|
|
الإيقاع الإيراني الجديد وسقوط الهيمنة الأحادية القطبية
احمد صالح سلوم
شاعر و باحث في الشؤون الاقتصادية السياسية
(Ahmad Saloum)
الحوار المتمدن-العدد: 8636 - 2026 / 3 / 4 - 21:34
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
دراسة تحليلية معمقة في التحولات الجيوسياسية لغرب آسيا في ضوء نظرية الصراع بين المركز والأطراف
الأسس النظرية للصراع الحضاري
الباب الأول: مقدمة في فلسفة التاريخ والتحولات الكبرى
الفصل الأول: طبيعة الثورات الكبرى في مسار التاريخ الإنساني
عندما يبلغ تراكم التناقضات ذروته ، داخل لحظات التاريخ الفارقة،، وتتشقق البنى القديمة تحت وطأة ما تحمله في أحشائها من بذور الغد، تبرز الظاهرة التي تستحق وصف "الثورة الكبرى". ليست هذه مجرد انقلابات على أنظمة حكم، ولا هي مجرد تغيير للنخب الحاكمة، بل هي زلازل كونية تعيد تشكيل وعي الإنسان ووجوده، وتدفع بالتاريخ دفعاً إلى الأمام، متجاوزة متطلبات اللحظة الراهنة إلى آفاق المستقبل البعيد .
هذه الثورات الكبرى – كالفرنسية والروسية والصينية – تحمل في جوهرها تناقضاً جوهرياً: إنها تستبق زمنها. إنها تطرح أسئلة لا تستطيع بنية العصر الذي تولد فيه الإجابة عنها. فالثورة الفرنسية، على سبيل المثال، لم تكن مجرد ثورة برجوازية تهدف إلى استبدال طبقة بأخرى، بل كانت احتوت، في لحظة اندفاعها الجذري، بذوراً لما سيأتي بعدها، في طرحها للجمهورية الديمقراطية الجذرية القائمة على تعميم الملكية الصغيرة، وهو ما يمثل إنكاراً لمنطق التراكم الرأسمالي القائم على اللامساواة. لقد كانت تحمل في رحمها الحركة البابوفية، التي تنبئ بالثورات الاشتراكية القادمة .
هذه السمة – استباق الزمن – هي مصدر العظمة ومصدر المأساة معاً. فبعد لحظات التجذر القصيرة، حيث يظن الجميع أن الفجر الجديد قد أشرق، تبدأ رحلة شاقة من التراجعات والعودة إلى الماضي. تعاني هذه الثورات صعوبات هائلة في الاستقرار، لأنها تبني في أرض لم تستو بعد لحمل أساساتها الثقيلة. استغرق استقرار الثورة الفرنسية قرناً كاملاً من المد والجزر، من الصعود والهبوط، قبل أن تستقر مكتسباتها في وعي المجتمع وفي بناه .
في المقابل، هناك ثورات أخرى – كالأميركية والإنكليزية – تكتفي بتسجيل موجبات العلاقات الاجتماعية والسياسية القائمة في نطاق الرأسمالية الوليدة. إنها لا تستبق الزمن، بل تمشي معه، تتساوق مع إيقاعه، وتعقد تسوياتها مع قوى الماضي. لذلك، بالكاد تستحق هذه "الثورات" اسمها، فهي تفتقر إلى الرؤيا المستقبلية، وإلى ذلك البعد الطوباوي الخلاق الذي يميز الثورات الكبرى .
ورغم فشلها الظاهري، تضع الثورات الكبرى التاريخ على مدى أبعد. فمن خلال القيم الطليعية التي تحدد مشروعها، تسمح للطوباويات الخلاقة بمتابعة غزوها للعقول، وتحقيق طموح الحداثة الأسمى: جعل الكائنات الإنسانية صناع تاريخهم. هذه القيم تتباين جذرياً مع قيم النظام البرجوازي، التي تنبع من مسلكيات التكيف السلبي مع مقتضيات توسع رأس المال، تلك المسلكيات التي تسمى "موضوعية" وهي في حقيقتها تمد الاستلاب الاقتصادي بكامل قوته .
ما نشهده اليوم في غرب آسيا قد يكون فصلاً جديداً في ملحمة الثورات الكبرى. ليس بالضرورة ثورة بالمعنى الكلاسيكي، ولكنها لحظة تاريخية فارقة، حيث تتشقق البنى القديمة، وتتحرك قوى عميقة من الأعماق، لتعيد تشكيل الخرائط. إنها لحظة تستحق التأمل في ضوء هذه الفلسفة التاريخية: لحظة استباق الزمن، حيث يدفع الأطراف الثمن الأغلى، لكنهم يكتبون للتاريخ فصلاً جديداً.
الفصل الثاني: الإمبريالية كمرحلة دائمة في التوسع العالمي للرأسمالية
منذ أصوله الأولى، وفي كل مرحلة من تاريخه، كان التوسع العالمي للرأسمالية استقطابياً بطبيعته. ليست الإمبريالية مرحلة عابرة في تطور الرأسمالية، كما يذهب بعض المحللين، بل هي وجهها الحقيقي، وجوهرها الذي لا ينفصل عنها. فالرأسمالية لا يمكنها أن توجد بدون الإمبريالية، كما أن المركز لا يمكنه أن يوجد بدون الأطراف .
لكن هذه الحقيقة الجوهرية لم تلقَ الاهتمام الضروري، وذلك بسبب النزعة المركزية الأوروبية التي تسيطر على الفكر الحديث. هذه النزعة تجعلنا ننظر إلى التاريخ من عيون المركز، ونقرأ الأحداث وفق مصالحه ومنظوره. حتى الصياغات الأيديولوجية الطليعية، الخاصة بالثورات الكبرى، لم تنجُ من هذه القاعدة العامة إلا جزئياً .
إن فهم البعد الهائل لهذا الواقع الإمبريالي، واستخلاص المسائل الاستراتيجية المتعلقة بتغيير العالم تبعاً لهذا الفهم، يشكل ضرورة لا حياد عنها لكل القوى الاجتماعية والسياسية التي هي ضحايا توسع الرأسمالية، في مراكزها كما في أطرافها. لأن ما تطرحه الإمبريالية على جدول أعمال اليوم ليس نضوج الشروط التي تسمح بثورات اشتراكية في مراكز النظام العالمي، بل التشكيك بهذا النظام انطلاقاً من تمرد أطرافه وانتفاضاتها .
وليس صدفة أن تكون روسيا في 1917 هي "الحلقة الضعيفة" في النظام الرأسمالي العالمي. وليس صدفة أن تنتقل الثورة باسم الاشتراكية نحو الشرق لاحقاً (الصين، فيتنام، كوبا)، في حين تخيب توقعات انهيار الغرب. هذا الانتقال للثورة من المركز إلى الأطراف يعبر عن حقيقة عميقة: الأطراف هي اليوم "منطقة العواصف" في النظام الإمبريالي، حيث يظل شكل آخر من الثورة على جدول الأعمال .
ما تشهده غرب آسيا اليوم هو حلقة جديدة في هذه السلسلة. إيران، وحزب الله، وأنصار الله في اليمن، والمقاومة في فلسطين – كلها تمثل تجليات مختلفة لهذا التمرد على الهيمنة الإمبريالية. إنها الأطراف التي تتحرك، ليس فقط دفاعاً عن نفسها، بل كجزء من موجة تاريخية أعمق لإعادة تشكيل العالم.
الفصل الثالث: معضلة "اللحاق" و"صناعة شيء آخر" في المجتمعات ما بعد الثورية
تواجه المجتمعات المثورة في أطراف النظام العالمي مهمة مزدوجة، تحمل في طياتها تناقضاً جوهرياً: من جهة، عليها أن "تلحق" بالمركز من حيث التطور التكنولوجي والاقتصادي، وهذا يقتضي اللجوء إلى وسائل ومناهج مماثلة لتلك التي يستخدمها المركز نفسه، أي وسائل الرأسمالية. ومن جهة أخرى، عليها أن "تصنع شيئاً آخر"، أن تبني نموذجاً مغايراً، أن تخلق اشتراكيتها الخاصة .
هذه المزاوجة بين المهمات المتناقضة تشكل التناقض الفعلي الذي يقع في صلب تشكل الشروط الموضوعية للتطور التاريخي في المجتمعات ما بعد الثورية. كانت المزاوجة بين هذه المهمات، هنا أو هناك، يمكن لها أن تكون أفضل مما كانت عليه، بمعنى أن تسمح بتقوية التطلعات التحررية بالتزامن مع إنجازات اللحاق. لكن التناقض يبقى قائماً، ويشكل التحدي الأكبر لهذه المجتمعات .
ما نراه في إيران اليوم هو محاولة للإجابة عن هذا التحدي. التقدم التكنولوجي، خاصة في المجال العسكري والصاروخي، هو جزء من مشروع "اللحاق" بالمركز. لكن هذا اللحاق يتم توظيفه في خدمة مشروع مغاير: مشروع التحرر من الهيمنة الإمبريالية، وإعادة تشكيل المنطقة وفق منطق مختلف عن منطق المركز. إنه محاولة للخروج من معادلة التبعية، وصناعة نموذج تنموي وسياسي بديل.
لكن هذا المسار محفوف بالمخاطر. ففي التجارب السابقة – الاتحاد السوفياتي والصين – أدى التركيز على مقتضيات اللحاق الاقتصادي، في سياق الدفاع عن الدولة ما بعد الثورية، إلى التضحية التدريجية بالأهداف التحررية الأولى. لقد حضر هذا الانزلاق، في التخلي عن هدف الملكية الاجتماعية الذي يعرّف الشيوعية، وإبداله بالإدارة الدولتية المترافقة مع أفول الديمقراطية الشعبية .
السؤال المطروح على إيران والمقاومة في غرب آسيا هو: كيف يمكن الحفاظ على التوازن بين اللحاق والصناعة المغايرة؟ كيف يمكن تجنب الانزلاق إلى مجرد إعادة إنتاج لنماذج المركز، مع الاحتفاظ بجوهر المشروع التحرري؟ هذا هو التحدي الأكبر، الذي ستحدد الإجابة عنه مسار المنطقة لعقود قادمة.
الفصل الرابع: الأولوية الاستراتيجية للدفاع عن الدولة ما بعد الثورية
وجد الاتحاد السوفياتي، وبعده الصين، نفسيهما في مواجهة استراتيجيات عزل منهجي من جانب الرأسمالية المسيطرة والقوى الغربية. لقد بنت الولايات المتحدة، على مدى ثلث عمرها القصير، استراتيجيتها، كقوة مهيمنة في النظام الرأسمالي، على هدف محدد هو تدمير هذين الخصمين، اشتراكيين كانا أم غير اشتراكيين. وتمكنت واشنطن من أن تلحق بهذه الاستراتيجية حلفاءها في مراكز الثلاثية الأخرى وفي الأطراف، وأن تحل تدريجياً سلطة طبقات كومبرادورية محل السلطات النابعة من حركة التحرر الوطني ذات التوجه الشعبي .
في هذا السياق، يفسر لماذا أعطيت الأولوية عموماً لحماية الدول ما بعد الثورية، طالما أن الثورة لم تعد على جدول الأعمال المباشر. كل الاستراتيجيات السياسية التي وضعت – في الاتحاد السوفياتي أيام لينين وستالين، وفي الصين الماوية ثم بعد ماو، وفي البلدان التي حكمتها أنظمة وطنية شعبوية – كل هذه الاستراتيجيات تحددت بالقياس إلى المسألة المركزية: حماية الدولة ما بعد الثورية .
ما نشهده اليوم في غرب آسيا هو تجلٍّ لهذه الأولوية الاستراتيجية. إيران تواجه حرب استنزاف شاملة، تستهدف كيانها واستقرارها ووجودها. الاغتيالات، والحرب الاقتصادية، والعقوبات، والتهديد العسكري المباشر – كلها أدوات تستخدمها الإمبريالية لتحقيق هدف واحد: تدمير هذا الخصم الذي يهدد هيمنتها على المنطقة.
في مواجهة هذا التهديد الوجودي، يصبح الدفاع عن الدولة هو الأولوية القصوى. وهذا الدفاع يتخذ أشكالاً متعددة: التقدم التكنولوجي العسكري، بناء شبكة حلفاء إقليميين، التغلغل في العمق الاستراتيجي للخصم، واستنزافه في أكثر من جبهة. إنها استراتيجية دفاعية شاملة، تهدف إلى حماية الدولة ما بعد الثورية، حتى لو كان ذلك على حساب بعض الأهداف الأخرى.
ولكن، كما علمتنا التجارب التاريخية، هناك خطر كامن في هذه الأولوية. ففي الاتحاد السوفياتي والصين، ترافق التركيز على الدفاع عن الدولة مع وسائل داخلية معينة، واستراتيجيات خارجية محددة، أدت في النهاية إلى التخلي التدريجي عن الأهداف التحررية. السؤال الذي يبقى مفتوحاً هو: هل تستطيع إيران والمقاومة في غرب آسيا تجنب هذا المصير؟ هل يمكنها الدفاع عن نفسها بشراسة، مع الحفاظ في الوقت نفسه على جوهر مشروعها التحرري؟
الباب الثاني: نظرية القيمة في عصر الرأسمالية المعولمة
الفصل الخامس: جدلية قانون القيمة والمادية التاريخية
تمثل مقولة "القيمة" المقولة المركزية لكامل الاقتصاد السياسي الكلاسيكي. إنها المعيار الموضوعي الذي يحدد التقييم الاجتماعي للمنتجات، بعيداً عن تشوشات السوق وتذبذبات العرض والطلب. في التقليد الماركسي، تتحدد القيمة بالعمل الاجتماعي الضروري، مع التمييز الدقيق بين "العمل الحي" (البشري) و"العمل الميت" (رأس المال)، وبين "قوة العمل" و"العمل" نفسه .
لكن ما يميز المقاربة الماركسية الأصيلة هو إدراكها للجدلية القائمة بين قانون القيمة والمادية التاريخية. فقوانين الاقتصاد الرأسمالي لها وجود موضوعي، لكنها تخضع في تشغيلها للصراع الطبقي. الصراع الطبقي يجري أولاً من وضع اقتصادي معين، لكنه في الوقت نفسه يشكل الطريقة التي يتحول بها هذا الأساس الاقتصادي ضمن إطار القوانين اللصيقة بالرأسمالية .
ما يعني هذا الخروج من الاقتصادوية الضيقة إلى رحاب المادية التاريخية. فمستويات الأجور، على سبيل المثال، لا تتحدد بقوانين موضوعية صارمة، بل مباشرة بالصراع بين الطبقات. التراكم الرأسمالي يتواءم – إذا استطاع – مع نتائج هذا الصراع، وإلا يعاني النظام من الأزمة .
بهذا التحديد المنهجي، نفهم أن الصراع الطبقي هو المستوى الأعمق والإطار الأوسع لعمل القوانين الاقتصادية الموضوعية. عندما نعزل هذه القوانين عن أطرها الاجتماعية والسياسية والثقافية، وعندما ندعي استقلالها عن الصراع الطبقي، فإننا نتحول من التحليل العلمي إلى الخطاب الأيديولوجي، ونصبح، عن قصد أو عن غير قصد، جزءاً من ديكتاتورية برجوازية متقنعة بواجهة تكنوقراطية .
في سياق الصراع الدائر في غرب آسيا، لهذه الرؤية أهمية كبرى. فما يجري ليس مجرد صراع عسكري، بل هو صراع طبقي وحضاري بالمعنى الواسع. إنه صراع بين منطق الهيمنة الإمبريالية، الذي يسعى لاستمرار استغلال الأطراف لصالح المركز، ومنطق المقاومة، الذي يسعى لتحرير الثروات والإمكانات البشرية من هذا الاستغلال.
الفصل السادس: قانون القيمة المعولمة والريع الإمبريالي
مع تطور الرأسمالية من طورها التنافسي إلى طورها الاحتكاري، ومن ثم إلى طورها المعولم، تطور قانون القيمة تبعاً لذلك. لم يعد الأمر يتعلق فقط باستغلال العمال في موقع إنتاج محدد، بل أصبح يتعلق باستغلال شعوب بأكملها، بل وقارات بأسرها، في إطار نظام عالمي متكامل .
هذا ما يسميه التحليل النظري "قانون القيمة المعولمة". في هذا الإطار، تظهر صيغ جديدة لتوزيع فائض القيمة العالمية، من أبرزها "الريع الإمبريالي". هذا الريع هو ذلك الجزء من فائض القيمة المنتج في الأطراف، والذي ينتقل إلى المركز ليس عبر آليات السوق "العادلة"، بل عبر آليات الهيمنة والتحكم والاستغلال غير المتكافئ .
تترافق هذه الظاهرة الاقتصادية مع توحيد للمراكز في مثلث واحد برئاسة الولايات المتحدة. هذا المثلث – أميركا الشمالية، أوروبا الغربية، اليابان – يسيطر على القرار الاقتصادي العالمي، ويفرض شروطه على الأطراف. لكن هذا التوحيد لا يعني الاستقرار. فداخله تتنامى تناقضات، وخارجه تتحرك قوى صاعدة، قد تتحول في نهاية المطاف إلى مراكز جديدة قادرة على إجبار الرأسمالية على تقديم تنازلات .
ما نشهده اليوم في غرب آسيا هو جزء من هذا الصراع الأوسع. إيران، بدخولها مجال التقنيات العسكرية المتقدمة، وببناءها شبكة حلفاء إقليميين، وبتمكنها من تعطيل حركة الملاحة في مضيق هرمز والبحر الأحمر، إنما تضرب في قلب آليات الريع الإمبريالي. إنها تهدد بتعطيل التدفق السلس للثروات من الأطراف إلى المركز، وهو ما يفسر شراسة الرد الإمبريالي.
الفصل السابع: خريف النموذج الرأسمالي الحالي
نحن اليوم نشهد انهيار المرحلة الليبرالية الجديدة من الرأسمالية. هذا لا يعني أن الرأسمالية تنهار كلياً، بل أن شكلها الحالي ينهار، وأننا ندخل مرحلة جديدة. وعما إذا كان النظام الجديد سيكون منحازاً إلى الطبقة الحاكمة أم إلى الجماهير، فهذا ما سيكشف عنه المستقبل .
يمكن معاينة هذا الانهيار من خلال عدة ظواهر متداخلة:
أولاً، التحديات في منطقة اليورو، التي قد تؤدي إلى انهيار الاتحاد الأوروبي بأكمله أو إعادة هيكلته بشكل جذري. ثانياً، الأزمة المصرفية وأزمة الأسواق المالية العالمية، التي تعبر عن التناقض العميق بين الاقتصاد المالي المتضخم والاقتصاد الحقيقي الراكد. ثالثاً، بدء البلدان الصاعدة – كالصين والهند والبرازيل – بتنفيذ قواعد جديدة للنموذج الإمبريالي العالمي، عبر تطوير تكنولوجيات جديدة، عسكرية ومدنية، وشرعها بالتالي في كسر احتكار التكنولوجيا، وضرب الهيمنة على الموارد الطبيعية على الصعيد الكوني .
نضيف إلى ذلك انتشار التكنولوجيا النووية والأسلحة المتطورة في أطراف النظام. صحيح أن هذه الأسلحة مدمرة، لكنها لا ينبغي أن تبقى حكراً على المحاور المركزية فقط. امتلاك الأطراف لأسلحة ردع فعالة يغير موازين القوى، ويجعل العدوان الإمبريالي أكثر كلفة، وأقل احتمالاً .
ما يحدث في غرب آسيا هو تجلٍّ لهذا التحول الكبير. إيران، وحزب الله، وأنصار الله في اليمن، وفصائل المقاومة في العراق وفلسطين – كلها تمثل تحدياً للاحتكار الإمبريالي للقوة. إنها تثبت أن الأطراف يمكنها تطوير قدراتها، ويمكنها إلحاق الأذى بالمركز، ويمكنها تغيير معادلات الردع.
الفصل الثامن: نحو يوتوبيا إبداعية – مشروع تنمية على أساس القيمة
في مواجهة انهيار النموذج الرأسمالي الحالي، يبرز السؤال: ما البديل؟ ما المشروع الذي يمكن أن نعمل من أجله، ونسعى لتحقيقه، ونضحي في سبيله؟
هذا المشروع يمكن أن نطلق عليه "التنمية على أساس القيمة". إنه تنمية ترتكز على مجموعة من القيم المعنوية والأخلاقية والاجتماعية التي تجمع بين الديمقراطية والحرية والمساواة والتضامن. هذه القيم ليست مجرد شعارات، بل هي المبادئ المنظمة للعلاقات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. إنها ما يسمى، في التقليد الماركسي، "الشيوعية" كما تخيلها ماركس: مجتمع يضع التنمية البشرية الشاملة كهدف أسمى، ويتجاوز منطق التراكم والاستغلال .
نظرة سريعة على الواقع الحالي توحي بأننا مقبلون على مرحلة جديدة من التوسع الرأسمالي على الصعيد العالمي، ولكن بنمط مختلف. نشهد معدلات نمو مرتفعة في البلدان الناشئة – الصين، الهند، البرازيل – على نقيض معدلات متدنية في المراكز التاريخية. يظهر هذا التوسع الجديد في الانتقال التدريجي لمركز الثقل الأساسي من أوروبا والولايات المتحدة إلى آسيا وأميركا اللاتينية. سيقرأ المؤرخون هذا الانتقال كرجوع إلى المسار الطبيعي، ففي العام 1800، عشية الثورة الصناعية، كانت الصين والهند تمثلان نسبة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي تعادل نسبة سكانهما إلى سكان العالم .
لكن التحذير النظري المهم هو أن هذا التوسع الجديد للرأسمالية، حتى عندما يحدث في الأطراف، يعيد إنتاج مناهج النظام الرأسمالي التاريخي نفسه. إنه توسع لا يكتفي بعدم تطوير القوى المنتجة بشكل متوازن، بل إنه يطلق قوى مدمرة للطبيعة، ويحول المواطن إلى مجرد مستهلك ومتفرج على شاشات التلفاز، ما يدمر أي تعبير أصيل للحرية الفردية .
هنا تكمن أهمية المشروع الإيراني والمقاومة في غرب آسيا، ولكن هنا أيضاً تبرز مخاطره. فهل ينجح هذا المشروع في تجاوز مجرد "اللحاق" بالمركز، نحو "صناعة شيء آخر" حقاً؟ هل يستطيع بناء نموذج تنموي وسياسي واجتماعي يضع القيمة الإنسانية في المركز، بدلاً من منطق التراكم والاستهلاك؟ هذا هو الاختبار الحقيقي، الذي سيميز بين مجرد تغيير في موازين القوى، وتحول حقيقي في طبيعة العلاقات الاجتماعية والإنسانية.
الكتاب الثاني: المشهد الجيوسياسي لغرب آسيا – قراءة في التحولات
الباب الثالث: إيران – الثورة المستمرة والدولة الصاعدة
الفصل التاسع: إيران كحالة دراسية في التحدي الإمبريالي
في قلب غرب آسيا، تقوم جمهورية إيران الإسلامية كحالة فريدة في تاريخ الصراع بين المركز والأطراف. إنها ليست مجرد دولة تسعى للحفاظ على استقرارها وأمنها، بل هي مشروع ثقافي وحضاري وسياسي يتجاوز حدودها الجغرافية، ويمتد ليشكل قطب جذب لكل القوى الرافضة للهيمنة الإمبريالية في المنطقة.
منذ انتصار ثورتها في 1979، وضعت إيران نفسها في مواجهة مباشرة مع المشروع الأميركي في المنطقة. هذه المواجهة لم تكن مجرد صراع مصالح عابر، بل كانت تعبيراً عن تناقض جوهري: من جهة، قوة إمبريالية تسعى للهيمنة على ثروات المنطقة ومواردها، وتريد إعادة تشكيلها وفق مصالحها. ومن جهة أخرى، ثورة تسعى للتحرر من هذه الهيمنة، وتريد بناء نموذج مغاير، وتدعم كل القوى التي ترفض الخضوع للإرادة الأميركية.
في سياق التحليل النظري الذي تقدم، تمثل إيران نموذجاً للدولة ما بعد الثورية التي تواجه استراتيجية عزل منهجي من قبل القوى الإمبريالية. مثل الاتحاد السوفياتي والصين من قبلها، وجدت إيران نفسها محاصرة، ومهددة، ومستهدفة. هدف واشنطن المعلن وغير المعلن هو تدمير هذا الخصم، أو على الأقل إخضاعه وإعادته إلى مربع التبعية .
لكن إيران، خلافاً للاتحاد السوفياتي، استطاعت تطوير نموذج مختلف في مواجهة هذا الحصار. لم تعتمد فقط على قوتها الذاتية، بل بنت شبكة واسعة من الحلفاء والشركاء في المنطقة، استطاعت من خلالها نقل المعركة إلى عمق أراضي الخصم، وتحويل الصراع من دفاع سلبي إلى مواجهة نشطة.
الفصل العاشر: التطور التكنولوجي العسكري كجزء من استراتيجية اللحاق
يعد التقدم الإيراني في المجال التكنولوجي العسكري، وخاصة في مجال الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة، نموذجاً صارخاً على استراتيجية "اللحاق" التي تواجهها المجتمعات ما بعد الثورية. في مواجهة تفوق عسكري هائل للمركز الإمبريالي وحلفائه، كان على إيران أن تطور قدراتها الخاصة، ليس فقط للدفاع عن نفسها، بل لفرض معادلات ردع جديدة.
ما يميز التجربة الإيرانية هو قدرتها على تحقيق قفزات نوعية في هذا المجال رغم الحصار التكنولوجي الصارم المفروض عليها. لقد أثبتت إيران أن الإرادة السياسية والتصميم الوطني يمكن أن يعوضا، إلى حد كبير، عن النقص في الموارد والتكنولوجيا. لقد استطاعت بناء صناعة عسكرية متطورة، تعتمد بشكل أساسي على القدرات المحلية، وتنتج أسلحة تضاهي في فعاليتها، بل تتفوق أحياناً، على مثيلاتها الغربية.
الصواريخ الإيرانية، لم تعد مجرد مقذوفات تقليدية. لقد أصبحت رسائل ذات بعدين: بعد وهمي يشغل منظومات الدفاع الجوي للخصم، وبعد حقيقي يشق طريقه لتحقيق الأهداف المرسومة. هذا التطور التكنولوجي يعكس فهماً عميقاً لطبيعة الصراع، ولأهمية الخداع الاستراتيجي والمفاجأة في تحقيق التفوق.
لكن هذا اللحاق التكنولوجي، رغم أهميته الحاسمة، يحمل في طياته مخاطره. فهو يبقى، في جوهره، محاولة للتفوق باستخدام أدوات الخصم ومناهجه. السؤال المطروح هو: كيف يمكن لهذا التطور العسكري أن يخدم مشروعاً تحررياً أوسع، بدلاً من أن يتحول إلى غاية في حد ذاته؟
الفصل الحادي عشر: اغتيال القيادات – صدمة أم تحول جيلي؟
واحدة من أكثر الظواهر إثارة للاهتمام في الصراع الدائر هي تأثير عمليات الاغتيال التي تستهدف القيادات الإيرانية وقادة المقاومة. المنطق الإمبريالي، كما تمارسه إسرائيل والولايات المتحدة، يفترض أن اغتيال القيادات سيؤدي إلى إضعاف الخصم، وإرباك صفوفه، وربما دفعه إلى التراجع.
لكن ما حدث على الأرض كان مختلفاً جذرياً. تشير أوساط أميركية وإسرائيلية إلى أن استهداف الطواقم العليا في إيران، بدلاً من أن يوهن العقد، سمح لجيل شاب أكثر اندفاعاً وجرأة بتسلّم القيادة. هذا الجيل الجديد لا يحسب الحسابات بتردد، ولا يخشى المواجهة، ويرد دون تلك الحسابات المترددة التي قد تميز القيادات الأكبر سناً ؟.
هذه الظاهرة تعيدنا إلى جدلية "الثورات الكبرى" واستباقها لزمنها. فاغتيال القيادات، بدلاً من أن يوقف المسار الثوري، قد يكون أداة لتسريعه، وتجديد شبابه، وتحريره من بعض أعباء الماضي. القيم الطليعية التي تحملها الثورة تستمر في غزو العقول، وتجد تعبيراً عنها في أجيال جديدة، أكثر اندفاعاً، وأكثر جرأة، وأقل تردداً .
في إيران، يبدو أن هذا التحول الجيلي يعزز فاعلية الدولة والنظام. القيادات الشابة التي تتسلم المواقع الحساسة تجمع بين الخبرة المتراكمة (التي تعلمتها من جيل المؤسسين) والجرأة الجديدة (التي تأتي من عدم تحمل أعباء الهزائم السابقة). إنها تمثل امتداداً للثورة، ولكن بشكل متجدد، يتكيف مع تحديات العصر، ويستجيب لمتطلبات اللحظة.
الفصل الثاني عشر: نموذج الحكم الإيراني بين الثبات والتحول
الدولة الإيرانية، منذ نشأتها، تمثل نموذجاً فريداً في الحكم، يجمع بين العناصر الدينية والجمهورية، وبين المؤسسات المنتخبة والمؤسسات التعيينية. هذا النموذج كان موضوع جدل واسع، داخلياً وخارجياً، حول مدى فعاليته، وقدرته على الاستمرار، وعلاقته بالديمقراطية والحرية.
في سياق الصراع الحالي، أظهر النظام الإيراني قدرة ملحوظة على الصمود والاستمرار. رغم الحصار الاقتصادي الخانق، والتهديدات العسكرية المستمرة، والضغوط السياسية الهائلة، استطاعت إيران الحفاظ على استقرارها الداخلي، بل وتعزيز نفوذها الإقليمي.
هذا الصمود يعكس، من وجهة نظر نظرية، أولوية الدفاع عن الدولة ما بعد الثورية. في مواجهة التهديد الوجودي، تتراجع الخلافات الداخلية، وتتوحد القوى خلف القيادة، وتعبأ الموارد لمواجهة الخطر المشترك. هذا ما حدث في الاتحاد السوفياتي أيام الحرب العالمية الثانية، وما حدث في الصين خلال فترات الحصار، وما يحدث اليوم في إيران.
لكن هذا التماسك الداخلي، رغم أهميته للصمود في وجه العدوان، لا ينبغي أن يخفي التحديات العميقة التي تواجه النموذج الإيراني. فالتناقض بين متطلبات "اللحاق" (بما يتضمنه من انفتاح على التكنولوجيا والعلوم والعلاقات الدولية) ومتطلبات "صناعة شيء آخر" (بما يتضمنه من الحفاظ على الهوية والقيم والمبادئ) يظل قائماً. كيف ستوازن إيران بين هذه المتطلبات في المرحلة القادمة؟ هذا هو السؤال الذي سيحدد مسارها المستقبلي.
الباب الرابع: حلفاء إيران – شبكة المقاومة في غرب آسيا
الفصل الثالث عشر: حزب الله – نموذج المقاومة المتكامل
في لبنان، يقدم حزب الله نموذجاً فريداً للمقاومة، يجمع بين العمل العسكري والسياسي والاجتماعي في إطار متكامل. منذ تأسيسه في بداية الثمانينيات، تطور حزب الله ليصبح قوة إقليمية كبرى، استطاعت تحقيق إنجازات استراتيجية هامة، وفي مقدمتها تحرير جنوب لبنان من الاحتلال الإسرائيلي عام 2000، ثم فرض معادلة ردع فعالة في حرب تموز 2006.
حزب الله، من وجهة نظر نظرية، يمثل نموذجاً للمقاومة في الأطراف التي تستطيع، من خلال التسلح بالإرادة والتخطيط والدعم من قوى إقليمية كبرى، تحقيق إنجازات تفوق حجمها المادي. إنه توكيد على أن قوة الإرادة والتضحية يمكن أن تعوض، إلى حد كبير، التفوق التكنولوجي والعددي للخصم.
في الحرب الاستنزافية الحالية، يلعب حزب الله دوراً محورياً. صواريخه الدقيقة، وخبرته القتالية، وقدرته على التعبئة الجماهيرية، كلها عوامل تجعله رادعاً مهماً أمام أي مغامرة إسرائيلية جديدة. كما أن موقعه الجغرافي في جنوب لبنان يجعله في قلب المواجهة، قادراً على استهداف العمق الإسرائيلي، وفرض معادلات جديدة على الصراع.
لكن حزب الله، مثل إيران، يواجه تحديات كبرى. داخلياً، عليه الحفاظ على قاعدته الجماهيرية، وتلبية احتياجاتها، وفي الوقت نفسه إدارة توازنات معقدة داخل النظام السياسي اللبناني الهش. خارجياً، عليه مواجهة الضغوط الدولية، والتصنيفات الإرهابية، والعقوبات. في هذا كله، يبقى حزب الله مثالاً على قوة الأطراف، ولكن أيضاً على التحديات التي تواجهها.
الفصل الرابع عشر: أنصار الله – من الجبال إلى معادلات البحر
في اليمن، قدمت حركة أنصار الله نموذجاً مذهلاً للصمود والتطور. من حركة مقاومة في الجبال الشمالية، تمكنت من السيطرة على العاصمة صنعاء، ثم مواجهة التحالف العسكري الأكبر في المنطقة (بقيادة السعودية والإمارات بدعم أميركي غربي) لأكثر من سبع سنوات، دون أن تنكسر.
ما يميز تجربة أنصار الله هو قدرتها على تطوير قدراتها العسكرية بشكل مذهل، رغم الحصار البحري والجوي والبري الصارم. صواريخها الباليستية، وطائراتها المسيرة، التي كانت في بداية الحرب مجرد أدوات بدائية، تطورت لتصبح قادرة على ضرب العمق السعودي والإماراتي، وتهديد حركة الملاحة في البحر الأحمر ومضيق باب المندب.
هذا التطور يعكس، مرة أخرى، قدرة الأطراف على اللحاق تكنولوجياً، عندما تتوفر الإرادة والدعم المناسب. كما يعكس فهماً عميقاً لطبيعة الصراع، ولأهمية تحويل نقاط الضعف الجغرافية (كالبحر الأحمر كممر ملاحي عالمي) إلى نقاط قوة استراتيجية.
في المشهد الحالي، يلعب أنصار الله دوراً محورياً في معادلة الصراع الأوسع. قرارهم باستهداف السفن المرتبطة بإسرائيل، أو المتجهة إليها، في البحر الأحمر، أحدث تغييراً جذرياً في موازين القوى. لقد أثبتوا أن بإمكان قوة في أطراف شبه الجزيرة العربية أن تؤثر في الاقتصاد العالمي، وأن تفرض معادلات جديدة على أقوى دول العالم.
الفصل الخامس عشر: المقاومة في فلسطين – القلب النابض للصراع
في فلسطين، يبقى الصراع في جوهره. هنا، حيث تتجلى الإمبريالية الاستيطانية بأبشع صورها، وحيث يقف الشعب الفلسطيني وحده، محاصراً، مهدداً، مظلوماً، لكنه صامد، يقاوم، ولا يستسلم.
ما حدث في غزة منذ السابع من أكتوبر 2023، وحتى الآن، هو تجلٍّ جديد لهذا الصراع. أمام آلة حرب إسرائيلية مدعومة بأحدث الأسلحة الأميركية، وبغطاء سياسي وإعلامي غربي كامل، يقاتل شعب غزة، ليس فقط جيشاً، بل نظاماً عالمياً بأسره. ورغم فظائع الإبادة الجماعية، ورغم تدمير البنية التحتية، ورغم استشهاد عشرات الآلاف، لم ينهار هذا الشعب، ولم يستسلم، ولم يتخلَّ عن مقاومته.
هذا الصمود يعيدنا إلى مفهوم "الثورات الكبرى" واستباقها لزمنها. ما يحدث في غزة يتجاوز المنطق العسكري التقليدي. إنه صراع وجود، صراع كرامة، صراع مستقبل. إنه يطرح أسئلة على العالم بأسره: كيف يمكن للنظام الدولي أن يتسامح مع هذا المستوى من القتل والتدمير؟ كيف يمكن للإعلام العالمي أن يتواطأ في تغطية هذه الجرائم؟ كيف يمكن للضمير الإنساني أن ينام قرير العين أمام هذه المأساة؟
غزة، رغم كل شيء، تنتصر. ليس بالضرورة عسكرياً، بل بقيمها، بصمودها، بتضحياتها. إنها تثبت أن قوة الإنسان، عندما تؤمن بعدالة قضيته، يمكنها أن تصمد أمام أعتى آلات القتل والتدمير. وهذا هو الانتصار الحقيقي.
الفصل السادس عشر: العراق والمقاومة الإسلامية – ساحة الصراع المفتوحة
في العراق، الذي كان مسرحاً لأكبر غزو أميركي في المنطقة، تبرز فصائل المقاومة الإسلامية كقوة مؤثرة في معادلة الصراع. بعد الانسحاب الأميركي المذل عام 2011، ثم عودة القوات الأميركية بذريعة محاربة داعش، وجدت المقاومة العراقية نفسها في مواجهة مباشرة مع الاحتلال الجديد.
ما يميز المقاومة العراقية هو تنوعها وقدرتها على العمل في بيئة معقدة. فصائل مسلحة تمتلك خبرة قتالية عالية، وقدرات صاروخية متطورة، وقدرة على استهداف القواعد الأميركية في العراق وسوريا. كما أنها تمتلك قاعدة جماهيرية واسعة، وتمثيلاً سياسياً في البرلمان والحكومة.
في الحرب الاستنزافية الحالية، تلعب المقاومة العراقية دوراً مهماً في استهداف المصالح الأميركية، وإبقاء قوات الاحتلال في حالة تأهب دائم، ورفع كلفة تواجدها في المنطقة. كما أنها تمثل حلقة وصل بين جبهات المقاومة المختلفة، وتوفر الدعم اللوجستي والعسكري للحلفاء في سوريا ولبنان وفلسطين.
هذا التداخل بين الجبهات، وهذا التنسيق المتزايد بين قوى المقاومة في المنطقة، يعكس تحولاً استراتيجياً كبيراً. لم تعد إيران وحيدة في مواجهة الإمبريالية، بل تقف معها شبكة واسعة من الحلفاء والشركاء، تمتد من طهران إلى بيروت، ومن بغداد إلى صنعاء، ومن دمشق إلى غزة. هذه الشبكة هي التي تصنع الفارق اليوم.
الباب الخامس: الخصوم – الإمبراطورية المتراجعة وحلفاؤها
الفصل السابع عشر: الولايات المتحدة – إمبراطورية في طور الأفول
تقدم الولايات المتحدة اليوم صورة مثيرة للتأمل: إمبراطوية عظمى، تمتلك أقوى جيش في التاريخ، وأكبر اقتصاد في العالم، وأوسع شبكة حلفاء وقواعد عسكرية، لكنها عاجزة عن تحقيق أهدافها في غرب آسيا. بعد عقدين من الحرب على الإرهاب، وبعد إنفاق تريليونات الدولارات، وبعد خسارة آلاف الجنود، خرجت أميركا من أفغانستان مهزومة، وهي تواجه اليوم في العراق وسوريا استنزافاً متواصلاً، وفي البحر الأحمر تحدياً غير مسبوق لهيبتها.
هذا العجز ليس عابراً، بل هو تعبير عن تحولات بنيوية عميقة. نظرية "خريف الرأسمالية" تقدم إطاراً لفهم هذه التحولات: ما نشهده هو انهيار المرحلة الليبرالية الجديدة من الرأسمالية، وبداية مرحلة جديدة من التنافس والصراع، تتراجع فيها هيمنة المركز، وتصعد فيها قوى الأطراف .
على المستوى الاقتصادي، تعاني الولايات المتحدة من تراكم الديون، وتضخم القطاع المالي على حساب القطاع الإنتاجي، وتآكل القاعدة الصناعية. استنزفت حروب العراق وأفغانستان الموارد، وأضعفت القدرة التنافسية. الصين تتصاعد كقوة اقتصادية كبرى، وروسيا تعيد بناء قدراتها، ودول البريكس تبحث عن نظام عالمي جديد.
على المستوى العسكري، أثبتت الحروب في غرب آسيا محدودية القوة العسكرية الأميركية. الجيش الأميركي مصمم لخوض حروب تقليدية ضد جيوش نظامية، لكنه يجد صعوبة في مواجهة حروب العصابات، وحروب الاستنزاف، والصراعات غير المتماثلة. صواريخ المقاومة الرخيصة تكبد البوارج الأميركية الغالية خسائر فادحة، والطائرات المسيرة البسيطة تربك أحدث أنظمة الدفاع الجوي.
على المستوى السياسي، تفقد الولايات المتحدة هيبتها ومصداقيتها. حربها على غزة، ودعمها اللامحدود لإسرائيل رغم المجازر، كشف ازدواجية معاييرها، وأضعف موقفها الأخلاقي في العالم. دول كثيرة، حتى من حلفائها، بدأت تبحث عن شركاء آخرين، وتنأى بنفسها عن الهيمنة الأميركية.
الفصل الثامن عشر: إسرائيل – الكيان المحتل في مأزق استراتيجي
إسرائيل، التي كانت لسنوات طويلة "الرأس حربة" للمشروع الإمبريالي في المنطقة، تعيش اليوم أعمق أزماتها. فشل مشروعها في تحقيق الأمن لمستوطنيها، وعجز جيشها عن حسم الصراع مع المقاومة، وتآكل قوة الردع التي بنتها على مدى عقود، كلها مؤشرات على تحول جذري.
ما حدث في السابع من أكتوبر 2023، وما تلاه من حرب إبادة على غزة، كشف عن عمق المأزق الإسرائيلي. من جهة، العجز عن منع هجوم مباغت من قوة مقاومة صغيرة نسبياً. ومن جهة أخرى، العجز عن تحقيق أي نصر حاسم رغم استخدام القوة المفرطة، والدمار الهائل، والقتل الجماعي.
نظرياً، يمكن قراءة هذا المأزق في سياق التحولات الأوسع في موازين القوى بين المركز والأطراف. إسرائيل، كجزء من المشروع الإمبريالي، كانت تستمد قوتها من تفوقها التكنولوجي والعسكري، ومن الدعم اللامحدود من الولايات المتحدة. لكن مع تصاعد قوى الأطراف، وتطور قدراتها، وتنامي شبكة المقاومة، تضاءلت الفجوة، وأصبحت إسرائيل تواجه تحديات وجودية حقيقية.
صواريخ إيران والمقاومة، التي كانت بالأمس مجرد تهديد نظري، أصبحت اليوم قادرة على ضرب العمق الإسرائيلي بدقة متزايدة. والقبب الحديدية، التي بيعت للعالم كحل سحري، أثبتت عجزها أمام تكتيكات التشويش والإرباك التي تستخدمها المقاومة.
الفصل التاسع عشر: أنظمة الخليج – بين التبعية والبحث عن موطئ قدم
تقف أنظمة الخليج اليوم في موقف بالغ التعقيد. من جهة، هي حليف تقليدي للولايات المتحدة، وتستمد جزءاً كبيراً من شرعيتها وأمنها من هذه العلاقة. ومن جهة أخرى، ترى بعينيها تراجع النفوذ الأميركي في المنطقة، وتصاعد قوة إيران والمقاومة، وتغير موازين القوى.
في هذه الحالة، تتحرك هذه الأنظمة وفق منطق البقاء. تسعى للحفاظ على علاقاتها مع واشنطن، لكنها في الوقت نفسه تفتح قنوات اتصال مع طهران، وتحاول تحسين علاقاتها مع قوى المقاومة، وتنأى بنفسها عن التصعيد العسكري.
هذا التحرك يعكس تحولاً مهماً: لم تعد أنظمة الخليج على يقين من أن المظلة الأميركية كافية لحمايتها. عندما ترى واشنطن تبيع حلفاءها بثمن الخردة، وعندما ترى كيف تركت الكيان الإسرائيلي تحت القصف اليمني دون تدخل فعال، وعندما ترى القواعد الأميركية في المنطقة تتعرض للاستهداف دون ردع حقيقي، تدرك هذه الأنظمة أنها قد تكون وحدها في مواجهة العواصف القادمة.
لقد تجلى هذا التحول بوضوح في الموقف من الحرب على غزة. رغم الضغوط الأميركية والإسرائيلية، لم تنخرط أنظمة الخليج في الحرب، وحاولت قدر الإمكان الابتعاد عن التصعيد. حتى التطبيع مع إسرائيل، الذي كان يباع كاستراتيجية كبرى، تراجع في سلم الأولويات، وأصبح الحديث عنه أقل، في مواجهة الغضب الشعبي الهائل.
هذا لا يعني أن هذه الأنظمة قد تحررت من التبعية. فهي لا تزال، من الناحية البنيوية، جزءاً من النظام الإمبريالي، واقتصاداتها مرتبطة بالمركز، ونخبها الحاكمة تعتمد على الدعم الغربي. لكنه يعني أن رياح التغيير تتحرك، وأن هذه الأنظمة تحاول، قدر الإمكان، أن تتكيف معها، وأن تجد لها موطئ قدم في المنطقة الجديدة التي تتشكل.
الفصل العشرون: حلف شمال الأطلسي – امتداد الإمبريالية الأوروبية
لا يمكن فهم المشهد الجيوسياسي في غرب آسيا دون النظر إلى دور حلف شمال الأطلسي (الناتو). هذا الحلف، الذي تأسس في الأصل لمواجهة الاتحاد السوفياتي في أوروبا، وسع نطاق عملياته تدريجياً، ليصبح أداة للتدخل العسكري الغربي في مناطق مختلفة من العالم، بما فيها غرب آسيا.
في سياق الصراع الحالي، يلعب الناتو دوراً مسانداً للولايات المتحدة وإسرائيل. بعض دول الحلف، خاصة تركيا، تمتلك قواعد عسكرية تستخدمها واشنطن في عملياتها. دول أخرى تقدم دعماً لوجستياً واستخباراتياً. والإطار العام للحلف يوفر غطاء سياسياً وعسكرياً للتدخلات الغربية.
لكن الناتو نفسه يواجه تحديات داخلية عميقة. الحرب في أوكرانيا استنزفت مخزوناته من الأسلحة والذخائر، وكشفت محدودية قدراته الصناعية. الخلافات بين أعضائه، خاصة بشأن العلاقة مع روسيا والصين، تتعمق. وصعود قوى سياسية في أوروبا تعترض على استمرار الدعم لأوكرانيا وإسرائيل يضعف التماسك الداخلي.
من الناحية النظرية، يمثل الناتو امتداداً للهيمنة الإمبريالية للمركز على الأطراف. إنه الأداة العسكرية التي تضمن استمرار تدفق الثروات من الأطراف إلى المركز، وتحمي المصالح الغربية في العالم. لكن تراجع القوة النسبية للغرب، وصعود قوى جديدة، وتنامي المقاومة في الأطراف، كلها عوامل تضع مستقبل هذا الحلف على المحك.
الباب السادس: ساحات المواجهة – خرائط جديدة للصراع
الفصل الحادي والعشرون: مضيق هرمز – شريان النفط في قبضة المقاومة
يمثل مضيق هرمز واحداً من أهم الممرات المائية في العالم، حيث يمر عبره نحو ثلث النفط العالمي المنقول بحراً. سيطرت إيران على هذا المضيق، أو على الأقل القدرة على إغلاقه، تمثل ورقة ضغط استراتيجية هائلة في الصراع مع الغرب.
في التحليل الأساسي، ورد أن إيران أغلقت مضيق هرمز فعلياً. هذا الإغلاق، إن صح، يمثل تصعيداً كبيراً، له تداعيات هائلة على الاقتصاد العالمي. أسعار النفط سترتفع، وإمدادات الطاقة ستتأثر، والاقتصادات الغربية، التي تعاني أصلاً من التضخم والركود، ستواجه أزمة جديدة.
لكن الأهم من الإغلاق الفعلي هو القدرة على الإغلاق. هذه القدرة تمنح إيران ورقة مساومة قوية، وتجعل أي عدوان عليها محفوفاً بمخاطر اقتصادية هائلة. إنها تجسيد لمعادلة الردع غير المتماثل: قوة الأطراف لا تكمن في امتلاك ما يمتلكه المركز، بل في القدرة على إيذائه، وضرب مصالحه الحيوية.
في سياق الحرب الاستنزافية الحالية، يظل مضيق هرمز ورقة يمكن استخدامها في أي لحظة. إذا شعرت إيران أن وجودها مهدد، أو إذا تعرضت لعدوان كبير، فلن تتردد في استخدام هذه الورقة. وهذا ما يجعل حسابات الحرب معقدة للغاية، ويدفع الولايات المتحدة وحلفاءها إلى التردد في المغامرة العسكرية.
الفصل الثاني والعشرون: البحر الأحمر – معادلات جديدة على طريق الملاحة العالمية
في البحر الأحمر، فرض أنصار الله معادلة جديدة تماماً. بقرارهم استهداف السفن المرتبطة بإسرائيل، أو المتجهة إليها، حولوا هذا الممر الحيوي إلى ساحة مواجهة، وأجبروا العالم على الالتفات إلى جرائم الاحتلال في غزة.
ما فعله أنصار الله هو نموذج لتحويل نقاط الضعف الجغرافية إلى نقاط قوة استراتيجية. اليمن، البلد الفقير المحاصر، استطاع من موقعه على مضيق باب المندب، أن يؤثر في حركة التجارة العالمية، وأن يفرض تكاليف باهظة على إسرائيل وحلفائها.
رد الفعل الغربي على هذه التطورات كان مثيراً للاهتمام. تشكيل تحالف بحري بقيادة أميركا، وإرسال سفن حربية إلى المنطقة، ومحاولة اعتراض صواريخ ومسيرات أنصار الله، كلها خطوات تعكس حجم القلق الغربي. لكنها في الوقت نفسه تعكس العجز عن حل المشكلة جذرياً. فأنصار الله لا يزالون يطلقون صواريخهم، ولا تزال السفن تتعرض للاستهداف، ولا يزال البحر الأحمر يشهد توتراً مستمراً.
من الناحية الاقتصادية، تأثرت حركة الملاحة في البحر الأحمر بشكل كبير. بعض شركات الشحن الكبرى غيرت مساراتها، وتكاليف التأمين ارتفعت، وأوقات الشحن تطولت. هذا يؤثر على الاقتصاد العالمي، ويزيد من تكاليف الإمدادات، ويساهم في الضغوط التضخمية.
الفصل الثالث والعشرون: قناة السويس – شريان مصر بين الإرادة والسيادة
تمثل قناة السويس، التي تمر عبر الأراضي المصرية، واحداً من أهم الممرات المائية في العالم. إغلاقها الفعلي، نتيجة التوتر في البحر الأحمر، يمثل ضربة قوية للاقتصاد المصري، الذي يعتمد بشكل كبير على عائدات القناة.
هذا الوضع يضع مصر في موقف صعب. من جهة، هي دولة ترتبط بعلاقات وثيقة مع الغرب، وتتلقى دعماً أميركياً كبيراً. ومن جهة أخرى، هي دولة عربية، وشعبها يتعاطف بشدة مع القضية الفلسطينية، ويغضب من المجازر في غزة.
في هذا السياق، تتحرك القاهرة بحذر. تحاول الحفاظ على علاقاتها مع الجميع، وتجنب الانجرار إلى صراع لا تريده، مع الدفع في اتجاه حل سياسي ينهي الحرب. لكن الخيارات المتاحة محدودة، والضغوط متزايدة.
نظرياً، تمثل قناة السويس مثالاً على التبعية البنيوية للاقتصادات العربية. قناة بنتها مصر بدماء أبنائها، ولكن عائداتها مرهونة باستقرار المنطقة وإرادة القوى الكبرى. عندما يشتعل الصراع، تتأثر العائدات، ويخسر الجميع. هذا يعيدنا إلى إشكالية التنمية في الأطراف، وضرورة بناء نماذج اقتصادية أكثر استقلالاً وقدرة على الصمود.
الفصل الرابع والعشرون: القواعد الأميركية في المنطقة – تحصينات في أرض معادية
تمتلك الولايات المتحدة شبكة واسعة من القواعد العسكرية في غرب آسيا: في قطر، والبحرين، والكويت، والإمارات، وتركيا، والأردن، والعراق، وسوريا. هذه القواعد تمثل العمود الفقري للوجود العسكري الأميركي في المنطقة، وتستخدم لمراقبة الخصوم، وشن العمليات، وردع الأعداء.
لكن هذه القواعد، التي كانت بالأمس حصوناً منيعة، أصبحت اليوم أهدافاً سهلة للمقاومة. صواريخ ومسيرات المقاومة تستطيع الوصول إليها، والهجمات عليها تتكرر، والتكلفة البشرية والمادية للوجود الأميركي ترتفع.
أن قواعد مثل إنجرليك في تركيا، وغيرها في الخليج والأردن المحتل وكردستان العراق وقبرص، تم تدميرها. هذا التدمير، إن صح، يمثل تحولاً كبيراً في موازين القوى. فالقواعد التي كانت تمثل رموز الهيمنة الأميركية، أصبحت الآن نقاط ضعف، تستهلك الموارد، وتستنزف القوات، وتشكل أهدافاً مغرية للمقاومة.
تراجع الولايات المتحدة إلى قواعدها القريبة من الهند وإيطاليا للتزود بالذخائر ، يعكس هذا التحول. إنه اعتراف بأن التواجد في الخطوط الأمامية أصبح مكلفاً للغاية، وأن الإبقاء على القوات في المنطقة يعرضها لخطر دائم. لكن هذا التراجع له ثمنه أيضاً: فهو يقلل من قدرة الردع، ويمنح المقاومة مساحة أكبر للمناورة، ويرسل إشارات ضعف للحلفاء والأعداء على حد سواء.
الكتاب الثالث: الاقتصاد السياسي للحرب والتحولات الكبرى
الباب السابع: الاستنزاف الاقتصادي كسلاح استراتيجي
الفصل الخامس والعشرون: حرب الاستنزاف – منطق الأطراف في مواجهة المركز
تمثل "حرب الاستنزاف" أحد أهم أشكال الصراع التي تلجأ إليها الأطراف في مواجهة المركز. فالمتفوق عسكرياً وتكنولوجياً يسعى لحسم الصراع بسرعة، مستخدماً قوته الهائلة لتحقيق نصر سريع وحاسم. بينما الطرف الأضعف يسعى لإطالة أمد الصراع، ورفع تكاليفه، واستنزاف خصمه تدريجياً، أملاً في إجباره على التراجع أو التفاوض من موقع أقل قوة.
ما تشهده غرب آسيا اليوم هو حرب استنزاف شاملة، متعددة الجبهات، تشارك فيها إيران وحلفاؤها من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل وحلفاؤهما من جهة أخرى. ليست هذه حرباً بالمعنى التقليدي، بجبهات محددة، ومعارك كبرى، وهدنات واضحة. إنها حرب بالوكالة، حرب غير متماثلة، حرب طويلة الأمد، تستخدم فيها جميع الأدوات: العسكرية، والاقتصادية، والسياسية، والإعلامية.
في هذه الحرب، أثبتت قوى المقاومة قدرتها على استنزاف الخصم بفعالية. الصواريخ والمسيرات التي تطلقها رخيصة نسبياً، ولكن اعتراضها مكلف للغاية. أنظمة الدفاع الجوي المتطورة التي تستخدمها أميركا وإسرائيل تكلف ملايين الدولارات لكل صاروخ معترض. الهجمات على القواعد العسكرية تكبد الخصم خسائر بشرية ومادية. واستهداف السفن في البحر الأحمر يعطل حركة التجارة العالمية.
هذا الاستنزاف له تأثير تراكمي كبير. مخزون الأسلحة والذخائر يتناقص. الميزانيات العسكرية ترتفع. الاقتصاد يتأثر. الروح المعنوية للجنود والمواطنين تتراجع. ومع مرور الوقت، تبدأ التساؤلات تطرح: لماذا نخوض هذه الحرب؟ ما الفائدة منها؟ هل تستحق هذه التكاليف الباهظة؟
الفصل السادس والعشرون: استنزاف المخزون العسكري الغربي في أوكرانيا وغزة
من المفارقات الكبرى في المشهد الحالي أن حرباً في أوكرانيا وحرباً في غزة تستهلكان معاً المخزون العسكري الغربي بشكل غير مسبوق. الولايات المتحدة وأوروبا تضخان الأسلحة والذخائر إلى أوكرانيا منذ سنوات، وإلى إسرائيل منذ أشهر، دون أن يتوقف الصراع، ودون أن يتحقق النصر.
هذا الاستنزاف له تداعيات خطيرة على القدرات العسكرية الغربية. المخزون الاستراتيجي من بعض أنواع الأسلحة والذخائر يتراجع إلى مستويات خطيرة. القدرة على إنتاج أسلحة جديدة لا تستطيع مواكبة وتيرة الاستهلاك. الصناعات العسكرية الغربية، التي اعتادت على العمل في ظروف السلم، تجد صعوبة في التحول إلى إنتاج الحرب.
أن استنزاف أوكرانيا لكل المخزون الأميركي والأوروبي والصهيوني وحتى الياباني. هذا يعني أن الغرب قد استنفد جزءاً كبيراً من قدراته، وأنه سيواجه صعوبة في تلبية احتياجاته الدفاعية إذا اندلعت أزمات جديدة. كما يعني أن قدرته على دعم إسرائيل في حرب طويلة قد تكون محدودة.
هذا الوضع يمنح قوى المقاومة ميزة إضافية. فكلما طال أمد الصراع، كلما زاد الضغط على المخزون الغربي، وكلما ضعفت القدرة على الاستمرار في القتال. إنها معادلة الزمن: الأطراف تستطيع الانتظار، بينما المركز يريد الحسم السريع.
الفصل السابع والعشرون: سلاح الحصار – إغلاق الممرات المائية كأداة ضغط اقتصادي
تمثل القدرة على إغلاق الممرات المائية الحيوية أحد أهم أسلحة الأطراف في الصراع مع المركز. مضيق هرمز، والبحر الأحمر، ومضيق باب المندب – كلها نقاط اختناق استراتيجية، إذا أغلقت، فإنها تشل حركة التجارة العالمية، وتحدث صدمة اقتصادية هائلة.
في الحرب الحالية، استخدمت قوى المقاومة هذا السلاح بذكاء. أنصار الله في اليمن استهدفوا السفن المرتبطة بإسرائيل في البحر الأحمر، مما دفع كبرى شركات الشحن إلى تغيير مساراتها، أو تعليق عبورها من المنطقة. إيران هددت مراراً بإغلاق مضيق هرمز إذا تعرضت لعدوان.
هذا الاستخدام للحصار له عدة أهداف. أولاً، زيادة الضغط الاقتصادي على إسرائيل، التي تعتمد بشكل كبير على التجارة البحرية. ثانياً، إرسال رسالة للعالم بأن ثمن العدوان على غزة لن يقتصر على الفلسطينيين فقط. ثالثاً، استنزاف القوى الغربية عبر إجبارها على إنفاق موارد ضخمة لحماية الملاحة.
من الناحية الاقتصادية، تأثير هذه الإجراءات كبير. أسعار الشحن ترتفع، وتكاليف التأمين تتضاعف، وأوقات التسليم تطول. هذا يؤثر على سلاسل التوريد العالمية، ويساهم في التضخم، ويزيد من معاناة الاقتصادات الهشة أصلاً. ومع استمرار التوتر، قد تتحول هذه التأثيرات من مؤقتة إلى دائمة، مما يعيد تشكيل أنماط التجارة العالمية.
الفصل الثامن والعشرون: سلاح العناصر النادرة – الصين وتهديد عجلة التصنيع الأميركي
تمثل العناصر النادرة، التي تستخدم في صناعة معظم الأجهزة الإلكترونية المتطورة، وأنظمة الأسلحة الحديثة، والتقنيات الخضراء، أحد أهم نقاط الضعف في الاقتصاد الغربي. الصين تسيطر على الجزء الأكبر من إنتاج وتكرير هذه العناصر، مما يمنحها ورقة ضغط استراتيجية هائلة.
تهديد الصين بوقف عجلة التصنيع الأميركي عبر منع العناصر النادرة. هذا التهديد، إن تحقق، سيشل جزءاً كبيراً من الصناعات العسكرية والتكنولوجية الأميركية، وسيجعل من المستحيل تقريباً مواصلة الحرب بمستوياتها الحالية.
هذه الورقة تعيدنا إلى مفهوم "الريع الإمبريالي" وآليات استغلال الأطراف. فالغرب اعتاد لسنوات على استيراد المواد الخام من الأطراف بأسعار زهيدة، وتصنيعها إلى منتجات متطورة، وبيعها بأسعار مرتفعة. لكن مع صعود قوى الأطراف، وتطور قدراتها، أصبحت هذه المعادلة موضع تهديد.
الصين، التي كانت بالأمس مجرد مصدر للعمالة الرخيصة والمواد الخام، أصبحت اليوم قوة تكنولوجية وصناعية كبرى، تمتلك أوراق ضغط قوية في الصراع مع الغرب. تحالفها مع روسيا، وعلاقاتها المتطورة مع إيران ودول المقاومة، تجعل منها لاعباً محورياً في إعادة تشكيل النظام العالمي.
الباب الثامن: إعادة تشكيل العالم – نحو نظام متعدد الأقطاب
الفصل التاسع والعشرون: تراجع القطب الواحد وصعود قوى جديدة
شكل انهيار الاتحاد السوفياتي نهاية الحرب الباردة، وبداية مرحلة "القطب الواحد"، حيث هيمنت الولايات المتحدة على النظام العالمي بلا منازع. هذه المرحلة شهدت توسعاً غير مسبوق للنفوذ الأميركي، وتدخلات عسكرية في مناطق مختلفة، ومحاولات لفرض النموذج الليبرالي الهمجي الجديد كبديل وحيد.
لكن هذه المرحلة تقترب من نهايتها. تراجع النفوذ الأميركي، وصعود قوى جديدة (الصين، روسيا، الهند، البرازيل)، وتنامي قوة الأطراف، كلها عوامل تشير إلى انتقال العالم نحو نظام متعدد الأقطاب. في هذا النظام الجديد، لن تكون الولايات المتحدة هي المهيمنة الوحيدة، بل سيكون هناك مراكز قوى متعددة، تتنافس وتتحالف وتتصارع.
ما يحدث في غرب آسيا هو جزء من هذا التحول الكبير. إيران، بدعمها للمقاومة، وبناءها شبكة حلفاء إقليميين، وتطويرها قدراتها العسكرية والتكنولوجية، إنما تساهم في تسريع هذا التحول. إنها تثبت أن الأطراف يمكنها أن تصنع فرقاً، وأن تؤثر في مسار التاريخ، وأن تساهم في تشكيل النظام العالمي الجديد.
في هذا السياق، يقرأ المؤرخون المستقبل كعودة إلى المسار الطبيعي للتاريخ. فقبل الثورة الصناعية، كانت الصين والهند تمثلان نسبة كبيرة من الاقتصاد العالمي. الهيمنة الغربية كانت استثناءً تاريخياً، وليست قاعدة. واليوم، مع عودة آسيا إلى موقعها الطبيعي، يعود العالم إلى توازنه القديم .
الفصل الثلاثون: غرب آسيا في النظام العالمي الجديد – موقع إيران والمقاومة
في النظام العالمي الجديد الذي يتشكل، تحتل غرب آسيا موقعاً استراتيجياً فريداً. ثرواتها النفطية والغازية، وموقعها الجغرافي الذي يربط بين ثلاث قارات، وممراتها المائية الحيوية، كلها عوامل تجعلها منطقة صراع وتنافس بين القوى الكبرى.
في هذا السياق، تمثل إيران والمقاومة قوة صاعدة، تسعى لتكون لاعباً رئيسياً في تشكيل مستقبل المنطقة. إيران، بموقعها الجغرافي، وثرواتها، وقدراتها العسكرية والتكنولوجية، وشبكة حلفائها، تمثل قطبا مهماً في معادلة القوى الإقليمية. المقاومة في لبنان وفلسطين والعراق واليمن تمثل امتداداً لهذا المشروع، وتشكل جبهة موحدة في مواجهة المشروع الإمبريالي.
لكن هذا المشروع يواجه تحديات هائلة. داخلياً، عليه إدارة التناقضات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وتلبية احتياجات الشعوب، وبناء نموذج تنموي مستدام. خارجياً، عليه مواجهة الضغوط الدولية، والتصدي للمؤامرات، والحفاظ على التماسك في وجه محاولات الاختراق والتفتيت.
السؤال المطروح هو: أي دور ستلعبه إيران والمقاومة في النظام العالمي الجديد؟ هل ستكون مجرد قوة إقليمية، تركز على مصالحها المباشرة؟ أم ستكون قطباً من أقطاب العالم المتعدد، تساهم في صياغة قواعد جديدة للعلاقات الدولية، وتدعم قوى التحرر في كل مكان؟
الإجابة على هذا السؤال ستحددها تطورات الصراع في المرحلة القادمة، وقدرة إيران والمقاومة على تجاوز التحديات الداخلية والخارجية، ومدى نجاحها في بناء نموذجها الخاص، الذي يجمع بين اللحاق التكنولوجي والصناعة المغايرة.
الخاتمة: نحو فجر جديد
ما نشهده اليوم في غرب آسيا ليس مجرد صراع عابر، أو حرب بالوكالة، أو أزمة إقليمية محدودة. إنه فصل جديد في الصراع التاريخي بين المركز والأطراف، بين الهيمنة الإمبريالية والمقاومة الشعبية، بين منطق التبعية ومنطق التحرر.
إيران، التي بدأت رحلتها الثورية منذ أكثر من أربعة عقود، تقف اليوم في قلب هذا الصراع. تقدمها التكنولوجي، وصواريخها التي تشغل القباب الكرتونية للخصم بينما تشق صواريخها الحقيقية طريقها إلى الأهداف، يعكس تحولاً كبيراً في موازين القوى. لم تعد الأطراف عاجزة أمام تفوق المركز، بل استطاعت تطوير قدراتها، وبناء أدواتها، وفرض معادلات جديدة.
شبكة المقاومة التي تمتد من طهران إلى بيروت، ومن بغداد إلى صنعاء، إلى غزة، تمثل تجسيداً لهذا التحول. حزب الله في لبنان، وأنصار الله في اليمن، والمقاومة في فلسطين والعراق – كلها قوى أثبتت قدرتها على الصمود في وجه أعتى آلات الحرب، واستنزاف الخصم، وفرض إرادتها على الأرض.
في المقابل، تتراجع الإمبراطورية الأميركية، ويترنح الكيان الإسرائيلي، وتتخبط محميات الخليج بين التبعية والبحث عن موطئ قدم. حرب أوكرانيا استنزفت المخزون الغربي، وحرب غزة كشفت حدود القوة الإسرائيلية، وتصاعد المقاومة في المنطقة هز هيبة واشنطن. الصين تهدد بسلاح العناصر النادرة، وروسيا تعيد بناء قدراتها، والعالم يتحرك نحو نظام متعدد الأقطاب.
في هذا السياق، تبرز أهمية المشروع الإيراني والمقاومة. إنه مشروع يقدم نموذجاً مغايراً للعلاقة مع الغرب، نموذجاً يقوم على الرفض والمقاومة، وليس على الخضوع والتبعية. إنه مشروع يثبت أن الأطراف يمكنها أن تلحق تكنولوجياً، وأن تطور قدراتها، وأن تصنع الفارق. إنه مشروع يعيد إحياء الأمل في إمكانية التغيير، ويدفع نحو إعادة تشكيل العالم.
لكن هذا المشروع يواجه تحديات هائلة، كما أشرنا. داخلياً، عليه أن يتجاوز تناقض "اللحاق" و"صناعة شيء آخر"، وأن يبني نموذجاً تنموياً يضع الإنسان في المركز، وليس التراكم والاستهلاك. خارجياً، عليه أن يواصل الصمود في وجه الضغوط الدولية، وأن يحافظ على تماسكه في وجه محاولات الاختراق والتفتيت.
إنها ليست مهمة سهلة. لكن التاريخ يعلمنا أن الثورات الكبرى، رغم مآسيها وتراجعاتها، تضع البشرية على مدى أبعد. إنها تسمح للطوباويات الخلاقة بمتابعة غزوها للعقول، وتحقيق طموح الحداثة الأسمى: جعل الكائنات الإنسانية صناع تاريخهم .
في غرب آسيا اليوم، يكتب صناع التاريخ فصلاً جديداً. إنه فصل دموي، مؤلم، مليء بالتضحيات. لكنه أيضاً فصل بطولي، ملهِم، مليء بالأمل. إنه فصل يعيد تشكيل الخرائط، ويعيد توزيع الأدوار، ويعيد تعريف معاني القوة والضعف، والنصر والهزيمة.
وأنتم تقرأون هذه السطور، في مكان ما من غرب آسيا، يقاتل مقاوم، ويعاني طفل، وتنزف أم، وينتظر أب. لكن في مكان آخر، يتغير العالم. ببطء، بصعوبة، بألم، لكنه يتغير. والفجر، وإن تأخر، لا محالة آت.
……
ملحق: مسرد بالمفاهيم النظرية الأساسية
المركز والأطراف: ثنائية تحلل البنية غير المتكافئة للنظام الرأسمالي العالمي، حيث تتركز الثروة والتكنولوجيا والقوة في "المركز" (الدول الرأسمالية المتقدمة)، بينما تعاني "الأطراف" (دول العالم الثالث) من التبعية والاستغلال والفقر.
الإمبريالية: ليست مرحلة عابرة في تطور الرأسمالية، بل وجهها الحقيقي وجوهرها الذي لا ينفصل عنها. هي التوسع العالمي للرأسمالية بهدف السيطرة على الأسواق والموارد والأيدي العاملة في الأطراف.
الرأسمالية الاحتكارية المعولمة: المرحلة الحالية من تطور الرأسمالية، حيث تسيطر حفنة من التجمّعات الاحتكارية المالية على الاقتصاد العالمي، وتنتقل مركز الثقل من الإنتاج إلى المضاربة المالية.
قانون القيمة المعولمة: التطور الحديث لقانون القيمة الماركسي، حيث يعاد توزيع فائض القيمة العالمي لصالح المركز عبر آليات الريع الإمبريالي.
الريع الإمبريالي: ذلك الجزء من فائض القيمة المنتج في الأطراف، والذي ينتقل إلى المركز ليس عبر آليات السوق العادلة، بل عبر آليات الهيمنة والتحكم والاستغلال غير المتكافئ.
التبعية الكومبرادورية: سيطرة طبقات محلية في الأطراف تعمل كوكلاء للمركز الإمبريالي، وتسهل استغلال ثروات بلدانها لصالحه، مقابل الحصول على حصة من الريع.
الثورات الكبرى: ثورات تستبق زمنها، وتطرح أسئلة تتجاوز متطلبات اللحظة الراهنة، وتضع التاريخ على مدى أبعد، كالفرنسية والروسية والصينية.
معضلة اللحاق والصناعة المغايرة: التحدي الذي تواجهه المجتمعات ما بعد الثورية في الأطراف، حيث تضطر إلى استخدام وسائل الرأسمالية للحاق بالمركز تكنولوجياً، مع سعيها في الوقت نفسه لبناء نموذج مغاير (اشتراكي).
الاستنزاف: استراتيجية حرب الأطراف، التي تعتمد على إطالة أمد الصراع، ورفع تكاليفه على الخصم المتقدم، أملاً في إجباره على التراجع أو التفاوض من موقع أقل قوة.
النظام متعدد الأقطاب: المرحلة القادمة في تطور النظام العالمي، بعد تراجع الهيمنة الأميركية الأحادية، حيث ستتنافس وتتصالح عدة مراكز قوى (الولايات المتحدة، الصين، روسيا، الاتحاد الأوروبي، إلخ).
التنمية على أساس القيمة: المشروع البديل الذي يدعو إليه التحليل النظري، القائم على مجموعة من القيم المعنوية والأخلاقية والاجتماعية (الديمقراطية، الحرية، المساواة، التضامن)، والتي تضع الإنسان في مركز عملية التنمية.
……..
المادة الساخرة :
القباب الكرتونية: يوميات الانهيار الإمبراطوري على إيقاع الصواريخ الإيرانية
مسرحية هزلية من فصل واحد، تمثيل: الولايات المتحدة، إسرائيل، وأنظمة الخليج، إخراج: إيران والمقاومة
---
مقدمة المخرج: لماذا نضحك على حافة الهاوية؟
في البدء كان الخوف. ثم جاءت الصواريخ الإيرانية، فتحول الخوف إلى ذهول، والذهول إلى سخرية. ليس لأن ما يحدث مضحك، بل لأن العكس تماماً هو الصحيح. المضحك هو الادعاءات، والنشرات الإخبارية، والوعود، والقبب الحديدية، والمؤتمرات الصحفية، وحاملات الطائرات، والتحالفات الدولية، وجميع الدعاية الإمبريالية التي تنهار يوماً بعد يوم على شاشات التلفاز، بينما الصاروخ الحقيقي يشق طريقه بهدوء، كأنه يقول للعالم: "معذرة، سأمر".
هذا العمل محاولة لرسم الوجه الكوميدي للمأساة. ليس استخفافاً بالضحايا، بل تكريماً لهم. لأن الضحك في وجه الموت هو آخر صناديق الذخيرة. لأن السخرية من الجلاد هي أرقى أنواع المقاومة. لأن من يستطيع أن يضحك على إمبراطورية وهي تنهار، فقد بدأ فعلياً في بناء عالم جديد.
فلتفتح الستار، ولتبدأ المسرحية.
…….
الفصل الأول: مشهد في غرفة العمليات الإسرائيلية
الزمان: ليلة من ليالي القصف. المكان: غرفة عمليات متطورة جداً، مليئة بشاشات العرض، وأجهزة الكمبيوتر العملاقة، وضباط يرتدون زيًا أنيقًا، وقهوة تركية بجانب كل منهم.
قائد الغرفة (يهمس في اللاسلكي): استعدوا... رادارنا التقط شيئاً... شيء ضخم... شيء مرعب... إنه قادم من إيران!
ضابط المراقبة (يرفع رأسه من الشاشة بوجه شاحب): سيدي... لقد التقطنا عشرة أهداف... عشرين... ثلاثين... مئة هدف!
الجميع (في هلع): الله!!! القبة الحديدية! شغلوها!
(تشتغل الموسيقى التصويرية المثيرة، وتبدأ الكاميرات بتصوير مشاهد حماسية من أفلام هوليوود. الصواريخ الاعتراضية تنطلق من كل مكان. الجميع يصفقون).
قائد الغرفة (بفخر): لقد اعترضنا تسعة وعشرين صاروخاً من أصل ثلاثين! نسب نجاحنا 96.7%! أبلغوا واشنطن أن إسرائيل منيعة!
(فجأة، يظهر على الشاشة الرئيسية صاروخ واحد، يمشي بهدوء، كأنه يتمشى في نزهة مسائية. يتجه نحو هدفه دون أن يكترث بكل ما يحدث حوله).
ضابط المراقبة (بصوت مرتعش): سيدي... الصاروخ رقم ثلاثين... لم نعترضه.
قائد الغرفة (مندهشاً): كيف؟! لقد أطلقنا عليه عشرة صواريخ اعتراضية!
ضابط الصواريخ (بصوت خافت): سيدي... يبدو أنه كان وهمياً.
قائد الغرفة: وهمياً؟! كيف يكون الصاروخ وهمياً؟!
ضابط الصواريخ: أعني سيدي... لقد كان مجرد صورة... هولوغرام... ضوء... فقاعة صابون... لا أعرف... لكن صواريخنا كانت تعتقد أنها تعترض شيئاً موجوداً، بينما الشيء الحقيقي...
قائد الغرفة (يقاطعه بانفعال): أين هو الشيء الحقيقي؟!
(ينظر الجميع إلى الشاشة الكبيرة. الصاروخ الحقيقي يقترب من هدفه. لحظة صمت. ثم انفجار. تنقطع الشاشة. يعم الظلام. ثم يعود النور ببطء).
قائد الغرفة (وهو ينفض الغبار عن زيّه): حسناً... 96.6% نسب نجاح لا بأس بها أيضاً.
……
الفصل الثاني: البنتاغون يعقد مؤتمراً صحفياً
الزمان: صباح اليوم التالي. المكان: قاعة المؤتمرات في البنتاغون. علم أميركي كبير في الخلفية. منصة عليها عدة ميكروفونات.
المتحدث باسم البنتاغون (يدخل مبتسماً، واثقاً من نفسه): صباح الخير. يسعدني أن أعلن أن جميع القواعد الأميركية في المنطقة آمنة تماماً. لم يصب أي منها بأذى. كل الصواريخ الإيرانية تم اعتراضها بنجاح. نحن نسيطر على الوضع تماماً.
صحفي من الصف الأول (يرفع يده): سيدي... لقد وصلتنا تقارير عن تدمير قاعدة إنجرليك في تركيا...
المتحدث (مقاطعاً، بابتسامة متصلبة): أخبار كاذبة! دعاية إيرانية! قاعدة إنجرليك... (يتوقف للحظة) ... في حالة ممتازة. الجنود يتمتعون بإجازة ممتدة حالياً... أعني... يقومون بمناورات تدريبية في الهواء الطلق.
صحفي آخر: وماذا عن القواعد في كردستان العراق؟
المتحدث: مؤمنة بالكامل! القباب الحديدية... أقصد... القباب الأميركية... تعمل بكفاءة عالية. لدينا تقارير تؤكد أن...
(يدخل مساعد مسرعاً، يهمس في أذن المتحدث. يتغير لون وجهه).
المتحدث (بصوت منخفض): ماذا؟ كلها؟ الثماني قواعد؟ (يتوقف لحظة، ثم يعود للابتسامة) ... أيها السيدات والسادة، يسعدني أن أعلن أننا قررنا إعادة تموضع قواتنا بشكل استراتيجي. لأسباب لوجستية بحتة. بعض القواعد في المنطقة ستنتقل إلى... الهند. نعم، الهند. مناخها أفضل. والشاي هناك لذيذ.
صحفي ثالث: إذن أنتم تقرون بأن القواعد دمرت؟
المتحدث (بغضب): نحن لا نقر بشيء! نحن نقوم بإعادة تموضع استراتيجي. هناك فرق كبير. الفرق هو... (يتمتم)... أن إعادة التموضع تعني أننا انسحبنا بإرادتنا، بينما التدمير يعني أنهم أجبرونا على الانسحاب. ونحن لم يجبرنا أحد على أي شيء!
صحفي رابع: وماذا عن القواعد في الأردن وقبرص؟
المتحدث: الأردن؟ قبرص؟ (يتصبب عرقاً) إنها... إنها في طور التطوير. سنحولها إلى منتجعات سياحية. نعم، لماذا لا؟ الجنود الأميركيون يستحقون قليلاً من الراحة والاستجمام. والحرب على الإرهاب متعبة جداً.
صحفي خامس: سيدي، هل صحيح أنكم تنسحبون إلى إيطاليا أيضاً؟
المتحدث (بصوت متعب): إيطاليا... نعم... المعكرونة هناك طيبة. (يستجمع قواه) أعني... إيطاليا شريك استراتيجي مهم، ووجود قواعد هناك يسمح لنا بالانتشار السريع في... (يبحث عن كلمة) ... في البحر الأبيض المتوسط. حيث يمكننا مراقبة... الأسماك... نعم، الأسماك الاستراتيجية.
(يغادر المنصة مسرعاً، والميكروفونات تسقط خلفه).
……
الفصل الثالث: قمة خليجية طارئة (مغلقة طبعاً)
الزمان: بعد أسبوع من الأحداث. المكان: قصر فخم في إحدى دول الخليج. ثريات كريستال. كنب مذهّب. صحون من الذهب فيها تمر.
أمير الأول (يتنهد): يا جماعة... أنا في حيرة. بالأمس اتصل بي وزير الخارجية الأميركي وقال: "لا تقلقوا، نحن معكم". وبعد ساعة قصفت قاعدة من قواعدهم في المنطقة.
أمير الثاني (يهز رأسه): قصف القواعد هذا أقل ما يقلقني. المشكلة أنهم ينسحبون. رأيت الخريطة. كل القواعد الأميركية في المنطقة إما دمرت أو في طريقها إلى الهند وإيطاليا.
أمير الثالث (بسخرية): جميل. سأطلب من شعبي أن يثقوا بالمظلة الأميركية وقد طارت إلى الهند. ربما يمكنهم شراء مظلات صينية؟ يقال إنها أرخص.
أمير الأول: المضحك أنهم باعوا الكيان الإسرائيلي قبلنا. اليمنيون يقصفون تل أبيب، وأميركا تنظر وتقول: "أوه، هذا مؤلم". لا تفعل شيئاً. لا شيء على الإطلاق!
أمير الرابع (يدخل مسرعاً ومعه جريدة): يا جماعة، اقرأوا هذا! عنوان رئيسي: "واشنطن تبيع حلفاءها بثمن الخردة".
الجميع (في انهيار): خردة؟! نحن أصبحنا خردة؟!
أمير الثاني: لا تبالغوا. الخردة على الأقل يعاد تدويرها. نحن على ما أعتقد سنصبح في مزاد علني: "من يشتري نظاماً خليجياً مستعملاً، مع كامل أجهزته الأمنية ووزارء إعلامه؟ مطلوب دولار واحد، أو أفضل عرض".
أمير الأول (بجدية): لكن هناك أمر إيجابي. اليمنيون عرضوا علينا هدنة.
الجميع (بدهشة): هدنة؟!
أمير الأول: نعم. شرط واحد فقط: أن نتركهم يقصفون تل أبيب.
أمير الثالث: هذا كل شيء؟ أي أن يبقوا قواعدنا وشعبنا آمنين إذا لم نتدخل في حربهم مع إسرائيل؟
أمير الأول: بالضبط.
أمير الرابع (يقفز من الفرح): صفقة العمر! وقعوا! وقعوا قبل أن يتراجعوا!
أمير الثاني: لحظة... لحظة... ماذا سيقول الأميركيون إذا عرفوا أننا نتفاهم مع اليمنيين خلف ظهورهم؟
أمير الثالث: أي أميركيين؟ الذين في الهند؟ سلم عليهم إذا رأيتهم.
أمير الأول (يوقع الورقة): هكذا... تم. رسالة إلى صنعاء: "نعم، نعم، وألف نعم. قصفوا تل أبيب كما تشاؤون، نحن في إجازة".
………
الفصل الرابع: إمبراطوريات الإعلام في حالة إنكار
الزمان: استوديو إخباري فخم. المكان: قناة غربية كبرى. مذيعة أنيقة، خلفها شاشة عرض ضخمة.
المذيعة (بصوتها المهني الناعم): ننقل لكم آخر التطورات في غرب آسيا. البيت الأبيض يؤكد أن العمليات العسكرية تسير وفق الخطة، وأن إسرائيل حققت إنجازات كبيرة في الأيام الماضية.
خبير عسكري في الاستوديو (بثقة): صحيح، صحيح. القبّة الحديدية أثبتت كفاءتها. نسب الاعتراض مرتفعة جداً. إيران تتراجع على جميع الجبهات.
المذيعة: الخبير العسكري يؤكد أن إيران تتراجع. نعم. والآن مع تقرير مراسلنا من المنطقة.
المراسل (يقف أمام أنقاض قاعدة عسكرية، الريح تعصف به): نعم... هنا... في موقع القاعدة... الجو... الجو عاصف قليلاً... لكن المؤكد أن...
المذيعة (تقاطعه): لحظة، لحظة. هذه الأنقاض خلفك... تبدو كأنها قاعدة عسكرية مدمرة.
المراسل (يتلعثم): نعم... نعم... هذه... هذه القاعدة... في الحقيقة... (يتنحنح) إنها قاعدة قيد التجديد. أعمال صيانة دورية. الجيش الأميركي يهتم بمنشآته.
المذيعة: إذن هي أعمال صيانة، وليست تدميراً كما تروج الدعاية الإيرانية؟
المراسل: بالتأكيد! انظروا إلى هذا الدخان المتصاعد... (يشير إلى عمود دخان ضخم) إنه... إنه دخان أعمال الصيانة. طبيعي جداً. يحدث كل يوم.
خبير عسكري (مقاطعاً): صحيح، صحيح. الصيانة الدورية تنتج أحياناً دخاناً كثيفاً وانفجارات صغيرة. هذا أمر معروف في العلوم العسكرية.
المذيعة: تقرير رائع! والآن، ننتقل إلى أخبار الاقتصاد. أسعار النفط تشهد ارتفاعاً ملحوظاً بعد التطورات في البحر الأحمر...
المراسل (يهمس والكاميرا لا تزال عليه): لكن سألت نفسي... إذا كانت أعمال صيانة، فلماذا الجنود الأميركيون يركضون نحو الطائرات المروحية ويهربون؟ ولماذا هذه السفن الحربية تغادر بسرعة؟
المذيعة (تنظر إليه بحدة): المراسل يقول إن الجنود يجرون تمارين رياضية صباحية، والسفن تغادر لمناورات تدريبية في عرض البحر. شكراً جزيلاً. والآن مع الطقس.
المراسل (يغادر الشاشة وهو يتمتم): أنا لا أعرف ماذا أقول بعد الآن. الحقيقة أصبحت أغرب من الخيال.
…….
الفصل الخامس: ترامب في اجتماع طارئ (مع عصابته)
الزمان: نادٍ خاص في فلوريدا. المكان: طاولة اجتماعات فخمة. ترامب يجلس على الرأس. حوله مستشاروه ورجاله.
ترامب (يصرخ): كيف حدث هذا؟! كيف سمحتم لإيران أن تفعل بنا هذا؟! أنا قلت لكم: إيران خطيرة! إيران شريرة! إيران لديها صواريخ! وأنتم لم تفعلوا شيئاً!
مستشار الأمن القومي (بخوف): سيدي الرئيس... لقد فعلنا كل شيء. فرضنا عقوبات. شننا حروباً. اغتالنا قادتهم. لكنهم... لكنهم يستمرون.
ترامب: العقوبات؟! العقوبات تجعل الدول أقوى! أنا رجل أعمال، أعرف هذا. عندما تفرض عقوبات على بلد، يبدأ في تصنيع كل شيء بنفسه. لقد صنعوا صواريخ من عقوباتنا!
وزير الدفاع: سيدي... المشكلة أن مخزوننا من الأسلحة ينفد.
ترامب (مندهشاً): ينفد؟! كيف ينفد؟! نحن أقوى دولة في العالم! لدينا جبال من الأسلحة!
وزير الدفاع: أوكرانيا أخذت الكثير. ثم إسرائيل أخذت الباقي. والآن نحن نصطاد بالصنارة.
ترامب: أوكرانيا! إسرائيل! كلهم يريدون أسلحتنا! لماذا لا يصنعون أسلحتهم بأنفسهم؟! (يتنهد) حسناً، وماذا عن الصين؟
مستشار الأمن القومي: الصين... سيدي... الصين تهدد بوقف تصدير العناصر النادرة.
ترامب: العناصر النادرة؟ ما هذا؟ اسمه يبدو غالياً.
المستشار: هي معادن تستخدم في كل شيء. في الطائرات، في الصواريخ، في الهواتف. بدونها، تتوقف الصناعة الأميركية.
ترامب: توقف؟! يعني مصانعنا ستتوقف؟! والعمال سيعودون إلى بيوتهم؟! (يصرخ) هذا أسوأ صفقة في التاريخ! أسوأ صفقة!
رجل الأعمال الجالس بجانبه (يهمس): سيدي، ربما يمكننا شراء العناصر النادرة من...
ترامب (يقاطعه): من الصين نفسها؟! رائع! سنشتري منهم السلاح الذي سيقتلوننا به! عبقرية! أنا محاط بالعباقرة!
وزير الدفاع: سيدي... هناك حل آخر. يمكننا الانسحاب من المنطقة.
ترامب (يهدأ فجأة): الانسحاب؟ إلى أين؟
وزير الدفاع: إلى الهند. إنها بعيدة. صواريخ إيران لا تصل إلى هناك.
ترامب: الهند... (يفكر) الهند فيها شاي كثير، أليس كذلك؟ أنا أحب الشاي. حسناً، انسحبوا إلى الهند. وأخبروا الجميع أننا نذهب في إجازة طويلة.
المستشار: وماذا نقول للحلفاء؟
ترامب: الحلفاء؟ (يضحك) أيها العبقري، الحلفاء موجودون ليخدموا مصالحنا. عندما تختفي مصالحنا، يختفي الحلفاء معها. هذا هو العمل. هذا هو البيزنس.
(ينهض ترامب ويغادر، تاركاً الجميع في حيرة).
…….
الفصل السادس: حوار في مقهى بطهران
الزمان: مساء. المكان: مقهى بسيط في طهران. شاي. نرجيلة. شباب يجلسون ويتحدثون.
شاب أول (يضحك): سمعتم الخبر؟ أميركا تنسحب إلى الهند!
شاب ثاني (يهز رأسه): لا تستهين. ربما سيفتحون فرعاً جديداً لـ"ماكدونالدز" هناك.
شاب ثالث (بجدية): لكن بصراحة، هل كنتم تتوقعون كل هذا قبل بضع سنوات؟
شاب أول: قبل بضع سنوات كنا نخاف من الحرب. كنا نقول: إذا ضربتنا أميركا، ماذا سنفعل؟ والآن هم من يخاف.
شاب رابع (يدخل مسرعاً): يا جماعة! القناة الإسرائيلية تقول إن صاروخاً إيرانياً ضرب هدفاً حيوياً في تل أبيب!
الجميع (يصفقون ويضحكون): أهلاً وسهلاً! هذه هدية!
شاب ثاني: المضحك أنهم بالأمس قالوا إن القبّة الحديدية اعترضت كل الصواريخ.
شاب أول: ربما القبة اعترضت الصواريخ الوهمية، أما الحقيقية فلم تشأ أن تزعج القبة في إجازتها.
شاب ثالث: سمعتم عن اليمنيين؟ إنهم يقصفون تل أبيب كل يوم، والسعودية تنظر من بعيد وتقول: "يا سلام، المنظر جميل من بعيد".
شاب رابع: والمصريون يمسكون رؤوسهم: قناة السويس مغلقة! الإيرادات طارت! ماذا نفعل؟
شاب أول: ربما يفتحون متحفاً للقناة. "كان يا مكان في قديم الزمان قناة تمر من هنا، تجلب الدولارات، ثم جاء اليمنيون وأغلقوها".
شاب ثاني (بجدية): لكن بصراحة... هل تعتقدون أن هذا هو النصر؟
شاب ثالث: ليس نصراً بعد. لكنه بداية. أميركا تتراجع. إسرائيل خائفة. أنظمة الخليج ترتجف. هذا أكثر مما كنا نحلم به قبل سنوات.
شاب أول: الأهم أننا لم ننهار. رغم كل الاغتيالات، كل العقوبات، كل الحروب. نحن هنا. نضحك. نشرب الشاي. وصواريخنا تضرب حيث تريد.
شاب رابع: ربما هذا هو النصر الحقيقي. أن نكون قادرين على الضحك على الإمبراطورية وهي تنهار.
(يرفع الجميع أكواب الشاي في نخب صامت).
……
الفصل السابع: إسرائيل تجتمع لدراسة "الخيارات"
الزمان: ليل. المكان: غرفة الاجتماعات السرية في تل أبيب. طاولة مستطيلة. وجوه شاحبة. أكواب قهوة فارغة.
رئيس الوزراء (بصوت متعب): أيها السادة... نعقد هذا الاجتماع لمناقشة الوضع... المزري. صاروخ إيراني جديد ضرب هدفاً حيوياً. اليمنيون يقصفوننا يومياً. حزب الله يهدد من الشمال. والمقاومة في غزة... لم تنكسر بعد.
وزير الدفاع: سيدي... المشكلة أن مخزوننا من الصواريخ الاعتراضية ينفد.
رئيس الأركان: وأميركا تقول إنها لا تستطيع إمدادنا بسرعة، لأنها هي نفسها تعاني من نقص.
وزير الخارجية: والأوروبيون... يتذمرون. يقولون إننا نسبب لهم مشاكل مع الرأي العام. الشباب في شوارع أوروبا يهتفون لفلسطين.
رئيس الوزراء: رائع. نحن وحدنا إذاً.
رئيس الموساد: ليس تماماً. هناك بعض الدول الخليجية... لكنهم يخافون. اليمنيون هددوهم، والصفقة مع صنعاء جعلتهم في الحياد.
رئيس الوزراء: الحياد؟! في حرب وجود؟! كيف يمكن لأحد أن يبقى محايداً؟!
رئيس الموساد: ببساطة. قالوا لليمنيين: "لن نحرك ساكناً، مقابل أن تستمروا في قصفكم". هذه هي الحيادية.
وزير الدفاع (بسخرية): ربما يمكننا نحن أيضاً أن نعرض على إيران صفقة: توقفوا عن قصفنا، وسنعطيكم... (يبحث) ... ماذا لدينا لنعطيهم؟
الجميع (في صمت).
رئيس الوزراء: إذاً... نحن في مأزق.
خبير استراتيجي: سيدي... هناك خيار واحد. أن نكون أكثر حذراً في إطلاق الصواريخ.
الجميع (مندهشاً): ماذا يعني هذا؟!
الخبير: يعني... أن ندخر ما تبقى لدينا. لا نطلق إلا عندما نكون متأكدين. أما الصواريخ الإيرانية... فستصل إلى أهدافها بسهولة.
وزير الدفاع: يعني أن نستسلم؟!
الخبير: لا، لا. يعني أن نكون واقعيين. إذا كان خصمنا يطلق عشرة صواريخ وهمية وصاروخاً حقيقياً، ونحن نعترض التسعة الوهمية ونترك الحقيقي يمر، فالأفضل أن نوفر صواريخنا الاعتراضية... ونشتري قباباً كرتونية من السوبرماركت. أرخص بكثير.
رئيس الوزراء (بغضب): قباب كرتونية؟! أنت تستهزئ بنا؟!
الخبير: لا يا سيدي، أنا أحاول إنقاذ ما يمكن إنقاذه. القباب الكرتونية على الأقل تشغل الصواريخ الوهمية. والقباب الحديدية لا تشغل أحداً.
(صمت طويل. الجميع ينظرون إلى بعضهم).
رئيس الوزراء (بصوت منخفض): حسناً... نرفع الجلسة. غداً سنتخذ قرارات... صعبة.
(يغادرون الواحد تلو الآخر. تبقى الغرفة فارغة، إلا من أكواب القهوة الفارغة، وقبّة حديدية صغيرة على الطاولة، صدئة، مهملة).
……
الفصل الثامن والأخير: القيامة كما تراها إيران
الزمان: فجر اليوم التالي. المكان: سماء غرب آسيا. منظر بانورامي. صواريخ تعبر. قواعد تحترق. سفن تهرب.
راوي (صوت من خارج الشاشة، هادئ، ساخر، حكيم): وهكذا... بعد طول انتظار، بدأت القيامة. ليست القيامة التي يعدنا بها الكهنة، ولا التي يهددنا بها السياسيون. قيامة من نوع آخر. قيامة الأطراف. قيامة الشعوب. قيامة من قالوا عنهم إنهم "متخلفون" و"إرهابيون" و"لا يفهمون في السياسة".
صواريخهم كانت بالأمس مجرد "أنابيب غاز معاد تدويرها". واليوم، هذه الأنابيب تعيد تدوير الإمبراطوريات.
قبابهم الحديدية كانت بالأمس "الدرع المنيع". واليوم، هذه الدروع تصلح لحماية حدائق الحيوان من العصافير.
حاملات طائراتهم كانت بالأمس "رموز الهيمنة". واليوم، هذه الرموز تبحر باتجاه الهند، ربما لتشتري شاياً وتفكر في المغامرة القادمة.
أنظمة الخليج كانت بالأمس "حلفاء أشداء". واليوم، هؤلاء الأشداء يتسولون الهدنة من اليمنيين، ويتركون تل أبيب تحت القصف.
إسرائيل كانت بالأمس "الدولة الوحيدة التي لا تقهر". واليوم، تقهرها صواريخ من غزة، ومسيرات من اليمن، ووعيد من لبنان، وحسابات من طهران.
وكل هذا يحدث... بينما الولايات المتحدة تنظر من بعيد، من الهند، من إيطاليا، وتقول: "نحن نسيطر على الوضع". نعم، تسيطرون على مشهد الانهيار. تسيطرون على زلازلكم أنتم.
(تظهر على الشاشة صورة لشاب إيراني في غرفة القيادة، يبتسم. إلى جانبه شاب من حزب الله، وآخر من أنصار الله، وآخر من المقاومة في غزة، وآخر من العراق. يمسكون بأيديهم).
الشاب الإيراني: هل تصدقون؟ بالأمس كنا أعداء. اليوم نحن إخوة.
شاب من غزة: ليس اليوم. كنا إخوة منذ زمن. لكن العالم لم يكن يرى.
شاب من اليمن: المهم أننا الآن نرى بعضنا. والمهم أنهم يروننا أيضاً.
شاب من لبنان: يروننا ويخافون. هذا هو الفرق.
الشاب الإيراني (ينظر إلى السماء): انظروا... إنها تشرق. شمس جديدة. ليست شمساً أميركية، ولا إسرائيلية، ولا خليجية. شمسنا نحن.
(تشرق الشمس فعلاً. تظهر معالم جديدة للمنطقة. قواعد عسكرية تتحول إلى متاحف. سفن حربية تتحول إلى معالم سياحية. سياسيون يهربون. جنود يعودون إلى ديارهم. وشعوب تحتفي).
الراوي: وهكذا... انتهت المسرحية. أو ربما بدأت للتو. فمن قال إن القيامة تكون مرة واحدة؟ أحياناً تكون كل يوم. أحياناً تكون في كل صاروخ يشق طريقه. أحياناً تكون في كل ضحكة في وجه الإمبراطورية.
(موسيقى تصويرية. شارة النهاية. تظهر أسماء الممثلين: الولايات المتحدة... دور البطولة في التراجع. إسرائيل... دور البطولة في الخوف. أنظمة الخليج... دور البطولة في البقاء. إيران والمقاومة... دور البطولة في صناعة المستقبل).
نص يظهر على الشاشة: "هذا العمل مستوحى من أحداث حقيقية. أي تشابه مع الواقع ليس صدفة، بل هو تأكيد على أن الواقع أحياناً يتفوق على الخيال. وأن الضحك، في النهاية، هو أقوى أسلحة المستضعفين."
كلمة أخيرة: "إهداء إلى كل من يقاتل، وإلى كل من يضحك في وجه الموت، وإلى كل من يؤمن أن الفجر آتٍ، حتى لو تخلف عن موعده."
(الستار يسدل).
……
ملحق: دليل الشخصيات الكوميدية
القائد الإسرائيلي: رجل خبيث، يحب الأرقام الإحصائية، حتى عندما تكون خاطئة. نسب نجاحه المعلنة تتناسب عكسياً مع عدد القواعد المدمرة.
المتحدث باسم البنتاغون: محترف في فن "إعادة التموضع الاستراتيجي" و"الصيانة الدورية" و"المناورات التدريبية في عرض البحر". يعتبر أن الهند مكان ممتاز للقواعد العسكرية، لأن الشاي فيها لذيذ.
أمراء الخليج: مجموعة من السادة المحترمين، يبحثون عن مظلة تحميهم. جربوا الأميركية فطارت إلى الهند. يفكرون الآن في مظلات صينية أو روسية، أو ربما مظلات من ورق، المهم أن تبقيهم في السلطة.
ترامب: رجل أعمال ماهر، يفهم أن الحلفاء موجودون ليخدموا مصالحه. عندما تختفي المصالح، يختفي الحلفاء معها. هذه هي قواعد "البيزنيس".
مذيعو الإعلام الغربي: مجموعة من المحترفين، يمكنهم تحويل أنقاض قاعدة عسكرية إلى "أعمال صيانة دورية"، وتحويل جنود يهربون إلى "تمارين رياضية صباحية". لو رأوا الشمس تشرق من الغرب لقالوا: "هذه ظاهرة جوية مؤقتة".
الشباب الإيراني: مجموعة من المتفائلين، يشربون الشاي ويدخنون النرجيلة ويضحكون على الإمبراطورية وهي تنهار. يعرفون أن النصر ليس سهلاً، لكنهم يعرفون أيضاً أن الضحك على العدو هو نصف النصر.
شباب المقاومة: أبطال حقيقيون، يجمعون بين الجدية في القتال والسخرية من المحتل. صواريخهم تضرب حيث تريد، وابتساماتهم تضرب أعمق.
الخاتمة: لماذا الضحك؟
ربما يتساءل قارئ جاد: لماذا كل هذه السخرية؟ أليست القضية خطيرة؟ أليس هناك قتلى ودمار وألم؟
نعم. بالطبع. المأساة حقيقية. لكن هناك فرق بين أن تبكي على مأساتك، وبين أن تضحك على مأساة عدوك. الأول يجعلك ضحية. الثاني يجعلك إنساناً يرفض أن يكون ضحية.
الضحك على الإمبراطورية وهي تنهار هو تأكيد على أنك لم تستسلم. أن روحك ما زلت حرّة. أنك قادر على رؤية ما وراء الدعاية والأكاذيب. أنك تعرف أن "القبة الحديدية" مجرد كرتون، وأن "الجيش الذي لا يقهر" يمكن أن يُقهر، وأن "التحالفات الدولية" تتبخر عندما تبدأ المصالح الحقيقية في الانهيار.
لذا، اضحك. اضحك كثيراً. اضحك حتى يرتجف عرش الظالمين. لأن ضحكتك أقوى من ألف صاروخ. لأنها تعني أنك لم تنكسر. لأنها تعني أن المستقبل، رغم كل شيء، لا يزال ملكك.
(الستار يسدل نهائياً. الأنوار تطفأ. لكن الضحكات لا تتوقف).
#احمد_صالح_سلوم (هاشتاغ)
Ahmad_Saloum#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
نهاية غرب آسيا القديم: تفكك الهيمنة وولادة نظام إقليمي جديد
...
-
التحقيق في -الكمين الكهرومغناطيسي- الذي هزّ أركان البنتاغون
-
صندوق قمامة تل أبيب في مرآة المكتبة العالمية: دراسة مقارنة
-
إيران كساحة مواجهة نهائية بين الإمبريالية والقطبية المتعددة
-
كتاب : صندوق تل أبيب: النكبة في وثائق الجلادين
-
كتاب : دماء على أبواب المطار: محاكمة من سفروا تونس إلى الجحي
...
-
الإبادة البطيئة: من تفكيك دولة الرفاه البلجيكي إلى تجويع غزة
-
كتاب : الغريب الذي يرى
-
تحقيق معمق في تحول الدولة الأوروبية من حامية إلى جابية
-
سرقة القرن: الإطار القانوني لمحاكمة الكيان الصهيوني على نهب
...
-
قراءة في العلاقة العضوية بين أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية،
...
-
كيف تعيد موسكو وبكين تشكيل معادلة الردع الإيرانية؟
-
تفكيك سردية -الخطر الصيني- في الخطاب الاقتصادي الغربي
-
دراسة في تغطية إمبراطوريات -روتشيلد إبستين- لحزب -فرنسا الأب
...
-
كتاب : محراب الكذب تصحيح التشوهات الإعلامية: قراءة في التجرب
...
-
دراسة مقارنة: -في محراب الكذب- في سياق المكتبة العالمية
-
أشرطة الجحيم: شبكة إبستين، قنصلية روتشيلد، والمغتصبة الصهيون
...
-
بين احتلال القصر واحتلال الرغيف: نحو كتابة صحفية عربية جديدة
...
-
عزمي بشارة... تبييض وجه المؤسسة الاستعمارية في ثوب المثقف ال
...
-
من بي بي سي إلى الجزيرة والعربية ... سلالة استعمارية . من كت
...
المزيد.....
-
من 15 حلقة.. المسلسلات المصرية في النصف الثاني من رمضان 2026
...
-
رئيس وزراء الأردن: محاولة إيرانية فاشلة لـ-إلحاق الضرر- بصوا
...
-
مذيع CNN يسأل يائير لابيد عن سبب تزايد الانتقادات لإسرائيل ف
...
-
البيت الأبيض يرد على ادعاءات حول مسؤولية أمريكا عن استهداف م
...
-
البيت الأبيض: تغيير النظام في إيران ليس من أهداف حرب ترامب ب
...
-
جريمي بوين: لا أحد يعرف أين تتجه هذه الحرب
-
فيديو للبنتاغون يوثق هجوما أميركيا بطوربيد على سفينة حربية إ
...
-
هل تراهن واشنطن على أكراد إيران؟ تقرير يكشف عن خطة أمريكية ل
...
-
إسبانيا تنفي موافقتها على التعاون مع أمريكا بشأن إيران
-
قرار الحظر وحصرية السلاح .. اختبار قوة بين حزب الله والحكومة
...
المزيد.....
-
أطلانتس
/ فؤاد أحمد عايش
-
أطلانتس
/ فؤاد أحمد عايش
-
حوار مع الشاعر و المفكر السياسي رياض الشرايطي. حاوره بشير ال
...
/ بشير الحامدي
-
السياسة بعد موت الأقنعة: حين تتحول القوة إلى لغة وحيدة.
/ رياض الشرايطي
-
مقاربة تقييمية لليسار التونسي بعد الثورة
/ هشام نوار
-
من مذكرات شيوعي أردني جهاد حمدان بين عامين: 1970-1972
/ جهاد حمدان
-
المواطن المغيب: غلاء المعيشة، النقابات الممزقة، والصمت السيا
...
/ رياض الشرايطي
-
حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف
...
/ رياض الشرايطي
-
الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى
...
/ علي طبله
-
صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة
/ محمد حسين النجفي
المزيد.....
|