|
|
«الشرق الذي يعود: سردية جديدة في زمن سقوط المظلّات الاستعمارية »
احمد صالح سلوم
شاعر و باحث في الشؤون الاقتصادية السياسية
(Ahmad Saloum)
الحوار المتمدن-العدد: 8647 - 2026 / 3 / 15 - 16:56
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
الشرق الذي يستيقظ
لم يكن الشرق يوماً غائباً عن التاريخ، لكنه كان، في لحظات كثيرة، محجوباً خلف ضباب القوة الأجنبية، ومكبّلاً بشبكات النفوذ التي امتدت من واشنطن إلى لندن، ومن تل أبيب إلى العواصم التي تحولت، مع الزمن، إلى محميات سياسية واقتصادية. غير أنّ هذا الشرق، الذي ظنّه البعض قد انطفأ، بدأ يستعيد أنفاسه في السنوات الأخيرة، كأنّ طبقات كثيفة من الغبار قد انزاحت فجأة عن مرآة قديمة، فظهر فيها وجهٌ يعرف نفسه جيداً، ويعرف أيضاً من حاول أن يطمس ملامحه.
إنّ ما نعيشه اليوم ليس مجرد تبدّل في التحالفات، ولا مجرد اهتزاز في موازين القوى، بل هو لحظة انكسار كبرى؛ لحظة تتشقق فيها البنى التي حكمت المنطقة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وتنهار فيها المسلّمات التي بُنيت عليها استراتيجيات الغرب لعقود. فالمظلّات الأجنبية التي كانت تُمدّ فوق الخليج، وتُدار من غرف القرار في واشنطن، لم تعد قادرة على حماية نفسها، فكيف لها أن تحمي غيرها. والأنظمة التي كانت تستمد شرعيتها من الخارج، بدأت تشعر بأنّ الأرض التي تقف عليها لم تعد صلبة كما كانت.
في المقابل، تصعد قوى جديدة من قلب الجغرافيا التي حاول العالم تجاهلها. إيران، التي خرجت من حرب الثمانينيات وهي تحمل ذاكرة النار، بنت دولة قادرة على الصمود، وعلى إنتاج المعرفة، وعلى تحويل الحصار إلى فرصة. وصنعاء، التي أرادوا لها أن تكون هامشاً، تحوّلت إلى مركز، لا لأنها تملك القوة العسكرية فقط، بل لأنها تملك سردية أخلاقية وحضارية أعادت تعريف معنى الكرامة في زمن الانكسار العربي.
وفي الخلفية، تتحرك الصين وروسيا ببطء الإمبراطوريات القديمة، دون ضجيج، لكن بثبات يغيّر شكل العالم. ومع كل خطوة تخطوها بكين وموسكو نحو الخليج والشرق الأوسط، يتراجع ظلّ واشنطن أكثر، وتنكشف هشاشة النظام الذي بُني على النفط والحماية والولاء.
هذه ليست مجرد أحداث متفرقة، بل هي قصة عودة؛ عودة الشرق إلى نفسه، وعودة التاريخ إلى مساره الطبيعي، وعودة الشعوب إلى دورها بعد عقود من التهميش. إنها لحظة تتداخل فيها السياسة بالحضارة، والجغرافيا بالذاكرة، والمستقبل بالماضي، لتصنع سردية جديدة لم تُكتب بعد، لكنها تتشكل أمام أعيننا.
وهكذا، يبدأ هذا النص: محاولة لقراءة هذا التحول، لا بوصفه صراع قوى فقط، بل بوصفه ملحمة حضارية تعيد رسم وجه المنطقة، وتفتح الباب أمام زمن جديد، قد يكون أكثر عدلاً، أو أكثر اضطراباً، لكنه بالتأكيد لن يشبه ما كان قبله.
سقوط زمن المحميّات الخليجية
لم يكن سقوط زمن المحميّات حدثاً مفاجئاً، ولا زلزالاً وقع في ليلة واحدة. كان أشبه بتصدّع بطيء في جدار قديم، يسمعه من يقترب منه، ويتجاهله من اعتاد الاتكاء عليه. لعقود طويلة، بُنيت منظومة الخليج على معادلة بسيطة: النفط مقابل الحماية، والولاء مقابل البقاء. كانت العواصم الخليجية تعيش تحت مظلّة استعمارية أمريكية كثيفة، تحميها من الخوف، وتمنحها شعوراً زائفاً بالثبات، بينما كانت واشنطن تدير المشهد من بعيد، كأنها الراعي الذي لا ينام.
لكن العالم تغيّر، والراعي نفسه لم يعد قادراً على حماية قطيعه. فالحروب التي خاضتها الولايات المتحدة في الشرق الأوسط استنزفتها، والاقتصاد الذي كان يموّل قواعدها العسكرية لم يعد كما كان، والداخل الأمريكي أصبح أكثر انقساماً من أن يتحمّل عبء إمبراطورية مترامية الأطراف. ومع كل أزمة جديدة، كانت واشنطن تنسحب خطوة إلى الوراء، تاركة فراغاً يتسع شيئاً فشيئاً، حتى صار الفراغ أكبر من أن يُملأ بالخطابات أو الوعود.
في تلك اللحظة، بدأت المحميّات تشعر بأنّ المظلّة التي احتمت بها طويلاً لم تعد قادرة على صدّ المطر، ولا على إيقاف العاصفة. فالقواعد التي كانت تُقدَّم بوصفها ضمانة للاستقرار، تحوّلت إلى عبء سياسي، وإلى هدف في صراعات لا تملك هذه الدول قرارها. ومع كل ضربة تتلقاها تلك القواعد، كانت صورة “الحماية” تتشقق أكثر، ويظهر خلفها واقع لم يجرؤ أحد على الاعتراف به: أنّ زمن الاعتماد على الخارج قد انتهى.
لم يكن السقوط مادياً فقط، بل كان سقوطاً في المعنى. فالدول التي بنت شرعيتها على فكرة “الحماية” وجدت نفسها فجأة أمام سؤال وجودي: من نحن من دون المظلّة؟ وكيف نواجه العالم إذا قررت واشنطن أن تلتفت إلى نفسها؟ هذا السؤال لم يكن سياسياً فحسب، بل كان سؤالاً عن الهوية، عن طبيعة الدولة، وعن علاقتها بشعبها وبجوارها وبالعالم.
ومع تراجع الدور الأمريكي، لم تجد المحميّات نفسها في مواجهة فراغ فقط، بل في مواجهة قوى صاعدة تمتلك مشروعاً مختلفاً. فإيران، التي كانت تُقدَّم لسنوات بوصفها “الخطر”، أصبحت فجأة لاعباً لا يمكن تجاهله. وصنعاء، التي حاولوا محوها بالقصف والحصار، خرجت من تحت الركام وهي تحمل خطاباً جديداً، يربط بين المقاومة والكرامة، وبين الجغرافيا والحق.
هكذا، لم يسقط زمن المحميّات لأنّ أحداً أسقطه، بل لأنه انتهى من تلقاء نفسه. انتهى حين فقدت المظلّة معناها، وحين اكتشف الشرق أنّه قادر على حماية نفسه، وأنّ الاعتماد على الخارج لم يكن سوى وهم طويل، آن أوان الاستيقاظ منه.
إيران… ذاكرة النار وبناء الدولة
لم تكن إيران دولة عابرة في الجغرافيا، ولا رقماً في معادلات القوى. كانت دائماً حضارة تتنفس من عمق التاريخ، وتعرف أن الأمم التي لا تمتلك سرديتها الخاصة تصبح مجرد هامش في كتب الآخرين. وحين اندلعت حرب الثمانينيات، لم تكن تلك الحرب مجرد مواجهة عسكرية، بل كانت محاولة لقطع شريان التاريخ عن جسد دولة خرجت لتوّها من ثورة قلبت موازين المنطقة. أراد الغرب الاستعماري لإيران أن تنكسر، أن تتراجع، أن تعود إلى ما قبل الثورة، لكن النار التي أُضرمت حولها لم تحرقها، بل صهرتها.
ثماني سنوات من الحرب صنعت ما لم تصنعه عقود من السلم. خرجت إيران من تلك التجربة وهي تحمل ذاكرة النار، لكنها أيضاً تحمل معرفة جديدة: أن الاعتماد على الذات ليس خياراً، بل ضرورة وجودية. ومنذ ذلك الحين، بدأت الدولة تبني نفسها كما تُبنى القلاع القديمة؛ حجراً فوق حجر، ومؤسسة فوق مؤسسة، حتى تحوّلت إلى منظومة قادرة على الصمود أمام حصار اقتصادي، وعقوبات دولية، وتهديدات عسكرية لا تنتهي.
لم يكن البناء عسكرياً فقط، بل كان بناءً معرفياً. ففي الوقت الذي كانت فيه بعض دول المنطقة تستورد كل شيء، من القمح إلى القرار السياسي، كانت إيران تخرّج جيلاً بعد جيل من المهندسين والعلماء، وتحوّل جامعاتها إلى مصانع للعقول. ومع مرور الزمن، أصبحت تمتلك قاعدة علمية وصناعية تجعلها قادرة على إنتاج ما تحتاجه، من التكنولوجيا إلى الطاقة، ومن الصناعات الثقيلة إلى الصناعات الدقيقة.
لكن القوة الإيرانية لم تكن في السلاح وحده، بل في الرؤية. رؤية تعتبر أن الدولة ليست مجرد حدود، بل مشروع حضاري. وأن النفوذ ليس غاية، بل وسيلة لحماية هذا المشروع. لذلك، حين دعمت إيران حركات المقاومة في المنطقة، لم تفعل ذلك بوصفه استثماراً سياسياً، بل بوصفه امتداداً لفلسفة ترى أن الأمن الحقيقي لا يتحقق إلا حين تكون الشعوب قادرة على حماية نفسها.
ومع كل عقد يمر، كانت إيران تتحول من دولة محاصرة إلى دولة محورية. لم تعد “الخطر” كما أراد الإعلام الغربي أن يصوّرها، بل أصبحت رقماً صعباً في معادلة الشرق، لا يمكن تجاوزها، ولا يمكن تجاهلها. ومع تراجع الهيمنة الأمريكية، بدأت إيران تظهر كما هي: دولة تعرف كيف تصبر، وكيف تبني، وكيف تنتظر اللحظة التي يتغير فيها ميزان العالم.
واليوم، حين تتصدع المظلّات الاستعمارية الغربية فوق الخليج، تبدو إيران كأنها الدولة الوحيدة التي كانت تستعد لهذا اليوم منذ أربعين عاماً. دولة تعرف أن الشرق يعود، وأن التاريخ لا يرحم من لم يستعد لعودته.
صنعاء… من الحصار إلى مركز العالم
لم تكن صنعاء مدينة عادية في يوم من الأيام. كانت دائماً مدينة تتنفس التاريخ كما يتنفس الناس الهواء، مدينةٌ إذا مشيت في أزقتها شعرت بأنّ الجدران تحفظ ذاكرة ألف عام، وأنّ كل حجر فيها يعرف اسماً، وكل نافذة تحمل حكاية. لكن هذه المدينة، التي أراد لها العالم أن تبقى في الهامش، وجدت نفسها فجأة في قلب معادلة لم تخترها، لكنها واجهتها كما تواجه الجبال الرياح: بثبات لا يعرف الانحناء.
ثماني سنوات من الحصار والقصف السعودي الأمريكي الخليجي لم تكسر صنعاء، بل كشفت معدنها الحقيقي. كانت السماء تمطر ناراً، وكانت الأرض تضيق بالناس، وكانت الحياة تُنتزع من بين الأصابع، لكن المدينة لم تنحنِ. كانت تقف، رغم كل شيء، كأنها تقول للعالم: “أنا هنا، ولن أختفي”. وفي كل مرة كان الحصار يشتد، كانت إرادة الناس تشتد أكثر، وفي كل مرة كان القصف يقترب، كانت المدينة تقترب من نفسها، من جوهرها، من تلك الروح التي لا تُقهر.
لم تكن قوة صنعاء في السلاح وحده، بل في المعنى. معنى أن تكون مدينة محاصرة لكنها لا تستسلم، فقيرة لكنها كريمة، مجروحة لكنها واقفة. معنى أن تتحول من ضحية إلى فاعل، ومن هامش إلى مركز. ومع مرور السنوات، بدأت صنعاء تفرض حضورها على الإقليم، لا لأنها تملك جيشاً قوياً فقط، بل لأنها تملك سردية أخلاقية لا يستطيع أحد أن ينافسها: سردية الدفاع عن الإنسان، عن الكرامة، عن الحق في الحياة.
وحين اندلعت حرب غزة، لم تكن صنعاء بعيدة. كانت أول من كسر الصمت، وأول من قال إنّ الدم لا يُقاس بالجغرافيا، وإنّ المظلومية واحدة مهما اختلفت الحدود. وفي لحظة بدا فيها العالم كله عاجزاً، خرج اليمن ليقول إنّ الشعوب الصغيرة قادرة على أن تغيّر مسار التاريخ إذا امتلكت الإرادة. لم يكن ذلك موقفاً سياسياً فقط، بل كان إعلاناً عن ميلاد قوة جديدة، قوة تعرف أن الكرامة ليست شعاراً، بل فعل.
ومع كل خطوة تخطوها صنعاء نحو العالم، كانت صورة اليمن تتغير. لم يعد “البلد الفقير” كما أراد الإعلام أن يصوّره، بل أصبح “البلد الذي لم يُهزم”. بلدٌ خرج من تحت الركام وهو يحمل مشروعاً، لا مشروع حرب، بل مشروع نهضة. نهضة تبدأ من الإنسان، من قدرته على الصمود، من إيمانه بأنّ العدالة ليست حلماً بعيداً، بل حقاً يمكن انتزاعه.
واليوم، حين تتصدع المظلّات الأجنبية فوق الخليج، تبدو صنعاء كأنها المدينة التي كانت تنتظر هذه اللحظة منذ زمن طويل. مدينة تعرف أن الشرق يعود، وأنّ من عاش الحصار يعرف كيف يبني الحرية، ومن عاش القصف يعرف كيف يصنع السلام، ومن عاش الظلم يعرف كيف يكتب العدالة.
الخليج بين الانهيار وإعادة التأسيس
لم يكن الخليج يوماً كتلة صلبة كما أرادته الخرائط، ولا كان استقراره نابعاً من داخله كما أرادته الروايات الرسمية. كان دائماً فضاءً هشّاً، يقوم على معادلة دقيقة: ثروة بلا عمق، وسلطة بلا شرعية شعبية، وحماية تأتي من وراء البحار. ومع مرور الزمن، تحوّلت هذه المعادلة إلى قفص ذهبي؛ يمنح الرفاه لكنه لا يمنح الأمان، يوفّر البذخ لكنه لا يوفّر الاستقرار، يشتري الوقت لكنه لا يشتري المستقبل.
ومع بداية العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين، بدأت الشقوق تظهر في هذا القفص. لم تعد الثروة قادرة على إخفاء هشاشة البنية السياسية، ولم تعد الأبراج الشاهقة قادرة على إخفاء الفراغ الذي يزداد اتساعاً تحتها. فالعالم الذي كان يشتري النفط بلا شروط تغيّر، والولايات المتحدة التي كانت تفرض النظام تغيّرت، والأسواق التي كانت تتدفق إليها الأموال تغيّرت. وحده الخليج بقي كما هو، كأن الزمن يدور حوله ولا يمرّ فيه.
لكن الزمن لا ينتظر أحداً. ومع كل أزمة تضرب المنطقة، كان الخليج يكتشف أنه يقف على أرض رخوة. فالحروب التي شارك فيها، أو موّلها، أو صمت عنها، ارتدت عليه كدوامة لا يستطيع الخروج منها. والاعتماد على الحماية الأجنبية تحوّل من ضمانة إلى عبء، ومن مظلّة إلى ثقب يتسع كل يوم. ومع كل ضربة تتلقاها القواعد الأجنبية، كانت صورة “الأمن” تتلاشى، ويظهر خلفها سؤال لم يجرؤ أحد على طرحه: ماذا لو لم تعد واشنطن هنا؟
هذا السؤال لم يعد افتراضاً، بل أصبح واقعاً. فالتراجع الأمريكي لم يعد تحليلاً سياسياً، بل حقيقة تتجلى في كل خطوة تخطوها واشنطن نحو الداخل، وفي كل أزمة تتردد في التدخل فيها، وفي كل حليف تشعر أنه لم يعد يستحق الكلفة. ومع هذا التراجع، وجد الخليج نفسه في مواجهة عالم جديد لا يعرف كيف يتعامل معه، عالم لا تُشترى فيه الحماية بالمال، ولا تُصنع فيه الشرعية بالاستيراد.
وفي هذا الفراغ، ظهرت قوى جديدة. إيران التي صبرت طويلاً، وصنعاء التي صمدت طويلاً، أصبحتا جزءاً من معادلة لا يستطيع الخليج تجاهلها. لم تعد “التهديد” كما أراد الإعلام أن يصوّرها، بل أصبحت “الواقع” الذي يجب التعامل معه. ومع كل خطوة تخطوها هذه القوى نحو تثبيت حضورها، كان الخليج يشعر بأنّ زمنه القديم يبتعد، وأنّ عليه أن يختار: إما أن يعيد تأسيس نفسه، أو أن يترك الآخرين يعيدون تأسيسه.
لكن إعادة التأسيس ليست مهمة سهلة. فهي تتطلب شجاعة سياسية لا يمتلكها النظام القديم، وتتطلب رؤية حضارية لا يمكن شراؤها، وتتطلب مصالحة مع الشعوب التي تم تهميشها طويلاً. ومع ذلك، فإنّ لحظة التحول الكبرى لا تنتظر أحداً. فالعالم يتغير، والشرق يعود، والخليج يقف الآن على حافة مفترق طرق: إما أن يسقط مع النظام الذي بناه، أو أن يولد من جديد في نظام لم يتشكل بعد.
الصين وروسيا… عودة الإمبراطوريات الهادئة
لم تكن الصين وروسيا غائبتين عن التاريخ يوماً، لكنهما اختارتا أن تعودا بطريقة مختلفة عن ضجيج الإمبراطوريات القديمة. لم تعودا على ظهر الدبابات، ولا عبر الأساطيل التي تجوب البحار، بل عادتا كما تعود الجبال بعد العاصفة: صامتة، ثابتة، واثقة بأنّ الزمن يعمل لصالحها. وفي اللحظة التي بدأ فيها الغرب يفقد توازنه، كانت بكين وموسكو تتحركان بخطوات محسوبة، كأنهما تكتبان فصلاً جديداً من كتاب العالم.
الصين، التي خرجت من قرن من الانكسار، لم تعد تلك الدولة التي تُصنع لها القرارات من الخارج. أصبحت قوة اقتصادية هائلة، تمتد تجارتها من آسيا إلى إفريقيا، ومن الخليج إلى أوروبا. لكنها لم تكتفِ بالاقتصاد، بل بنت مشروعاً حضارياً يقوم على فكرة “الصعود الهادئ”، صعود لا يستفز العالم، لكنه يغيّر قواعده. ومع كل طريق تبنيه، وكل ميناء تستثمر فيه، وكل شراكة تعقدها، كانت الصين تقترب أكثر من قلب الشرق الأوسط، لا بوصفها قوة استعمارية، بل بوصفها شريكاً يبحث عن الاستقرار.
أما روسيا، التي ورثت إرث الاتحاد السوفييتي، فقد عادت بطريقة مختلفة. لم تعد تلك القوة التي تريد أن تفرض أيديولوجيا على العالم، بل أصبحت قوة تعرف أن الجغرافيا هي قدرها، وأنّ الشرق الأوسط جزء من هذا القدر. ومع كل خطوة تخطوها موسكو في الإقليم، كانت ترسل رسالة واضحة: أن زمن الهيمنة الأحادية قد انتهى، وأنّ العالم يتجه نحو تعددية لا يمكن إيقافها.
وفي اللحظة التي بدأت فيها المظلّات الأجنبية تتصدع فوق الخليج، كانت الصين وروسيا تقتربان من المنطقة كأنهما تعرفان أن الفراغ الذي تركته واشنطن لن يبقى فارغاً طويلاً. لم تأتيا لتحتلا مكان أحد، بل لتقدما نموذجاً مختلفاً: نموذج الشراكة بدل الوصاية، والاستثمار بدل القواعد العسكرية، والاقتصاد بدل الحروب.
ومع كل اتفاق توقعه بكين، ومع كل وساطة تنجح فيها موسكو، كان الشرق الأوسط يشعر بأنّ العالم يتغير من حوله. لم يعد الغرب وحده هو الذي يحدد مصير المنطقة، ولم تعد واشنطن وحدها هي التي تملك مفاتيح القرار. أصبح الشرق الأوسط جزءاً من لعبة أكبر، لعبة تتداخل فيها المصالح مع الجغرافيا، والتاريخ مع المستقبل، والقوة مع الحكمة.
وفي هذا المشهد، تبدو الصين وروسيا كأنهما الإمبراطوريتان اللتان عادتا من بعيد، لكنهما عادتا بطريقة مختلفة: بلا صراخ، بلا احتلال، بلا شعارات. عادتا لأنّ العالم يحتاج إلى توازن، ولأنّ الشرق يحتاج إلى شركاء لا إلى أوصياء، ولأنّ النظام القديم لم يعد قادراً على حماية نفسه، فكيف يحمي غيره.
وهكذا، يصبح حضور الصين وروسيا في الشرق الأوسط جزءاً من سردية أكبر: سردية سقوط الهيمنة وصعود التعددية، سردية نهاية زمن المحميات وبداية زمن الشراكات، سردية الشرق الذي يعود، والعالم الذي يعاد تشكيله من جديد.
أوروبا في زمن العطش الطاقي
كانت أوروبا، طوال قرنين، مركز العالم. قارة تصنع التاريخ وتوزّع الخرائط وتحدّد مصائر الشعوب. لكن الزمن دار، كما يفعل دائماً، ووجدت أوروبا نفسها فجأة في موقع لم تعتده: موقع التابع لا القائد، الباحث لا المانح، المحتاج لا المهيمن. لم يكن ذلك بسبب حرب واحدة، ولا أزمة واحدة، بل بسبب سلسلة طويلة من الخيارات التي جعلت القارة العجوز تعتمد على الآخرين في ما هو أثمن من الذهب: الطاقة.
وحين اندلعت الأزمات العالمية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، اكتشفت أوروبا أنها تقف على أرض رخوة. فالقارة التي بنت حضارتها على الفحم ثم على النفط والغاز، وجدت نفسها في زمن لا تملك فيه ما يكفي من الوقود لتدفئة بيوتها، ولا ما يكفي من البدائل لتشغيل مصانعها. ومع كل شتاء يقترب، كانت أوروبا تشعر بأنّ العجز ليس اقتصادياً فقط، بل حضارياً أيضاً. فالأمم التي تفقد السيطرة على مصادر طاقتها تفقد جزءاً من سيادتها، ومن قدرتها على اتخاذ القرار.
وفي هذا السياق، بدا الشرق الأوسط، بكل تناقضاته، كأنه المرآة التي تعكس ضعف أوروبا. فالقارة التي كانت تملي شروطها على العالم، أصبحت تتوسل الاستقرار في الخليج، وتتمنى أن تبقى خطوط الإمداد مفتوحة، وأن تبقى الأسواق هادئة، وأن تبقى الأزمات بعيدة عن حدودها. لكن الشرق لم يعد كما كان، ولم يعد يقبل أن يكون مجرد مخزن للطاقة أو ساحة نفوذ. ومع صعود قوى جديدة في المنطقة، من إيران إلى اليمن، بدأت أوروبا تشعر بأنّ العالم الذي عرفته يتفلت من بين أصابعها.
ولم يكن العطش الطاقي مجرد أزمة اقتصادية، بل كان أزمة هوية. فالقارة التي كانت تتفاخر بنموذجها الاجتماعي والسياسي، وجدت نفسها مضطرة إلى العودة إلى الفحم، وإلى تقنين الكهرباء، وإلى دفع أسعار خيالية للغاز. ومع كل خطوة تتراجع فيها أوروبا، كانت الصين وروسيا تتقدمان، وكانت واشنطن تنسحب، وكان الشرق يعيد ترتيب نفسه بعيداً عن الهيمنة القديمة.
وفي هذا المشهد، بدت أوروبا كأنها القارة التي وصلت متأخرة إلى قطار العالم الجديد. قطار يقوده الشرق الآسيوي، وتتحكم في مساراته الجغرافيا التي حاولت أوروبا تجاهلها طويلاً. ومع كل أزمة جديدة، كانت القارة العجوز تكتشف أن قوتها لم تكن في جيوشها، ولا في عملاتها، بل في قدرتها على الوصول إلى الطاقة. وحين فقدت هذه القدرة، فقدت جزءاً من مكانتها.
لكن أوروبا ليست قارة ضعيفة، بل قارة تبحث عن نفسها. تبحث عن دور جديد في عالم لم يعد يشبه عالم القرن العشرين. تبحث عن شراكات جديدة، وعن طرق جديدة، وعن معنى جديد للقوة. ومع ذلك، فإنّ الطريق أمامها ليس سهلاً، لأنّ العالم يتحرك بسرعة، والشرق يعود بقوة، والقوى الصاعدة لا تنتظر من يتردد.
وهكذا، يصبح “العطش الطاقي” ليس مجرد أزمة، بل رمزاً لمرحلة كاملة: مرحلة انتقال أوروبا من مركز العالم إلى هامشه، ومن صانعة القرار إلى متلقّيه، ومن قوة مكتفية إلى قوة تبحث عن منقذ. وفي هذا الزمن الجديد، يبدو الشرق الأوسط، بكل تحوّلاته، كأنه البوصلة التي تحدد مستقبل القارة العجوز، سواء أرادت ذلك أم لم ترد.
النظام العالمي الجديد
لم يعد العالم كما كان، ولم تعد القوى التي حكمته طوال قرن قادرة على فرض إيقاعها. فالنظام الذي وُلد بعد الحرب العالمية الثانية، وترسّخ بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، بدأ يتفكك من أطرافه، كأنّ الزمن قرر أن يعيد ترتيب الأشياء وفق منطق جديد. لم يعد الغرب مركز الكون، ولم تعد واشنطن قادرة على إدارة العالم من غرفة عمليات واحدة، ولم تعد أوروبا قادرة على حماية نفسها من البرد، ولا من العطش الطاقي، ولا من ارتباكها الداخلي. وفي هذا الفراغ، بدأت ملامح نظام جديد تتشكل، لا على الورق، بل على الأرض.
هذا النظام لا يقوم على قوة واحدة، ولا على قطب واحد، بل على تعددية تتصارع وتتعاون في آن واحد. تعددية لا تشبه الحرب الباردة، ولا تشبه النظام الإمبراطوري القديم، بل تشبه العالم كما هو: معقداً، متشابكاً، سريع التغير. وفي قلب هذا التحول، يقف الشرق الأوسط، لا بوصفه ساحة صراع كما كان، بل بوصفه مركزاً يعاد تشكيله من جديد.
فالصين، التي تمد طرقها عبر القارات، لا تبحث عن نفوذ عسكري، بل عن استقرار يسمح لاقتصادها أن يتنفس. وروسيا، التي تعرف معنى الجغرافيا أكثر من أي دولة أخرى، تتحرك وفق منطق يوازن بين القوة والضرورة. وإيران، التي بنت نفسها من تحت الحصار، أصبحت رقماً لا يمكن تجاوزه. وصنعاء، التي خرجت من تحت الركام، أصبحت صوتاً لا يمكن إسكاتُه. والخليج، الذي كان يعيش تحت مظلة واحدة، أصبح يبحث عن مظلات متعددة، أو ربما عن طريقة للوقوف بلا مظلة.
وفي هذا المشهد، لم تعد القوة تُقاس بعدد القواعد العسكرية، ولا بعدد حاملات الطائرات، بل تُقاس بقدرة الدول على الصمود، وعلى إنتاج المعرفة، وعلى التحكم في الطاقة، وعلى بناء تحالفات لا تقوم على الخوف بل على المصالح. وهذا ما يجعل النظام الجديد مختلفاً عن كل ما سبقه. فهو ليس نظاماً يُفرض من فوق، بل نظام يتشكل من تحت، من حركة الشعوب، ومن صعود القوى الإقليمية، ومن تراجع الإمبراطوريات القديمة.
لكن هذا النظام ليس واضحاً بعد. فهو لا يزال في طور التشكل، كجبل يخرج من البحر ببطء، أو كقارة جديدة تتكون تحت سطح الأرض. ومع كل أزمة جديدة، تظهر ملامح جديدة. ومع كل حرب تنتهي، تبدأ حرب أخرى، لا بالضرورة بالسلاح، بل بالاقتصاد، وبالطاقة، وبالمعلومات، وبالتحالفات. وفي هذا العالم المتغير، تبدو الدول التي كانت تُعتبر “هامشية” كأنها تتحول إلى مراكز جديدة، بينما تتحول المراكز القديمة إلى هوامش.
وهكذا، يصبح “النظام العالمي الجديد” ليس شعاراً سياسياً، بل حقيقة تتجلى في كل زاوية من زوايا العالم. حقيقة تقول إنّ الزمن لا يعود إلى الوراء، وإنّ الشرق الذي يعود اليوم ليس الشرق الذي عرفه القرن العشرون، بل شرق جديد، يحمل ذاكرة الماضي، لكنه يتطلع إلى مستقبل مختلف، مستقبل لا يُكتب في واشنطن وحدها، ولا في بكين وحدها، بل يُكتب في كل مكان، وفي كل مدينة، وفي كل شعب يقرر أن يكون جزءاً من هذا العالم الجديد.
الشرق الذي يعود
يبدو الشرق اليوم كأنه يقف على حافة زمنين: زمن يوشك أن ينتهي، وزمن آخر يتهيأ للولادة. ليس هذا الشرق هو الشرق الذي عرفه القرن العشرون، ولا هو الشرق الذي حاولت القوى الكبرى أن ترسمه على مقاس مصالحها. إنه شرق جديد، يتشكل من تحت الرماد، من المدن التي صمدت، من الشعوب التي لم تستسلم، من القوى التي بنت نفسها بعيداً عن الضوء، ومن الجغرافيا التي استعادت صوتها بعد عقود من الصمت.
لقد سقطت المظلّات الأجنبية، أو كادت، ولم تعد تلك الحماية التي كانت تُباع وتُشترى قادرة على إخفاء هشاشة النظام القديم. ومع كل خطوة تتراجع فيها واشنطن، ومع كل أزمة تتخبط فيها أوروبا، ومع كل صعود تحققه الصين وروسيا، كان الشرق يشعر بأنّ لحظته تقترب، وأنّ التاريخ الذي طال انتظاره بدأ يفتح أبوابه.
لكن عودة الشرق ليست عودة عسكرية، ولا عودة انتقامية، بل هي عودة معنى. معنى أن تكون المنطقة قادرة على أن تحدد مصيرها، وأن تبني تحالفاتها وفق مصالحها، وأن تكتب سرديتها بيدها، لا بيد الآخرين. معنى أن تتحول من ساحة صراع إلى مركز قرار، ومن هامش إلى قلب، ومن تابع إلى فاعل.
وإذا كانت إيران قد بنت نموذج الدولة التي لا تسقط، وصنعاء قد بنت نموذج الإرادة التي لا تُقهر، والخليج قد وجد نفسه أمام ضرورة إعادة التأسيس، والصين وروسيا قد عادتا إلى المسرح العالمي بثبات الإمبراطوريات القديمة، فإنّ كل هذه التحولات ليست سوى مقدمات لمرحلة أكبر: مرحلة إعادة تشكيل الشرق.
هذا الشرق الذي يعود اليوم ليس شرق الخرائط الاستعمارية، ولا شرق الحروب العبثية، ولا شرق النفط الذي يُباع ليشتري الحماية. إنه شرق جديد، يحمل في داخله بذور نهضة ممكنة، إذا استطاعت شعوبه أن تتجاوز جراح الماضي، وأن تبني مؤسسات قادرة على حماية الإنسان قبل الأرض، والعدالة قبل القوة، والكرامة قبل السياسة.
إنّ عودة الشرق ليست قدراً محتوماً، ولا وعداً جاهزاً، بل هي فرصة. فرصة لأن يعيد تعريف نفسه، وأن يكتب دوره في العالم الجديد، وأن يخرج من دائرة التبعية إلى دائرة الفعل. فرصة لأن يتحول من منطقة تُدار من الخارج إلى منطقة تصنع مستقبلها بوعيها، وبقدرتها على قراءة الزمن، وبإيمانها بأنّ الحضارة ليست شيئاً يُورث، بل شيئاً يُبنى.
وهكذا، حين ننظر إلى المشهد كله، نرى أن الشرق لا يعود لأنه قوي فقط، بل لأنه ضروري. ضروري للعالم الذي يبحث عن توازن جديد، وضروري لنفسه كي يخرج من ظلال الماضي، وضروري للتاريخ كي يستعيد مساره الطبيعي. فالشرق الذي يعود اليوم هو الشرق الذي كان دائماً هنا، لكنه كان ينتظر اللحظة التي ينكشف فيها العالم، وتنكسر فيها المظلّات، وتظهر فيها الحقيقة: أن الحضارات لا تموت، بل تنام، وأنّ الشرق لم يكن غائباً، بل كان يستعد.
لم تكن عودة الشرق حدثاً سياسياً فقط، بل كانت حدثاً وجدانياً أيضاً. كأنّ الشعوب التي عاشت عقوداً تحت ثقل الهزائم، وتحت ظلّ القوى الأجنبية، بدأت تستعيد شيئاً من ذاتها، شيئاً من تلك الروح التي كانت تُروى في الكتب القديمة، حين كان الشرق مركزاً للعلم، ومهداً للحضارات، ومعبراً للقوافل، وملتقى للثقافات. هذه العودة ليست مجرد حركة جيوسياسية، بل هي عودة ذاكرة، عودة معنى، عودة هوية كانت مغطاة بطبقات من الغبار.
لقد أدركت شعوب المنطقة، بعد كل ما مرّت به، أن القوة ليست في السلاح وحده، ولا في الثروة وحدها، بل في القدرة على الصمود، وعلى إنتاج المعرفة، وعلى بناء سردية تجعل الإنسان يشعر بأنه جزء من مشروع أكبر من يومه، وأكبر من جراحه. وهذا ما جعل عودة الشرق مختلفة عن كل ما سبق. فهي ليست عودة إمبراطورية، ولا عودة استعمارية، بل عودة إنسانية، تبحث عن مكانها في عالم يتغير بسرعة.
ومع كل خطوة تخطوها القوى الصاعدة في المنطقة، كانت صورة الشرق تتغير في أعين العالم. لم يعد الشرق مجرد “منطقة نزاعات”، ولا مجرد “خزان للطاقة”، ولا مجرد “ساحة نفوذ”. أصبح الشرق مركزاً جديداً، لا لأنه يريد أن يكون كذلك، بل لأن العالم يحتاج إلى مركز جديد، بعد أن فقدت المراكز القديمة قدرتها على قيادة الزمن.
وفي هذا السياق، تبدو التحولات التي شهدتها إيران واليمن والخليج والصين وروسيا ليست أحداثاً منفصلة، بل أجزاء من لوحة واحدة، لوحة تقول إنّ العالم يدخل مرحلة جديدة، وإنّ الشرق سيكون جزءاً أساسياً من هذه المرحلة. فالقوى التي بنت نفسها بصمت، والتي صمدت رغم الحصار، والتي قاومت رغم الجراح، أصبحت اليوم قادرة على أن تفرض حضورها، لا بالقوة فقط، بل بالمعنى أيضاً.
ومع ذلك، فإنّ عودة الشرق ليست نهاية الطريق، بل بدايته. فالتحديات التي تنتظر المنطقة ليست قليلة، ولا بسيطة. فهناك جراح لم تلتئم بعد، وهناك دول تحتاج إلى إعادة بناء، وهناك شعوب تحتاج إلى العدالة، وهناك أنظمة تحتاج إلى إصلاح عميق. لكنّ الشرق الذي يعود اليوم يمتلك شيئاً لم يمتلكه منذ زمن طويل: الثقة. الثقة بأنه قادر على أن يصنع مستقبله، وأن يكتب تاريخه، وأن يحدد موقعه في العالم الجديد.
وهكذا، حين ننظر إلى المشهد كله، نرى أن الشرق لا يعود لأنه يريد أن ينافس أحداً، بل لأنه يريد أن يكون نفسه. يريد أن يكون شرقاً يعرف قيمته، ويعرف تاريخه، ويعرف أن الحضارة ليست شيئاً يُستورد، بل شيئاً يُبنى، وأن القوة ليست شيئاً يُمنح، بل شيئاً يُنتزع، وأن الكرامة ليست شعاراً، بل ممارسة يومية.
إنّ الشرق الذي يعود اليوم هو الشرق الذي كان دائماً هنا، لكنه كان ينتظر اللحظة التي ينكشف فيها العالم، وتنكسر فيها المظلّات، وتظهر فيها الحقيقة: أن الحضارات لا تموت، بل تنام، وأنّ الشرق لم يكن غائباً، بل كان يستعد.
الشرق بين الذاكرة والمستقبل
لم يكن الشرق الذي يعود اليوم شرقاً بلا ذاكرة، ولا شرقاً يبدأ من الصفر. إنه شرق يحمل في داخله طبقات كثيفة من التاريخ، طبقات تشبه الرسوبيات التي تتراكم في قاع النهر، تحفظ شكل الماء، وتحتفظ أيضاً بأثر كل موجة مرّت. هذه الذاكرة ليست مجرد حكايات، بل هي جزء من تكوين الإنسان الشرقي، جزء من تلك الروح التي تعرف أن الزمن ليس خطاً مستقيماً، بل دائرة تعود دائماً إلى نقطة البدء.
ومع ذلك، فإنّ الشرق الذي يعود اليوم لا يريد أن يكون أسيراً لهذه الذاكرة. فهو يعرف أن الماضي، مهما كان عظيماً، لا يكفي لبناء المستقبل. يعرف أن الحضارات التي تتوقف عند أمجادها تتحول إلى متاحف، وأن الأمم التي تعيش على ذكريات القوة تفقد قدرتها على صناعة القوة. ولذلك، فإنّ عودة الشرق ليست عودة إلى الماضي، بل هي عودة إلى المعنى الذي جعل الماضي عظيماً.
إنّ هذا التوازن بين الذاكرة والمستقبل هو ما يجعل الشرق اليوم مختلفاً. فهو لا يريد أن يكرر أخطاءه، ولا يريد أن يعيد إنتاج الصراعات القديمة، ولا يريد أن يبقى رهينة الجغرافيا التي حاصرته طويلاً. يريد أن يبني نموذجاً جديداً، نموذجاً لا يقوم على القوة وحدها، ولا على الثروة وحدها، بل على الإنسان. الإنسان الذي صمد في صنعاء، وبنى في طهران، وواجه في بغداد، وحلم في دمشق، وانتظر في القدس.
وفي هذا السياق، تبدو عودة الشرق كأنها محاولة لإعادة تعريف العلاقة بين الإنسان والمكان. فالمكان لم يعد مجرد جغرافيا، بل أصبح جزءاً من الهوية. والصحراء لم تعد فراغاً، بل أصبحت فضاءً للمعنى. والبحر لم يعد مجرد طريق للتجارة، بل أصبح طريقاً للذاكرة. والجبال لم تعد حدوداً، بل أصبحت حصوناً تحفظ ما تبقى من الكرامة.
ومع كل خطوة تخطوها المنطقة نحو المستقبل، يظهر سؤال جديد: كيف يمكن للشرق أن يبني نهضته دون أن يفقد روحه؟ كيف يمكن له أن يدخل العصر الرقمي دون أن يتحول إلى نسخة باهتة من الآخرين؟ كيف يمكن له أن يستفيد من التكنولوجيا دون أن يفقد تلك الحكمة القديمة التي جعلته مركزاً للحضارات؟
هذه الأسئلة ليست سهلة، لكنها ضرورية. فهي التي تحدد شكل الشرق القادم، وهي التي تجعل عودته ليست مجرد حدث سياسي، بل حدثاً حضارياً. حدثاً يقول إنّ الشرق لا يريد أن يكون تابعاً، ولا يريد أن يكون نسخة، بل يريد أن يكون نفسه. يريد أن يكون شرقاً يعرف كيف يوازن بين الذاكرة والمستقبل، بين الجذور والأجنحة، بين الأرض والسماء.
وهكذا، تصبح عودة الشرق ليست مجرد حركة في الجغرافيا، بل حركة في الوعي. حركة تقول إنّ الزمن الذي حاولوا فيه محو الهوية قد انتهى، وإنّ الزمن الذي تُكتب فيه السرديات من الخارج قد انتهى أيضاً. فالشرق الذي يعود اليوم هو الشرق الذي يكتب نفسه، ويعيد تشكيل صورته، ويستعيد مكانه في العالم، لا بوصفه تابعاً، بل بوصفه مركزاً جديداً في نظام عالمي يتغير بسرعة.
الشرق كفكرة… لا كجغرافيا
ليس الشرق الذي يعود اليوم مجرد مساحة على الخريطة، ولا مجموعة من الدول التي تتقاطع مصالحها أو تتصادم. الشرق، في جوهره، فكرة. فكرة تتجاوز الحدود، وتسبق السياسة، وتعيش في الوعي الجمعي قبل أن تعيش في الأرض. فكرة تقول إنّ الحضارة ليست ملكاً لأحد، وإنّ الزمن لا يُختزل في قوة عسكرية أو ثروة نفطية، وإنّ الإنسان هو مركز كل شيء.
هذه الفكرة كانت غائبة طويلاً، أو مغيّبة، أو محاصرة بين صراعات لا تنتهي. لكنّها اليوم تعود، لا لأنّ الظروف السياسية تغيّرت فقط، بل لأنّ الشعوب نفسها تغيّرت. الشعوب التي عاشت الحروب، ودفعت أثماناً باهظة، وواجهت الحصار، وخرجت من تحت الركام، أصبحت تعرف أن القوة الحقيقية ليست في ما يُمنح من الخارج، بل في ما يُبنى من الداخل.
وهكذا، يصبح الشرق الذي يعود اليوم شرقاً جديداً، شرقاً لا يقوم على النفط، ولا على التحالفات المؤقتة، ولا على المظلّات الأجنبية، بل يقوم على الوعي. وعي بأنّ العالم يتغير، وأنّ من لا يتغير معه سيبقى في الهامش. وعي بأنّ المستقبل لا يُنتظر، بل يُصنع. وعي بأنّ الإنسان، مهما كان ضعيفاً، قادر على أن يغيّر مصير أمة كاملة إذا امتلك الإرادة.
وفي هذا السياق، تبدو المدن التي صمدت — من صنعاء إلى غزة، ومن بغداد إلى ضاحية بيروت — كأنها مدارس جديدة للوعي. مدارس تعلّم أن الكرامة ليست شعاراً، وأنّ الحرية ليست هدية، وأنّ العدالة ليست حلماً بعيداً. مدارس تعلّم أن الشعوب التي تتعرض للخذلان من العالم كله، يمكنها أن تجد قوتها في نفسها، وأن تبني نموذجاً مختلفاً عن كل النماذج التي فُرضت عليها.
لكنّ الشرق كفكرة لا يكتمل دون الثقافة. فالثقافة هي التي تحفظ الذاكرة، وهي التي تمنح الإنسان القدرة على قراءة الزمن، وهي التي تجعل الشعوب قادرة على مواجهة العولمة دون أن تفقد هويتها. وفي زمن تتسارع فيه التكنولوجيا، وتتشابه فيه المدن، وتذوب فيه اللغات، يصبح الحفاظ على الثقافة فعلاً من أفعال المقاومة، ومظهراً من مظاهر القوة.
ولذلك، فإنّ عودة الشرق ليست عودة سياسية فقط، بل هي عودة ثقافية أيضاً. عودة الشعر الذي كان يوماً ديوان العرب، وعودة الموسيقى التي كانت لغة الروح، وعودة الفلسفة التي كانت تبحث عن معنى الوجود، وعودة الحكايات التي كانت تُروى في الأسواق والبيوت، وتمنح الناس شعوراً بأنهم جزء من قصة أكبر من حياتهم اليومية.
إنّ الشرق الذي يعود اليوم هو الشرق الذي يعرف أن الحضارة ليست مباني شاهقة، ولا طرقاً سريعة، ولا مؤتمرات دولية، بل هي روح. روح تعيش في الإنسان، وفي اللغة، وفي الذاكرة، وفي القدرة على تحويل الألم إلى معنى، والهزيمة إلى درس، والخراب إلى بداية جديدة.
وهكذا، يصبح الشرق فكرة تتجاوز الجغرافيا، وتصبح الجغرافيا مجرد مسرح لهذه الفكرة. مسرحاً يتغير، لكنه لا يفقد جوهره. مسرحاً ينهض، حتى لو سقط مرات كثيرة. مسرحاً يعرف أن العودة ليست مجرد حركة في المكان، بل حركة في الوعي، وأنّ الشرق الذي يعود اليوم هو الشرق الذي كان دائماً هنا، لكنه كان ينتظر اللحظة التي يستيقظ فيها العالم، ويكتشف أن الشمس تشرق من الشرق، كما كانت دائماً.
الشرق كوعي جديد… لا كقوة صاعدة فقط
لم تعد القوة في الشرق تُقاس بما كانت تُقاس به في الماضي. لم تعد تُقاس بعدد الجيوش، ولا بحجم الأساطيل، ولا بكمية النفط التي تُضخّ كل يوم. أصبحت القوة تُقاس بما هو أعمق: بالوعي. الوعي الذي يتشكل في العقول قبل أن يتجلى في السياسات، وفي النفوس قبل أن يظهر في الخرائط. هذا الوعي الجديد هو الذي يجعل عودة الشرق اليوم مختلفة عن كل عودة سابقة.
فالشرق الذي عرف نفسه عبر الهزائم، وعبر الانكسارات، وعبر الحروب التي لم يخترها، بدأ اليوم يعرف نفسه عبر القدرة. القدرة على الصمود، على البناء، على إعادة التشكيل، على تحويل الألم إلى معنى، وعلى تحويل الجراح إلى طاقة. هذه القدرة لم تأتِ من فراغ، بل جاءت من تاريخ طويل من التجارب التي جعلت الشعوب أكثر حكمة، وأكثر صبراً، وأكثر إدراكاً لما هو جوهري وما هو عابر.
وفي هذا الوعي الجديد، لم تعد القوة هدفاً في ذاتها، بل أصبحت وسيلة لحماية الإنسان. لم تعد الدولة التي تمتلك السلاح هي الأقوى، بل الدولة التي تمتلك المعنى. المعنى الذي يجعل المواطن يشعر بأنه جزء من مشروع، لا مجرد رقم في معادلة. المعنى الذي يجعل الأرض أكثر من مساحة، والحدود أكثر من خطوط، والهوية أكثر من شعار.
وهذا ما يجعل عودة الشرق اليوم عودة مختلفة. فهي ليست عودة إلى صراع القوى التقليدي، ولا إلى سباق التسلح، ولا إلى منطق الهيمنة. إنها عودة إلى الوعي. وعي بأنّ العالم يتغير، وأنّ من لا يتغير معه سيبقى في الهامش. وعي بأنّ المستقبل لا يُنتظر، بل يُصنع. وعي بأنّ الإنسان، مهما كان ضعيفاً، قادر على أن يغيّر مصير أمة كاملة إذا امتلك الإرادة.
وفي هذا السياق، تبدو التحولات التي شهدتها المنطقة خلال العقدين الأخيرين كأنها ليست مجرد أحداث سياسية، بل هي علامات. علامات على أن الشرق بدأ يرى نفسه بطريقة مختلفة، وأنّ الشعوب التي كانت تنتظر الخلاص من الخارج بدأت تبحث عنه في الداخل. علامات على أن الزمن الذي كانت فيه القرارات تُصنع في العواصم البعيدة قد انتهى، وأنّ زمن القرارات التي تُصنع في المدن التي صمدت قد بدأ.
لكنّ الوعي الجديد لا يكتمل دون المسؤولية. فالقوة التي لا تُرافقها مسؤولية تتحول إلى فوضى، والنهضة التي لا تُرافقها رؤية تتحول إلى عبء. ولذلك، فإنّ الشرق الذي يعود اليوم يحتاج إلى أن يوازن بين القوة والمعنى، بين الطموح والحكمة، بين الذاكرة والمستقبل. يحتاج إلى أن يعرف أن العودة ليست مجرد استعادة للمكانة، بل هي استعادة للذات.
وهكذا، يصبح الشرق الذي يعود اليوم شرقاً جديداً، شرقاً يعرف أن القوة ليست في ما يملكه، بل في ما يعرفه. وأنّ المستقبل ليس في ما يُقال عنه، بل في ما يصنعه. وأنّ الحضارة ليست في ما يُبنى فوق الأرض، بل في ما يُبنى داخل الإنسان. وهذا هو الوعي الذي يجعل عودة الشرق اليوم ليست مجرد حدث سياسي، بل حدثاً حضارياً، حدثاً يعيد تشكيل العالم من جديد.
الأخلاق كقوة… حين يتحول المظلوم إلى مركز
لم يكن أحد يتوقع أن تتحول الأخلاق يوماً إلى قوة جيوسياسية، ولا أن يصبح المظلوم مركزاً يعيد تشكيل خرائط العالم. فالقوة، كما عرفها العالم طويلاً، كانت تُقاس بالمال والسلاح والتحالفات. لكنّ الشرق، في لحظة نادرة من التاريخ، قلب هذه المعادلة رأساً على عقب. فجأة، أصبحت العدالة قوة، وأصبح الصمود سلاحاً، وأصبح الحق مشروعاً سياسياً، وأصبح الإنسان محوراً يعيد ترتيب الموازين.
لقد حاولت القوى الكبرى، لعقود طويلة، أن تفصل الأخلاق عن السياسة، وأن تجعل من الواقعية السياسية ذريعة لتبرير كل شيء: الاحتلال، الحصار، القصف، التدخل، الهيمنة. لكنّ الشرق، الذي عاش كل هذه التجارب، اكتشف أن الأخلاق ليست ضعفاً، بل هي اللغة الوحيدة التي يفهمها العالم حين تتصدع المنظومات القديمة. فحين يفقد الأقوياء شرعيتهم، يصبح صوت المظلوم أعلى من كل المدافع.
وهذا ما حدث في السنوات الأخيرة. فصنعاء، التي أرادوا لها أن تكون مجرد مدينة محاصرة، تحولت إلى رمز عالمي للصمود. وغزة، التي حاولوا محوها من الوجود، تحولت إلى مرآة تكشف عجز العالم. وإيران، التي حوصرت لعقود، تحولت إلى نموذج للدولة التي تبني نفسها رغم كل شيء. هذه الأمثلة ليست أحداثاً منفصلة، بل هي علامات على أن الأخلاق يمكن أن تتحول إلى قوة، إذا امتلكت الشعوب القدرة على الصمود.
وفي هذا السياق، يبدو الشرق كأنه يعيد تعريف معنى القوة. لم تعد القوة هي القدرة على فرض الإرادة، بل القدرة على تحمل الألم دون أن تنكسر. لم تعد القوة هي القدرة على السيطرة، بل القدرة على الاستمرار. لم تعد القوة هي امتلاك السلاح، بل امتلاك الحق. وهذا التحول ليس مجرد تحول فكري، بل هو تحول حضاري، يجعل الشرق يقف اليوم في موقع لم يقف فيه منذ قرون.
لكنّ الأخلاق وحدها لا تكفي. فهي تحتاج إلى من يحميها، وإلى من يحولها إلى مشروع سياسي، وإلى من يجعلها جزءاً من رؤية للمستقبل. وهذا ما بدأ يحدث في المنطقة. فالقوى التي صمدت لم تعد تكتفي بالصمود، بل بدأت تبني مؤسسات، وتعيد تشكيل تحالفات، وتضع أسساً لنظام جديد يقوم على الكرامة قبل المصالح، وعلى العدالة قبل القوة، وعلى الإنسان قبل الجغرافيا.
ومع كل خطوة تخطوها هذه القوى، يتغير شكل العالم. فالغرب الذي كان يملك خطاباً أخلاقياً فقد هذا الخطاب حين انكشف تناقضه. والشرق الذي كان يُتهم بالضعف اكتشف أن ضعفه كان قوة مستترة. والقوى الصاعدة التي كانت تُحاصر أصبحت اليوم جزءاً من معادلة لا يمكن تجاوزها. وهكذا، يصبح الشرق الذي يعود اليوم شرقاً أخلاقياً بقدر ما هو سياسي، شرقاً يعرف أن العدالة ليست حلماً، بل شرطاً من شروط القوة.
إنّ هذا التحول يجعل عودة الشرق ليست مجرد عودة جغرافية أو سياسية، بل عودة إنسانية. عودة تقول إنّ العالم لا يمكن أن يستمر بمنطق القوة وحده، وإنّ الشعوب التي تُظلم طويلاً تصبح، في لحظة ما، مركزاً يعيد تشكيل كل شيء. وهذا هو جوهر عودة الشرق: أنه يعود لا ليهيمن، بل ليعيد التوازن، لا ليكرر الماضي، بل ليكتب مستقبلاً مختلفاً، مستقبلاً يكون فيه الإنسان هو البداية والنهاية.
البنية الداخلية… حين تتحول الشعوب إلى رافعة تاريخية
لم تكن التحولات الكبرى في الشرق نتاج قرارات سياسية فقط، ولا نتيجة صراعات إقليمية أو دولية. كانت، في جوهرها، تحولات داخلية، بدأت في عمق المجتمعات قبل أن تظهر على سطح السياسة. فالدول لا تنهض من فوق، بل من تحت؛ من الناس الذين يقررون، في لحظة ما، أن زمن الخضوع قد انتهى، وأنّ عليهم أن يكونوا جزءاً من التاريخ، لا مجرد متفرجين عليه.
لقد عاش الشرق عقوداً طويلة تحت أنظمة حاولت أن تفصل الدولة عن المجتمع، وأن تجعل السلطة بديلاً عن الشعب، وأن تجعل القرار حكراً على القلة. لكنّ هذه البنية بدأت تتصدع مع كل أزمة، ومع كل حرب، ومع كل حصار. فالشعوب التي كانت تُعامل كأرقام، بدأت تتحول إلى قوة اجتماعية، قوة تعرف أن الصمت لم يعد خياراً، وأنّ البقاء في الهامش لم يعد ممكناً.
وفي هذا السياق، تبدو التحولات التي شهدتها إيران واليمن والعراق وضاحية عاصمة لبنان ليست مجرد أحداث سياسية، بل هي ثورات صامتة داخل الوعي الجمعي. ثورات تقول إنّ الدولة التي لا تستند إلى شعبها لا يمكن أن تصمد، وإنّ السلطة التي لا تسمع صوت الناس ستسقط، مهما امتلكت من المال أو السلاح أو الدعم الخارجي.
لقد أثبتت التجارب الأخيرة أن الشعوب، حين تُحاصر، لا تضعف، بل تزداد قوة. وحين تُقصف، لا تنكسر، بل تزداد صلابة. وحين تُخون، لا تتراجع، بل تزداد وعياً. وهذا ما جعل الشرق اليوم مختلفاً عن الشرق الذي عرفه القرن العشرون. فالشعوب التي كانت تُعتبر “ضعيفة” أصبحت اليوم مصدر القوة، والشعوب التي كانت تُعتبر “تابعة” أصبحت اليوم صانعة للقرار.
وفي هذا التحول، تلعب الهوية دوراً مركزياً. فالهوية التي حاولت القوى الكبرى تفكيكها، عبر الإعلام، وعبر التعليم، وعبر الحروب، بدأت تعود بقوة. لم تعد الهوية مجرد انتماء ثقافي، بل أصبحت سلاحاً. سلاحاً يحمي الإنسان من الذوبان، ويحمي المجتمع من التفكك، ويحمي الدولة من الانهيار. ومع كل محاولة لطمس هذه الهوية، كانت الشعوب تتمسك بها أكثر، كأنها تعرف أن فقدان الهوية هو الخطوة الأولى نحو فقدان الوجود.
لكنّ البنية الداخلية لا تكتمل دون الاقتصاد. فالاقتصاد الذي كان يعتمد على الخارج، وعلى المساعدات، وعلى النفط، بدأ يتحول إلى اقتصاد يعتمد على الذات، وعلى الإنتاج، وعلى المعرفة. وهذا التحول ليس سهلاً، لكنه ضروري. فالدول التي لا تنتج لا تستطيع أن تكون مستقلة، والدول التي لا تمتلك اقتصاداً حقيقياً لا تستطيع أن تمتلك قراراً حقيقياً.
وهكذا، يصبح الشرق الذي يعود اليوم شرقاً جديداً، شرقاً يبني نفسه من الداخل قبل أن يواجه الخارج، شرقاً يعرف أن القوة الحقيقية تبدأ من المجتمع، وأنّ الدولة التي لا تستند إلى شعبها ليست دولة، بل واجهة. وهذا ما يجعل عودة الشرق اليوم ليست مجرد عودة سياسية، بل عودة اجتماعية – حضارية، عودة تقول إنّ الشعوب هي التي تصنع التاريخ، لا الأنظمة، وأنّ المستقبل يُكتب في الشوارع قبل أن يُكتب في القصور.
الاقتصاد كجبهة جديدة… حين تتحول الموارد إلى سيادة
لم يعد الاقتصاد في الشرق مجرد أرقام تُكتب في تقارير المؤسسات الدولية، ولا مجرد صادرات وواردات تُقاس بالدولار. أصبح الاقتصاد جبهة. جبهة لا تقل خطورة عن الجبهات العسكرية، ولا تقل تأثيراً عن التحالفات السياسية. ففي عالم يتغير بسرعة، يصبح من يمتلك القدرة على التحكم في موارده، وفي إنتاجه، وفي سلاسل إمداده، هو من يمتلك القدرة على البقاء.
لقد عاش الشرق عقوداً طويلة في اقتصاد يعتمد على الخارج: على النفط الذي يُباع، وعلى السلع التي تُستورد، وعلى العملات التي تُضخّ من العواصم البعيدة. لكنّ هذا النموذج بدأ يتصدع مع كل أزمة عالمية، ومع كل حرب، ومع كل حصار. فالدول التي كانت تعتمد على الاستيراد اكتشفت أنها عاجزة أمام أي اضطراب، والدول التي كانت تعتمد على النفط اكتشفت أن العالم يتغير، وأن الطاقة لم تعد كما كانت، وأن المستقبل لا يُبنى على سلعة واحدة.
وفي هذا السياق، بدأت المنطقة تشهد تحولاً عميقاً: تحول نحو الاقتصاد المنتج. اقتصاد يقوم على الصناعة، وعلى التكنولوجيا، وعلى المعرفة، وعلى الزراعة، وعلى الاكتفاء الذاتي. هذا التحول لم يكن خياراً، بل ضرورة. فالدول التي لا تنتج لا تستطيع أن تكون مستقلة، والدول التي لا تمتلك اقتصاداً حقيقياً لا تستطيع أن تمتلك قراراً حقيقياً.
وقد أثبتت التجارب الأخيرة أن الحصار يمكن أن يكون مدرسة اقتصادية. فإيران، التي حوصرت لعقود، بنت اقتصاداً قادراً على الصمود. واليمن، رغم الحرب، بدأ يطوّر نموذجاً يعتمد على الإنتاج المحلي. والعراق و ضاحية عاصمة لبنان، رغم الجراح، بدأوا يدركون أن الاعتماد على الخارج لم يعد ممكناً، وأنّ عليهم أن يبنوا اقتصاداً يحميهم من تقلبات العالم.
لكنّ الاقتصاد لا يكتمل دون الطاقة. فالطاقة كانت دائماً قلب الشرق، وكانت دائماً سبباً في صعوده وسقوطه. ومع التحولات العالمية نحو الطاقة المتجددة، ومع تراجع الاعتماد على النفط، بدأت المنطقة تواجه سؤالاً وجودياً: ماذا بعد النفط؟ هذا السؤال ليس اقتصادياً فقط، بل هو سؤال عن المستقبل. مستقبل الدول التي بنت نفسها على ثروة ناضبة، ومستقبل الشعوب التي اعتادت على رفاه لا يستند إلى إنتاج حقيقي.
وفي هذا التحول، تبدو القوى الصاعدة في الشرق كأنها تمتلك ميزة لم تكن واضحة من قبل: التنوع. فإيران تمتلك الصناعة، واليمن يمتلك الجغرافيا، والعراق يمتلك الزراعة، ولبنان الضاحية وفلسطين المقاومة الموارد البشرية . وإذا استطاعت هذه القوى أن تبني نموذجاً اقتصادياً مشتركاً، فإنّ الشرق يمكن أن يتحول إلى قوة اقتصادية لا تقل عن القوى الكبرى.
لكنّ الاقتصاد، مهما كان قوياً، يحتاج إلى رؤية. رؤية تجعل الثروة وسيلة لا غاية، وتجعل الإنتاج جزءاً من مشروع حضاري، وتجعل الإنسان محوراً لكل شيء. وهذا ما بدأ يظهر في المنطقة: وعي جديد بأنّ الاقتصاد ليس مجرد أرقام، بل هو سيادة. سيادة على القرار، وعلى الموارد، وعلى المستقبل.
وهكذا، يصبح الشرق الذي يعود اليوم شرقاً اقتصادياً بقدر ما هو سياسي. شرقاً يعرف أن القوة لا تأتي من السلاح وحده، بل من القدرة على إنتاج ما يحتاجه، وعلى حماية ما يملكه، وعلى بناء اقتصاد يجعل الدولة قادرة على الوقوف دون مظلة، وعلى السير دون خوف، وعلى اتخاذ القرار دون انتظار الضوء الأخضر من أحد.
الجغرافيا كقدر… حين تستيقظ الأرض من نومها الطويل
لم تكن الجغرافيا في الشرق يوماً محايدة. كانت دائماً قدراً، نعمة ونقمة في آن واحد. أرضاً تمرّ عبرها الجيوش، وتُرسم فوقها الخرائط، وتُكتب فيها الحروب، وتُدفن فيها الإمبراطوريات. لكنّ هذه الجغرافيا، التي كانت تُستخدم ضدّ أهلها، بدأت اليوم تتحول إلى قوة. قوة لا تأتي من السلاح، بل من الموقع، ومن التاريخ، ومن القدرة على التحكم في مفاصل العالم.
فالشرق، الذي يقع في قلب العالم القديم، يمتد بين ثلاث قارات، ويطلّ على أهم البحار، ويتحكم في أهم الممرات البحرية، ويملك ما لا يملكه غيره: موقعاً لا يمكن تجاوزه. هذا الموقع، الذي كان سبباً في الحروب، أصبح اليوم سبباً في الصعود. فالعالم الذي يبحث عن طرق جديدة للتجارة، وعن مصادر جديدة للطاقة، وعن ممرات آمنة، لا يستطيع أن يتجاهل الشرق، مهما حاول.
وفي هذا السياق، تبدو التحولات التي شهدتها المنطقة خلال العقد الأخير كأنها ليست مجرد أحداث سياسية، بل هي عودة للجغرافيا. فباب المندب، الذي حاولوا السيطرة عليه لعقود، أصبح اليوم تحت حماية قوة صاعدة. ومضيق هرمز، الذي كان ورقة ضغط، أصبح ورقة سيادة. والبحر الأحمر، الذي كان ممراً للتجارة، أصبح ممراً للنفوذ. والخليج، الذي كان بحيرة نفط، أصبح بحيرة جيوسياسية.
لكنّ الجغرافيا ليست مجرد ممرات. إنها أيضاً حدود. حدود كانت تُرسم بالقوة، وتُمحى بالقوة، وتُعاد بالقوة. لكنّ هذه الحدود بدأت تفقد معناها القديم. فالدول التي كانت تُقسم وفق مصالح القوى الكبرى بدأت تعيد تعريف نفسها وفق مصالح شعوبها. والخرائط التي كانت تُفرض من الخارج بدأت تتغير من الداخل. وهذا التحول ليس جغرافياً فقط، بل هو تحول في الوعي.
لقد أدركت الشعوب أن الجغرافيا ليست سجناً، بل فرصة. وأنّ الأرض ليست عبئاً، بل قوة. وأنّ الموقع ليس لعنة، بل نعمة. وهذا الإدراك هو الذي يجعل الشرق اليوم مختلفاً. فهو لم يعد ينتظر من يرسم له خرائطه، بل بدأ يرسمها بنفسه. لم يعد ينتظر من يحدد له دوره، بل بدأ يحدد دوره بنفسه. لم يعد ينتظر من يقرر عنه، بل بدأ يقرر عن نفسه.
وفي هذا التحول، تلعب الممرات البحرية دوراً مركزياً. فالعالم الذي يعتمد على التجارة البحرية لا يستطيع أن يتجاهل الشرق. والممرات التي تمر عبر اليمن وإيران ومصر أصبحت اليوم جزءاً من معادلة عالمية جديدة. معادلة تقول إنّ من يتحكم في الممرات يتحكم في التجارة، ومن يتحكم في التجارة يتحكم في السياسة، ومن يتحكم في السياسة يتحكم في المستقبل.
لكنّ الجغرافيا، مهما كانت قوية، تحتاج إلى حماية. حماية لا تأتي من الخارج، بل من الداخل. حماية تقوم على بناء دول قوية، وشعوب واعية، ومؤسسات قادرة على حماية الأرض قبل حماية السلطة. وهذا ما بدأ يظهر في المنطقة: وعي جديد بأنّ الجغرافيا ليست قدراً أعمى، بل هي قوة يمكن استخدامها إذا امتلكت الشعوب الإرادة.
وهكذا، يصبح الشرق الذي يعود اليوم شرقاً جغرافياً بقدر ما هو سياسي. شرقاً يعرف أن الأرض ليست مجرد مساحة، بل هي هوية. وأنّ الموقع ليس مجرد خط على الخريطة، بل هو مصير. وأنّ الجغرافيا، حين تستيقظ، يمكن أن تغيّر العالم كله.
الثقافة كسلاح… حين تستعيد الشعوب لغتها وصوتها
لم تكن الثقافة في الشرق يوماً ترفاً، ولا زينة تُعلّق على جدران الحضارة. كانت دائماً جوهر الهوية، وعمود الروح، والمرآة التي يرى فيها الإنسان نفسه. وحين حاولت القوى الكبرى أن تفرض سرديتها على المنطقة، لم تفعل ذلك بالسلاح فقط، بل فعلته أيضاً عبر الثقافة: عبر الإعلام، والتعليم، واللغة، والصورة. أرادت أن تجعل الشرق يرى نفسه بعيون الآخرين، وأن يفقد صوته، وأن ينسى لغته، وأن يتحول إلى ظلّ في مسرح لا يملكه.
لكنّ الشعوب التي صمدت في وجه الحروب، لم تكن لتستسلم في معركة الثقافة. فالثقافة، في لحظة ما، تحولت إلى سلاح. سلاح لا يُطلق النار، لكنه يطلق الوعي. سلاح لا يهدم المدن، لكنه يهدم الأكاذيب. سلاح لا يقتل، لكنه يحيي. ومع كل محاولة لطمس الهوية، كانت الشعوب تتمسك بلغتها أكثر، وتعود إلى تراثها أكثر، وتبحث في ذاكرتها عن جذور تمنحها القوة.
لقد أدرك الشرق، بعد عقود من الهيمنة الثقافية، أن المعركة الحقيقية ليست على الأرض فقط، بل على الوعي. وأنّ من يملك الوعي يملك القدرة على الصمود، وعلى البناء، وعلى إعادة تشكيل العالم. وهذا ما جعل الثقافة تتحول إلى جبهة جديدة، جبهة لا تقل أهمية عن الجبهات السياسية والاقتصادية والعسكرية.
وفي هذا السياق، تبدو التحولات التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الأخيرة كأنها ليست مجرد عودة سياسية، بل هي عودة ثقافية. فالشعر الذي كان يُعتبر تراثاً عاد ليصبح صوتاً للمقاومة. والموسيقى التي كانت تُعتبر ترفاً أصبحت لغة للهوية. واللغة العربية، التي حاولوا تهميشها، استعادت مكانتها في الوعي الجمعي. والكتب التي كانت تُقرأ في الخفاء أصبحت تُقرأ في العلن. والذاكرة التي حاولوا محوها عادت لتصبح أساساً لبناء المستقبل.
لكنّ الثقافة ليست مجرد ماضٍ يُستعاد، بل هي مستقبل يُصنع. مستقبل يحتاج إلى مؤسسات ثقافية قوية، وإلى تعليم يعيد للإنسان قدرته على التفكير، وإلى إعلام لا يبيع الوهم، وإلى فنّ يعكس الحقيقة لا الدعاية. وهذا ما بدأ يظهر في الشرق: وعي جديد بأنّ الثقافة ليست ترفاً، بل ضرورة. وأنّ الشعوب التي تفقد ثقافتها تفقد قدرتها على المقاومة، وعلى البناء، وعلى البقاء.
وفي هذا التحول، تلعب اللغة دوراً مركزياً. فاللغة ليست مجرد وسيلة للتواصل، بل هي وعاء للهوية، ومرآة للروح، وجسر بين الماضي والمستقبل. ومع كل محاولة لفرض لغات أجنبية على المنطقة، كانت الشعوب تعود إلى لغتها الأم، كأنها تعرف أن فقدان اللغة هو الخطوة الأولى نحو فقدان الذات.
وهكذا، يصبح الشرق الذي يعود اليوم شرقاً ثقافياً بقدر ما هو سياسي. شرقاً يعرف أن القوة ليست في السلاح وحده، بل في الكلمة. وأنّ المستقبل لا يُكتب بالمدافع، بل يُكتب بالوعي. وأنّ الحضارة لا تُبنى بالخرسانة فقط، بل تُبنى بالذاكرة، وباللغة، وبالروح.
إنّ الثقافة، حين تستيقظ، تصبح قوة لا يمكن هزيمتها. قوة تعيد تشكيل الإنسان، وتعيد تشكيل المجتمع، وتعيد تشكيل العالم. وهذا هو جوهر عودة الشرق: أنه يعود بثقافته قبل أن يعود بسياساته، وبروحه قبل أن يعود بقوته، وبصوته قبل أن يعود بجغرافيته.
الروح الشرقية… حين يتحول الألم إلى طاقة تاريخية
لم يكن الشرق يوماً مكاناً عادياً، ولا كانت شعوبه شعوباً تعيش على هامش التاريخ. كان الشرق دائماً فضاءً تتقاطع فيه التجارب الإنسانية الأكثر كثافة: الألم، الفقد، الصبر، الانتظار، الحلم، الإيمان. وهذه التجارب، التي قد تبدو عبئاً على الأمم، تحولت في الشرق إلى طاقة. طاقة لا تُرى، لكنها تُحسّ. طاقة لا تُقاس بالأرقام، لكنها تُقاس بالقدرة على النهوض بعد كل سقوط.
فالشرق الذي عاش الحروب لم يفقد قدرته على الحب. والشرق الذي عاش الحصار لم يفقد قدرته على الكرم. والشرق الذي عاش الخذلان لم يفقد قدرته على الإيمان. هذه الروح، التي تبدو للغرب لغزاً، هي سرّ القوة التي تجعل الشرق يعود اليوم بطريقة لا تشبه أي عودة أخرى.
لقد حاولت القوى الكبرى، لعقود طويلة، أن تكسر هذه الروح. حاولت أن تجعل الشعوب تشعر بالعجز، وأن تقنعها بأنّ مصيرها يُكتب في العواصم البعيدة، وأنّ التاريخ ليس لها. لكنّ الشعوب التي عاشت الألم عرفت أن الألم ليس نهاية، بل بداية. وأنّ الجراح ليست علامة ضعف، بل علامة حياة. وأنّ الصبر ليس استسلاماً، بل مقاومة صامتة.
وفي هذا السياق، تبدو المدن التي صمدت — من غزة إلى صنعاء، ومن بغداد إلى دمشق الأسد — كأنها ليست مجرد أماكن، بل رموزاً. رموزاً لروح لا تُقهر، لوعي لا يُمحى، لكرامة لا تُشترى. هذه المدن، التي حاولوا محوها، أصبحت اليوم جزءاً من سردية عالمية جديدة: سردية تقول إنّ الشعوب التي تتألم كثيراً تصبح، في لحظة ما، قادرة على تغيير العالم.
لكنّ الروح الشرقية ليست روحاً رومانسية فقط، بل هي روح عملية أيضاً. روح تعرف أن الألم وحده لا يكفي، وأنّ الصبر وحده لا يكفي، وأنّ الإيمان وحده لا يكفي. تحتاج إلى فعل. فعل يبني، ويخطط، ويصنع، ويحوّل التجربة إلى مشروع. وهذا ما بدأ يظهر في المنطقة: شعوب لا تكتفي بالبكاء على الماضي، بل تبني المستقبل، حجراً فوق حجر، وكلمة فوق كلمة، ووعياً فوق وعي.
وفي هذا التحول، تلعب الذاكرة دوراً مركزياً. فالذاكرة ليست مجرد حكايات تُروى، بل هي خريطة للروح. خريطة تجعل الشعوب تعرف من أين جاءت، وإلى أين تذهب، وما الذي يجب أن تحمله معها، وما الذي يجب أن تتركه خلفها. ومع كل محاولة لطمس هذه الذاكرة، كانت الشعوب تتمسك بها أكثر، كأنها تعرف أن فقدان الذاكرة هو الخطوة الأولى نحو فقدان المستقبل.
وهكذا، يصبح الشرق الذي يعود اليوم شرقاً روحياً بقدر ما هو سياسي. شرقاً يعرف أن القوة ليست في السلاح وحده، ولا في الاقتصاد وحده، ولا في الجغرافيا وحدها، بل في الروح. الروح التي تجعل الإنسان قادراً على أن يقف بعد كل سقوط، وأن يحلم بعد كل خيبة، وأن يبني بعد كل خراب.
إنّ الروح الشرقية، حين تستيقظ، تصبح قوة لا يمكن هزيمتها. قوة تعيد تشكيل الإنسان، وتعيد تشكيل المجتمع، وتعيد تشكيل التاريخ. وهذا هو جوهر عودة الشرق: أنه يعود بروحه قبل أن يعود بقوته، وبإنسانيته قبل أن يعود بسياساته، وبذاكرته قبل أن يعود بجغرافيته.
الشرق الذي يفتح أبواب القرن الجديد
حين ننظر إلى المشهد كاملاً— من الخليج إلى إيران، من اليمن إلى الشام، من الصين إلى روسيا، ومن أوروبا إلى الولايات المتحدة — نكتشف أن العالم يقف على عتبة قرن جديد، قرن لا يشبه ما سبقه. قرن تتراجع فيه الإمبراطوريات القديمة، وتنهض فيه القوى التي كانت تُعتبر هامشية، وتتشكل فيه خرائط جديدة لا تُرسم بالحروب فقط، بل تُرسم بالوعي، وبالاقتصاد، وبالثقافة، وبالروح.
وفي قلب هذا التحول، يقف الشرق. لا الشرق الذي عرفه القرن العشرون، ولا الشرق الذي حاولت القوى الكبرى أن تصنعه على مقاس مصالحها، بل شرق جديد، يتشكل من تحت، من الناس، من المدن التي صمدت، من الجراح التي لم تُنسَ، من الذاكرة التي لم تُمحَ، ومن الروح التي لم تُكسر.
لقد عاد الشرق، لكن عودته ليست صاخبة، ولا انتقامية، ولا استعادية. إنها عودة هادئة، لكنها عميقة. عودة متدرجة، لكنها ثابتة. عودة إنسانية، قبل أن تكون سياسية. عودة تقول إنّ العالم لا يمكن أن يستمر بمنطق القوة وحده، وإنّ الشعوب التي تُظلم طويلاً تصبح، في لحظة ما، قادرة على إعادة تشكيل التاريخ.
وفي هذا القرن الجديد، لن يكون الشرق مجرد ساحة نفوذ، ولا مجرد خزان للطاقة، ولا مجرد جغرافيا تمرّ عبرها الجيوش. سيكون الشرق مركزاً. مركزاً للقرار، وللمعنى، وللثقافة، وللروح. مركزاً يعيد للعالم توازنه، ويعيد للإنسان مكانته، ويعيد للتاريخ مساره الطبيعي.
لكنّ هذه العودة ليست نهاية الطريق، بل بدايته. فالشرق الذي يعود اليوم يحتاج إلى أن يبني مؤسساته، وأن يعيد صياغة دوله، وأن يطوّر اقتصاده، وأن يحمي ثقافته، وأن يكتب سرديته بيده. يحتاج إلى أن يعرف أن القوة ليست هدفاً، بل وسيلة. وأنّ المستقبل لا يُنتظر، بل يُصنع. وأنّ الحضارة ليست شيئاً يُورث، بل شيئاً يُبنى.
ومع ذلك، فإنّ الشرق يمتلك ما لا يمتلكه غيره: يمتلك الذاكرة، ويمتلك الروح، ويمتلك الإنسان. يمتلك القدرة على تحويل الألم إلى معنى، والهزيمة إلى درس، والخراب إلى بداية جديدة. يمتلك القدرة على أن ينهض، مهما سقط، وأن يحلم، مهما خذله العالم، وأن يبني، مهما كانت الجراح عميقة.
وهكذا، حين نغلق هذه الصفحات ، لا نغلق كتاباً، بل نفتح باباً. باباً لشرق جديد، شرق يعرف نفسه، ويعرف قيمته، ويعرف أن الزمن الذي كان فيه تابعاً قد انتهى، وأنّ الزمن الذي يكون فيه فاعلاً قد بدأ.
إنّ الشرق الذي يعود اليوم ليس شرق الماضي، ولا شرق الأساطير، ولا شرق الخرائط القديمة. إنه شرق القرن الجديد. شرق يفتح أبوابه للعالم، لا بوصفه تابعاً، بل بوصفه شريكاً. شرق يدخل التاريخ من بابه الواسع، لا لأنه يريد ذلك فقط، بل لأنّ العالم يحتاج إليه. شرق يعود… لا ليكرر ما كان، بل ليصنع ما سيكون.
……….
المادة الساخرة :
الشرق الذي يعود... أو هكذا يحلو لنا أن نصدق
بروفة نهائية لمسرحية "عودة الإمبراطور"
لم يكن الشرق يوماً غائباً عن التاريخ، لكنه كان، في لحظات كثيرة، مشغولاً بتصفيفة شعره أمام مرآة القوى العظمى. كان هناك، خلف ضباب القوة الأجنبية، يمارس رياضة التأمل الصباحي، وينتظر اللحظة المناسبة ليقول: "أنا هنا يا عالم... تأخرت قليلاً لأن الباص أضاع الطريق".
غير أنّ هذا الشرق، الذي ظنّه البعض قد انطفأ كشمعة في مهب ريح العولمة، بدأ يستعيد أنفاسه في السنوات الأخيرة، كأنّ طبقات كثيفة من الغبار قد انزاحت فجأة عن مرآة قديمة، فظهر فيها وجهٌ يعرف نفسه جيداً، ويعرف أيضاً من حاول أن يطمس ملامحه بكريم الأساس السياسي.
إنّ ما نعيشه اليوم ليس مجرد تبدّل في التحالفات، ولا مجرد اهتزاز في موازين القوى، بل هو لحظة انكسار كبرى؛ لحظة تتشقق فيها البنى التي حكمت المنطقة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وتتهاوى فيها المسلّمات التي بُنيت عليها استراتيجيات الغرب لعقود. فالمظلّات الأجنبية التي كانت تُمدّ فوق الخليج، وتُدار من غرف القرار في واشنطن، لم تعد قادرة على حماية نفسها من ثقوب الاستهتار، فكيف لها أن تحمي غيرها. والأنظمة التي كانت تستمد شرعيتها من الخارج، بدأت تشعر بأنّ الأرض التي تقف عليها لم تعد صلبة كما كانت، بل أشبه بسرير هوائي قابل للنفخ.
سقوط زمن المحميّات الخليجية... أو حكاية الشمسية المثقوبة
لم يكن سقوط زمن المحميّات حدثاً مفاجئاً، ولا زلزالاً وقع في ليلة واحدة. كان أشبه بتصدّع بطيء في جدار قديم، يسمعه من يقترب منه، ويتجاهله من اعتاد الاتكاء عليه وهو نائم. لعقود طويلة، بُنيت منظومة الخليج على معادلة بسيطة: النفط مقابل الحماية، والولاء مقابل البقاء، والفنادق الفخمة مقابل نسيان مذاق الحرية. كانت العواصم الخليجية تعيش تحت مظلّة استعمارية أمريكية كثيفة، تحميها من الخوف، وتمنحها شعوراً زائفاً بالثبات، بينما كانت واشنطن تدير المشهد من بعيد، كأنها الراعي الذي لا ينام... ولا ينام... ولا ينام، حتى نام فعلاً.
لكن العالم تغيّر، والراعي نفسه لم يعد قادراً على حماية قطيعه، خاصة بعد أن اكتشف أن القطيع بات يملك أبراجاً أعلى من ناطحات سحابه، ويثير إعجاباً أكثر من ديمقراطيته العجوز. فالحروب التي خاضتها الولايات المتحدة في الشرق الأوسط استنزفتها، والاقتصاد الذي كان يموّل قواعدها العسكرية لم يعد كما كان بعد أن أنفقت كل شيء على آيس كريم القوات في القواعد، والداخل الأمريكي أصبح أكثر انقساماً من أن يتحمّل عبء إمبراطورية مترامية الأطراف.
في تلك اللحظة، بدأت المحميّات تشعر بأنّ المظلّة التي احتمت بها طويلاً لم تعد قادرة على صدّ المطر، ولا على إيقاف العاصفة، بل صارت تبللهم أكثر مما تظللهم. فالقواعد التي كانت تُقدَّم بوصفها ضمانة للاستقرار، تحوّلت إلى عبء سياسي، وإلى هدف في صراعات لا تملك هذه الدول قرارها. ومع كل ضربة تتلقاها تلك القواعد، كانت صورة "الحماية" تتشقق أكثر، ويظهر خلفها واقع لم يجرؤ أحد على الاعتراف به: أنّ زمن الاعتماد على الخارج قد انتهى، تماماً كما انتهى زمن الثقة بأن "عمي سام" سيبقى شاباً إلى الأبد.
لم يكن السقوط مادياً فقط، بل كان سقوطاً في المعنى. فالدول التي بنت شرعيتها على فكرة "الحماية" وجدت نفسها فجأة أمام سؤال وجودي: من نحن من دون المظلّة؟ وكيف نواجه العالم إذا قررت واشنطن أن تلتفت إلى نفسها وتقول: "خلاص تعبت، بدي أرتاح شوي"؟ هذا السؤال لم يكن سياسياً فحسب، بل كان سؤالاً عن الهوية، عن طبيعة الدولة، وعن علاقتها بشعبها وبجوارها وبالعالم، وبمصففي الشعر أيضاً.
إيران... ذاكرة النار وبناء الدولة (وصبر أيوب)
لم تكن إيران دولة عابرة في الجغرافيا، ولا رقماً في معادلات القوى. كانت دائماً حضارة تتنفس من عمق التاريخ، وتعرف أن الأمم التي لا تمتلك سرديتها الخاصة تصبح مجرد هامش في كتب الآخرين... أو في أسوأ الأحوال، تصبح مقدمة لكتاب لا يقرأه أحد. وحين اندلعت حرب الثمانينيات، لم تكن تلك الحرب مجرد مواجهة عسكرية، بل كانت محاولة لقطع شريان التاريخ عن جسد دولة خرجت لتوّها من ثورة قلبت موازين المنطقة. أراد الغرب الاستكباري لإيران أن تنكسر، أن تتراجع، أن تعود إلى ما قبل الثورة، لكن النار التي أُضرمت حولها لم تحرقها، بل صهرتها... كذهب أصفهان.
ثماني سنوات من الحرب صنعت ما لم تصنعه عقود من السلم. خرجت إيران من تلك التجربة وهي تحمل ذاكرة النار، لكنها أيضاً تحمل معرفة جديدة: أن الاعتماد على الذات ليس خياراً، بل ضرورة وجودية، وأن "صنع في إيران" قد لا يكون أجمل شعار، لكنه على الأقل لا ينكسر بسهولة. ومنذ ذلك الحين، بدأت الدولة تبني نفسها كما تُبنى القلاع القديمة؛ حجراً فوق حجر، ومؤسسة فوق مؤسسة، وناقلة فوق ناقلة، حتى تحوّلت إلى منظومة قادرة على الصمود أمام حصار اقتصادي، وعقوبات دولية، وتهديدات عسكرية لا تنتهي، وسخرية إعلامية لا تتوقف.
لم يكن البناء عسكرياً فقط، بل كان بناءً معرفياً. ففي الوقت الذي كانت فيه بعض دول المنطقة تستورد كل شيء، من القمح إلى القرار السياسي، ومن معجون الأسنان إلى الرؤساء التنفيذيين، كانت إيران تخرّج جيلاً بعد جيل من المهندسين والعلماء، وتحوّل جامعاتها إلى مصانع للعقول. ومع مرور الزمن، أصبحت تمتلك قاعدة علمية وصناعية تجعلها قادرة على إنتاج ما تحتاجه، من التكنولوجيا إلى الطاقة، ومن الصناعات الثقيلة إلى المسيّرات التي تثير هلع الجيران.
واليوم، حين تتصدع المظلّات الاستعمارية الغربية فوق الخليج، تبدو إيران كأنها الدولة الوحيدة التي كانت تستعد لهذا اليوم منذ أربعين عاماً. دولة تعرف أن الشرق يعود، وأن التاريخ لا يرحم من لم يستعد لعودته بملابس رسمية لائقة.
صنعاء... من الحصار إلى مركز العالم (أو حكاية الهامش الذي ملّ الهامش)
لم تكن صنعاء مدينة عادية في يوم من الأيام. كانت دائماً مدينة تتنفس التاريخ كما يتنفس الناس الهواء، مدينةٌ إذا مشيت في أزقتها شعرت بأنّ الجدران تحفظ ذاكرة ألف عام، وأنّ كل حجر فيها يعرف اسماً، وكل نافذة تحمل حكاية، وكل مدفع حوثي يعرف اتجاهه بدقة. لكن هذه المدينة، التي أراد لها العالم أن تبقى في الهامش، وجدت نفسها فجأة في قلب معادلة لم تخترها، لكنها واجهتها كما تواجه الجبال الرياح: بثبات لا يعرف الانحناء... وبرشاشات لا تعرف التعب.
ثماني سنوات من الحصار والقصف السعودي الأمريكي الخليجي لم تكسر صنعاء، بل كشفت معدنها الحقيقي. كانت السماء تمطر ناراً، وكانت الأرض تضيق بالناس، وكانت الحياة تُنتزع من بين الأصابع، لكن المدينة لم تنحنِ. كانت تقف، رغم كل شيء، كأنها تقول للعالم: "أنا هنا، ولن أختفي... إلا إذا جئتم بمشروب وافترشتم الأرض". وفي كل مرة كان الحصار يشتد، كانت إرادة الناس تشتد أكثر، وفي كل مرة كان القصف يقترب، كانت المدينة تقترب من نفسها، من جوهرها، من تلك الروح التي لا تُقهر... ومن مخزونها من الكاتيوشا.
لم تكن قوة صنعاء في السلاح وحده، بل في المعنى. معنى أن تكون مدينة محاصرة لكنها لا تستسلم، فقيرة لكنها كريمة، مجروحة لكنها واقفة، جائعة لكنها تضحك. معنى أن تتحول من ضحية إلى فاعل، ومن هامش إلى مركز، ومن "البلد الفقير" إلى "البلد اللي بيكسر الدنيا". ومع مرور السنوات، بدأت صنعاء تفرض حضورها على الإقليم، لا لأنها تملك جيشاً قوياً فقط، بل لأنها تملك سردية أخلاقية لا يستطيع أحد أن ينافسها: سردية الدفاع عن الإنسان، عن الكرامة، عن الحق في الحياة... وعن حق اليمني في أن يكون له رأي في كل حرف يكتب عن مستقبل المنطقة.
وحين اندلعت حرب غزة، لم تكن صنعاء بعيدة. كانت أول من كسر الصمت، وأول من قال إنّ الدم لا يُقاس بالجغرافيا، وإنّ المظلومية واحدة مهما اختلفت الحدود، وإنّ الصواريخ لا تستأجر طائرات لتسأل عن جوازات السفر. وفي لحظة بدا فيها العالم كله عاجزاً، خرج اليمن ليقول إنّ الشعوب الصغيرة قادرة على أن تغيّر مسار التاريخ إذا امتلكت الإرادة... والقليل من الصواريخ الباليستية.
واليوم، حين تتصدع المظلّات الأجنبية فوق الخليج، تبدو صنعاء كأنها المدينة التي كانت تنتظر هذه اللحظة منذ زمن طويل. مدينة تعرف أن الشرق يعود، وأنّ من عاش الحصار يعرف كيف يبني الحرية، ومن عاش القصف يعرف كيف يصنع السلام، ومن عاش الظلم يعرف كيف يكتب العدالة... بخط عريض.
الخليج بين الانهيار وإعادة التأسيس... أو بين الفشار والواقع
لم يكن الخليج يوماً كتلة صلبة كما أرادته الخرائط، ولا كان استقراره نابعاً من داخله كما أرادته الروايات الرسمية. كان دائماً فضاءً هشّاً، يقوم على معادلة دقيقة: ثروة بلا عمق، وسلطة بلا شرعية شعبية، وحماية تأتي من وراء البحار، ومكيفات لا تتوقف عن العمل. ومع مرور الزمن، تحوّلت هذه المعادلة إلى قفص ذهبي؛ يمنح الرفاه لكنه لا يمنح الأمان، يوفّر البذخ لكنه لا يوفّر الاستقرار، يشتري الوقت لكنه لا يشتري المستقبل، يبني أبراجاً لكنه لا يبني رجالاً.
ومع بداية العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين، بدأت الشقوق تظهر في هذا القفص. لم تعد الثروة قادرة على إخفاء هشاشة البنية السياسية، ولم تعد الأبراج الشاهقة قادرة على إخفاء الفراغ الذي يزداد اتساعاً تحتها، ولا المراكز التجارية قادرة على شراء الولاءات. فالعالم الذي كان يشتري النفط بلا شروط تغيّر، والولايات المتحدة التي كانت تفرض النظام تغيّرت، والأسواق التي كانت تتدفق إليها الأموال تغيّرت. وحده الخليج بقي كما هو، كأن الزمن يدور حوله ولا يمرّ فيه... مثل سيارة فارهة في شارع مزدحم.
لكن الزمن لا ينتظر أحداً. ومع كل أزمة تضرب المنطقة، كان الخليج يكتشف أنه يقف على أرض رخوة. فالحروب التي شارك فيها، أو موّلها، أو صمت عنها، أو صفّق لها، ارتدت عليه كدوامة لا يستطيع الخروج منها. والاعتماد على الحماية الأجنبية تحوّل من ضمانة إلى عبء، ومن مظلّة إلى ثقب يتسع كل يوم. ومع كل ضربة تتلقاها القواعد الأجنبية، كانت صورة "الأمن" تتلاشى، ويظهر خلفها سؤال لم يجرؤ أحد على طرحه: ماذا لو لم تعد واشنطن هنا؟ ماذا لو نام العم سام ولم يستيقظ؟
هذا السؤال لم يعد افتراضاً، بل أصبح واقعاً. فالتراجع الأمريكي لم يعد تحليلاً سياسياً، بل حقيقة تتجلى في كل خطوة تخطوها واشنطن نحو الداخل، وفي كل أزمة تتردد في التدخل فيها، وفي كل حليف تشعر أنه لم يعد يستحق الكلفة. ومع هذا التراجع، وجد الخليج نفسه في مواجهة عالم جديد لا يعرف كيف يتعامل معه، عالم لا تُشترى فيه الحماية بالمال، ولا تُصنع فيه الشرعية بالاستيراد، ولا تُبنى فيه الدول بالفنادق.
وفي هذا الفراغ، ظهرت قوى جديدة. إيران التي صبرت طويلاً، وصنعاء التي صمدت طويلاً، أصبحتا جزءاً من معادلة لا يستطيع الخليج تجاهلها. لم تعد "التهديد" كما أراد الإعلام أن يصوّرها، بل أصبحت "الواقع" الذي يجب التعامل معه، أو على الأقل "الجار" الذي لا يمكن تغييره. ومع كل خطوة تخطوها هذه القوى نحو تثبيت حضورها، كان الخليج يشعر بأنّ زمنه القديم يبتعد، وأنّ عليه أن يختار: إما أن يعيد تأسيس نفسه، أو أن يترك الآخرين يعيدون تأسيسه... بالقوة أو بالمجان.
الصين وروسيا... عودة الإمبراطوريات الهادئة (أو الأفيال التي تتمايل بصمت)
لم تكن الصين وروسيا غائبتين عن التاريخ يوماً، لكنهما اختارتا أن تعودا بطريقة مختلفة عن ضجيج الإمبراطوريات القديمة. لم تعودا على ظهر الدبابات، ولا عبر الأساطيل التي تجوب البحار، بل عادتا كما تعود الجبال بعد العاصفة: صامتة، ثابتة، واثقة بأنّ الزمن يعمل لصالحها، وبأنّ الانتظار ليس مضيعة للوقت بل استثماراً في المستقبل. وفي اللحظة التي بدأ فيها الغرب يفقد توازنه، كانت بكين وموسكو تتحركان بخطوات محسوبة، كأنهما تكتبان فصلاً جديداً من كتاب العالم... بهدوء تام ودون إزعاج الجيران.
الصين، التي خرجت من قرن من الانكسار، لم تعد تلك الدولة التي تُصنع لها القرارات من الخارج. أصبحت قوة اقتصادية هائلة، تمتد تجارتها من آسيا إلى إفريقيا، ومن الخليج إلى أوروبا، ومن محلات الألعاب إلى مصانع الإلكترونيات. لكنها لم تكتفِ بالاقتصاد، بل بنت مشروعاً حضارياً يقوم على فكرة "الصعود الهادئ"، صعود لا يستفز العالم، لكنه يغيّر قواعده، ولا يزعج نوم أحد... إلا من كان ينام في منتصف الطريق. ومع كل طريق تبنيه، وكل ميناء تستثمر فيه، وكل شراكة تعقدها، كانت الصين تقترب أكثر من قلب الشرق الأوسط، لا بوصفها قوة استعمارية، بل بوصفها شريكاً يبحث عن الاستقرار... وقليلاً من النفط بالتقسيط.
أما روسيا، التي ورثت إرث الاتحاد السوفييتي، فقد عادت بطريقة مختلفة. لم تعد تلك القوة التي تريد أن تفرض أيديولوجيا على العالم، بل أصبحت قوة تعرف أن الجغرافيا هي قدرها، وأنّ الشرق الأوسط جزء من هذا القدر، وأنّ الدب الروسي إذا نام في الشتاء لا يعني أنه مات. ومع كل خطوة تخطوها موسكو في الإقليم، كانت ترسل رسالة واضحة: أن زمن الهيمنة الأحادية قد انتهى، وأنّ العالم يتجه نحو تعددية لا يمكن إيقافها، وأنّ روسيا مستعدة لتقديم الدعم... بسعر مناسب.
وفي اللحظة التي بدأت فيها المظلّات الأجنبية تتصدع فوق الخليج، كانت الصين وروسيا تقتربان من المنطقة كأنهما تعرفان أن الفراغ الذي تركته واشنطن لن يبقى فارغاً طويلاً. لم تأتيا لتحتلا مكان أحد، بل لتقدما نموذجاً مختلفاً: نموذج الشراكة بدل الوصاية، والاستثمار بدل القواعد العسكرية، والاقتصاد بدل الحروب، والشاي بدل القهوة.
ومع كل اتفاق توقعه بكين، ومع كل وساطة تنجح فيها موسكو، كان الشرق الأوسط يشعر بأنّ العالم يتغير من حوله. لم يعد الغرب وحده هو الذي يحدد مصير المنطقة، ولم تعد واشنطن وحدها هي التي تملك مفاتيح القرار. أصبح الشرق الأوسط جزءاً من لعبة أكبر، لعبة تتداخل فيها المصالح مع الجغرافيا، والتاريخ مع المستقبل، والقوة مع الحكمة... والغاز مع الأنابيب.
وهكذا، يصبح حضور الصين وروسيا في الشرق الأوسط جزءاً من سردية أكبر: سردية سقوط الهيمنة وصعود التعددية، سردية نهاية زمن المحميات وبداية زمن الشراكات، سردية الشرق الذي يعود، والعالم الذي يعاد تشكيله من جديد... ببطء ولكن بثقة.
أوروبا في زمن العطش الطاقي... أو حكاية السيدة العجوز التي نفد حطبها
كانت أوروبا، طوال قرنين، مركز العالم. قارة تصنع التاريخ وتوزّع الخرائط وتحدّد مصائر الشعوب، وتخترع الديمقراطية ثم تنسى تطبيقها في مستعمراتها. لكن الزمن دار، كما يفعل دائماً، ووجدت أوروبا نفسها فجأة في موقع لم تعتده: موقع التابع لا القائد، الباحث لا المانح، المحتاج لا المهيمن، المرتجف لا الواثق. لم يكن ذلك بسبب حرب واحدة، ولا أزمة واحدة، بل بسبب سلسلة طويلة من الخيارات التي جعلت القارة العجوز تعتمد على الآخرين في ما هو أثمن من الذهب: الطاقة... وقليلاً من الغاز لتدفئة البيوت في الشتاء.
وحين اندلعت الأزمات العالمية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، اكتشفت أوروبا أنها تقف على أرض رخوة. فالقارة التي بنت حضارتها على الفحم ثم على النفط والغاز، وجدت نفسها في زمن لا تملك فيه ما يكفي من الوقود لتدفئة بيوتها، ولا ما يكفي من البدائل لتشغيل مصانعها، ولا ما يكفي من الكبرياء لتعترف بذلك. ومع كل شتاء يقترب، كانت أوروبا تشعر بأنّ العجز ليس اقتصادياً فقط، بل حضارياً أيضاً. فالأمم التي تفقد السيطرة على مصادر طاقتها تفقد جزءاً من سيادتها، ومن قدرتها على اتخاذ القرار، ومن قدرتها على النوم دون ارتداء ثلاث طبقات من الملابس.
وفي هذا السياق، بدا الشرق الأوسط، بكل تناقضاته، كأنه المرآة التي تعكس ضعف أوروبا. فالقارة التي كانت تملي شروطها على العالم، أصبحت تتوسل الاستقرار في الخليج، وتتمنى أن تبقى خطوط الإمداد مفتوحة، وأن تبقى الأسواق هادئة، وأن تبقى الأزمات بعيدة عن حدودها. لكن الشرق لم يعد كما كان، ولم يعد يقبل أن يكون مجرد مخزن للطاقة أو ساحة نفوذ أو محطة عبور. ومع صعود قوى جديدة في المنطقة، من إيران إلى اليمن، بدأت أوروبا تشعر بأنّ العالم الذي عرفته يتفلت من بين أصابعها... مثل حبة صابون في حمام ساخن.
ولم يكن العطش الطاقي مجرد أزمة اقتصادية، بل كان أزمة هوية. فالقارة التي كانت تتفاخر بنموذجها الاجتماعي والسياسي، وجدت نفسها مضطرة إلى العودة إلى الفحم، وإلى تقنين الكهرباء، وإلى دفع أسعار خيالية للغاز، وإلى ارتداء الكنزات الصوفية في البرلمانات. ومع كل خطوة تتراجع فيها أوروبا، كانت الصين وروسيا تتقدمان، وكانت واشنطن تنسحب، وكان الشرق يعيد ترتيب نفسه بعيداً عن الهيمنة القديمة.
وفي هذا المشهد، بدت أوروبا كأنها القارة التي وصلت متأخرة إلى قطار العالم الجديد. قطار يقوده الشرق الآسيوي، وتتحكم في مساراته الجغرافيا التي حاولت أوروبا تجاهلها طويلاً، ويزوده بالطاقة من يملكونها. ومع كل أزمة جديدة، كانت القارة العجوز تكتشف أن قوتها لم تكن في جيوشها، ولا في عملاتها، ولا في خطاباتها الأخلاقية، بل في قدرتها على الوصول إلى الطاقة. وحين فقدت هذه القدرة، فقدت جزءاً من مكانتها... وبعضاً من درجة حرارتها.
وهكذا، يصبح "العطش الطاقي" ليس مجرد أزمة، بل رمزاً لمرحلة كاملة: مرحلة انتقال أوروبا من مركز العالم إلى هامشه، ومن صانعة القرار إلى متلقّيه، ومن قوة مكتفية إلى قوة تبحث عن منقذ، ومن أم القارة إلى عجوز تلتف ببطانية وتتمنى لو تعود العقارب إلى الوراء.
النظام العالمي الجديد... أو سوبر ماركت القوى الكبرى
لم يعد العالم كما كان، ولم تعد القوى التي حكمته طوال قرن قادرة على فرض إيقاعها. فالنظام الذي وُلد بعد الحرب العالمية الثانية، وترسّخ بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، بدأ يتفكك من أطرافه، كأنّ الزمن قرر أن يعيد ترتيب الأشياء وفق منطق جديد... أو وفق مزاج متقلب. لم يعد الغرب مركز الكون، ولم تعد واشنطن قادرة على إدارة العالم من غرفة عمليات واحدة، ولم تعد أوروبا قادرة على حماية نفسها من البرد، ولا من العطش الطاقي، ولا من ارتباكها الداخلي. وفي هذا الفراغ، بدأت ملامح نظام جديد تتشكل، لا على الورق، بل على الأرض... وعلى شاشات التلفزة أيضاً.
هذا النظام لا يقوم على قوة واحدة، ولا على قطب واحد، بل على تعددية تتصارع وتتعاون في آن واحد. تعددية لا تشبه الحرب الباردة، ولا تشبه النظام الإمبراطوري القديم، بل تشبه العالم كما هو: معقداً، متشابكاً، سريع التغير، وغير مفهوم حتى لمن يدّعون فهمه. وفي قلب هذا التحول، يقف الشرق الأوسط، لا بوصفه ساحة صراع كما كان، بل بوصفه مركزاً يعاد تشكيله من جديد... أو على الأقل بوصفه بقعة ساخنة لا يمكن تجاهلها.
فالصين، التي تمد طرقها عبر القارات، لا تبحث عن نفوذ عسكري، بل عن استقرار يسمح لاقتصادها أن يتنفس، ولشعبها أن يشتري المزيد من البضائع. وروسيا، التي تعرف معنى الجغرافيا أكثر من أي دولة أخرى، تتحرك وفق منطق يوازن بين القوة والضرورة، وبين التاريخ والفرصة. وإيران، التي بنت نفسها من تحت الحصار، أصبحت رقماً لا يمكن تجاوزه في معادلات المنطقة. وصنعاء، التي خرجت من تحت الركام، أصبحت صوتاً لا يمكن إسكاتُه... أو على الأقل صفارة إنذار لا يمكن تجاهلها. والخليج، الذي كان يعيش تحت مظلة واحدة، أصبح يبحث عن مظلات متعددة، أو ربما عن طريقة للوقوف بلا مظلة... أو عن قبعة عريضة الحواف.
وفي هذا المشهد، لم تعد القوة تُقاس بعدد القواعد العسكرية، ولا بعدد حاملات الطائرات، بل تُقاس بقدرة الدول على الصمود، وعلى إنتاج المعرفة، وعلى التحكم في الطاقة، وعلى بناء تحالفات لا تقوم على الخوف بل على المصالح، ولا على الشعارات بل على الحسابات الباردة. وهذا ما يجعل النظام الجديد مختلفاً عن كل ما سبقه. فهو ليس نظاماً يُفرض من فوق، بل نظام يتشكل من تحت، من حركة الشعوب، ومن صعود القوى الإقليمية، ومن تراجع الإمبراطوريات القديمة... ومن برودة الطقس في أوروبا.
لكن هذا النظام ليس واضحاً بعد. فهو لا يزال في طور التشكل، كجبل يخرج من البحر ببطء، أو كقارة جديدة تتكون تحت سطح الأرض، أو كطفل يتعلم المشي فيكتشف أن الوقوع مؤلم. ومع كل أزمة جديدة، تظهر ملامح جديدة. ومع كل حرب تنتهي، تبدأ حرب أخرى، لا بالضرورة بالسلاح، بل بالاقتصاد، وبالطاقة، وبالمعلومات، وبالتحالفات، وبالفضائيات.
وهكذا، يصبح "النظام العالمي الجديد" ليس شعاراً سياسياً، بل حقيقة تتجلى في كل زاوية من زوايا العالم. حقيقة تقول إنّ الزمن لا يعود إلى الوراء، وإنّ الشرق الذي يعود اليوم ليس الشرق الذي عرفه القرن العشرون، بل شرق جديد، يحمل ذاكرة الماضي، لكنه يتطلع إلى مستقبل مختلف، مستقبل لا يُكتب في واشنطن وحدها، ولا في بكين وحدها، بل يُكتب في كل مكان، وفي كل مدينة، وفي كل شعب يقرر أن يكون جزءاً من هذا العالم الجديد... حتى لو كان ذلك يعني أن يدفع فواتير الطاقة الأعلى.
---
الخاتمة: الشرق الذي يعود... أو بروفة النهضة المستمرة
يبدو الشرق اليوم كأنه يقف على حافة زمنين: زمن يوشك أن ينتهي، وزمن آخر يتهيأ للولادة. ليس هذا الشرق هو الشرق الذي عرفه القرن العشرون، ولا هو الشرق الذي حاولت القوى الكبرى أن ترسمه على مقاس مصالحها. إنه شرق جديد، يتشكل من تحت الرماد، من المدن التي صمدت، من الشعوب التي لم تستسلم، من القوى التي بنت نفسها بعيداً عن الضوء، ومن الجغرافيا التي استعادت صوتها بعد عقود من الصمت... ومن القدرة على إنتاج الخطاب والنار معاً.
لقد سقطت المظلّات الأجنبية، أو كادت، ولم تعد تلك الحماية التي كانت تُباع وتُشترى قادرة على إخفاء هشاشة النظام القديم. ومع كل خطوة تتراجع فيها واشنطن، ومع كل أزمة تتخبط فيها أوروبا، ومع كل صعود تحققه الصين وروسيا، كان الشرق يشعر بأنّ لحظته تقترب، وأنّ التاريخ الذي طال انتظاره بدأ يفتح أبوابه... أو على الأقل يدق جرس الإنذار.
لكن عودة الشرق ليست عودة عسكرية، ولا عودة انتقامية، ولا عودة استعمارية، ولا عودة أسطورية. إنها عودة معنى. معنى أن تكون المنطقة قادرة على أن تحدد مصيرها، وأن تبني تحالفاتها وفق مصالحها، وأن تكتب سرديتها بيدها، لا بيد الآخرين، وأن تنتج خطابها دون الاستعانة بمؤلفي خطابات الغرب. معنى أن تتحول من ساحة صراع إلى مركز قرار، ومن هامش إلى قلب، ومن تابع إلى فاعل، ومن مستهلك إلى منتج.
إنّ عودة الشرق ليست نهاية الطريق، بل بدايته. فالشرق الذي يعود اليوم يحتاج إلى أن يبني مؤسساته، وأن يعيد صياغة دوله، وأن يطوّر اقتصاده، وأن يحمي ثقافته، وأن يكتب سرديته بيده، وأن يتأكد من أن المظلّة الجديدة لا تثقبها الرياح. يحتاج إلى أن يعرف أن القوة ليست هدفاً، بل وسيلة. وأنّ المستقبل لا يُنتظر، بل يُصنع. وأنّ الحضارة ليست شيئاً يُورث، بل شيئاً يُبنى... بالطوب تارة وبالكلمات تارة أخرى.
ومع ذلك، فإنّ الشرق يمتلك ما لا يمتلكه غيره: يمتلك الذاكرة، ويمتلك الروح، ويمتلك الإنسان. يمتلك القدرة على تحويل الألم إلى معنى، والهزيمة إلى درس، والخراب إلى بداية جديدة. يمتلك القدرة على أن ينهض، مهما سقط، وأن يحلم، مهما خذله العالم، وأن يبني، مهما كانت الجراح عميقة... وأن يضحك، مهما كان الواقع مراً.
وهكذا، حين نغلق هذه الصفحات، لا نغلق كتاباً، بل نفتح باباً. باباً لشرق جديد، شرق يعرف نفسه، ويعرف قيمته، ويعرف أن الزمن الذي كان فيه تابعاً قد انتهى، وأنّ الزمن الذي يكون فيه فاعلاً قد بدأ... أو على الأقل هذا ما تحلو لنا أن نصدقه ونحن نرتشف قهوتنا الصباحية.
إنّ الشرق الذي يعود اليوم ليس شرق الماضي، ولا شرق الأساطير، ولا شرق الخرائط القديمة. إنه شرق القرن الجديد. شرق يفتح أبوابه للعالم، لا بوصفه تابعاً، بل بوصفه شريكاً. شرق يدخل التاريخ من بابه الواسع، لا لأنه يريد ذلك فقط، بل لأنّ العالم يحتاج إليه... ولأنه ببساطة لم يعد يقبل أن يبقى خارج الباب.
شرق يعود... لا ليكرر ما كان، بل ليصنع ما سيكون... وليصنع أيضاً بعض المتاعب لمن كانوا يعتقدون أنهم سيبقون إلى الأبد في القمة.
#احمد_صالح_سلوم (هاشتاغ)
Ahmad_Saloum#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
نهاية الهيمنة: قراءة في زلزال الصواريخ الإيرانية وانهيار -ال
...
-
قراءة استراتيجية في العقل الإيراني خلال حرب رمضان ٢
...
-
محميات الخليج الصهيو أمريكية : قراءة في بنية التبعية ومصير ا
...
-
-الطفلات اللواتي كنَّ يرسمْنَ الشمس-..
-
بلجيكا: شفق التوافق الاجتماعي حين تلتهم صفقات السلاح أحلام ا
...
-
مقدمة كتاب : -الطفلات اللواتي كنَّ يرسمْنَ الشمس- صمت المداف
...
-
كتاب : الموت الحضاري: حين يصبح المبدع رقماً
-
خرائط الرمال المحترقة: تفكيك الهيمنة في زمن التعتيم
-
قراءة في توقعات جيانغ شيويه تشين لنهاية الهيمنة الأمريكية
-
الإيقاع الإيراني الجديد وسقوط الهيمنة الأحادية القطبية
-
نهاية غرب آسيا القديم: تفكك الهيمنة وولادة نظام إقليمي جديد
...
-
التحقيق في -الكمين الكهرومغناطيسي- الذي هزّ أركان البنتاغون
-
صندوق قمامة تل أبيب في مرآة المكتبة العالمية: دراسة مقارنة
-
إيران كساحة مواجهة نهائية بين الإمبريالية والقطبية المتعددة
-
كتاب : صندوق تل أبيب: النكبة في وثائق الجلادين
-
كتاب : دماء على أبواب المطار: محاكمة من سفروا تونس إلى الجحي
...
-
الإبادة البطيئة: من تفكيك دولة الرفاه البلجيكي إلى تجويع غزة
-
كتاب : الغريب الذي يرى
-
تحقيق معمق في تحول الدولة الأوروبية من حامية إلى جابية
-
سرقة القرن: الإطار القانوني لمحاكمة الكيان الصهيوني على نهب
...
المزيد.....
-
نتنياهو ينشر مقطع فيديو يدحض ويسخر من شائعات وفاته
-
أول تعليق لخارجية أمريكا بعد الهجوم على سفارتها في بغداد
-
إسرائيل وإيران تعلنان تبادل ضربات -ضخمة وقوية- الأحد
-
لبنان: ما مدى واقعية مبادرة عون لإجراء مفاوضات مباشرة مع إسر
...
-
محطات التحلية على خطر النار؟ حين يصبح الماء سلاحا في حرب إير
...
-
الانتخابات البلدية في فرنسا …اختبار للاستحقاق الرئاسي بعد عا
...
-
بـ5 أصابع.. نتنياهو يرد على شائعات مقتله
-
مسؤول سوري للجزيرة نت: لا نزوح من لبنان وهذه شروط الدخول
-
إيران تدعو دول العالم لتجنب -توسيع- رقعة الحرب
-
سحور بلا -زنانات-.. حين تغيب الطائرات يتنفس سكان غزة الصعداء
...
المزيد.....
-
بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر
...
/ رياض الشرايطي
-
أطلانتس
/ فؤاد أحمد عايش
-
أطلانتس
/ فؤاد أحمد عايش
-
حوار مع الشاعر و المفكر السياسي رياض الشرايطي. حاوره بشير ال
...
/ بشير الحامدي
-
السياسة بعد موت الأقنعة: حين تتحول القوة إلى لغة وحيدة.
/ رياض الشرايطي
-
مقاربة تقييمية لليسار التونسي بعد الثورة
/ هشام نوار
-
من مذكرات شيوعي أردني جهاد حمدان بين عامين: 1970-1972
/ جهاد حمدان
-
المواطن المغيب: غلاء المعيشة، النقابات الممزقة، والصمت السيا
...
/ رياض الشرايطي
-
حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف
...
/ رياض الشرايطي
-
الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى
...
/ علي طبله
المزيد.....
|