلى السفارة، فتح خرائط المنطقة، وأخذ يتأمل.
اتصل بمستشاره: "هذا النهر الطويل... أليس هو النيل؟"
قال المستشار: "لا، سعادة السفير. هذا نهر الأردن. النيل في مصر."
قال السفير: "وماذا عن هذا النهر الآخر؟"
قال المستشار: "هذا الليطاني في لبنان."
قال السفير: "إذاً أين الفرات؟"
قال المستشار: "في العراق."
صمت السفير طويلاً. ثم قال: "ربما كنت مبالغاً قليلاً."
قال المستشار: "قليلاً؟ أنت قلت إن إسرائيل ستتوسع إلى نهر في مصر وآخر في العراق، وهي لا تستطيع أن تصل إلى النهر الذي يبعد 30 كيلومتراً عنها في لبنان."
أغلق السفير الهاتف. ثم فتح زجاجة ماء. كان يشرب من مياه النيل المعبأة.
اللوحة الثالثة عشرة: مذكرة دبلوماسية ساخرة
في الأيام التالية، تسربت مذكرة دبلوماسية من السفارة الأمريكية في تل أبيب إلى واشنطن، كتبها السفير بنفسه:
"إلى: وزير الخارجية. من: سفير الولايات المتحدة في إسرائيل. الموضوع: تحديث تقديراتنا حول التوسع الإسرائيلي.
بعد التقييم الدقيق، أود إبلاغكم أن هدف من الفرات إلى النيل قد يحتاج إلى إعادة نظر. يبدو أن هناك عوائق لوجستية تتعلق بوجود دول ذات سيادة بين النهرين، إضافة إلى أن الجيش الإسرائيلي يعاني حالياً من صعوبات في الوصول إلى النهر القريب (الليطاني)، ناهيك عن الأنهار البعيدة.
أوصي بتعديل الشعار ليكون: من الناقورة إلى المطلة أو ما شابه ذلك، مع إمكانية التوسع لاحقاً إذا سمحت الظروف.
مع فائق الاحترام، السفير."
وزير الخارجية رد بثلاث كلمات: "هل أنت تمزح؟"
……
الفصل الخامس: ترامب – أو سقوط الوهم على وقع ارتفاع الأسعار
اللوحة الرابعة عشرة: ترامب يعد بصفقة القرن
كان ترامب في أحد تجمعاته الانتخابية، يرفع قبضته ويصرخ:
"سأجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى. سأنهي الحروب. سأعطي إسرائيل كل ما تريد. سأجعل النفط رخيصاً. سأجعل البنزين ينساب كالماء."
هتف الجمهور: "نحن نحبك! نحن نحبك!"
لكن في طهران، كان القائد الإيراني يبتسم. كان يعرف أن ترامب لا يستطيع فعل أي شيء إذا ارتفعت أسعار النفط. وكان يعرف أن مضيق هرمز هو مفتاح هذه المعادلة.
اللوحة الخامسة عشرة: إيران تغلق المضيق (بشكل جزئي)
في صباح أحد الأيام، ارتفعت أسعار النفط 20%. قال المسؤولون: "هجمات في مضيق هرمز."
ترامب غرد: "إيران تلعب بالنار. سنرد بقوة لم يروها من قبل."
لكن النفط استمر في الارتفاع. وصل سعر الغالون في أمريكا إلى مستويات قياسية.
خرج ترامب إلى منصة في تكساس، رافعاً قبضته:
"سنخفض الأسعار! سنجعل أمريكا مستقلة عن نفط الخليج!"
لكن الجمهور لم يهتف. كانوا غاضبين لأنهم دفعوا 5 دولارات للغالون.
اللوحة السادسة عشرة: ترامب يكتشف أن "النصر" ليس في متناول اليد
في اجتماع مغلق مع مستشاريه، قال ترامب:
"أنا قلت لإسرائيل إنها ستحصل على كل شيء. لكن كيف سأعطيها كل شيء إذا كان النفط يرتفع والناس غاضبون؟"
قال مستشاره: "سيدي، إيران تستخدم مضيق هرمز كورقة ضغط. إذا ضغطنا على إسرائيل لتهدئة الوضع، قد تفتح إيران المضيق."
قال ترامب: "أنا لا أضغط على إسرائيل. نتنياهو صديقي."
قال المستشار: "مع احترامي، سيدي، صديقك نتنياهو لا يستطيع الفوز في الحرب، وأنت لا تستطيع الفوز في الانتخابات إذا استمرت الأسعار مرتفعة."
صمت ترامب. ثم قال: "ربما حان وقت مكالمة هاتفية مع نتنياهو."
اللوحة السابعة عشرة: المكالمة التي غيرت كل شيء
اتصل ترامب بنتنياهو:
"بيني، صديقي العزيز. كيف الأمور؟"
قال نتنياهو: "رائعة، دونالد. نحن ننتصر. الجيش يتقدم."
قال ترامب: "ممتاز. لكنني أتصل لأقول إنني بحاجة إلى بعض الهدوء في المنطقة. الأسعار ترتفع والناخبون يغضبون."
قال نتنياهو: "لكننا على وشك النصر. لا يمكننا التوقف الآن."
قال ترامب: "بيني، سأكون صريحاً معك. النصر لا يساوي شيئاً إذا خسرت الانتخابات. وأنا لا أريد أن أخسر الانتخابات بسبب ارتفاع البنزين."
صمت نتنياهو. ثم قال: "ماذا تقترح؟"
قال ترامب: "أقترح أن تنتصروا بشكل أسرع. أو أن توقفوا الحرب بشكل مؤقت. المهم أن تهدأ الأسعار."
قال نتنياهو: "لكن النصر لا يمكن أن يأتي بسرعة. نحن بحاجة إلى وقت."
قال ترامب: "إذاً أنت بحاجة إلى انتصار لا يستغرق وقتاً. أنا متأكد أنك ستجد حلاً. أنت عبقري."
أغلق الخط.
نتنياهو بقي يفكر: "انتصار لا يستغرق وقتاً. كيف يمكن أن يحدث هذا؟"
اللوحة الثامنة عشرة: نتنياهو يشرح للشعب معنى "النصر السريع"
في مؤتمر صحفي، وقف نتنياهو وقال:
"مواطنو إسرائيل، نحن على أعتاب نصر سريع. خلال أيام، ستشهدون تحولاً جذرياً في الميدان."
سأله صحفي: "كيف؟ نحن عالقون في لبنان وغزة، والجيش ينهار، والأمريكيون يطلبون التهدئة."
قال نتنياهو: "هذه تفاصيل تكتيكية. المهم أن الرؤية الاستراتيجية واضحة."
قال الصحفي: "ما هي الرؤية الاستراتيجية؟"
قال نتنياهو: "النصر."
قال الصحفي: "وكيف سنحقق النصر؟"
قال نتنياهو: "بالاستمرار في القتال."
قال الصحفي: "وما هي خطة الخروج؟"
قال نتنياهو: "الخطة هي النصر."
غادر المؤتمر. الصحفيون نظروا إلى بعضهم. أحدهم قال: "هل فهمتم شيئاً؟"
قال آخر: "فهمت أن نتنياهو لا يعرف كيف يخرج من الحرب، لكنه يعرف كيف يبقى في منصبه."
…….
الفصل السادس: الشعب الإيراني – أو أسطورة الانهيار التي لم تحدث
اللوحة التاسعة عشرة: ترامب يراهن على انهيار إيران
في واشنطن، قال ترامب لمستشاريه:
"الإيرانيون سينهارون. الشعب غاضب من النظام. سنضغط عليهم بالعقوبات حتى يسقطوا."
مستشاروه نظروا إلى بعضهم. أحدهم قال:
"سيدي، الشعب الإيراني ليس غاضباً من النظام بقدر ما هو غاضب من أمريكا. لقد جربوا الانتفاضات من قبل. النتيجة كانت المزيد من العقوبات والمزيد من العزلة."
قال ترامب: "لكن الأسعار مرتفعة. الناس يريدون الخبز."
قال المستشار: "الناس يريدون الخبز، صحيح. لكنهم يريدون الكرامة أيضاً. وإيران علمتهم أن الكرامة تأتي من مقاومة أمريكا، وليس من الخضوع لها."
قال ترامب: "هذا كلام غير منطقي. كيف يقبل الناس الجوع مقابل الكرامة؟"
قال المستشار: "اسأل الفلسطينيين. هم يجوعون منذ 75 سنة، ولم يتخلوا عن كرامتهم."
صمت ترامب. ثم قال: "ربما نحتاج إلى استراتيجية جديدة."
اللوحة العشرون: في طهران، الشعب يخرج في ذكرى الثورة
في 11 فبراير 2026، خرج الإيرانيون في ذكرى الثورة الإسلامية. التوقعات الغربية قالت: "ستكون مشاركة ضعيفة بسبب الأزمة الاقتصادية."
لكن الشوارع امتلأت. رفع المتظاهرون صور المرشد، وهتفوا: "الموت لأمريكا. الموت لإسرائيل."
صحفي غربي وقف في الشارع، يتحدث إلى الكاميرا:
"هذا مشهد مدهش. رغم الأزمة الاقتصادية، يخرج الملايين تأييداً للنظام."
سأله إيراني عابر: "أنتم في الغرب لا تفهمون شيئاً. نحن لا نخرج تأييداً للنظام فقط. نحن نخرج لأن أمريكا تهددنا. عندما تهددوننا، نصبح أكثر تلاحماً."
قال الصحفي: "لكن نظامكم يسرق أموالكم."
قال الإيراني: "أموالنا نهبها الحصار الأمريكي، وليس النظام. عندما ترفعون الحصار، سنحاسب نظامنا. لكن تحت الضغط، نحن جميعاً إيران."
اللوحة الحادية والعشرون: المعادلة الإيرانية – كيف لا تنهار دولة تحت الحصار؟
في مركز الدراسات الإيرانية في طهران، اجتمع محللون لشرح سر الصمود.
قال أحدهم: "إيران ليست دولة عادية. إيران فكرة. والشعب الإيراني تربى على فكرة أن المقاومة هي الطريق الوحيد للبقاء."
سأله صحفي: "لكن كيف تصمدون اقتصادياً؟"
أجاب: "نحن نعتمد على أنفسنا. صنعنا صواريخنا. صنعنا طائراتنا المسيرة. تعلمنا كيف نعيش تحت الحصار. هذا ليس سهلاً، لكنه ممكن."
قال الصحفي: "وماذا عن مضيق هرمز؟ أليس استخدامه كورقة ضغط خطيراً؟"
أجاب: "مضيق هرمز هو سلاحنا الوحيد لموازنة القوى. عندما نهدد بإغلاقه، لا نهدد فقط إسرائيل، بل نهدد الاقتصاد العالمي. وهذا يجعل أمريكا تفكر مرتين قبل مهاجمتنا."
ضحك الصحفي: "إذاً أنتم تلعبون بورقة النفط."
أجاب: "نحن لا نلعب. نحن نستخدم كل ما نملك للبقاء. هذا ما تفعله أي دولة محاصرة."
…….
الفصل السابع: نتنياهو – أو الرجل الذي باع النصر ولم يسلم البضاعة
اللوحة الثانية والعشرون: نتنياهو في استوديو التلفزيون
في استوديو تلفزيون إسرائيلي، جلس نتنياهو لإجراء مقابلة مطولة. المذيعة سألته:
"سيدي رئيس الوزراء، الجيش ينهار، الجنود يرفضون الخدمة، الحريديم لا يجندون، أمريكا تطلب التهدئة، وإيران تهدد. أين النصر الذي وعدت به؟"
ابتسم نتنياهو ابتسامته الشهيرة:
"النصر قريب. نحن نضغط على العدو من كل الجهات. حماس انتهت. حزب الله يتراجع. إيران تترنح."
قالت المذيعة: "لكن حماس لا تزال تطلق الصواريخ، وحزب الله يدمر دباباتنا، وإيران تغلق المضيق."
قال نتنياهو: "هذه مؤقتات. النصر الحقيقي سيأتي قريباً."
قالت المذيعة: "متى؟"
قال نتنياهو: "قريباً جداً."
قالت المذيعة: "هل يمكن أن تحدد تاريخاً؟"
قال نتنياهو: "التاريخ ليس مهماً. المهم أننا سننتصر."
بعد المقابلة، قالت المذيعة لزملائها: "لم يقل شيئاً."
قال زميلها: "لكنه قالها بطريقة جميلة."
اللوحة الثالثة والعشرون: نتنياهو بين الحريديم والجيش
في اجتماع مغلق مع قادة أحزاب الحريديم، قال نتنياهو:
"أصدقائي، أنا بحاجة إلى مساعدتكم. الجيش يطلب مني تجنيد أبنائكم. إذا لم أوافق، سينهار الجيش. وإذا وافقت، ستسقط حكومتي. ساعدوني."
قال زعيم حزب الحريديم: "بنيامين، نحن ندعمك. لكن لا يمكننا أن نرسل أبناءنا إلى الجيش. هذه خط أحمر."
قال نتنياهو: "أنا أفهم. لكن الجيش ينهار."
قال الزعيم: "الجيش لن ينهار. الجيش الإسرائيلي أقوى جيش في الشرق الأوسط."
قال نتنياهو: "لكن رئيس الأركان يقول إنه سينهار."
قال الزعيم: "رؤساء الأركان دائماً متشائمون. تذكر أنهم يريدون المزيد من الميزانية."
غادر نتنياهو الاجتماع. اتصل بزامير: "الحريديم لا يوافقون. سنحتاج إلى حل آخر."
قال زامير: "ما الحل الآخر؟"
قال نتنياهو: "سأفكر."
اللوحة الرابعة والعشرون: نتنياهو يخترع "النصر الافتراضي"
في خطاب متلفز، وقف نتنياهو أمام خريطة كبيرة للمنطقة، وقال:
"مواطنو إسرائيل، أنا هنا لأعلن أننا حققنا النصر. ليس نصراً عادياً، بل نصراً افتراضياً."
صمتت القاعة. أحد الوزراء همس: "ماذا يعني نصر افتراضي؟"
تابع نتنياهو: "في عالم الواقع، قد تكون هناك بعض الصعوبات. لكن في عالم الأفكار، نحن المنتصرون. حماس انتهت في أذهاننا. حزب الله انكسر في خيالنا. إيران انهارت في أحلامنا."
قال صحفي: "هل هذا خطاب سياسي أم جلسة تأمل جماعي؟"
أجاب نتنياهو: "هذا هو القيادة الحقيقية. القيادة الحقيقية هي أن تخلق واقعاً جديداً في عقول الناس."
قال الصحفي: "لكن الناس يريدون واقعاً في الميدان، ليس في العقول."
قال نتنياهو: "العقول هي ما يصنع الميدان."
غادر الصحفي القاعة، وهو يهز رأسه. كتب في تغريدة: "نتنياهو يعلن النصر الافتراضي. الجيش الحقيقي لا يزال في وحل جنوب لبنان."
…….
الفصل الثامن: السخرية الأخيرة – أو كيف ينتهي العرض
اللوحة الخامسة والعشرون: ترامب يخسر الانتخابات بسبب البنزين
في نوفمبر 2026، خسر ترامب الانتخابات. الأسباب كثيرة، لكن أحد أهمها كان سعر البنزين.
في خطاب الاعتراف بالهزيمة، قال ترامب:
"لقد سرقوا الانتخابات. لكنني سأعود. سأجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى. وسأجعل البنزين رخيصاً."
لكن أحداً لم يصدقه. الجميع تذكروا وعوده التي لم تتحقق.
في طهران، احتفل الإيرانيون. قال قائد الحرس الثوري:
"ترامب سقط بسعر البنزين. من يظن أن بإمكانه تهديد إيران يجب أن يتذكر أن أسعار النفط في يدنا."
اللوحة السادسة والعشرون: السفير الأمريكي يعود إلى واشنطن
عاد السفير الأمريكي من تل أبيب إلى واشنطن. في المطار، سأله صحفي:
"ما هو إنجازك الأكبر في منصبك؟"
أجاب السفير: "لقد قلت إن إسرائيل ستتوسع من الفرات إلى النيل. هذه الجملة ستبقى في التاريخ."
قال الصحفي: "لكنها لم تتحقق."
قال السفير: "الجمل العظيمة لا تحتاج إلى أن تتحقق. المهم أنها قيلت."
ابتسم الصحفي. وكتب في تغريدته: "سفير أمريكا يعود بنظرية جديدة: الجمل العظيمة لا تحتاج إلى أن تتحقق. ربما ينطبق هذا على كل وعود أمريكا."
اللوحة السابعة والعشرون: نتنياهو يبحث عن منقذ
في نهاية 2026، كان نتنياهو يجلس في مكتبه، ينظر إلى استطلاعات الرأي التي تظهر تراجع شعبيته.
اتصل بمستشاره: "كيف يمكنني البقاء في المنصب؟"
قال المستشار: "سيدي، يمكنك فتح جبهة جديدة. هذا يرفع الشعبوية دائماً."
قال نتنياهو: "أي جبهة؟ لبنان؟ غزة؟ إيران؟"
قال المستشار: "كلها مفتوحة بالفعل. ربما الأردن؟"
قال نتنياهو: "الأردن معنا."
قال المستشار: "إذاً لا أعرف. ربما تعلن النصر الافتراضي مرة أخرى."
قال نتنياهو: "لقد فعلت ذلك. لم يعد ينفع."
قال المستشار: "إذاً ربما تحل الكنيست وتذهب إلى انتخابات."
قال نتنياهو: "وإذا خسرت؟"
قال المستشار: "إذاً ستكون في المعارضة."
قال نتنياهو: "لا يمكنني أن أكون في المعارضة. أنا خُلقت للحكم."
قال المستشار: "إذاً ابق في المنصب."
قال نتنياهو: "كيف؟"
قال المستشار: "لا أعرف. لكنني متأكد أنك ستجد طريقة. أنت عبقري."
أغلق نتنياهو الهاتف. نظر إلى صورة بن غوريون على الحائط. قال لنفسه: "بن غوريون أسس الدولة. أنا سأنقذها."
اللوحة الثامنة والعشرون: الجيش يبحث عن جنود في أماكن غريبة
في وزارة الحرب، اجتمع قادة الجيش لمناقشة سبل سد النقص في الجنود.
اقترح أحدهم: "لماذا لا نجند السياح؟ هناك الكثير من السياح في إسرائيل."
قال آخر: "السياح ليسوا يهوداً."
قال الأول: "المهم أنهم يستطيعون حمل السلاح."
قال قائد المنطقة الشمالية: "أنا أقترح نجند المستوطنين. لديهم خبرة في حمل السلاح."
قال القائد العام: "المستوطنون بالفعل في الخدمة."
قال أحدهم: "إذاً نجند الحريديم."
صمت الجميع. ثم قال القائد العام: "هذا مستحيل. الحكومة لن توافق."
قال أحد الضباط الشباب: "إذاً نجند النساء أكثر."
قال القائد العام: "النساء بالفعل يخدمن."
قال الضابط: "نجند الأطفال؟"
ضحك الجميع. لكن الضابط لم يكن يمزح تماماً.
اللوحة التاسعة والعشرون: المقاومة تحتفل بعيد الصمود
في بيروت، أقيم حفل كبير لمناسبة مرور عامين على بدء الحرب. على المسرح، عرض فيديو لدبابات الميركافا المحترقة في جنوب لبنان.
قال الأمين العام لحزب الله في كلمته:
"لقد وعد العدو بأنه سيصل إلى بيروت. اليوم، هو عالق في أطراف الناقورة. وعد بأنه سيسحق المقاومة. اليوم، المقاومة أقوى من أي وقت مضى. وعد بأن أمريكا ستسانده. اليوم، أمريكا تطلب منه التهدئة."
هتف الحضور: "النصر قادم! النصر قادم!"
قال القائد: "النصر ليس قادماً. النصر هنا. كل يوم يمر دون أن يحقق العدو أهدافه هو نصر. كل دبابة تدمر هي نصر. كل جندي يعود إلى بيته منهكاً هو نصر."
اللوحة الثلاثون: الخاتمة – من الفرات إلى النيل، ومن الوهم إلى الواقع
في نهاية هذه المسرحية، نقف مع أنفسنا ونسأل:
أين وعد الفرات والنيل؟ بقي الفرات في العراق، والنيل في مصر.
أين وعد النصر السريع؟ بقي النصر في خيال نتنياهو.
أين وعد ترامب بأسعار البنزين الرخيصة؟ ارتفعت الأسعار، وسقط ترامب.
أين الجيش الذي لا يُقهر؟ انهار من الداخل قبل أن ينهزم في الميدان.
أين إيران التي كانوا يتوقعون انهيارها؟ صمدت، وواجهت، واستخدمت مضيق هرمز كورقة ضغط جعلت أقوى دولة في العالم تتراجع.
في النهاية، تبقى الحقيقة الوحيدة: من يظن أن التاريخ يقف عند خطاباته، ينسى أن التاريخ يكتبه من يبقون في الميدان، وليس من يبقون على الكراسي.
…….
مسرحية ساخرة في ثلاثين لوحة – استناداً إلى وقائع وأخبار وأقوال لم تخرج كلها عن دائرة الممكن. أي تشابه مع شخصيات حقيقية هو مقصود بالكامل، وربما كان أكثر واقعية مما نعتقد.
نهاية العرض ليصفق الجمهور، أو ليغضب، لكن الأهم: ليتذكر.
#احمد_صالح_سلوم (هاشتاغ)
Ahmad_Saloum#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
إيران، الإمبراطورية، وانحطاط المركز الابستيني الأمريكي
-
كتاب : حين تنكسر الأصنام .. تفكيك آلهة الإمبراطورية الأمريكي
...
-
التحولات الكبرى من مضيق هرمز إلى صناديق الاقتراع
-
تداخل شبكة إبستين مع الموساد الإسرائيلي واللوبيات المنفذة له
...
-
إيران وإسرائيل: صراع الوجود الذي يعيد تشكيل غرب آسيا
-
مركز الثقل المالي على صفيح ساخن: استهداف البنوك الأمريكية في
...
-
قراءة تحليلية معمقة لنتائج الانتخابات البلدية الفرنسية 2026
...
-
الطاعون الأطلسي: أوروبا بين فكي الإمبراطورية وسندان الانتحار
-
«الشرق الذي يعود: سردية جديدة في زمن سقوط المظلّات الاستعمار
...
-
نهاية الهيمنة: قراءة في زلزال الصواريخ الإيرانية وانهيار -ال
...
-
قراءة استراتيجية في العقل الإيراني خلال حرب رمضان ٢
...
-
محميات الخليج الصهيو أمريكية : قراءة في بنية التبعية ومصير ا
...
-
-الطفلات اللواتي كنَّ يرسمْنَ الشمس-..
-
بلجيكا: شفق التوافق الاجتماعي حين تلتهم صفقات السلاح أحلام ا
...
-
مقدمة كتاب : -الطفلات اللواتي كنَّ يرسمْنَ الشمس- صمت المداف
...
-
كتاب : الموت الحضاري: حين يصبح المبدع رقماً
-
خرائط الرمال المحترقة: تفكيك الهيمنة في زمن التعتيم
-
قراءة في توقعات جيانغ شيويه تشين لنهاية الهيمنة الأمريكية
-
الإيقاع الإيراني الجديد وسقوط الهيمنة الأحادية القطبية
-
نهاية غرب آسيا القديم: تفكك الهيمنة وولادة نظام إقليمي جديد
...
المزيد.....
-
فيلم -آلة الحرب-.. يوم -غيرت- هوليود نظرتها لحروب أمريكا
-
رحيل الفنان اللبناني أحمد قعبور صوت المقهورين
-
شعانين بلا كشافة ولا موسيقى.. كنائس دمشق تحتج بصمت على هجوم
...
-
مناقشة أطروحة دكتوراة عن مسرح سناء الشّعلان في جامعة كاليكوت
...
-
بين القانون والقرصنة.. فيلم -إيجي بست- يحكي قصة الموقع الأكث
...
-
غزة وفنزويلا وإيران.. عندما يطبق ترمب ما كتبه حرفيا
-
رحيل المخرج مهدي أوميد أحد أبرز رواد السينما العراقية والكرد
...
-
دليلك لاستخدام ليريا 3 برو.. النموذج الأكثر تقدما من غوغل لت
...
-
-بوتّو-.. فنان رقمي مدعوم بالذكاء الاصطناعي يجني الملايين
-
في حبِّ الحُزانى
المزيد.....
-
رحلتي في ذاكرة الأدب
/ عائد ماجد
-
فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال
...
/ أقبال المؤمن
-
الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير
/ أقبال المؤمن
-
إمام العشاق
/ كمال التاغوتي
-
كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين
/ ياسر جابر الجمَّال
-
اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو
...
/ السيد حافظ
-
أحافير شاب يحتضر
/ المستنير الحازمي
-
جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات
/ حسين جداونه
-
نزيف أُسَري
/ عبد الباقي يوسف
المزيد.....
|