|
|
الإبادة البطيئة: من تفكيك دولة الرفاه البلجيكي إلى تجويع غزة
احمد صالح سلوم
شاعر و باحث في الشؤون الاقتصادية السياسية
(Ahmad Saloum)
الحوار المتمدن-العدد: 8630 - 2026 / 2 / 26 - 19:18
المحور:
الادب والفن
أنطولوجيا القسوة – تأملات في زمن الإبادة والصمت (من بلجيكا إلى غزة )
عناوين اخرى للكتاب :
لوغوقراطية القتل: كيف تصبح الكلمات أسلحة (استلهام من فيكتوروفيتش)
الإبادة البطيئة: من تفكيك دولة الرفاه إلى تجويع غزة ( التركيز على فكرة الإبادة في شقيها)
مقدمة: أنطولوجيا القسوة – تأملات في زمن الإبادة والصمت
1. في البدء كان الجسد
قبل أن تكون هناك سياسات، وقبل أن تكون هناك قوانين، وقبل أن تكون هناك خطابات رسمية تبرر القتل باسم الأمن، وتبرر التجويع باسم الإصلاح، كان هناك الجسد. الجسد الذي يأكل، ويشرب، وينام، ويحب، ويعاني، ويموت. الجسد الذي هو الحقيقة الوحيدة التي لا يمكن إنكارها، واليقين الوحيد في عالم يموج بالأوهام.
كل ما سنكتبه في هذه الصفحات هو عن الجسد. عن جسد الأم التي ترعى ابناً معاقاً في ضواحي بروكسل، وتستيقظ ذات صباح لتجد أن منحتها التي تبقيها على قيد الحياة قد قُطعت باسم "التحفيز على العمل". عن جسد العامل الذي أمضى أربعين سنة في مصنع للصلب بشارلروا، ليكتشف أن معاشه الذي كان ينتظره ليكتب مذكراته قد سُرق منه باسم "الإصلاح التقاعدي". عن جسد الطفل في غزة الذي يموت جوعاً بينما دول أوروبا تمتنع عن التصويت لصالح الأونروا. عن جسد الصحافي الذي يقتل وهو يوثق المجزرة، ثم تُشوه صورته في صحيفة ألمانية وتوصف بـ"الإرهابي المتنكر".
هذه الأجساد هي حقيقة هذا الكتاب. كل تحليل، كل تشريح، كل كلمة نكتبها، إنما هي محاولة لفهم كيف تتحول السياسة إلى ألم. كيف تتحول القرارات الباردة التي تتخذ في المكاتب المكيفة إلى جوع حقيقي في بطون أطفال. كيف تتحول الكلمات الجميلة عن "الإصلاح" و"التحفيز" و"الدفاع عن النفس" إلى جثث تنتشل من تحت الأنقاض.
ليس هذا كتاباً أكاديمياً جامداً، ولا هو خطاب سياسي مباشر. هو محاولة لكتابة "أنطولوجيا القسوة": فلسفة للوجود في زمن الإبادة والصمت. هو تأمل في كيف يصبح الإنسان مجرد رقم في معادلة اقتصادية، ثم يتحول هذا الرقم إلى ألم، ثم يختفي الألم في صمت الإمبراطوريات الإعلامية.
…….
2. سؤال البداية: لماذا بلجيكا؟ لماذا غزة؟
قد يسأل سائل: لماذا تجمع بين بلجيكا وغزة في كتاب واحد؟ ما العلاقة بين أم فلمنكية ترعى ابناً معاقاً وطفل فلسطيني يموت جوعاً في خيام الشمال؟
الجواب بسيط ومركب في آن: لأن الآلة واحدة. آلة التفكيك الاجتماعي التي تعمل في بلجيكا تحت شعار "الإصلاح" هي نفسها آلة الإبادة التي تعمل في غزة تحت شعار "الدفاع عن النفس". الفرق في الدرجة لا في النوع. هناك، في بلجيكا، تتفكك دولة الرفاه ببطء، عضواً عضواً، عبر سياسات "تقشف" تهدف إلى نقل الثروة من الفقراء إلى الأغنياء. هناك، في غزة، تتفكك دولة بأكملها بسرعة، عبر قنابل ومجاعة وحصار، بهدف تهجير شعب وإبادة مقاومته.
لكن الآلة واحدة في جوهرها: هي آلة "اللوغوقراطية" التي تحدث عنها كليمان فيكتوروفيتش، حيث تتحول الكلمات إلى أدوات حكم، ويصبح الكذب بنية مؤسسية، وتفقد الحقيقة قيمتها في الخطاب العام . في بلجيكا، تسمى القسوة "إصلاحاً" والسرقة "تحفيزاً" والتجويع "إجراءات تقشفية". في غزة، تسمى الإبادة "دفاعاً عن النفس" والمجاعة "حصاراً مشروعاً" وقتل الصحافيين "أخطاء قتالية".
الآلة الإعلامية أيضاً واحدة. الإمبراطوريات الإعلامية في أوروبا، التي تسيطر على ما يراه المواطنون ويسمعونه، تعيد إنتاج نفس الخطاب: العاطل بلجيكي "كسول" يستحق العقاب، والفلسطيني "إرهابي" يستحق الموت. في الحالتين، يتم تجريد الضحية من إنسانيتها، وتحويلها إلى "مشكلة" يجب حلها، بدلاً من أن تبقى إنساناً يجب حمايته.
هذا الكتاب هو محاولة لكشف هذه الآلة الواحدة في وجهيها المختلفين. هو رحلة من شقق بروكسل الصغيرة إلى مخيمات غزة المدمرة، بحثاً عن خيط واحد يربط كل هذه الأجساد المتألمة.
……
3. المنهج: بين الشهادة والتحليل
لكن كيف نكتب عن هذا الألم دون أن نقع في فخين: فخ الخطابة العاطفية التي تستهلك نفسها، أو فخ التجريد الأكاديمي الذي يقتل الإنسانية؟
هذا الكتاب يحاول أن يمشي على حبل مشدود بين هذين الفخين. هو يعتمد على "الشهادة" كأداة أساسية: شهادات حية من أمهات بلجيكيات فقدن منحهن، من عمال بلجيكيين سُرقت معاشاتهم، من ناجين فلسطينيين شاهدوا مجازر بأعينهم، من صحافيين قتلوا وهم يوثقون. هذه الشهادات هي نبض الكتاب، وهي التي تمنعه من أن يتحول إلى تمرين فكري بارد.
لكن الشهادة وحدها لا تكفي. هي تصرخ، لكنها لا تفسر. هي تؤلم، لكنها لا تحلل. لذلك يمتزج التحليل بالشهادة: تحليل سياسات "أريزونا" في بلجيكا، استناداً إلى دراسات جامعة أنتويرب وتقارير النقابات . تحليل التغطية الإعلامية للحرب على غزة، استناداً إلى دراسة "مقياس الانحياز الإعلامي" التي حللت 54,449 مقالاً في ثماني صحف كبرى . تحليل قانوني لدعوى جنوب أفريقيا ضد إسرائيل ومذكرات التوقيف ضد نتنياهو وغالانت .
الكتاب يعتمد أيضاً على مفهوم "الأنطولوجيا" بمعناه الفلسفي. نحن لا نحلل سياسات فقط، بل نحاول فهم كيف تتشكل أنماط الوجود في زمن القسوة. كيف يصبح الجسد "موضوعاً" للسياسة بدلاً من أن يبقى "غاية" لها. كيف تتحول الكرامة الإنسانية إلى سلعة قابلة للتقليص والاقتطاع. كيف يتحول الألم إلى مجرد "بيانات" في تقارير المنظمات الدولية.
إنه كتاب عن الوجود الإنساني في زمن تفكيك الوجود الإنساني. عن المعنى في زمن العبث. عن الأمل في زمن اليأس.
……
4. فيكتوروفيتش واللوغوقراطية: الإطار النظري
لا يمكن فهم ما يحدث في بلجيكا وغزة دون الرجوع إلى الإطار النظري الذي قدمه كليمان فيكتوروفيتش في كتابه "Logocratie". هذا الكتاب، الذي لم يترجم بعد إلى العربية رغم أهميته القصوى، يقدم تشريحاً دقيقاً لكيفية تحول اللغة إلى أداة حكم في الديمقراطيات الغربية.
فيكتوروفيتش يرى أن الديمقراطيات الغربية، وعلى رأسها فرنسا، تشهد تحولاً جذرياً في وظيفة الخطاب السياسي. لم يعد الكلام وسيلة لشرح السياسات أو التواصل مع المواطنين، بل أصبح أداة حكم بذاته. ومن هنا يأتي مفهوم اللوغوقراطية: نظام تمارس فيه السلطة عبر الكلمات، لا عبر القرارات فقط.
هذا النظام يعمل عبر آليات محددة:
· التسمية: تغيير اسم الشيء يغير طريقة إدراكه. "إصلاح" بدل "تقليص"، "مرونة" بدل "عدم استقرار"، "تحفيز" بدل "تجويع". · الإخفاء: إغراق المواطن في التفاصيل التقنية لإخفاء جوهر القرار. · قلب المعنى: تقديم الفشل كنجاح، والأزمة كفرصة. · التطبيع: تكرار الكذب حتى يصبح مقبولاً.
ما يفعله ائتلاف "أريزونا" في بلجيكا هو تجسيد حي لهذه الآليات. "نحن نفعل هذا من أجل أطفالكم" يقولون، وهم يسرقون مستقبل الأطفال. "لا خيار لدينا" يقولون، وهم يختارون حماية الأغنياء على حساب الفقراء. "الجميع يساهم" يقولون، والفقراء وحدهم يدفعون الثمن.
ما تفعله إسرائيل في غزة هو تجسيد آخر، لكن بدرجة أكثر وحشية. "نحن ندافع عن أنفسنا" يقولون، وهم يقتلون 50 ألف إنسان. "نحن نستهدف إرهابيين" يقولون، وهم يقصفون المستشفيات والمدارس. "نحن نسمح بدخول المساعدات" يقولون، والمجاعة تفتك بمليوني إنسان.
اللوغوقراطية هي الإطار الذي يجمع هذه الحالات كلها. هي نظرية في كيف تصبح الكلمات أسلحة. كيف تتحول اللغة إلى غطاء للوحشية. كيف يصبح الكذب بنية مؤسسية لا يمكن تفكيكها بسهولة.
…….
5. الألم البلجيكي: تفكيك دولة الرفاه
بلجيكا، هذا البلد الصغير في قلب أوروبا، كان لعقود نموذجاً فريداً لدولة الرفاه. نظام تأمين بطالة غير محدود المدة، ومعاشات مرتبطة بالتضخم، وخدمات صحية وتعليمية شبه مجانية، ونقابات عمالية قوية قادرة على شل البلاد إذا لزم الأمر . هذا النموذج لم يُمنح كهدية، بل انتزع عبر عقود من النضال العمالي، خاصة بعد التسوية الاجتماعية لعام 1946 التي أعقبت الحرب العالمية الثانية .
اليوم، هذا النموذج يتعرض لأعنف هجوم في تاريخه. ائتلاف "أريزونا"، الذي يضم أربعة أحزاب بقيادة القومي الفلمنكي بارت دي فيفر، يشن حرباً ممنهجة على كل مكونات دولة الرفاه. إعانات البطالة تُحدد بستين شهراً فقط، مما سيدفع 160 ألف شخص إلى الفقر المدقع . سن التقاعد يُرفع إلى 67 عاماً، مع غرامات على من يتقاعد مبكراً تصل إلى 5% من معاشه . المرضى طويلو الأمد يُجبرون على العودة إلى العمل تحت تهديد قطع الإعانات . النساء يدفعن الثمن الأكبر، لأنهن أكثر عرضة للعمل الجزئي وانقطاعات المسيرة المهنية .
لكن الأكثر إيلاماً هو التأثير الإنساني. خلف كل رقم في دراسات جامعة أنتويرب، هناك قصة. قصة جان-لوك، الكاتب الذي لم يكتب، الذي أمضى ثلاثين عاماً يحلم بالتقاعد ليكتب مذكراته، ليكتشف أن التقاعد نفسه قد سُرق منه. قصة مارتين، المسافرة التي لم تسافر، التي خططت لرحلة عمرها مع زوجها المريض، لتجد أن الغرامة التقاعدية تجعل الحلم مستحيلاً. قصة ميشيل، المهندس الذي هُدم حلمه، الذي كان يبني نموذجاً لكاتدرائية نوتردام، واكتشف أن معاشه لن يكفيه ليكمل حلمه.
هذه القصص هي "أنطولوجيا القسوة" في شكلها البلجيكي. هي جسد يعاني بصمت، بينما الخطاب الرسمي يتحدث عن "الإصلاح" و"التحفيز" و"التقشف المسؤول". هي صرخة لا تسمع في ضجيج الإمبراطوريات الإعلامية.
……
6. الجرح الفلسطيني: الإبادة الجماعية في غزة
إذا كانت القسوة في بلجيكا بطيئة، صامتة، ترتدي بذلة رسمية وتتكلم لغة تقنية، فإن القسوة في غزة سريعة، صارخة، ترتدي زياً عسكرياً وتتكلم لغة القنابل.
منذ أكتوبر 2023، ترتكب إسرائيل إبادة جماعية في غزة. أكثر من 50 ألف قتيل، معظمهم من النساء والأطفال. آلاف الجثث تحت الأنقاض. تدمير ممنهج للمستشفيات والمدارس والمساجد والكنائس. تهجير قسري لمليوني إنسان من شمال القطاع إلى جنوبه، ثم العودة إلى شمال مدمر. والأخطر: تجويع متعمد لسكان القطاع، عبر منع دخول المساعدات، وتدمير البنية التحتية للغذاء والماء، والسيطرة على السعرات الحرارية الداخلة إلى الجسد الفلسطيني.
في سبتمبر 2025، أعلن نظام التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي (IPC) رسمياً وقوع مجاعة في شمال غزة، في منطقة تضم حوالي 500 ألف نازح فلسطيني . أنطونيو غوتيريش، الأمين العام للأمم المتحدة، وصف المجاعة بأنها "كارثة من صنع الإنسان، وإدانة أخلاقية، وفشل للإنسانية نفسها" . فولكر تورك، مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، أعلن أن "استخدام التجويع كأسلوب حرب هو جريمة حرب، والوفيات الناتجة قد ترقى أيضاً إلى جريمة القتل العمد" .
لكن الإبادة لا تتم فقط بالقنابل والجوع. تتم أيضاً بالصمت. بصمت المجتمع الدولي الذي يكتفي بإصدار بيانات الإدانة دون أفعال. بصمت الإمبراطوريات الإعلامية التي تحول الضحايا إلى أرقام والمجازر إلى "أحداث". بصمت الحكومات الأوروبية التي تمتنع عن التصويت لصالح الأونروا، أو تعلق تمويلها، أو تشارك في حملة تشويه ضد الوكالة الوحيدة القادرة على إطعام الجائعين.
في نوفمبر 2025، امتنعت إيطاليا وألمانيا ولاتفيا وبلغاريا وجمهورية التشيك عن التصويت لصالح تجديد ولاية الأونروا، رغم أن 149 دولة صوتت لصالح القرار . هذا الامتناع هو مشاركة في الإبادة. هو القول: "نحن لا نؤيد قتلكم، لكننا أيضاً لا نؤيد إنقاذكم". هو الموقف الذي يجعل المجاعة ممكنة.
…….
7. الإمبراطوريات الإعلامية: خربة التعبير
بين الألم البلجيكي والجرح الفلسطيني، تقف الإمبراطوريات الإعلامية. تلك الآلة الجبارة التي تحول الحقيقة إلى أكاذيب، والألم إلى أرقام، والصراخ إلى همس.
دراسة "مقياس الانحياز الإعلامي" (Media Bias Meter) التي حللت 54,449 مقالاً في ثماني وسائل إعلام غربية كبرى، كشفت عن نمط مذهل من الانحياز المنهجي . صحيفة نيويورك تايمز ذكرت إسرائيل 186 مرة مقابل كل مرة واحدة تذكر فيها فلسطين . بي بي سي أعطت وفيات الإسرائيليين تغطية أكبر بـ 33 مرة من وفيات الفلسطينيين . 5% فقط من العناوين كانت مبنية على مصادر فلسطينية، مقابل 38% على مصادر إسرائيلية رسمية .
لكن الانحياز لا يقتصر على الأرقام، بل يمتد إلى اللغة نفسها. كلمات مثل "احتلال" و"مستوطنات غير قانونية" و"نكبة" تكاد تكون غائبة عن التغطية . الإشارات إلى القانون الدولي شبه معدومة . الفلسطينيون يُصوَّرون في الغالب كـ"إرهابيين" و"مقاتلين" و"دروع بشرية"، بينما الإسرائيليون يُصوَّرون كـ"ضحايا" و"مدنيين" و"رهائن" .
في ألمانيا، بلد "لن يتكرر مرة أخرى" (Nie wieder)، وصل الانحياز إلى مستوى غير مسبوق. صحيفة بيلد وصفت الصحافي الفلسطيني أنس الشريف، بعد مقتله في قصف إسرائيلي، بأنه "إرهابي متنكر بزي صحافي" . رابطة الصحافيين الألمان شككت في صحة صور الأطفال الهزيلين في غزة، مدعية أن حالتهم "ليست بوضوح نتيجة المجاعة" . أكسل شبرينغر، أكبر ناشر في أوروبا، يجعل دعم إسرائيل في المرتبة الثانية من مبادئه التوجيهية .
في بريطانيا، بي بي سي رفضت بث تقرير عن أطفال فلسطينيين يقرؤون الشعر، لأن المنتجين اعتقدوا أنهم سيحتاجون إلى إضافة "سياق أكبر بكثير لضمان الحياد الواجب" . أطفال يقرؤون الشعر! هذا أيضاً يحتاج إلى "توازن". هذا أيضاً "غير محايد". هذا أيضاً ممنوع.
هذه هي "خربة التعبير". فضاء إعلامي مليء بالكلمات، لكنه فارغ من المعنى. مليء بالأخبار، لكنه فارغ من الحقيقة. مليء بالصور، لكنه فارغ من الإنسانية. المواطن الأوروبي يسبح في بحر من المعلومات، لكنه لا يجد ما يساعده على فهم ما يحدث حقاً في بلجيكا، ولا في غزة، ولا في أي مكان.
……
8. أسئلة العدالة: هل يمكن المحاكمة؟
وسط هذا المشهد القاتم، يبرز سؤال العدالة. هل يمكن محاكمة مجرمي الحرب الإسرائيليين؟ هل يمكن محاكمة القادة الأوروبيين المتواطئين في الإبادة عبر قطع التمويل عن الأونروا وعبر الدعم السياسي والعسكري؟ هل يمكن، كما تساءلت في طلبك، "محاكمتهم دستورياً واعتقالهم وتغريمهم بما فعلوه بالطبقات العمالية والضعيفة في بلجيكا وفرنسا وإيطاليا"؟
القانون الدولي واضح في هذه المسألة. اتفاقية الإبادة الجماعية تلزم الدول بمنع الإبادة ومعاقبة مرتكبيها . نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية يعتبر التجويع جريمة حرب، والإبادة جريمة ضد الإنسانية . محكمة العدل الدولية أكدت في أكتوبر 2025 أن "إسرائيل ملزمة بالاعتراف ببرامج الإغاثة التي تقدمها الأمم المتحدة وهيئاتها، بما في ذلك الأونروا، وتسهيلها" ، وأن "التجويع المفروض على غزة هو جريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية" .
المحكمة الجنائية الدولية أصدرت مذكرات توقيف بحق بنيامين نتنياهو ويوآف غالانت . دول مثل جنوب أفريقيا رفعت دعوى قوية ضد إسرائيل، وانضمت إليها أكثر من 14 دولة . البروفيسور ويليام شاباس، خبير القانون الدولي من عائلة يهودية ناجية من الهولوكوست، يؤكد أن "الدول التي ساعدت إسرائيل بتزويدها بالأسلحة، وتقديم أشكال أخرى من الدعم، الدعم المالي، الدعم السياسي، الدعم الدبلوماسي، تعرف ما تفعله إسرائيل، وبالتالي تتحمل مسؤولية التواطؤ" .
لكن العقبات هائلة. الولايات المتحدة تملك حق النقض في مجلس الأمن، وتستخدمه لحماية إسرائيل. المحكمة الجنائية الدولية تواجه عقوبات وتهديدات من واشنطن. الدول الأوروبية الداعمة لإسرائيل تمتنع عن تنفيذ القرارات. الإفلات من العقاب شبه مطلق.
ومع ذلك، كما يقول زين دانغور، المدير العام في وزارة العلاقات الدولية والتعاون بجنوب أفريقيا: "بقدر ما نعرف نقاط الضعف في النظام القانوني الدولي، فهو النظام الوحيد الذي لدينا. علينا إصلاحه، لكنه الحماية الوحيدة التي تمتلكها القوى المتوسطة والصغيرة" . المعركة القانونية ليست عديمة الجدوى. هي توثق الجرائم، وتفضح التواطؤ، وتضغط سياسياً، وتزرع بذور المستقبل.
…….
9. هيكل الكتاب: رحلة في دائرتين
هذا الكتاب مقسم إلى دائرتين مترابطتين، كل دائرة تضم خمسة فصول.
الدائرة الأولى: أنطولوجيا القسوة – تفكيك المجتمع البلجيكي تحت حكم ائتلاف "أريزونا"
· الفصل الأول: أنطولوجيا القسوة – كيف تصبح السياسة جسداً يعاني. يبدأ بقصة الأم التي ترعى ابناً معاقاً، ويحلل كيف تتحول السياسات المجردة إلى ألم ملموس. · الفصل الثاني: تشريح الفخ – كيف يعيد "تحفيز العمل" إنتاج الفقر. يحلل سياسات البطالة الجديدة، مستنداً إلى دراسة جامعة أنتويرب . · الفصل الثالث: شهادات من الهاوية – سرديات المتضررين. يروي قصص جان-لوك، مارتين، ميشيل، وآخرين سرقت أحلامهم. · الفصل الرابع: المبرر الأيديولوجي – قراءة في خطاب حكومة "أريزونا". يفكك شعارات "لا خيار لدينا" و"نحن نفعل هذا من أجل أطفالكم". · الفصل الخامس: تداعيات على التماسك الاجتماعي – تدمير أسس التضامن. يحلل كيف تخلق السياسات الجديدة انقسامات بين المناطق والطبقات والأجيال.
الدائرة الثانية: الإبادة والصمت – غزة والإمبراطوريات الإعلامية والمحاكمة الدولية
· الفصل السادس: الإمبراطورية الإعلامية – تشريح "خربة التعبير". يحلل تغطية الإعلام الغربي للحرب على غزة، مستنداً إلى دراسة "مقياس الانحياز الإعلامي" . · الفصل السابع: الإمبراطورية الإعلامية وتغطية الحرب على غزة (تكملة). يركز على حالات محددة: بي بي سي، بيلد، لوموند. · الفصل الثامن: التجويع كسلاح – تصريحات ميلوني والأونروا والمشاركة في الإبادة. يحلل تصويت نوفمبر 2025 وتصريحات الحكومات الأوروبية. · الفصل التاسع: المحاكمة الدولية – نحو عدالة ممكنة؟ يناقش دعوى جنوب أفريقيا، ومذكرات التوقيف ضد نتنياهو وغالانت، ومسؤولية الدول الداعمة. · الفصل العاشر: الخلاصة – بين الألم والأمل. يجمع خيوط الكتاب ويحاول رسم ملامح مستقبل ممكن.
كل فصل يعتمد على مزيج من الشهادة الحية والتحليل العلمي، محاولاً أن يكون وفياً للألم دون أن يفقد الدقة، ودقيقاً في التحليل دون أن يفقد الإنسانية.
……
10. إلى القارئ: لماذا هذا الكتاب الآن؟
ربما تسأل: لماذا هذا الكتاب الآن؟ أليس العالم مليئاً بالكتب عن الظلم والقهر؟ أليس هناك ما هو أهم من كتاب آخر عن بلجيكا وغزة؟
الجواب: لأن الصمت يقتل. لأن الإمبراطوريات الإعلامية تعمل ليل نهار لتطبيع ما لا يمكن تطبيعه، وتبرير ما لا يمكن تبريره، وإسكات ما يجب أن يصرخ. لأن الألم البلجيكي لا يُرى، والألم الفلسطيني يُرى بطريقة مشوهة، وكلا الألمين يستحق أن يُروى.
هذا الكتاب هو محاولة لكسر الصمت. هو شهادة على زمننا، على هذا العصر العجيب حيث تُسرق أحلام المتقاعدين باسم "الإصلاح"، ويُقتل الأطفال باسم "الدفاع عن النفس"، وتُشوه صور الضحايا باسم "الموضوعية الصحافية".
هو أيضاً محاولة للحفاظ على الأمل. ليس أملاً ساذجاً في عالم أفضل يأتي من تلقاء نفسه، بل أملاً في قدرة الإنسان على المقاومة، على الصمود، على رفض الموت بصمت. في كل فصل من فصول هذا الكتاب، ستجدون قصص مقاومة: إضرابات عامة تشل بلجيكا، تحالفات جديدة بين نقابيين وبيئيين، صحافيين يخاطرون بحياتهم لينقلوا الحقيقة، محامين يواجهون أقوى دول العالم في المحاكم الدولية.
هذه المقاومة هي ما يمنعنا من اليأس. هي ما يجعل الكتاب ممكنًا، بل ضروريًا.
إلى القارئ: أنت لست مجرد متلقٍ سلبي. أنت شريك في هذه الرحلة. كلما قرأت، كلما فهمت، كلما غضبت، كلما شاركت، فإنك تكسر حلقة الصمت. أنت تصبح جزءاً من المقاومة.
فلنبدأ الرحلة معاً. من شقق بروكسل الصغيرة إلى مخيمات غزة المدمرة. من مكاتب "أريزونا" المكيفة إلى قاعات العدل في لاهاي. من أكاذيب الإمبراطوريات الإعلامية إلى صرخات الأمهات الثكالى. رحلة في أنطولوجيا القسوة، وفي إمكانية الأمل رغم كل شيء.
القسم الأول:
أنطولوجيا القسوة – تفكيك المجتمع البلجيكي تحت حكم ائتلاف "أريزونا"
الفصل الأول: أنطولوجيا القسوة – كيف تصبح السياسة جسداً يعاني
1. المقدمة: لحظة ما قبل السقوط
هناك، في شقة صغيرة على أطراف بروكسل، أو في بيت متواضع بضواحي شارلروا، تجلس امرأة في عقودها الخامسة. أمامها طاولة عليها فنجان قهوة باردة، وخطاب رسمي يحمل شعار الحكومة الفيدرالية. إلى جوارها، في غرفة أخرى، يرقد ابنها المعاق، يتيم الأب، الذي كرست له ثلاثين عاماً من عمرها. كانت تعيش على منحة البطالة، ليس ترفاً، بل لأنها لم تستطع العمل بدوام كامل وهي ترعى احتياجاته الخاصة. كانت تلك المنحة، المتواضعة، هي الخيط الرفيع الذي يربط أسرتها الصغيرة بالحياة.
الآن، ذلك الخيط مقطوع. الخطاب الرسمي يخبرها بأن منحتها ستُحدّد بسنتين فقط، وبعدها؟ لا شيء. أو ربما "سوق العمل"، كما تقول الصياغة الجميلة للقانون الجديد. هي تعرف سوق العمل. تعرفه جيداً. تعرف أنه مكان لا يرحم أمثالهما. في تلك اللحظة، في جلستها الصامتة، تتحول السياسة من كلمات مكتوبة على ورق إلى ألم ملموس في الصدر. تتحول إلى قسوة. إلى أنطولوجيا جديدة للوجود: الوجود كمعاناة.
هذا الفصل هو محاولة لفهم تلك اللحظة. ليس كحادثة فردية، بل كنتاج لنظام، ولغة، وسياسات. هو تشريح لما يحدث عندما يقرر ائتلاف سياسي، يطلق على نفسه اسم "أريزونا" تيمناً بألوان أحزابه الأربعة، أن "يصلح" المجتمع. الإصلاح، هنا، ليس كلمة بريئة. في معجم اللوغوقراطية الذي تحدث عنه كليمان فيكتوروفيتش، الإصلاح هو الاسم الجميل الذي تختبئ خلفه جريمة التفكيك. هو الكلمة التي تسبق الصمت. الصمت الذي يلي انهيار حياة.
2. ائتلاف "أريزونا": تشريح الوحش البارد
في أعقاب انتخابات 2024 البلجيكية، خرجت إلى النار كتلة سياسية جديدة، حملت اسم "أريزونا" . الاسم، المستعار من صحراء أمريكية قاحلة، بدا وكأنه نبوءة. ائتلاف يضم أربعة أحزاب: التحالف الفلمنكي الجديد (N-VA) بقيادة بارت دي ويفر، وحركة الإصلاح (MR) بقيادة جورج لويس بوشيز، وحزب "فورويت" (Vooruit) الاشتراكي الفلمنكي، وحزب "لي أنغاجيه" (Les Engagés) الوسطي . كان المشهد السياسي الأوروبي يشهد صعوداً لليمين الشعبوي ، وبلجيكا لم تكن استثناء.
لكن ما يستحق التأمل العميق، هو أن هذا الائتلاف لم يأتِ بخطاب فاشي صريح. لم يحرق الكتب في الساحات العامة. لم يلبس قمصاناً بنية. جاء مرتدياً بذلة تقنية أنيقة، يتحدث لغة "التنافسية"، و"تقليص العجز"، و"تحفيز سوق العمل" . هذا هو وجه القسوة في عصر اللوغوقراطية: القسوة المؤسساتية. تلك التي لا تلوح بسكين، بل تلوح بجدول إكسل. لا تصرخ، بل تهمس بأرقام وإحصائيات. لا تقول "سنجوعكم"، بل تقول "سنعيد هيكلة الدعم الاجتماعي لضمان استدامته".
هذا هو الوحش البارد. وحش بلا وجه، بلا دماء على يديه الظاهرتين، لكن دماؤه تنساب بهدوء في عروق المجتمع، تجففها، حتى تصير هشيمًا تذروه رياح التمزق الاجتماعي. رئيس الوزراء بارت دي ويفر، وهو قومي فلمنكي، استحضر خطاب التقشف المبتذل عن ضرورة "شد الأحزمة" . يبدو الخطاب منافقًا، ليس فقط بسبب الرواتب العالية التي يتقاضاها هو ووزراؤه، بل لأن كثيرًا من أحزاب الائتلاف الحاكم نفسها كانت قبل عقد من الزمن قد تعمّدت خفض إيرادات الضرائب والضمان الاجتماعي، فخلقت "العجز في الميزانية" نفسه الذي تقول إنها تحتاج الآن إلى سدّه .
إنها سيمفونية الخديعة الكبرى: أن تخلق الجرح بيد، ثم تأتي باليد الأخرى تحمل الدواء المسعّر. أن تفقر الدولة ثم تطلب من الفقراء أن يدفعوا ثمن فقرها.
3. السياسة كجسد: الأنطولوجيا الاجتماعية البلجيكية
لفهم ما يحدث، يجب أن ننظر إلى المجتمع البلجيكي ليس كمجموعة أفراد، بل ككائن حي، له جسد وروح. هذا الجسد الاجتماعي البلجيكي، على مدى عقود، بني على أساس متين من التضامن. كان نموذج الرعاية الاجتماعية البلجيكي واحداً من أقوى الأنظمة في أوروبا، حيث بلغت نسبة الإنفاق الاجتماعي حوالي 30% من الناتج المحلي الإجمالي . كانت بلجيكا، حتى وقت قريب، آخر بلد أوروبي يتبنى نظام تأمين بطالة غير محدود المدة . كانت واحدة من دولتين فقط تبقيان على الأجور والمعاشات مرتبطة بالتضخم . هذا لم يكن مجرد سياسات، بل كان عقداً اجتماعياً، كان جسداً للأمة.
هذا الجسد كان له نبض: حقوق العمال، كرامة المتقاعدين، أمان المرضى، مستقبل الطلاب. كان له عيون ترى المستقبل. الآن، تحت راية "أريزونا"، يُشرَّح هذا الجسد على طاولة الإصلاح. الأعضاء تُنتزع واحدة تلو الأخرى. النبض يخفت. هذا هو معنى "أنطولوجيا القسوة": تحويل الوجود الاجتماعي إلى تجربة من الألم المزمن.
الأم التي ترعى ابنها المعاق، هي أحد أعضاء هذا الجسد. هي الكبد الذي يصفي سموم الحياة عن ابنه. هي القلب الذي يضخ الحنان. عندما تُسحب منحتها، لا يُسحب رقم من ملف، بل يُثقب عضو حي. هي تصبح جسداً يعاني، لأن السياسة قررت أن جسدها لم يعد ذا قيمة في معادلات السوق. هي لم تعد منتجة. في قاموس "أريزونا"، الإنتاجية هي المعيار الوحيد للوجود. من لا ينتج، لا يستحق. من يرعى، لا ينتج. هذا هو منطق العبودية الجديدة، مغلفاً بلغة التحرر والتمكين.
4. لغة القتل البطيء: تحليل خطاب "الإصلاح"
دعنا نقف هنا، طويلاً، أمام الكلمات. ففي البدء كان الكلمة، والكلمة صارت جسداً. هذا ما تخبرنا به الأنطولوجيا المسيحية التي ولدت من اساطير فلسطين سورية . لكن في لوغوقراطية "أريزونا"، الكلمة تصير جثة. كيف؟
خذ كلمة "تحفيز". يقولون: نحن نحفز العاطلين عن العمل للبحث عن فرصتهم. التحفيز، في معجمهم، هو قطع المنحة بعد سنتين . التحفيز هو التجويع حتى تتحرك. لكن الأبحاث الجادة، كالتي نشرتها جامعة أنتويرب، تقول عكس ذلك. تقول إن الفجوة المالية بين العمل والبطالة في بلجيكا موجودة بالفعل (700 من كل 10 عاطل سيكسبون أكثر من 1000 يورو شهرياً بالعمل) . إذاً، لماذا هذا "التحفيز" الإضافي؟ لماذا هذه القسوة؟
لأن الهدف ليس التحفيز. الهدف هو التفكيك. الهدف هو تحويل المواطن من صاحب حق إلى طالب رحمة. من عضو في جسد الأمة إلى رقم في معادلة مالية. الأستاذ Ive Marx من جامعة أنتويرب يقولها بصراحة: تبرير التقليصات بهدف "تحفيز العمل" لا يصمد أمام الواقع .
خذ كلمة "مرونة". يقولون: نحن نريد سوق عمل أكثر مرونة. المرونة، في قاموسهم، هي أن تعمل بلا ضمانات. أن تقبل بأي أجر. أن تخاف على لقمتك كل يوم. المرونة هي أن تكون طيعاً، ليناً، قابلاً للكسر دون أن تصدر صوتاً.
خذ كلمة "استدامة". يقولون: نحن نصلح نظام التقاعد لضمان استدامته. الاستدامة، هنا، هي أن تعمل حتى تموت. أن ترفع سن التقاعد من 65 إلى 67، ثم لعله إلى 70 غداً . أن تفرض عقوبة تصل إلى 25% على من يسعى للتقاعد المبكر .
هذه ليست كلمات. هذه أسلحة. كل كلمة هي رصاصة تصيب جسداً. الأم التي ترعى ابنها المعاق لا تسمع "تحفيزاً"، تسمع "مت". الطالب الذي يرى منحته تختفي لا يسمع "استدامة"، يسمع "لا مستقبل لك". المتقاعد الذي يرى معاشه يتآكل لا يسمع "مرونة"، يسمع "مت بكراً، فأنت عبء".
5. الأم وابنها: سردية الجسد الواحد
لنعد إلى تلك الأم. لنرها بعين الأنطولوجيا، لا بعين الإحصاء. هي ليست حالة، هي عالم. عالم صغير يدور حول ابنها. كل صباح، هي يداه اللتان تمسكان بالكأس. هي عيناه اللتان تقرآن له. هي رجلاه اللتان تمشيان به إلى حيث لا يستطيع. على مدى ثلاثين عاماً، كان جسدها مكرساً له. كانت هي الدولة بالنسبة له. كانت هي الضمان الاجتماعي، والتأمين الصحي، والتعليم، والحب.
الآن، الدولة الحقيقية تقول لها: هذا غير كاف. يجب أن تكوني أيضاً عاملة في السوق. يجب أن تنتجي قيمة اقتصادية، وإلا فلن نعترف بوجودك. لكن كيف؟ هل تترك ابنها؟ هل تضعه في مؤسسة، إن وجدت مكاناً؟ وهل تلك المؤسسة سترعاه كما ترعاه هي؟ هل ستمنحه الحب الذي يبقي روحه معلقة بجسده المشلول؟
هذه هي القسوة في أنقى صورها: وضع إنسان أمام خيار مستحيل. أن تختار بين ابنك وبين قوت يومك. أن تختار بين رعاية من تحب وبين الاعتراف بك كإنسان. هذا هو الجحيم. وجحيم "أريزونا" لا يحتاج إلى أبواب من حديد. أبوابه مصنوعة من كلمات: تحفيز، مرونة، استدامة، إصلاح.
دراسة جامعة أنتويرب تحذر من أن حوالي 54,000 شخص (أي 5.5% من العاطلين) سيجدون أن العودة إلى العمل لا تحقق وفراً يذكر. والأكثر قسوة أن 1.4% قد يخسرون مالياً بالفعل عند الانتقال إلى العمل، بسبب فقدان المزايا الاجتماعية وارتفاع تكاليف رعاية الأطفال والنقل . هذا ليس تحفيزاً، هذا فخ. فخ فقر جديد.
6. الشهادات: أصوات من الجسد المشرح
الإضراب العام الذي شل بلجيكا في أبريل 2025 لم يكن حدثاً عابراً. كان صرخة جسد يحتضر. تقارير دولية وثقت أن 140 ألف عامل استجابوا لنداء النقابات العمالية الرئيسية الثلاث في اعتصام كبير في 14 أكتوبر، في أكبر تظاهرة في البلاد في القرن الواحد والعشرين . الشوارع امتلأت بالألوان الحمراء والخضراء والزرقاء، ألوان النقابات، كأنها أعضاء الجسد الواحد ترفض الموت بصمت .
هناك قصة آن (62 عاماً)، كما وثقتها صحيفة بروكسل تايمز . آن أسست حضانة للأطفال. بعد إفلاس الحضانة، عاشت على إعانة بطالة. رغم أن الإصلاح الجديد يستثني من هم فوق 55، إلا أن آن فقدت الإعانة لأن ساعات عملها السابقة لم تُحتسب بشكل صحيح. هذا يعني أن سنوات عملها في رعاية أطفال الآخرين، في تمكين أمهات أخريات من العمل، أصبحت كأنها لم تكن. ليس فقط للإعانة، بل ولمعاش تقاعدها أيضاً. آن لم تعد موجودة في ذاكرة النظام. هي أصبحت شبحاً.
هناك قصة المعلمين. في يناير 2025، أضرب ثلاثون ألف معلم . ثلاثون ألف صوت يرفضون أن تتحول مهنتهم إلى خدمة هشة، بلا كرامة، بلا ضمانات. هناك قصة الطلاب. طلاب الجامعات الذين يواجهون اقتراحات لتقليص الدعم المالي للمنح الدراسية والقروض الطلابية . هم يعرفون أن مستقبلهم يُباع في صفقة "إصلاح" لا نهاية لها.
كل هؤلاء ليسوا أرقاماً. هم آن، هم الأم، هم الابن المعاق، هم الطالب الذي يحلم بمستقبل. هم جسد بلجيكا الذي يئن.
7. التناقض المركزي: إفقار الشعب لإغناء الحرب
لكن القسوة هنا ليست عشوائية. لها تناقض مركزي يكشف وجهها الحقيقي. بينما تطلب الحكومة من المواطنين "شد الأحزمة"، نجد وزير الدفاع فريدريك فانسينا يدعو إلى إعلان "حالة الأزمة" لتسريع شراء الأسلحة وتأمين الموانئ والشبكات الرقمية . في خضم الغليان الشعبي، يخرج فانسينا بخطاب استفزازي عن "تهديدات هجينة" و"دبابات بوتين"، محاولاً خلق حالة من الارتباك، وإلهاء الشعب عن مطالبه العادلة .
هذا هو التناقض: لا نقود للرعاية الاجتماعية، ولكن يوجد نقود للدبابات. لا نقود لمعاش الأم التي رعت ابنها ثلاثين عاماً، ولكن يوجد نقود "لتحقيق هدف الإنفاق الذي يطالب به ترامب حلف الناتو" .
اللغة هنا تخون نفسها. "حالة الأزمة" التي يتحدث عنها فانسينا ليست الأزمة الحقيقية للفقراء. هي أزمة مفتعلة، "تهديدات هجينة" غامضة، تُستخدم لتبرير إجراءات استثنائية قد تستخدم ضد الاحتجاجات الداخلية . الحديث عن العدو الخارجي هو أقدم خدعة في الكتاب لتكميم الأصوات الداخلية. جورج أورويل حذر من هذا في "1984": الحزب الدائم يخلق عدواً وهمياً ليبرر سيطرته الدائمة .
هذا يذكرنا باستراتيجية "المشكلة – رد الفعل – الحل" التي تحدث عنها نعوم تشومسكي . تخلق مشكلة (التهديدات الهجينة)، تثير رد فعل (الخوف)، ثم تقدم الحل (الأسلحة، حالة الأزمة، قمع المعارضة). إنها سيمفونية متقنة، تعزف على وتر الخوف لتمرير قرارات كانت ستواجه رفضاً شعبياً في الظروف العادية.
8. دور الإعلام في تخدير الجسد
ولكي يكتمل المشهد، لابد من دور الإمبراطوريات الإعلامية. تلك التي تحدثنا عنها في نقاشاتنا السابقة. في بلجيكا، كما في فرنسا وألمانيا وإيطاليا، الإعلام ليس ناقلاً للحدث، بل هو شريك في صناعة الصمت. خطاب الحكومة يُعاد إنتاجه، يُبسّط، يُقدّم كضرورة. الاحتجاجات تُصوّر كـ"فوضى" أو "إزعاج". المتظاهرون يُقدّمون كـ"متطرفين". الألم يُختزل في أرقام.
في مشهد الإضراب العام، كيف غطت وسائل الإعلام الكبرى الحدث؟ هل ركزت على الأم وابنها؟ على آن التي فقدت معاشها؟ على آلاف المعلمين؟ غالباً ما كان التركيز على "شلل البلاد"، و"توقف المطارات"، و"خسائر الاقتصاد" . الجسد يُرى من زاوية كيف يعطل حركة رأس المال، لا من زاوية كيف يتألم.
هذا هو الدور الأعمق للإمبراطوريات الإعلامية: تحويل الألم إلى إزعاج. تحويل صرخة الجسد إلى ضوضاء غير مرغوب فيها. تحويل المظلوم إلى متسبب في المشكلة. "الإصلاح" يبقى كلمة مقدسة، مهما كانت ضحاياه.
9. نحو نظرية في الألم الاجتماعي
ما نحاول بناءه هنا، عبر هذه الصفحات، هو نظرية في الألم الاجتماعي. نظرية ترى في السياسات الاقتصادية والاجتماعية ليس مجرد قرارات إدارية، بل أفعالاً وجودية. كل قرار هو فعل في جسد المجتمع. كل تقليص هو جرح. كل إصلاح هو عملية جراحية، قد تنجح وقد تؤدي إلى الموت.
الأم التي ترعى ابنها المعاق هي المختبر الحي لهذه النظرية. فيها نرى كيف تتحول السياسة إلى أنطولوجيا. كيف يصبح القرار الاقتصادي قدراً. كيف تصبح الكلمة جسداً يعاني.
نظرية الألم الاجتماعي تقول: المجتمع ليس آلة، هو كائن. له ذاكرة (التاريخ النضالي، الحقوق المكتسبة)، له جهاز مناعة (النقابات، الحركات الاجتماعية)، له قدرة على الألم، وعلى الأمل. ما تفعله حكومة "أريزونا" هو اختراق لجهاز المناعة هذا. هو إضعاف للذاكرة الجماعية. هو تدمير ممنهج للقدرة على الأمل.
10. الخلاصة: الجسد يتذكر
في ختام هذا الفصل، نعود إلى تلك الأم. هي لا تزال جالسة هناك، أمام الخطاب الرسمي. فنجان القهوة لا يزال بارداً. ابنها لا يزال في الغرفة المجاورة ينتظرها. العالم لم يتوقف. الشمس تشرق وتغيب كالمعتاد. لكن شيئاً ما تغير. خيط رفيع انقطع. جدار واهٍ تهدم. صار بإمكان الريح الباردة أن تدخل الآن.
لكنها، رغم كل شيء، لا تزال هناك. لا تزال تقاوم. لا تزال تجد طريقة. هذا هو سر الجسد: أنه يتذكر كيف يعيش. أنه يرفض الموت بسهولة. الأم ستجد عملاً، ربما في الليل بعد أن ينام ابنها. ستدفع لجارة لترعاه. ستنام أربع ساعات بدل ست. ستكبر عشر سنوات في عام واحد. لكنها ستبقى. لأنها أم، ولأن ابنها يحتاجها.
هذا هو الأمل الوحيد في عالم "أريزونا": أن الجسد، رغم كل الجراح، يتذكر كيف يستمر. لكن السؤال الذي يلح علينا، ونحن ننتقل إلى الفصل التالي، هو: كم من الجروح يمكن للجسد أن يتحمل قبل أن ينسى كيف يعيش؟ كم من الألم يمكن للإنسان أن يتحمله قبل أن يفقد إنسانيته؟
سأنتقل إلى الفصل الثاني: تشريح الفخ - كيف يعيد "تحفيز العمل" إنتاج الفقر، حيث سنتعمق في تحليل سياسات البطالة وتأثيرها على الفئات الهشة، مستندين إلى دراسة جامعة أنتويرب وغيرها من المصادر.
…..
القسم الأول: أنطولوجيا القسوة – تفكيك المجتمع البلجيكي تحت حكم ائتلاف "أريزونا"
الفصل الثاني:
تشريح الفخ – كيف يعيد "تحفيز العمل" إنتاج الفقر
1. مقدمة: وعد السراب
في صيف عام 2024، وقف بارت دي فيفر، زعيم التحالف الفلمنكي الجديد (N-VA)، على منصة انتخابية في مدينة أنتويرب. حوله حشد من المؤيدين، وخلفه شعار الحزب الأزرق. كان يتحدث عن "الإصلاح"، عن "تحفيز العمل"، عن وعد بسيط وجميل: "من يعمل، سيكسب 500 يورو إضافية على الأقل شهرياً مقارنة بمن لا يعمل" . كان الوعد يبدو كسراب في صحراء القلق الاجتماعي: وعداً بالعدالة، بأن العمل سينقذ المواطن من هاوية البطالة، وأن الحكومة الجديدة ستكون حارسة لهذه المعادلة البسيطة.
بعد عام واحد، في خريف 2025، أصدرت جامعة أنتويرف دراسة قلبت هذا الخطاب رأساً على عقب . الدراسة، التي أجراها مركز هيرمان ديليك للسياسة الاجتماعية بقيادة البروفيسور إيف ماركس مع زميليه إليس آيرتس وجيرليندي فيربيست، كشفت حقيقة مذهلة: الوعد لم يكن بحاجة إلى تحقيق، لأنه كان قد تحقق بالفعل. 94.5% من العاطلين عن العمل في بلجيكا كانوا سيكسبون أكثر من 500 يورو شهرياً لو عملوا بوظيفة كاملة الوقت، حتى بأجر الحد الأدنى (حوالي 2070 يورو إجمالاً). سبعة من كل عشرة كانوا سيكسبون أكثر من 1000 يورو، وواحد من كل خمسة كان سيكسب أكثر من 2000 يورو .
إذاً، ما الذي يحدث؟ لماذا تُباع علينا سياسة تقليص المنافع الاجتماعية باسم هدف قد تحقق أصلاً؟ هنا يكمن سر اللوغوقراطية: أن تُنشئ مشكلة لا وجود لها، ثم تبيع حلاً يدمر من تزعم أنك تنقذهم. هذا الفصل هو تشريح لهذه الخديعة الكبرى، وكشف لكيفية تحويل "التحفيز" إلى فخ، والوعد إلى كابوس.
…..
2. التحفيز الموعود: هندسة الوهم السياسي
كان شعار "500 يورو إضافية" أكثر من مجرد وعد انتخابي عابر. كان حجر الأساس في الحملة الدعائية لائتلاف "أريزونا". استخدمه بارت دي فيفر مراراً، وردده جورج-لويس بوشيه زعيم حركة الإصلاح (MR) في كل مقابلة تلفزيونية . كان الشعار بسيطاً، قابلاً للتذكر، قادراً على اختزال برنامج حكومي معقد في صيغة مغرية: "سنصلح النظام، وسنجعل العمل مجزياً".
لكن اللوغوقراطية، كما علّمنا كليمان فيكتوروفيتش، لا تعمل بالكذب الصريح دائماً. تعمل بإعادة صياغة الواقع، بتقديم الحقيقة من زاوية تجعلها تبدو وكأنها شيء آخر. الحقيقة كانت أن الفجوة المالية بين العمل والبطالة موجودة بالفعل. دراسة جامعة أنتويرف أثبتت أن متوسط الكسب الصافي للانتقال من البطالة إلى العمل هو 928 يورو شهرياً، وبالنسبة لمن هم على دخل الاندماج الاجتماعي، 838 يورو. حتى بين الحاصلين على إعانات مرتفعة نسبياً، يبقى الكسب الصافي 584 يورو .
إذاً، أين المشكلة؟ المشكلة أن الخطاب الرسمي استخدم هذه الحقيقة ليخفي وراءها هدفاً آخر. الهدف لم يكن "تحفيز العمل"، بل تفكيك نظام التأمين الاجتماعي نفسه. كما يشرح عالم الاجتماع دانييل زامورا فارغاس من جامعة بروكسل الحرة (ULB)، فإن تحولات الدولة الاجتماعية في بلجيكا تستلهم نموذج "الإصلاحات هارتس" الألمانية التي نفذها غيرهارد شرودر في مطلع الألفية . ذلك النموذج أدى إلى زيادة نسبة التشغيل بنسبة 4.5% في خمس سنوات، لكنه أنتج أيضاً انفجاراً في الوظائف الهشة ومنخفضة الأجر، وارتفاعاً في الفقر وعدم المساواة، وتدهوراً في الحماية الاجتماعية، ووصماً للعاطلين عن العمل، وتأثيراً سلبياً خاصاً على النساء .
هذا هو الوهم: أن "الإصلاح" يهدف إلى مساعدة العاطلين، بينما حقيقته أنه يهدف إلى خلق طبقة جديدة من العمالة الهشة، الخائفة، المستعدة لقبول أي شروط. إنه ليس تحفيزاً، بل تفكيكاً لمناعة العمال الجماعية.
……
3. المستثنون: عندما يكون العمل فخاً لا مكافأة
لكن الخديعة الأكبر تكمن في من تتجاهلهم الدراسة. 5.5% من العاطلين عن العمل، أي حوالي 54,000 شخص، سيكسبون أقل من 500 يورو شهرياً لو عملوا. و1.4% منهم قد يخسرون مالياً فعلياً . هذه النسبة الصغيرة إحصائياً هي، في الحقيقة، تجسيد للقسوة الأنطولوجية التي تحدثنا عنها في الفصل الأول. لأن هذه النسبة ليست مجرد أرقام، بل هي الوجوه الأكثر هشاشة في المجتمع.
من هم هؤلاء المستثنون؟ تجيب الدراسة: "الأمهات العازبات ذوات المؤهلات المتدنية، أو الأسر التي تعتمد كلياً على المساعدات الاجتماعية" . هؤلاء هن الوجوه التي لا تظهر في الإعلانات الانتخابية. الأم التي ترعى طفلاً معاقاً، التي تحدثنا عنها في الفصل الأول، هي واحدة منهن. بالنسبة لهؤلاء، العودة إلى العمل تعني:
· فقدان مزايا اجتماعية معينة · دفع تكاليف رعاية الأطفال (childcare) · تحمل نفقات نقل إضافية
هذه المعادلة البسيطة تجعل العمل "غير مجزٍ" بالنسبة لهن. بل قد يصبح فخاً مالياً يدفعهن إلى فقر أعمق مما كن فيه.
هذا هو التشريح الدقيق للفخ: أن تكون محاصراً بين خيارين، لا ثالث لهما. إما أن تبقى عاطلاً عن العمل فتصبح "كسولاً" في نظر الحكومة والرأي العام، وتخضع لإجراءات مراقبة وتفتيش متزايدة. وإما أن تعمل فتدفع ثمناً باهظاً من وقتك وصحتك وأطفالك، لتعود إلى المنزل في نهاية الشهر بدخل لا يختلف كثيراً عما كنت تحصل عليه دون عمل. هذا ليس "تحفيزاً"، هذا هو التعذيب بعينه. أن تجعل الإنسان يختار بين ألمين، وتسمي ذلك "حرية".
…..
4. الهندسة المعمارية للفخ: كيف يُبنى السجن؟
الفخ لا يُصنع بالصدفة. له مهندسون، وله مخططات. في حالة الإصلاح البلجيكي، يمكننا رؤية أربع دعائم رئيسية لهذا الفخ:
الدعامة الأولى: تحديد زمني للإعانات القرار الأكثر قسوة في حزمة "أريزونا" هو تحديد إعانات البطالة بسنتبن كحد أقصى . هذا يعني أن أكثر من 184,000 شخص سيفقدون إعاناتهم بالكامل بعد هذه الفترة، منهم أكثر من 25,000 في اليوم الأول من عام 2026 . بعد ذلك، سيكون عليهم التوجه إلى مراكز الرعاية الاجتماعية المحلية (CPAS) لطلب "دخل الاندماج الاجتماعي"، وهو شكل أقل من أشكال الحماية، وأكثر وصماً، وأكثر خضوعاً للرقابة والشروط.
الدعامة الثانية: تحويل العاطلين إلى فقراء هنا يكمن التحول الجوهري الذي يشرحه دانييل زامورا فارغاس. الإصلاح لا يهدف إلى إعادة العاطلين إلى العمل فقط، بل إلى نقلهم من نظام "التأمين الاجتماعي" (الذي يُنظر إليه كحق مكتسب مقابل اشتراكات سابقة) إلى نظام "المساعدة الاجتماعية" (الذي يحمل وصمة العار ويتطلب إثبات الحاجة) . هذا تحول وجودي: من مواطن له حقوق إلى فقير يطلب معروفاً. "إذا قيدنا السياسات التي تمس كل السكان، سنخلق الفقر" .
الدعامة الثالثة: تشديد شروط المساعدة بمجرد أن ينتقل العاطل إلى نظام المساعدة الاجتماعية (CPAS)، يواجه شبكة معقدة من الشروط والمراقبات. وزيرة الاندماج الاجتماعي أنيلين فان بوسويت (N-VA) أعلنت عن إجراءات تمنع "تراكم" الإعانات داخل الأسرة الواحدة. مراكز الرعاية الاجتماعية ستضطر الآن إلى تقييم دخل ليس فقط الشريك، بل الوالدين، الأجداد، الأبناء البالغين، الأحفاد البالغين، حتى أبناء الزوج والزوجة . هذا يعني أن أسرة كاملة يمكن أن تُحرم من المساعدة لأن أحد أفرادها، ليس بالضرورة العاطل نفسه، لديه دخل يعتبره النظام كافياً.
الدعامة الرابعة: العودة إلى العمل تحت التهديد حتى بالنسبة للقادرين على العمل، فإن النظام الجديد يحول عملية العودة إلى العمل إلى مسار مليء بالألغام. قانون "تعزيز سياسة العودة إلى العمل" (RTW policy) الذي دخل حيز التنفيذ في يناير 2026، يحمل معه تغييرات جذرية . لم يعد هناك حديث عن "قدرات متبقية" للعامل المريض، بل عن "إمكانات عمل". هذا تحول لغوي دقيق لكنه عميق: أنت لم تعد إنساناً له قيود جسدية تحتاج إلى رعاية، أنت "إمكانات" غير مستغلة يجب استغلالها. عدم التعاون في مسار إعادة الاندماج يؤدي إلى عقوبات صارمة، قد تصل إلى تعليق أو تخفيض الإعانات .
…….
5. لغة جديدة، سجن جديد: "إمكانات العمل" مقابل "القدرات المتبقية"
دعنا نتوقف هنا ملياً عند هذا التحول اللغوي، لأنه جوهر اللوغوقراطية. القانون البلجيكي الجديد يستبدل مفهوم "القدرات المتبقية" (capacités résiduelles) بمفهوم "إمكانات العمل" (potentiel de travail) . للوهلة الأولى، يبدو هذا إيجابياً. من لا يحب "الإمكانات"؟ من لا يريد أن ينظر إليه على أنه قادر، لا عاجز؟
لكن الحقيقة أكثر قسوة. "القدرات المتبقية" تعترف بأن هناك قدرات محدودة بعد المرض أو الإصابة، لكنها تعترف أيضاً بأن هناك حدوداً. تقول: "هذا ما يستطيع المريض فعله، في حدود ما تبقى له". أما "إمكانات العمل"، فهي مفهوم بلا حدود. هي نظرة إلى الإنسان كآلة يمكن دائماً استخراج المزيد منها. لا تعترف بالألم، لا تعترف بالتعب، لا تعترف بالمرض المزمن. تقول فقط: "لديك إمكانات، استغلها وإلا..."
هذا هو السجن الجديد: سجن اللغة. إذا كنت مريضاً ولا تستطيع العمل، فأنت لم تعد "عاجزاً" بل "غير راغب في استغلال إمكاناتك". اللوم ينتقل من الجسد إلى الإرادة. من القدرة إلى الأخلاق. تصبح مذنباً لأنك لا تعمل، حتى لو كان جسدك يصرخ بالألم.
القانون يذهب أبعد من ذلك. أنشأ قاعدة بيانات مركزية جديدة باسم "GAOCIT" داخل المؤسسة الوطنية للتأمين على المرض والعجز (RIZIV/INAMI)، لجمع الشهادات الطبية الإلكترونية لجميع المؤمن عليهم اجتماعياً . هذه البيانات ستستخدم للتحليل وإعداد التقارير وتطوير معايير علمية لسلوك الوصفات الطبية. الأطباء أنفسهم سيخضعون للمراقبة. "التنقيب في البيانات" (data mining) سيُستخدم لمراقبة سلوكهم في كتابة الوصفات، وفي المستقبل، قد يُحاسبون مالياً إذا انحرف سلوكهم عن المعايير المقررة .
هذا هو الوجه الآخر للفخ: ليس فقط العاطل أو المريض هو من يُراقب، بل الطبيب نفسه. النظام برمته يُصمم ليجعل من المستحيل تقريباً الهروب من العمل، حتى لمن هم في أمس الحاجة إلى الراحة والعلاج.
…..
6. أعباء جديدة على الأكتاف المنهكة: تأثير الإصلاح على المراكز الاجتماعية
إذا كانت الحكومة تدفع آلاف الأشخاص خارج نظام التأمين الاجتماعي، فأين يذهبون؟ الجواب: إلى مراكز الرعاية الاجتماعية المحلية (CPAS). هذه المراكز، التي كانت أصلاً تعاني من ضغوط متزايدة بسبب الأزمات المتتالية (الجائحة، الفيضانات، ارتفاع أسعار الطاقة، تدفق اللاجئين الأوكرانيين)، ستجد نفسها فجأة أمام موجة جديدة من طالبي المساعدة .
دراسة Belfius السنوية حول المالية المحلية كشفت عن أرقام صادمة: الإصلاح قد يكلف البلديات الوالونية وحدها حوالي 190 مليون يورو سنوياً إضافية . البلديات الفلمنكية قد تواجه تكاليف إضافية تصل إلى 203 ملايين يورو في 2026 . التقديرات تقول إنه إذا لجأ 30% من الذين فقدوا إعاناتهم إلى CPAS، فستحتاج السلطات المحلية إلى دعم حوالي 16,000 متلقي جديد لدخل الاندماج. إذا ارتفعت النسبة إلى 46%، سيصل العدد إلى 24,000 شخص .
لكن العبء ليس مالياً فقط. المراكز الاجتماعية ستحتاج إلى موظفين إضافيين للتعامل مع التدفق الجديد. ستحتاج إلى إجراء تحقيقات اجتماعية أكثر تعقيداً. ستحتاج إلى تطبيق شروط أكثر صرامة. مراكز بروكسل والوالونيا، المثقلة أصلاً، ستتحمل العبء الأكبر من الاستبعاد من البطالة طويلة الأمد، مما يفاقم الفجوات الاجتماعية والاقتصادية القائمة بين المناطق .
هذا هو نقل التكاليف: من الحكومة الفيدرالية (التي تجمع الضرائب من الجميع) إلى البلديات المحلية (التي تعاني أصلاً من ضيق الميزانيات). إنها طريقة ذكية لتقليل العجز الفيدرالي على حساب إفلاس المجتمعات المحلية. الجسد الاجتماعي لا يموت دفعة واحدة، بل عضواً عضواً.
……
7. استهداف المتعايشين: العودة إلى منطق القرن التاسع عشر
من بين أكثر الإجراءات قسوة في حزمة "أريزونا" هو ما يتعلق بـ"وضع المتعايش" (statut de cohabitant). هذا الوضع، الذي يعود إلى قانون عام 1981، هو إرث من منطق أبوي وميزانياتي يقلل من حقوق الأشخاص الذين يعيشون تحت سقف واحد، ويعاقب النساء تاريخياً، ويثبط أي تضامن أسري .
وزيرة الاندماج الاجتماعي أنيلين فان بوسويت قررت ليس فقط الإبقاء على هذا المنطق، بل تشديده. في نوفمبر 2025، أعلنت عن إجراء يمنع "تراكم" إعانات الاندماج الاجتماعي داخل الأسر . مبررها كان صادماً في بساطته: "بعض المبالغ المرتفعة جداً كانت تُدفع - وهذا يخالف تماماً هدف دخل الاندماج. إنه أمر غير مقبول أن ينتهي الأمر بأشخاص لا يعملون بوضع مالي أفضل من أولئك الذين يبذلون جهداً للذهاب إلى العمل كل يوم" .
لكن المنطق هنا معكوس. إذا كان هناك أشخاص يعيشون تحت سقف واحد ويحصل كل منهم على إعانة، فهذا يعني أنهم جميعاً عاطلون عن العمل، أو غير قادرين على العمل. جمع إعاناتهم قد لا يصل حتى إلى مستوى الكفاف. قول الوزيرة إن بعض الأسر كانت تحصل على أكثر من 4000 يورو شهرياً هو استخدام لحالات هامشية نادرة لتبرير سياسة تؤذي الأغلبية.
النتيجة هي أن مئات الآلاف من الأسر الفقيرة سترى إعاناتها تتقلص. مراكز CPAS، ولجنة العائلات، والشبكة الوالونية لمكافحة الفقر، جميعهم يحذرون: حالات التراكم التي تستخدم لتبرير الإصلاح هي حالات هامشية، والاحتيال في CPAS ضئيل جداً . لكن الحكومة تمضي قدماً. إنها ليست مهتمة بالوقائع، بل بالصورة: صورة "المحتال" الكسول الذي يعيش على حساب دافعي الضرائب. هذه الصورة، حتى لو كانت زائفة، هي الوقود الذي يحرك آلة التفكيك الاجتماعي.
…….
8. عقوبة التقاعد: عندما يتحول المرض إلى جريمة
لكن الفخ لا ينتهي عند حدود البطالة والعمل. يمتد إلى الشيخوخة نفسها. حكومة "أريزونا" قررت معاقبة أولئك الذين اضطروا لوقف مسيرتهم المهنية بسبب المرض أو المسؤوليات العائلية. بالنسبة للعاملين الذين يعانون من أمراض مزمنة أو إصابات عمل، فإن هذا الإصلاح يحمل أخباراً مدمرة.
موريل فاندنبرغ، عاملة صندوق في سوبرماركت كارفور في بروج، ونقابية، تروي قصتها: "في 2002، تعرضت لحادث خطير في العمل. منذ ذلك الحين، خضعت لتسع عمليات جراحية. إجمالاً، كنت في إجازة مرضية لأربع سنوات ونصف بسبب هذه المشاكل الطبية. هل سأضطر للعمل لفترة أطول بسبب هذا؟" .
الجواب هو نعم. الحكومة تصر على أن قواعد التقاعد الصارمة تعكس ببساطة زيادة متوسط العمر المتوقع. لكن هذا يتجاهل حقيقة العمل الجسدي. "إذا كان جسدك محطماً، لا يمكنك الاستمرار"، تقول موريل. "حسبت الأرقام: إذا تقاعدت مبكراً، سأخسر أكثر من 300 يورو شهرياً تحت القواعد الجديدة. هذا جزء ضخم من دخلي" .
أحدث تقديرات دائرة التقاعد الفيدرالية تؤكد هذه المخاوف. العمال المتأثرون بإجراءات التقاعد التي ستدخل حيز التنفيذ في 2026 سيخسرون متوسط 318 يورو شهرياً - ربع معاشهم التقاعدي. النساء يتحملن العبء الأكبر: سبعة من كل عشرة عمال متأثرين هن نساء. بين العشرين بالمئة الأقل دخلاً في التقاعد، أربعة من كل عشرة سيشهدون انخفاضاً في مخصصاتهم .
هذا هو الفخ في أقصى امتداده الزمني: أن تدفع ثمناً مضاعفاً لإصابتك في العمل. أولاً بفقدان صحتك، ثانياً بفقدان أجرك أثناء المرض، ثالثاً بمعاقبتك في التقاعد لأنك كنت مريضاً. إنها حلقة مفرغة من القسوة، تُحكم إحكاماً حول رقاب الأكثر ضعفاً.
……
9. الاحتجاج: الجسد يرفض الصمت
في 14 أكتوبر 2025، خرجت بلجيكا عن صمتها. 140 ألف عامل استجابوا لنداء النقابات العمالية الرئيسية الثلاث، في أكبر تظاهرة في البلاد في القرن الواحد والعشرين . الشوارع امتلأت بالألوان الحمراء والخضراء والزرقاء، ألوان النقابات. الهتافات ملأت ساحة بروكسل المركزية. كان المشهد استثنائياً: جسد اجتماعي يرفض الموت بصمت.
المتظاهرون لم يكونوا يحتجون على إجراء واحد، بل على منظومة متكاملة من القسوة. على تحديد إعانات البطالة، على عقوبة التقاعد، على مرونة سوق العمل التي تهدد بتحويل الوظائف إلى عقود هشة بلا ضمانات. النقابات حذرت: "هذه الحكومة ترهن المجتمع البلجيكي" .
ماري-هيلين سكا، الأمينة العامة لنقابة CSC-ACV، كتبت في تحليل لاذع: "الوعود الجريئة بوظائف مستدامة وقوة شرائية متزايدة تبخرت في هواء إجراءات التقشف التي لا ترحم إلا الأغنياء" . وأضافت: "مرة أخرى، الجميع يدفع الثمن إلا الأغنياء. رئيس الوزراء يدير ظهره للمواطنين العاديين، ويقول لهم: نحن ننظف، رتبوا أموركم بأنفسكم " .
هذا هو الصوت الآخر لبلجيكا. صوت لا يظهر في الخطابات الرسمية، ولا في البيانات الصحفية للحكومة. صوت الأمهات العازبات، والعمال المصابين، والمرضى المزمنين، والطلاب الخائفين على مستقبلهم. صوت الجسد الذي يصرخ: "أنا هنا، أنا حي، أنا أرفض".
لكن السؤال هو: هل يكفي الصراخ؟ في عالم اللوغوقراطية، حيث الكلمات تصنع الواقع، هل يمكن للجسد أن يسمع صوته؟ هل يمكن للألم أن يترجم إلى سياسة؟
……
10. الخلاصة: الفخ بلا مخرج؟
في نهاية هذا الفصل، نعود إلى السؤال المركزي: هل هذا الإصلاح حقاً عن "تحفيز العمل"؟ أم أنه عن شيء آخر؟
الأدلة تشير إلى شيء آخر. دراسة جامعة أنتويرف أثبتت أن الفجوة المالية موجودة أصلاً. 94.5% من العاطلين سيكسبون أكثر لو عملوا. إذاً، لماذا هذا الهجوم على الإعانات؟ لماذا هذه القسوة على الأقلية الصغيرة التي لا تستطيع العمل أو لا تجد عملاً يغطي تكاليف رعاية أطفالها؟
الجواب، كما يقترح عالم الاجتماع دانييل زامورا فارغاس، هو أن الهدف الحقيقي ليس "تحفيز العمل"، بل "تحويل العاطلين إلى فقراء" . نقلهم من نظام التأمين الاجتماعي (القائم على الحقوق) إلى نظام المساعدة الاجتماعية (القائم على الوصم والمراقبة). هذا التحول يخدم غرضين:
الأول: تفكيك القوة التفاوضية للعمال بشكل عام. عندما يخاف العامل من فقدان وظيفته، لأنه يعلم أن الإعانات محدودة زمنياً وأن العودة إلى المساعدة الاجتماعية ستكون مهينة، فإنه يقبل بأجور أقل وظروف أسوأ. هذا يخلق سباقاً نحو القاع في سوق العمل.
الثاني: خلق طبقة جديدة من "المواطنين من الدرجة الثانية"، الذين يعيشون على هامش المجتمع، تحت رحمة المراقبين الاجتماعيين، في حالة دائمة من عدم اليقين والخوف. هؤلاء لا يشكلون تهديداً سياسياً، لأن همهم الوحيد هو البقاء.
الأم التي ترعى ابنها المعاق، التي بدأنا بها الفصل الأول، هي إحدى ضحايا هذا الفخ. إذا تمكنت من العثور على عمل، فستدفع ثمناً باهظاً من وقتها وصحتها وابنها، لتحصل في النهاية على دخل لا يختلف كثيراً عن إعانتها السابقة. وإذا لم تجد عملاً، فستجد نفسها بعد سنتين في طابور CPAS، تخضع لتحقيقات اجتماعية، وتسمع اتهامات ضمنية بالكسل والاحتيال.
هذا هو الفخ: لا مخرج منه. أي خيار تختاره الأم، هو خيار يدفعها نحو مزيد من الفقر والإرهاق واليأس. هذا هو معنى "أنطولوجيا القسوة": أن تكون محاصراً في نظام يسمي الألم "تحفيزاً"، ويسمي الفخ "إصلاحاً"، ويسمي الموت البطيء "سياسة اجتماعية".
في الفصل الثالث، سننتقل من التشريح إلى السرد الحي. سنستمع إلى أصوات أولئك الذين يعيشون هذا الفخ يومياً. شهادات من الهاوية. أصوات من الجسد المشرح. لأن وراء كل رقم في دراسات جامعة أنتويرف، وراء كل نسبة مئوية في تقارير Belfius، هناك إنسان. هناك أم، هناك عامل مصاب، هناك طالب خائف. هناك جسد يعاني. وحان وقت الاستماع إليه.
…….
القسم الأول: أنطولوجيا القسوة – تفكيك المجتمع البلجيكي تحت حكم ائتلاف "أريزونا"
الفصل الثالث:
شهادات من الهاوية – سرديات المتضررين ومنحة التقاعد المسلوبة
1. مقدمة: في انتظار الحلم المؤجل
كان جان-لوك، البالغ من العمر أربعة وستين عاماً، يقضي أمسياته على مكتب صغير في زاوية غرفة المعيشة. إلى جانبه، كومة من الأوراق الصفراء، ودفاتر قديمة، وقلم حبر جاف يخط به ببطء كلمات كانت تنتظر عقوداً كي تخرج إلى النور. كان يكتب مذكراته، أو بالأحرى، كان يكتب رواية عمره. منذ تقاعده المبكر المنتظر بعد خمسة وثلاثين عاماً من العمل في مصنع للصلب بمدينة شارلروا، كان يحلم بهذه اللحظة: أن يجلس، بلا ضغط، بلا ساعة منبه، ويكتب. لم يخبر أحداً، لا أولاده ولا زوجته، بأنه اشترى دفتراً جديداً في عيد ميلاده الستين، وكتب في الصفحة الأولى: "هنا يبدأ ما كنت مؤجلاً".
في الجهة الأخرى من البلاد، في ضاحية هادئة بأنتويرب، كانت مارتين تخطط لرحلة مع زوجها بعد أربعين عاماً من الزواج. لم يسافرا قط خارج بلجيكا. كان العمل يبتلع السنوات: هو في ورديات ليلية بمصنع كيماويات، وهي في مدرسة ابتدائية تعلم أطفال الآخرين بينما يكبُر أطفالها دون أن تشعر. اشترت كاميرا صغيرة، وبدأت تتعلم التصوير عبر دروس على يوتيوب. كانت تعد قائمة بالأماكن التي تود زيارتها: بروفانس، توسكانا، الأندلس. كل مساء، بعد العشاء، كانت تتصفح صوراً لتلك الأماكن على حاسوبها القديم، وتحلم.
وفي لييج، كان ميشيل، المهندس المعماري المتقاعد منذ عامين، يعيد بناء نموذج مصغر لكاتدرائية نوتردام في باريس. لم يكن مجرد هواية. كان حلم شباب لم يتحقق قط. في الجامعة، كان يرسم تصاميم لكنائس لم تُبنَ أبداً. قال له أساتذته إن موهبته استثنائية، لكن الحياة قررت غير ذلك. اضطر للعمل في شركات عقارية، يصمم أبنية سكنية مملة، بينما ظلت الكاتدرائيات ترقد في مخيلته. والآن، بعد التقاعد، بدأ يعيد إحياءها. كان يقضي ساعات في ورشته الصغيرة، يقص الخشب، يلصق القطع، يرسم النوافذ الزجاجية بألوان مائية.
ثلاثة أحلام. ثلاث حيوات. ثلاث انتظارات طويلة لمرحلة ما بعد العمل، حيث يبدأ الإنسان أخيراً في العيش لنفسه. ثلاث قصص كان من الممكن أن تكون جميلة، لولا أن ائتلاف "أريزونا" قرر أن الأحلام ترف لا يمكن تحمله في زمن التقشف.
……
2. سرقة الزمن: أنطولوجيا التقاعد المسلوب
ما يفعله ائتلاف "أريزونا" بالمتقاعدين والمقبلين على التقاعد ليس مجرد إصلاح مالي. هو سرقة زمنية وجودية. هو أن تخبر إنساناً أمضى أربعين سنة في العمل، في دفع الضرائب، في تربية أطفال، في بناء هذا المجتمع، بأن الوقت الذي كان ينتظره ليعيش ليس ملكه. بأن السنوات التي ظن أنها ستكون مكافأة له هي، في الحقيقة، سنوات يجب أن يستمر فيها في العمل، أو أن يتقاعد مبكراً لكن بدخل أقل، أو أن يتقاعد فيعود ليعمل في وظائف هشة لأنه لا يستطيع العيش على معاشه.
الحكومة الجديدة رفعت سن التقاعد القانوني إلى 66 عاماً في 2025، وسيرتفع إلى 67 عاماً بحلول 2030 . هذا الرقم البارد، 66، يخفي وراءه آلاف القصص الإنسانية. عمال بناء أنهكتهم سنوات من حمل الأحمال الثقيلة. ممرضات أمضين أربعة عقود في الوقوف على أرجلهن لساعات طويلة. عمال مناجم استنشقوا الغبار حتى تآكلت رئاتهم. عمال خطوط إنتاج ظلوا يكررون الحركة نفسها آلاف المرات يومياً حتى تحولت آلامهم إلى إعاقات مزمنة.
تقول ماري-هيلين سكا، الأمينة العامة لنقابة CSC-ACV: "الوعود الجريئة بوظائف مستدامة وقوة شرائية متزايدة تبخرت في هواء إجراءات التقشف التي لا ترحم إلا الأغنياء" . رئيس الوزراء، كما تقول، "يدير ظهره للمواطنين العاديين، ويقول لهم: نحن ننظف، رتبوا أموركم بأنفسكم " .
المعنى العميق لهذا الإصلاح هو أن الزمن الذي كان يُعتبر "مكافأة" بعد العمل، أصبح الآن مجرد "تكلفة" يجب تقليصها. المتقاعد لم يعد إنساناً يستحق الراحة بعد عمر من العطاء، بل أصبح "عبئاً" على الميزانية، يجب دفعه للعمل لأطول فترة ممكنة، أو تقليص حصته من الكعكة الاجتماعية بأي ثمن.
……
3. عقوبة التقاعد: عندما يتحول العمل الطويل إلى جريمة
من بين أكثر الإجراءات قسوة في حزمة "أريزونا" هو ما يعرف بـ "الغرامة التقاعدية" (pension malus) . هذا النظام الجديد يفرض عقوبة على كل من يتقاعد قبل سن 67. العقوبة تبدأ بنسبة 2% حتى 2030، ثم ترتفع إلى 4% حتى 2040، ثم إلى 5% بعد ذلك . هذا يعني أن العامل الذي بدأ مسيرته المهنية مبكراً، ودفع اشتراكاته لعقود، سيعاقب لأنه يريد التقاعد في الوقت الذي كان يعتقد أنه يحق له فيه ذلك.
البروفيسور كيم دي فيت، خبير التقاعد في حزب العمال البلجيكي (PVDA-PTB)، يشرح التناقض الصارخ في هذا النظام: "نظام المكافأة-العقوبة غير عادل. إنه يعاقب الناس الذين يبدأون العمل مبكراً، غالباً في وظائف شاقة ومع معاشات تقاعدية منخفضة، ويكافئ الناس الذين يبدأون العمل متأخراً ولديهم بالفعل معاش تقاعدي جيد" .
هذا يعني أن الطبقة العاملة، التي تبدأ حياتها المهنية مبكراً لأنها لا تستطيع تحمل تكاليف التعليم العالي، هي التي تدفع الثمن. بينما أولئك الذين ينتمون إلى الطبقات الميسورة، ويبدأون العمل بعد سنوات طويلة من الدراسة، هم المستفيدون. إنها إعادة توزيع عكسية للثروة: من الفقراء إلى الأغنياء، ومن المتعبين إلى المرتاحين.
راؤول هيديبو، زعيم حزب العمال البلجيكي، وصف هذه السياسات بأنها "سرقة تقاعدية خالصة" . في مهرجان حزبه السنوي، روى قصة ميكي، عاملة منزلية من فيلفورد، التي تخاطر بفقدان 300 يورو من معاشها التقاعدي المتواضع بعد عمر من العمل الشاق . "يريدون إجبار الجميع على العمل حتى سن 67، دون أي إجراء خاص لمن لديهم وظائف شاقة جسدياً. يريدون سرقة أفضل سنواتنا. لن نسمح بذلك" .
الإحصائيات تؤكد هذه المخاوف. أحدث تقديرات دائرة التقاعد الفيدرالية تشير إلى أن العمال المتأثرين بإجراءات التقاعد التي ستدخل حيز التنفيذ في 2026 سيخسرون متوسط 318 يورو شهرياً - أي ربع معاشهم التقاعدي . والأكثر إيلاماً: سبعة من كل عشرة عمال متأثرين هن نساء. بين العشرين بالمئة الأقل دخلاً في التقاعد، أربعة من كل عشرة سيشهدون انخفاضاً في معاشاتهم .
هذه الأرقام ليست مجرد إحصائيات. هي قصص جان-لوك، ومارتين، وميشيل. هي قصص مئات الآلاف من البلجيكيين الذين اكتشفوا فجأة أن السنوات التي ظنوها ملكهم قد سُلبت منهم.
……...
4. جان-لوك: الكاتب الذي لم يكتب
جان-لوك رجل في الرابعة والستين، بوجه متعب وعينين زرقاوين لا تزالان تحتفظان ببريق شبابي خافت. التقيت به في مقهى صغير بشارلروا، كان يمسك بيده دفتراً أسود، يقلب صفحاته بعصبية.
"ثلاثون عاماً"، قال بصوت خافت. "ثلاثون عاماً وأنا أحلم بهذا الدفتر. كل ليلة، بعد العودة من المصنع، كنت أغسل يدي من الزيت والصدأ، وأجلس لأكتب جملة أو اثنتين. كنت أؤجل. أقول لنفسي: عندما أتقاعد، سأكتب كل شيء. كل الذكريات، كل الألم، كل الفرح."
جان-لوك لم يكن يعرف أن التقاعد نفسه سيصبح مؤجلاً. في اليوم الذي كان يفترض أن يحصل فيه على معاشه، اكتشف أن القواعد تغيرت. "أتذكر ذلك اليوم بالضبط. كنت قد خططت لشراء زجاجة نبيذ جيد، والجلوس في الحديقة، وكتابة الصفحة الأولى. ثم وصل الخطاب. قالوا إنني إذا تقاعدت الآن، سأخسر 5% من معاشي. خمسة بالمئة! طوال حياتي وأنا أدفع اشتراكاتي، والآن يعاقبونني لأنني أريد الراحة؟"
سألته: وماذا ستفعل الآن؟
نظر إليّ طويلاً، ثم قال: "سأعمل عامين إضافيين. ليس لدي خيار. لكني لا أعرف إن كان بإمكاني. جسدي متعب. ظهري لا يحتمل. وهل تعرف ما هو أكثر شيء يؤلمني؟"
توقفت لحظة، ثم أضاف: "ليس الألم. ليس النقود. الألم الحقيقي هو أنني بدأت أكره الكتابة. كنت أعتقد أن الكتابة ستكون مكافأتي. والآن، عندما أنظر إلى هذا الدفتر، أشعر بالغصة. أشعر أن الحلم أصبح مستحيلاً. ربما عندما أبلغ 67، سأكون متعباً جداً لدرجة أنني لن أستطيع الكتابة. ربما سأموت قبل ذلك. ومن سيتذكر جان-لوك إذن؟"
قصة جان-لوك ليست فريدة. دراسة أجرتها جامعة غنت حول السلوك البشري تجاه الإصلاحات التقاعدية كشفت أن "الناس يشعرون بالحاجة الملحة للتقاعد الآن. إنه رد فعل على الخوف من فقدان الحقوق" . هذا ما يسميه عالم السلوك ماثياس سيليس "النفور من الخسارة": عندما يرى الناس أن شيئاً يعتقدون أنهم يمتلكونه يتعرض للخطر، فإنهم يريدون التمسك به فوراً، حتى لو كان ذلك يعني خسارة أكبر على المدى الطويل .
الأرقام تؤكد هذا السلوك. في عام 2025، ولأول مرة منذ سنوات، شهدت بلجيكا انخفاضاً في متوسط سن التقاعد الفعلي بمقدار ثمانية أشهر، على الرغم من رفع سن التقاعد القانوني . هذا يعني أن الناس يفضلون التقاعد مبكراً بدخل أقل، على المخاطرة بفقدان حقوقهم تماماً في المستقبل. إنه "تناقض الجبل الجليدي": الناس يفضلون خسارة صغيرة مؤكدة اليوم على المخاطرة بخسارة أكبر غير مؤكدة غداً .
جان-لوك هو تجسيد حي لهذا التناقض. هو يعرف أن العمل عامين إضافيين سيمنحه معاشاً أفضل قليلاً. لكنه يعرف أيضاً أن هذين العامين قد يسرقان منه القدرة على الكتابة، أو ربما الحياة نفسها. إنه محاصر بين خيارين: أن يتقاعد الآن فيعاقب، أو أن يعمل أكثر فيخاطر بحلمه. في كلتا الحالتين، هو خاسر.
…….
5. مارتين: المسافرة التي لم تسافر
مارتين امرأة في الخامسة والستين، شعرها الأبيض القصير يحيط بوجه بشوش لكنه متعب. جلست في حديقة منزلها الصغير بأنتويرب، وبين يديها كاميرا صغيرة، تحدثت بصوت هادئ.
"أربعون عاماً في التدريس. أربعون عاماً من الوقوف على الأقدام، من شرح الدروس، من تصحيح الدفاتر، من التعامل مع أولياء الأمور. لم أشتكِ يوماً. أحببت عملي. لكني كنت أعيش من أجل هذه اللحظة: أن أضع الحقيبة جانباً، وأسافر."
مارتين وزوجها جان، الذي عمل في مصنع كيماويات ليلاً طوال ثلاثين عاماً، كانا يحلمان برحلة إلى بروفانس منذ زواجهما. "كنا نقول: عندما يكبر الأطفال. عندما ندفع القسط الأخير من المنزل. عندما يتقاعد جان. عندما... كان هناك دائماً عندما . ثم فجأة، لم يعد هناك وقت."
في اليوم الذي كان يفترض أن تتقاعد فيه مارتين، اكتشفت هي أيضاً أن الوقت ليس ملكها. الغرامة التقاعدية تعني أنها إذا تقاعدت الآن، فستفقد جزءاً من معاشها. لكنها إذا انتظرت عامين، فستكون قد بلغت 67. المشكلة أن زوجها جان يعاني من مرض مزمن في الرئتين بسبب سنوات العمل في المصنع. "الأطباء يقولون إنه قد لا يعيش طويلاً. إذا انتظرت عامين، ربما لن نتمكن من السفر معاً أبداً."
نظرت إلى الكاميرا الصغيرة في يدها، ثم تابعت: "هل تعرف ما هو أسوأ شيء؟ أنني لم أعد أستطيع النظر إلى صور بروفانس على الإنترنت. كانت تمنحني الأمل. كانت تذكرني بأن هناك شيئاً جميلاً ينتظرني. الآن، عندما أراها، أشعر بالغصة. أشعر أن الحياة تسخر مني. وعدتني بشيء ثم سحبته."
قصة مارتين تبرز بعداً آخر من أبعاد القسوة: البعد الزوجي، العائلي. التقاعد ليس مجرد قرار فردي. هو قرار يخص شخصين، عائلة بأكملها. عندما تعاقب الحكومة من يتقاعد مبكراً، فإنها لا تعاقب الفرد فقط، بل تعاقب العلاقة نفسها. تعاقب حلم العمر المشترك.
المرأة تتحمل العبء الأكبر من هذه العقوبات. كما أشارت بيانات دائرة التقاعد الفيدرالية، سبعة من كل عشرة متضررين هن نساء . لماذا؟ لأن النساء غالباً ما يقاطعن مسيرتهن المهنية لرعاية الأطفال أو الوالدين المسنين. لأنهن يعملن في وظائف أقل أجراً، وبالتالي معاشات أقل. لأنهن يعشن أطول، وبالتالي يحتجن إلى مدخرات أكبر. الإصلاح لا يراعي أي من هذه الحقائق. هو يطبق نفس القاعدة على الجميع، وكأن الجميع يبدأون من نفس خط البداية.
مارتين أضافت في نهاية حديثها جملة لا تنسى: "في المدرسة، كنت أعلّم الأطفال أن الحياة عادلة. أن من يعمل بجد سيحصد ثمار تعبه. الآن، ماذا أقول لهم؟ هل أقول لهم إنني كذبت؟"
……..
6. ميشيل: المهندس الذي هُدم حلمه
ميشيل، السبعيني النحيل بابتسامة هادئة، يستقبلني في ورشته الصغيرة بمدينة لييج. على الطاولة، نموذج خشبي لكاتدرائية نوتردام في مراحله الأولى. أجزاء صغيرة من الخشب مرصوفة بدقة متناهية. بجانبه، ألوان مائية وفرش دقيقة.
"بدأت هذا المشروع قبل عامين، عندما تقاعدت. كنت أقول لنفسي: هذا هو وقتي. سأبني كل الكاتدرائيات التي حلمت بها في الشباب."
ميشيل درس الهندسة المعمارية في السبعينيات، وكان من أوائل دفعته. أساتذته رأوا فيه موهبة استثنائية. لكن الحياة قررت غير ذلك. "تزوجت، رزقت بأطفال، احتجت إلى دخل ثابت. تركت أحلام الكاتدرائيات وذهبت إلى الشركات العقارية. صممت مئات المباني السكنية. كلها متشابهة. كلها مملة. كنت أعود إلى البيت كل مساء وأشعر أن جزءاً مني يموت."
الآن، بعد عامين من العمل المتواصل على نموذج نوتردام، أصبح المشروع في خطر. "الإصلاح الجديد يعني أن معاشي سينخفض. ليس كثيراً، لكن بما يكفي لأجعلني أفكر في العودة إلى العمل. هناك شركات تبحث عن مستشارين بعقود مؤقتة. الدخل الإضافي سيساعد."
لكن العودة إلى العمل تعني التخلي عن النموذج. تعني أن الكاتدرائية ستبقى نصف مبنية إلى الأبد. "هذا هو الخيار: إما أن أكمل حلمي وأعيش على معاش أقل، أو أعمل وأخسر الحلم. في الحالتين، أنا خاسر."
سألته: ماذا ستفعل؟
نظر إلى النموذج الخشبي، ثم إلى يده المتعبة. "لا أعرف. في الليل، لا أستطيع النوم. أدور في السرير وأفكر: هل أناني لو اخترت الحلم؟ لدي حفيد سيبدأ الجامعة العام المقبل. أحتاج إلى مساعدته. لدي فواتير. الحياة لا تتوقف لأنني أريد بناء كاتدرائية صغيرة."
ميشيل يمثل شريحة واسعة من المتقاعدين الذين ليسوا في فقر مدقع، لكنهم ليسوا أغنياء بما يكفي لتجاهل التغييرات. هم الطبقة الوسطى التي كانت تعتقد أنها بنت حياتها على أرض صلبة، لتكتشف أن الأرض تتحرك تحت أقدامهم. هم الذين عملوا بجد، وادخروا، وخططوا، ثم فوجئوا بأن القواعد تغيرت في منتصف اللعبة.
"هل تعرف أكثر شيء يؤلمني؟" يسألني ميشيل. "ليس المال. ليس حتى العمل الإضافي. أكثر شيء يؤلمني هو أنني أشعر بالخيانة. الدولة التي خدمتها طوال حياتي، التي دفعت لها الضرائب، التي التزمت بالقوانين، هذه الدولة تقول لي الآن: آسف، لقد تغيرت الخطط. سنحتاج منك المزيد . لكنني لا أملك المزيد. لقد أعطيت كل ما عندي."
…….
7. إجراءات التفاهة: عندما تتحول الحياة إلى أوراق
ما لا يظهر في الإحصائيات الكبيرة، ولا في عناوين الأخبار، هو التفاصيل الصغيرة التي تملأ حياة المتضررين. التفاهة الإدارية. الأوراق التي لا تنتهي. المكالمات الهاتفية التي تستمر ساعات. الانتظار في طوابير المراكز الاجتماعية. كل هذه تصبح هي الحياة اليومية لمن يحاولون فهم ما حدث لهم.
واحدة من أكثر الإجراءات تعقيداً وإيلاماً هي تلك المتعلقة بـ "فترات العمل المحتسبة" للمعاش التقاعدي الأدنى. منذ يناير 2025، للحصول على المعاش التقاعدي الأدنى المضمون، يجب على العامل، بالإضافة إلى 30 سنة مسيرة مهنية، أن يثبت 20 سنة من "العمل الفعلي"، أي 5000 يوم عمل بدوام كامل .
ما معنى "العمل الفعلي"؟ هذا هو السؤال الذي يقلق آلاف البلجيكيين. فترات البطالة الكاملة، البطالة التامة، الإجازات المهنية (ما عدا لرعاية الأطفال المعاقين أو الرعاية التلطيفية)، كل هذه لا تحتسب . هذا يعني أن سنوات البطالة القسري، التي لم يكن للعامل يد فيها، تصبح فجأة سنوات "ملغاة" من سجله التقاعدي. سنوات من حياته تصبح كأنها لم تكن.
بالنسبة للنساء، هذا الإجراء قاسٍ بشكل خاص. النساء اللواتي أخذن إجازات لرعاية الأطفال، أو عملن بدوام جزئي لسنوات، سيجدن أنفسهن غير مؤهلات للمعاش الأدنى. النساء اللواتي مررن بفترات بطالة بسبب ظروف اقتصادية خارجة عن إرادتهن، سيدفعن ثمن ذلك في شيخوختهن.
أحد المتضررين، وهو عامل بناء في الخامسة والستين من عمره، قال لي: "الآن علي أن أجمع أوراقاً تثبت أنني عملت بالفعل 5000 يوم. 5000 يوم! هل يعتقدون أنني كنت أحتفظ بسجل لكل يوم عملت فيه؟ أنا بنيت منازل، لم أكن محاسباً. كان لدي ظهر قوي، ويدان تعملان. لم يكن لدي ملفات."
هذا التحول نحو "الإثبات المطلق" يحول الحياة إلى سلسلة لا نهاية لها من الأوراق والتواقيع والطوابع. المتقاعد لم يعد إنساناً، بل أصبح ملفاً. وكل ملف ناقص، كل يوم غير موثق، يمكن أن يكلفه مئات اليوروهات شهرياً لبقية حياته.
……..
8. تأثير الدومينو: عندما ينهار الحلم تنهار الأسرة
ما لم تتوقعه حكومة "أريزونا"، أو ربما توقعته ولم يهمها، هو أن سرقة حلم التقاعد لا تؤثر فقط على المتقاعد نفسه. هي تؤثر على الأسرة بأكملها. على العلاقات. على الصحة النفسية. على الجسد.
دراسات نفسية عديدة تثبت أن توقع التقاعد الإيجابي يرتبط بصحة نفسية أفضل في السنوات الأخيرة من العمل. عندما يتحول هذا التوقع إلى كابوس، فإن الضغط النفسي يترجم إلى أمراض جسدية. ارتفاع ضغط الدم. اضطرابات النوم. الاكتئاب. حتى أن بعض الدراسات تربط بين الإحباط التقاعدي وزيادة معدلات الوفيات في السنوات الأولى بعد التقاعد.
ميشيل، المهندس المعماري، يصف حالته: "منذ أن سمعت عن الإصلاح الجديد، لم أعد أنام جيداً. أستيقظ في الثالثة فجراً، وأفكر. أفكر في المال، في المستقبل، في النموذج. زوجتي تقلق علي. تقول إني تغيرت. أصبحت عصبياً، قلقاً. كنت أظن أن التقاعد سيكون فترة سلام، لكنه أصبح فترة حرب."
مارتين تعاني بشكل مختلف. زوجها جان، المريض بالرئتين، يشعر بالذنب. "يقول لي: لو لم أكن مريضاً، لكان بإمكاننا السفر. لو لم أكن عبئاً عليك. هذا يؤلمني أكثر من أي شيء آخر. أن أرى الرجل الذي أحببته طوال حياتي يشعر بالذنب لأنه مريض."
جان-لوك يضيف بعداً آخر: "أولادي يرون ما يحدث لي. ابني يقول لي: أبي، لماذا تعمل كل هذه السنوات إذا كانوا سيسرقونها منك في النهاية؟ لماذا أدفع أنا ضرائبي إذا كانوا سيفعلون بي نفس الشيء؟ كيف أرد عليه؟ ماذا أقول؟"
هذا هو التأثير الأعمق. تآكل الثقة بين الأجيال. عندما يرى الشباب ما يحدث لآبائهم، كيف يعاملهم المجتمع والدولة بعد عمر من العمل، فإنهم يفقدون الإيمان بالعقد الاجتماعي نفسه. لماذا يدفعون ضرائبهم؟ لماذا يعملون بجد؟ لماذا يخططون للمستقبل إذا كان المستقبل نفسه يمكن أن يُسرق في أي لحظة؟
الخبير الاقتصادي مارك دي ليوس من BNP Paribas Fortis يحذر: "الأجيال الشابة إما ستشهد ضرائب أعلى أو نمواً أبطأ في الأجور. رواتبهم يمكن استخدامها لتمويل معاشات الآخرين" . لكن الأخطر هو ما لا يقوله: أن هؤلاء الشباب قد يقررون ببساطة عدم المشاركة. قد يهاجرون. قد يختارون العمل في الاقتصاد الموازي. قد يفقدون الأمل.
…….
9. المقاومة: عندما يرفض الحلم الموت
لكن وسط هذا المشهد القاتم، هناك ومضات أمل. هناك من يرفضون الاستسلام. هناك من يقاومون، بطرق مختلفة.
المقاومة الأولى كانت في الشارع. 140 ألف متظاهر في 14 أكتوبر 2025، في أكبر تظاهرة في بلجيكا في القرن الواحد والعشرين . ثلاثة عشر يوماً من الإضرابات الوطنية. النقابات الثلاث الكبرى متحدة في مواجهة الحكومة. الضغط الشعبي أجبر الحكومة على التراجع جزئياً. تقرير حزب العمال البلجيكي يشير إلى أن "تأثير الإصلاح تم تقليصه بحوالي الربع" بسبب هذه المقاومة . ما يقرب من 20,000 شخص لن يضطروا لدفع غرامة التقاعد .
كيم دي فيت، خبير التقاعد، يعلق: "هذا يثبت ما كنا نقوله منذ فترة طويلة: المقاومة الاجتماعية تحرك الأشياء. الضغط من الشارع أجبر الحكومة على التراجع" .
المقاومة الثانية كانت فردية، صامتة، لكنها لا تقل أهمية. جان-لوك، مثلاً، قرر أن لا يتوقف عن الكتابة. "سأعمل عامين إضافيين، لكنني لن أتوقف عن الكتابة. سأكتب في عطل نهاية الأسبوع. سأكتب في الليل. سأكتب وأنا متعب. لأنني إذا توقفت، فهذا يعني أنهم انتصروا."
مارتين قررت أن تسافر، ولو بشكل مختلف. "لا يمكننا الذهاب إلى بروفانس. لكن يمكننا الذهاب إلى الريف البلجيكي. يمكننا قضاء عطل نهاية الأسبوع في آردين. ليست بروفانس، لكنها شيء. والأهم أننا سنفعلها معاً."
ميشيل يواصل بناء كاتدرائيته، لكن بوتيرة أبطأ. "ربما لن أنتهي منها. ربما ستبقى نصف مكتملة. لكن هذا أفضل من ألا تكون موجودة على الإطلاق. كل قطعة خشب ألصقها هي انتصار صغير."
هذه المقاومة اليومية، الصغيرة، هي ما يمنع النظام من سحق الناس تماماً. هي ما يحافظ على الكرامة في وجه سياسات تهدف إلى إذلال الفقراء وإرهاق الضعفاء. هي ما يجعل من المستحيل على حكومة "أريزونا" أن تدعي أن إصلاحاتها مقبولة أو عادلة.
10. الخلاصة: من يسرق الحلم يسرق الحياة
في نهاية هذا الفصل، أعود إلى الأسئلة التي طرحها جان-لوك، مارتين، وميشيل. أسئلة لا إجابات لها في بيانات الحكومة، ولا في تقارير الخبراء الاقتصاديين، ولا في تصريحات الوزراء.
لماذا يعاقب من عمل طويلاً؟ لماذا يحرم من الراحة من يستحقها؟ لماذا تسرق الأحلام المؤجلة؟
الجواب، كما يبدو، هو أن الأحلام لا تظهر في الميزانيات. لا يمكن قياسها بالأرقام. لا يمكن تقليصها كالعجز المالي. في عالم "أريزونا"، فقط ما يُحتسب موجود. والمتقاعد، بحلمه الصغير، لا يُحتسب. هو مجرد رقم في معادلة تقشفية. هو مجرد تكلفة يجب تقليلها.
لكن ما تنساه الحكومة هو أن المتقاعدين هم من بنوا هذا البلد. هم من دفعوا ضرائبهم ليمولوا معاشات من سبقوهم. هم من عملوا في المصانع والمدارس والمستشفيات. هم من ربوا الأجيال التي ستدفع معاشاتنا نحن يوماً ما. عندما تسرق حلمهم، فأنت لا تسرق سنوات قليلة من الراحة. أنت تسرق كرامتهم. أنت تسرق إيمانهم بالعدالة. أنت تسرق الثقة بين الأجيال.
المتقاعدون ليسوا عبئاً. هم ذاكرة المجتمع. هم من يعرفون كيف كانت البلاد قبل أن تصبح على ما هي عليه الآن. هم من يمكنهم تعليم الشباب دروساً لا توجد في الكتب. هم من يستحقون الراحة ليس لأنهم عجزة، بل لأنهم استحقوها.
جان-لوك، مارتين، وميشيل، وآلاف غيرهم، هم أبطال هذا الفصل. ليس لأن قصصهم مأساوية، بل لأنهم، رغم كل شيء، ما زالوا يقاومون. ما زالوا يكتبون، يحلمون، يبنون. ما زالوا يؤمنون، في أعماقهم، بأن الحياة يجب أن تكون أكثر من مجرد أرقام في ميزانية حكومية.
السؤال الذي يبقى مفتوحاً، ونحن ننتقل إلى الفصل الرابع، هو: كم من الوقت يمكن لهذه المقاومة أن تستمر؟ وكم من الألم يمكن للإنسان أن يتحمل قبل أن يفقد الأمل نهائياً؟
……
القسم الأول: أنطولوجيا القسوة – تفكيك المجتمع البلجيكي تحت حكم ائتلاف "أريزونا"
الفصل الرابع:
المبرر الأيديولوجي – قراءة في خطاب حكومة "أريزونا"
1. مقدمة: عندما تصبح القسوة ضرورة
في صباح يوم بارد من يناير 2025، وقف بارت دي فيفر أمام الكاميرات في القصر الملكي ببروكسل، ليؤدي اليمين الدستورية كأول رئيس وزراء قومي فلمنكي في تاريخ بلجيكا . كان المشهد يحمل من المفارقات ما يجعله مادة خصبة للروائيين: رجل قضى عقوداً في الدعوة إلى تفكيك الدولة البلجيكية، يقف الآن على رأسها، بيده عصا القيادة، وبوجهه ابتسامة المنتصر الذي لم يعد بحاجة إلى الثورة، لأنه أصبح هو السلطة .
لكن الأهم من المشهد كان الخطاب. ذلك الخطاب المهذب، الهادئ، العقلاني، الذي يشرح فيه دي فيفر لماذا "لا مفر" من الإجراءات القاسية التي ستتبع. لم يكن خطاباً شعبوياً فجاً، بل كان خطاب رجل دولة، يتحدث بلغة الأرقام والضرورات الأوروبية والإصلاحات الهيكلية. كان يقول للمواطنين: "نحن نفعل هذا من أجل أطفالكم". كان يقول: "لا خيار لدينا" . كان يقول: "يجب على الجميع أن يساهموا" .
هذا الفصل هو تشريح لهذا الخطاب. هو تفكيك لآليات اللوغوقراطية كما تمارسها حكومة "أريزونا": كيف تُصاغ القسوة كضرورة، كيف يُقدّم التفكيك كإصلاح، كيف تُحوّل سرقة الأحلام إلى "تقشف مسؤول"، كيف يُصمت الألم تحت وابل من الكلمات الجميلة والفارغة. هو قراءة في المبرر الأيديولوجي الذي يجعل من الممكن، في مجتمع ديمقراطي، تنفيذ "أعنف هجوم على دولة الرفاه البلجيكية منذ 80 عاماً" .
2. "نحن نفعل هذا من أجل أطفالكم": استعارة المستقبل
أكثر عبارة تتردد على ألسنة وزراء "أريزونا" هي تلك المتعلقة بالأطفال والأجيال القادمة. في كل مقابلة، في كل خطاب، في كل تغريدة، يتكرر الشعار: "نحن نفعل هذا من أجل أطفالكم". وزير المالية يقول إن تقليص المعاشات ضروري "لضمان مستقبل أبنائنا". وزيرة التوظيف تقول إن تحديد إعانات البطالة بسنتين هو "هدية للشباب" .
هذه الاستعارة هي واحدة من أقوى أسلحة اللوغوقراطية. لأنها تسرق سلاح المعارضة الأخلاقي. كيف تعترض على من يتحدث باسم أطفالك؟ كيف تقاوم من يقدم نفسه كحامي للأجيال القادمة؟ لكن كما تساءل مقال في منصة Social Europe، ما معنى أن نقول "نحن نفعل هذا من أجل أطفالكم" عندما تكون الأفعال هي:
· تقليص المعاشات وإنهاء برامج نهاية المسيرة المهنية · تجميد الرواتب مراراً والمساس بآلية التكييف الآلي التي تحمي العمال من التضخم · تقويض قيمة العمل الليلي وساعات العمل الإضافية · تطبيع العمل أيام الآحاد · تخفيض ميزانيات المعاشات المتدنية أصلاً وغيرها من المزايا · إجبار المرضى على العودة إلى العمل وتقليص إعاناتهم · توسيع أشكال العمل الهشة
كيف تساعد هذه الإجراءات أطفالنا؟ هذا هو السؤال الذي يطرحه المحتجون، ويبقى دون إجابة . الحقيقة هي أن هذه الإجراءات لا تساعد أطفالنا، بل تساعد المساهمين (shareholders). العبارة الوحيدة الصادقة التي يمكن لحكومة "أريزونا" أن تقولها هي: "نحن نفعل هذا من أجل المساهمين" .
"أطفالنا" يصبحون مجرد غطاء لغوي لعملية نقل هائلة للثروة من الفقراء إلى الأغنياء، ومن العمال إلى أصحاب رأس المال. هي سرقة المستقبل باسم المستقبل. هي مصادرة حلم الأطفال باسم أحلامهم.
3. "لا خيار لدينا": وهم الضرورة
العبارة الثانية التي لا تقل خطورة هي: "لا خيار لدينا". يستخدمها الوزراء كلما سئلوا عن سبب هذه القسوة. "لا خيار لدينا لأن العجز العام كبير". "لا خيار لدينا لأن الاتحاد الأوروبي يفرض علينا ذلك". "لا خيار لدينا لأننا يجب أن ننافس في الاقتصاد العالمي" .
هذا الادعاء هو ما يسميه النقابيون والمحللون "الكذبة الثانية" . لأن الحقيقة هي أن هناك دائماً خيارات. هناك دائماً طريقة مختلفة لتوزيع الأعباء. هناك دائماً إمكانية لفرض ضرائب على الأثرياء والشركات، بدلاً من تقليص خدمات الفقراء.
الأرقام وحدها تكفي لتفنيد هذا الادعاء. الشركات البلجيكية تتلقى 16 مليار يورو سنوياً كإعانات ودعم، مما يجعل بلجيكا بطلة أوروبا في هذا المجال . هناك مليارا يورو إضافية كتخفيضات في مساهمات أصحاب العمل . في المقابل، فإن المدخرات المطلوبة من الإصلاحات الاجتماعية تبلغ حوالي 2.7 مليار على المعاشات، ومثلها على الرعاية الصحية وإعانات البطالة، و500 مليون على الرعاية الصحية .
الاختيار واضح: إما أن تستمر في دعم الشركات والأغنياء بـ 18 مليار يورو، وإما أن تطلب منهم المساهمة بشكل عادل. الحكومة تختار الخيار الأول. هذا ليس "لا خيار"، هذا هو "الاختيار الطبقي" بعينه.
علاوة على ذلك، تم الاتفاق داخل الحكومة على أن مساهمة "الأكتاف الأعرض" (أي الأغنياء) يجب ألا تتجاوز بأي حال من الأحوال 11% من إجمالي الجهد المطلوب . هذا ليس قدراً، هذا قرار سياسي متعمد. هو قرار بحماية الأغنياء على حساب الفقراء.
عبارة "لا خيار لدينا" هي غطاء لغوي لإخفاء هذا القرار الطبقي. هي ترياق أيديولوجي يُعطى للجماهير لتخديرهم، ليقبلوا بما لا يقبل، وليستسلموا لما لا مفر منه، بينما المفر منه موجود، لكنه لا يخدم من يملكون القرار.
4. لغة "الاستحقاق" مقابل لغة "الحق": تحول أنطولوجي
واحدة من أخطر التحولات اللغوية التي تقوم بها حكومة "أريزونا" هي تلك المتعلقة بمفهوم "الحق" (droit) نفسه. الخطاب الرسمي يستبدل تدريجياً لغة "الحقوق الاجتماعية" بلغة "الاستحقاق" (mérite) و"الواجب" (devoir).
صحيفة لا ليبر بلجيك، في تحليلها للإصلاحات، تتبنى هذا التحول اللغوي صراحة. تقول: "بقسوة كما هي، فإن إصلاح البطالة هذا منطقي" لأنه "يعيد وضع المؤشر عند التوازن بين الحق (في المساعدة) والواجب (في إيجاد أو استعادة وظيفة)" .
هذه الجملة تكشف عن جوهر التحول الأيديولوجي. الحق لم يعد حقاً طبيعياً، بل أصبح شيئاً يجب موازنته بشيء آخر. الحق لم يعد مطلقاً، بل أصبح مشروطاً. لم يعد الحق قائماً على الكرامة الإنسانية، بل على الأداء والسلوك.
هذا التحول أنطولوجي، لأنه يعيد تعريف ما يعنيه أن تكون مواطناً. في دولة الرفاه التقليدية، كنت مواطناً لأنك إنسان، ولأنك تساهم في المجتمع من خلال وجودك وعملك وضرائبك. في نموذج "أريزونا"، أنت مواطن فقط إذا كنت تفي بـ"واجبك" في العمل، بغض النظر عن ظروفك، بغض النظر عن قدراتك، بغض النظر عن احتياجات من ترعاهم.
الأم التي ترعى ابنها المعاق، في هذا المنطق، هي مقصرة في واجبها. هي لا تستحق المساعدة الكاملة، لأنها لا تفي بواجب العمل. حقيقة أنها تقوم بعمل لا يقدر بثمن في رعاية إنسان معاق لا تهم. لأن "العمل" في قاموسهم هو فقط العمل المأجور في السوق. أي عمل آخر، حتى لو كان الحفاظ على حياة إنسان، لا يحسب.
هذا التحول يضرب في العمق مفهوم التضامن الاجتماعي نفسه. المجتمع لم يعد كياناً متضامناً حيث يتقاسم الجميع الأعباء والموارد، بل أصبح ساحة تنافس حيث كل فرد مسؤول عن نفسه، وعليه أن "يستحق" مساعدة الآخرين.
5. "لا يوجد مال": خرافة الميزانية
"صندوق الدولة فارغ". "لا يوجد مال". "علينا تقليص الحزام". هذه العبارات تتردد في كل خطاب وزير من وزراء "أريزونا". لكن الحقيقة، كما يكشف تحليل Social Europe، هي أن العكس هو الصحيح: هناك مال، لكنه في الأماكن الخطأ .
بلجيكا، كما يشير التقرير، تفرض ضرائب منخفضة بشكل صادم على أرباح الشركات، لدرجة أنها تعمل عملياً كملاذ ضريبي خفي داخل الاتحاد الأوروبي . المال موجود، لكنه موجود في خزائن الشركات الكبرى والأثرياء، وليس في خزائن الدولة.
السؤال الذي لا يطرحه الخطاب الرسمي هو: لماذا يُطلب من العمال المساهمة دائماً، بينما تُعفى الشركات؟ لماذا تُقطع إعانات البطالة بينما تستمر إعانات الشركات بـ 16 مليار يورو سنوياً؟ لماذا يدفع الفقراء ثمن الأزمة بينما يزداد الأغنياء غنى؟
هذا هو "الاختيار الطبقي" الذي يتحدث عنه المحللون في مؤسسة روزا لوكسمبورغ . الحكومة تختار حماية مصالح رأس المال على حساب مصالح الناس. ثم تستخدم خطاب "لا يوجد مال" لتبرير هذا الاختيار. إنها خدعة قديمة قدم الرأسمالية نفسها: أن تجعل الفقراء يدفعون ثمن أزمات الأغنياء، وتسمي ذلك "تقشفاً".
الخبير الاقتصادي يمكنه أن يشرح أن هناك بدائل. فرض ضرائب تصاعدية على الثروة. محاربة التهرب الضريبي. إعادة هيكلة الدعم الممنوح للشركات. لكن هذه البدائل لا تطرح في الخطاب الرسمي، لأنها تتعارض مع المصالح التي يمثلها هذا الخطاب.
6. تضحية الجميع: خطاب المساواة الزائف
عبارة أخرى يتكرر استخدامها هي: "يجب على الجميع أن يساهموا". يقدمها الوزراء كشعار للمساواة والعدالة. الكل يشارك، الكل يضحي، الكل يساهم في إنقاذ البلاد.
لكن هذا "الكل" هو، في الحقيقة، جزء فقط. لأن المساهمة المطلوبة من الأغنياء، كما ذكرنا، محددة سلفاً بألا تتجاوز 11% من إجمالي الجهد . الباقي، 89%، يتحمله الفقراء والطبقة الوسطى والعمال والمرضى والمتقاعدون.
هذه ليست مساواة، هذه هي اللامساواة بعينها، مغلفة بخطاب المساواة. هي أن تخبر الغني بأن مساهمته ستكون رمزية، وتخبر الفقير بأن مساهمته ستكون جوهرية، ثم تقول للجميع: "نحن جميعاً في القارب نفسه".
التحليل الذي تقدمه النقابات العمالية واضح في هذا الصدد: "لا يمكن لأحد أن يزعم بجدية أن نظام المعاشات أو الرعاية الصحية لدينا مفرط في السخاء. المشكلة الحقيقية هي أن الأثرياء - ومن الجدير بالذكر أن الثروة في هذا البلد لا تكتسب أساساً من خلال العمل - يعيشون أوضاعاً ممتازة" .
خطاب "المساواة" هنا هو أداة لتبرير اللامساواة. هو غطاء لغوي لعملية نقل الأعباء من الأغنياء إلى الفقراء. هو أن تقول "الكل يشارك" بينما أنت صممت النظام بحيث يشارك البعض فقط، بينما الآخرون يتفرجون.
7. الاتهام المسبق: خطاب وصم العاطلين
لا يكتمل المبرر الأيديولوجي لحكومة "أريزونا" دون الحديث عن خطاب وصم العاطلين والفقراء. هذا الخطاب ليس جديداً، لكنه في عهد "أريزونا" يأخذ أبعاداً أكثر تنظيماً.
الوزراء، وفي مقدمتهم تيو فرانكن وزير الدفاع (والذي كان معروفاً بوحشيته عندما كان مسؤولاً عن الهجرة بين 2014 و2018)، يكرسون صورة العاطل الكسول الذي يعيش على حساب دافعي الضرائب . الصورة النمطية هي: عاطلون يرفضون العمل، ويستفيدون من إعانات سخية، ويعيشون حياة مريحة دون أن يحركوا ساكناً.
هذه الصورة، كما يشير تحليل International Viewpoint، تحتاج إلى "كبش فداء، حتى لو كان وهمياً" . الإعلام يلعب دوراً مركزياً في تكريس هذه الصورة، من خلال "الهجمات الإعلامية والسياسية المتواصلة على العمال العاطلين، والمهاجرين وطالبي اللجوء، والمسلمين" .
لكن الحقيقة، كما رأينا في الفصول السابقة، هي عكس ذلك تماماً. العاطلون ليسوا كسالى، بل هم في الغالب أشخاص يواجهون عقبات حقيقية للعودة إلى العمل: مرض، إعاقة، مسؤوليات عائلية، نقص في فرص العمل في مناطقهم. والأهم، أن الفجوة المالية بين العمل والبطالة كانت موجودة أصلاً، كما أثبتت دراسة جامعة أنتويرف.
وصم العاطلين يخدم غرضين: أولاً، يبرر سياسات التقشف بحمل الناس على الاعتقاد بأن هذه السياسات تستهدف "المحتالين" و"الكسالى". ثانياً، يخلق انقسامات بين الفئات الشعبية: العامل الذي يعتقد أن العاطل يعيش على ضرائبه، بدلاً من أن يرى فيه ضحية لنفس النظام الذي يستغله هو أيضاً.
إنها استراتيجية "فرق تسد" الكلاسيكية. اجعل الفقراء يتقاتلون فيما بينهم، بدلاً من أن يتحدوا ضد الأغنياء.
8. "القيمة مقابل المال": لغة الإدارة الجديدة
في نهاية عام 2025، أعلنت حكومة "أريزونا" عن إصلاح إداري كبير، يهدف إلى إعادة هيكلة الوزارات والمصالح الحكومية . الإصلاح، الذي قدمته الوزيرة فانيسا ماتس (Les Engagés)، يحمل كل علامات اللوغوقراطية الإدارية: لغة تقنية، وعود بالكفاءة، وتبريرات بالاقتصاد.
الهدف المعلن هو توفير 300 مليون يورو من خلال "اقتصادات الحجم" و"تقليل عدد المناصب القيادية" . سيتم إنشاء "وزارة للهجرة" تدمج مكتب الأجانب، المفوضية العامة للاجئين، Fedasil، ومجلس المنازعات للأجانب . سيتم دمج الإدماج الاجتماعي في وزارة الضمان الاجتماعي. سيتم إنشاء "وكالة رقمية" لتنسيق الأنشطة في مجال المعلوماتية .
هذه اللغة تبدو بريئة، تقنية، غير سياسية. من يعترض على "الكفاءة"؟ من يرفض "الاقتصاد"؟ لكن تحت هذه اللغة، هناك سياسة واضحة: مركزية السلطة، تقليص الخدمات، جعل الإدارة أداة لتنفيذ الأجندة السياسية للحكومة.
إنشاء "وزارة للهجرة"، على سبيل المثال، ليس مجرد إعادة هيكلة إدارية. هو تجسيد للخطاب السياسي الذي يجعل من الهجرة "مشكلة" تحتاج إلى "وزارة" خاصة. هو إضفاء الشرعية على النظرة الأمنية للهجرة. هو تمهيد الطريق لمزيد من السياسات التقييدية.
تخفيض المناصب القيادية بنسبة 30%، كما وعدت الوزيرة ، يعني في النهاية تقليص قدرة الدولة على أداء وظائفها. يعني موظفين أقل، خدمات أقل، وقت انتظار أطول. يعني أن المواطن، خاصة الفقير، سيجد صعوبة أكبر في الوصول إلى حقوقه.
لغة الإدارة الجديدة هي غطاء مثالي للسياسات القاسية. لأنها تقدم نفسها على أنها "تقنية" و"محايدة"، بينما هي في العمق سياسية وأيديولوجية. هي أن تنزع السياسة من السياسة، وتقدم القرارات كضرورات إدارية.
9. التهديد الخارجي: صرف الانتباه إلى الأعداء الوهميين
لا يكتمل خطاب "أريزونا" دون التهديد الخارجي. تيو فرانكن، وزير الدفاع، يتحدث باستمرار عن "التهديدات الروسية" و"عدم استعداد بلجيكا" لمواجهة التحديات الأمنية . الحكومة تزيد الإنفاق الدفاعي لتصل إلى 2% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول 2029، كما تطلب الناتو .
هذا التهديد الخارجي يخدم غرضاً داخلياً: تبرير تحويل الموارد من الخدمات الاجتماعية إلى الإنفاق العسكري. بينما تُقطع ميزانيات التعليم والصحة والرعاية الاجتماعية، تُضخ المليارات في شراء طائرات مقاتلة وتعزيز القوات .
"الأسلحة بدلاً من الرفاه" (Weapons over Welfare)، كما تصفها مؤسسة روزا لوكسمبورغ . هذا هو الخيار الواضح للحكومة. وعندما يحتج المواطنون على تقليص معاشاتهم وخدماتهم، يقال لهم: "هناك تهديد أكبر. هناك عدو في الخارج يجب مواجهته".
هذه الاستراتيجية قديمة قدم الإمبراطوريات. جورج أورويل حذر منها في "1984": خلق عدو وهمي لتبرير السيطرة الداخلية. الآن، العدو ليس وهمياً بالكامل، لكن حجم التهديد يُضخم، والرد عليه يُقدّم كأولوية تفوق كل الأولويات الأخرى.
المفارقة أن الحكومة تطلب من المواطنين التضحية "من أجل أطفالهم" بينما تنفق المليارات على آلات الموت. تطلب منهم تقليص استهلاكهم من الرعاية الصحية بينما تزيد استهلاك الدولة من الدبابات. تطلب منهم العمل حتى سن 67 بينما تصرف المليارات على جيش لا يحتاج إلى كل هذا الإنفاق في زمن السلم.
هذا التناقض الصارخ يفضح زيف الخطاب الرسمي. يكشف أن "لا يوجد مال" هي كذبة. المال موجود، لكنه يُوجّه إلى حيث تريد النخب، وليس إلى حيث يحتاجه الناس.
10. الخلاصة: اللغة كسلاح، والسلطة كخطاب
في نهاية هذا الفصل، نعود إلى سؤال مركزي: كيف تستطيع حكومة "أريزونا" تنفيذ "أعنف هجوم على دولة الرفاه منذ 80 عاماً" دون أن تواجه ثورة شعبية تطيح بها من أول يوم؟ الجواب يكمن في اللغة.
اللغة هي السلاح الأقوى في ترسانة هذه الحكومة. ليس السلاح الوحيد، لكنه الأهم. لأن اللغة هي التي تجعل القسوة مقبولة. هي التي تحول السرقة إلى "إصلاح". هي التي تقدم الفقر كـ"مساهمة". هي التي تخبر الأم التي ترعى ابنها المعاق بأنها "كسولة" وتستحق العقاب.
هذه اللغة تعمل على مستويات متعددة:
على المستوى الأول، هي تخلق وهم الضرورة: "لا خيار لدينا". المواطن يصدق أن هذه السياسات حتمية، يفرضها الواقع، لا يمكن تغييرها.
على المستوى الثاني، هي تخلق وهم العدالة: "الجميع يساهم". المواطن يصدق أن التضحيات موزعة بالتساوي، وأن الجميع في القارب نفسه.
على المستوى الثالث، هي تخلق كبش فداء: العاطلون، المهاجرون، الفقراء. المواطن العامل يوجه غضبه نحو هؤلاء، بدلاً من أن يوجهه نحو النظام الذي يستغله.
على المستوى الرابع، هي تخلق عدواً خارجياً: روسيا، الإرهاب، التهديدات الأمنية. المواطن يقبل بتحويل موارده إلى الإنفاق العسكري، لأنه يخاف من عدو يلوح في الأفق.
هذه المستويات الأربعة تشكل معاً المبرر الأيديولوجي لحكومة "أريزونا". هي ليست مجرد كلمات، هي بناء كامل للواقع. هي إعادة تعريف لما هو ممكن، وما هو عادل، وما هو ضروري. هي لوغوقراطية بكل ما للكلمة من معنى.
المعارضة تدرك هذا. النقابات، الأحزاب اليسارية، المحتجون في الشوارع، كلهم يحاولون كسر هذه اللغة. يقولون: "ليس صحيحاً أن لا خيار لدينا". يقولون: "ليس صحيحاً أن الجميع يساهم". يقولون: "العاطلون ليسوا كسالى". يقولون: "أطفالنا يحتاجون إلى مدارس، لا إلى دبابات".
المعركة، إذن، هي معركة لغة قبل أي شيء آخر. هي معركة على المعنى. هي معركة على القدرة على تسمية الأشياء بأسمائها: قسوة، سرقة، ظلم. هي معركة لاستعادة اللغة من قبضة اللوغوقراطية، وإعادتها إلى خدمة الحقيقة.
في الفصل الخامس، سننتقل من تحليل الخطاب إلى تحليل التداعيات. سنرى كيف تترجم هذه اللغة إلى واقع ملموس على الأرض: كيف تؤثر سياسات "أريزونا" على التماسك الاجتماعي، وكيف تخلق التناحر بين الفئات الشعبية، وكيف تهدد أسس المجتمع البلجيكي نفسه.
…….
القسم الأول: أنطولوجيا القسوة – تفكيك المجتمع البلجيكي تحت حكم ائتلاف "أريزونا"
الفصل الخامس:
تداعيات على التماسك الاجتماعي – تدمير أسس التضامن
1. مقدمة: النسيج الذي يتمزق
كانت بلجيكا، لعقود طويلة، نموذجاً فريداً في أوروبا. ليس فقط لأنها دولة فيدرالية معقدة تجمع ثلاث مجتمعات لغوية مختلفة، بل لأنها استطاعت، رغم كل الانقسامات، بناء نسيج اجتماعي متماسك قائم على التضامن. كان هناك عقد غير مكتوب بين الأجيال والطبقات والمناطق: أن من يعمل يساهم في من لا يعمل، أن من يمرض يعالج، أن من يكبر في السن يعيش بكرامة، أن من يولد فقيراً له فرصة لأن يصبح شيئاً آخر. هذا العقد كان اسمه "دولة الرفاه"، وكان هو الغراء الذي يربط المجتمع البلجيكي رغم كل التوترات اللغوية والسياسية .
اليوم، تحت حكم ائتلاف "أريزونا"، يتم تمزيق هذا النسيج عمداً. ليس عن طريق الصدفة، ولا عن طريق الإهمال، بل عن طريق سياسات ممنهجة تهدف إلى إعادة هيكلة المجتمع على أسس جديدة: أسس التنافس بدل التضامن، الفردية بدل الجماعية، الخوف بدل الأمان. هذا الفصل هو تشريح لهذا التمزق. هو رحلة في تداعيات سياسات "أريزونا" على التماسك الاجتماعي البلجيكي: كيف تخلق الانقسامات، كيف تغذي التناحر، كيف تحول المواطنين إلى أعداء، كيف تهدد بتحويل المجتمع إلى ساحة حرب حيث الجميع ضد الجميع.
ألان بودسون، السكرتير الدائم للنقابة المسيحية CSC في فيرفييه، يلخص الأمر بعبارة موجعة: "نحن بصدد حكومة تقسم بوضوح. مع تدابير لها طابع مجتمعي أيضاً. رئيس الوزراء لا يخفي ذلك: تحديد إعانات البطالة هو قبل كل شيء إجراء يستهدف والونيا وبروكسل" .
هذه هي البداية: عندما تصبح السياسات الاجتماعية أدوات للانقسام المجتمعي واللغوي. عندما يُستخدم الفقر كسلاح في معركة سياسية. عندما يتحول المواطن إلى عدو لمجرد أنه يعيش في المنطقة الخطأ.
2. الانقسام المجتمعي: والونيا وبروكسل في مرمى النيران
لطالما كانت بلجيكا دولة ذات توترات لغوية بين الفلامنك في الشمال والوالون في الجنوب. لكن هذه التوترات كانت، في معظمها، تُدار عبر مؤسسات الدولة الفيدرالية وعبر عقود من التسويات والتفاهمات. ما يفعله ائتلاف "أريزونا" مختلف. هو يستخدم هذه التوترات ليس لإدارتها، بل لتغذيتها، ليس لتهدئتها، بل لتوظيفها في معركة طبقية.
ألان بودسون، في مقابلته مع صحيفة "لافنير"، يكشف عن هذه الحقيقة بصراحة مؤلمة: "رئيس الوزراء لا يخفي ذلك: تحديد إعانات البطالة هو قبل كل شيء إجراء يستهدف والونيا وبروكسل. انظروا إلى الاستثناءات. من هم الأشخاص الذين لن يتأثروا؟ الصيادون في البحر، عمال الموانئ... ليس لدينا الكثير من هؤلاء في والونيا" .
هذا اعتراف صريح بأن السياسة الاجتماعية تُستخدم كأداة للعقاب الجغرافي. والونيا، التي تعاني من بطالة هيكلية أعلى بسبب تحولها الاقتصادي من الصناعة الثقيلة إلى اقتصاد الخدمات، هي المستهدفة الأكبر. بروكسل، العاصمة الفيدرالية التي تضم أكبر تنوع سكاني وأعلى نسبة من المهاجرين، هي أيضاً في مرمى النيران. بينما المناطق الفلامنكية، الأكثر ازدهاراً اقتصادياً، تحمي مصالحها عبر استثناءات مخصصة لقطاعاتها.
هذا ليس مجرد انحياز جغرافي. هو سلاح مجتمعي. هو رسالة واضحة لسكان والونيا وبروكسل: أنتم عبء، أنتم مكلفون، أنتم لستم مثلنا. عندما تقرع هذه الرسالة يومياً عبر السياسات الرسمية، فإنها تتسرب إلى الوعي الجماعي، وتخلق شرخاً جديداً في نسيج اجتماعي كان يعاني أصلاً من توترات قديمة.
التقرير التحليلي لمنصة "أكتيف فيفر أنسامبل" يذهب إلى أبعد من ذلك: "منذ سنوات طويلة، كانت اليمين قد حددت طوطمها: وضع حد للخصوصية البلجيكية، أي تلك الأنتفاضة المتكررة التي تقول إن بلدنا هو الدولة الوحيدة في الاتحاد الأوروبي حيث إعانات البطالة غير محددة زمنياً" .
الخصوصية البلجيكية، التي كانت مصدر فخر وتضامن، أصبحت فجأة "مشكلة" يجب حلها. والمشكلة، كما تُصاغ، تقع في والونيا وبروكسل. الحل، بالتالي، سيُطبق هناك بقسوة أكبر.
3. الانقسام الطبقي: عندما يدفع الفقراء ثمن أزمة الأغنياء
لكن الانقسام ليس جغرافياً فقط. هو طبقي قبل كل شيء. كل التحليلات المستقلة، من منظمة روزا لوكسمبورغ إلى منصة سوشال يوروب ، تتفق على أن سياسات "أريزونا" تعيد توزيع الأعباء بشكل صارخ: من الفقراء إلى الأغنياء، من العمال إلى أصحاب رأس المال، من المرضى إلى الأصحاء، من النساء إلى الرجال.
الأرقام وحدها صارخة:
· 16 مليار يورو سنوياً كإعانات للشركات البلجيكية، مما يجعل بلجيكا بطلة أوروبا في هذا المجال . · 2 مليار يورو إضافية كتخفيضات في مساهمات أصحاب العمل . · 2.7 مليار يورو تخفيضات في المعاشات . · 2.7 مليار يورو تخفيضات في الرعاية الصحية وإعانات البطالة . · 500 مليون يورو تخفيضات إضافية في الخدمات الاجتماعية الأساسية .
ما معنى هذه الأرقام؟ معناها بسيط: الشركات والأغنياء يحصلون على 18 مليار يورو سنوياً من دعم الدولة، بينما تُقتطع 6 مليارات يورو من خدمات الفقراء والمرضى والعاطلين والمتقاعدين. هذا ليس تقشفاً، هذا نقل هائل للثروة من الأسفل إلى الأعلى.
والأدهى من ذلك، كما تكشف منصة سوشال يوروب، أن المساهمة المطلوبة من "الأكتاف الأعرض" (أي الأغنياء) تم الاتفاق داخل الحكومة على ألا تتجاوز بأي حال من الأحوال 11% من إجمالي الجهد المطلوب . بينما الـ 89% الباقية يتحملها الفقراء والطبقة الوسطى.
هذا هو الانقسام الطبقي في أنقى صوره: حكومة تعلن صراحة، عبر سياساتها، أن الأغنياء خط أحمر لا يمكن المساس به، بينما الفقراء هم مادة قابلة للتقليص والاقتطاع والتجويع. حكومة تكرّس مبدأ أن من يملك المال يُعفى، ومن لا يملك يدفع.
4. الانقسام الجندري: الحرب على النساء
لكن الانقسامات لا تتوقف عند الجغرافيا والطبقة. هناك انقسام جندري عميق في سياسات "أريزونا". النساء، كما تشير كل التقارير والتحليلات، هن الخاسرات الأكبر في هذه المعادلة.
ألان بودسون، في مقابلته، يصف الحكومة بعبارة لم تسمع كثيراً في الخطاب السياسي البلجيكي: "هذه الحكومة هي حقاً كارهة للنساء حتى الموت. النساء سيدفعن الثمن أكثر من الرجال بكثير. أكثر الإجراءات ظلماً هو ذلك الذي لم يُباع لنا في البداية" .
لماذا النساء هن الأكثر تضرراً؟ الأسباب متعددة:
أولاً: النساء أكثر عرضة للعمل بدوام جزئي، بسبب مسؤوليات الرعاية الأسرية الملقاة على عاتقهن تقليدياً. عندما تُحتسب فترات العمل للمعاش التقاعدي، فإن سنوات العمل الجزئي لا تمنح نفس الحقوق. النساء يجدن أنفسهن غير مؤهلات للمعاش الأدنى، رغم أنهن عملن لعقود.
ثانياً: النساء أكثر عرضة لانقطاعات المسيرة المهنية بسبب الأمومة ورعاية الأطفال. الإصلاح الجديد يعتبر هذه الانقطاعات "فترات غير محتسبة" في بعض الحالات، مما يقلص معاشاتهن التقاعدية بشكل كبير.
ثالثاً: النساء أكثر تمثيلاً في فئة "المتعايشين" (cohabitants). الإجراءات الجديدة التي تستهدف المتعايشين، وتقلص إعاناتهم، تصيب النساء بشكل غير متناسب. إصلاح "منع تراكم الإعانات" داخل الأسرة الواحدة يعني أن المرأة التي تعيش مع زوج أو شريك قد تفقد إعانتها بالكامل، حتى لو كانت هي من يقوم بأعمال الرعاية غير المدفوعة.
رابعاً: النساء أكثر تمثيلاً في وظائف القطاع العام والخدمات الاجتماعية، وهي القطاعات الأكثر تضرراً من سياسات التقشف وتجميد الأجور وتقليص التوظيف.
تحليل منظمة "أكتيف فيفر أنسامبل" يضيف بعداً آخر: "هناك رؤية للمجتمع حيث يوجد، من ناحية، أفراد في كامل قدرتهم، رجال بيض، في العمل وبصحة جيدة، ومن ناحية أخرى، كل أولئك الذين لا يدخلون في هذه الرؤية يتم مهاجمتهم: النساء، العاطلون عن العمل، المهاجرون، المرضى طويلو الأمد. بمجرد أن لا تعود ذلك الفرد المقاول لذاته الذي ينظم كل شيء ليكون الأكثر فعالية، يتم وصمك!" .
الحرب على النساء، إذن، ليست عرضية. هي جزء من رؤية أيديولوجية شاملة تعيد تعريف من يستحق ومن لا يستحق. والنساء، في هذه الرؤية، هن في الغالب في خانة "غير المستحقات".
5. الانقسام بين الأجيال: سرقة المستقبل
بينما تقول الحكومة إنها تفعل ما تفعل "من أجل أطفالنا"، كما حللنا في الفصل الرابع، فإن الحقيقة هي أن سياساتها تخلق انقساماً عميقاً بين الأجيال. الشباب هم ضحايا هذه السياسات بقدر ما هم كبار السن، إن لم يكونوا أكثر.
عاطلون شباب سيفقدون إعاناتهم في 1 يناير 2026، كما يحذر ألان بودسون: "هؤلاء ليسوا أشخاصاً عاطلين منذ 20 عاماً (أولئك أقلية ويمكننا أن نفهم). هؤلاء أيضاً شباب حصلوا على سنة واحدة من إعانات الإدماج بعد دراستهم، وربما هم في تدريب مع فوريم (وكالة التشغيل الوالونية)، تحديداً للعثور على عمل" .
هذا هو الجيل الذي يُطلب منه أن يدفع مرتين: أولاً، لأنه سيواجه سوق عمل هشة، مع عقود مرنة وأجور منخفضة وضمانات معدومة. ثانياً، لأنه سيدفع ضرائبه لتمويل معاشات جيل آبائه، بينما هو نفسه قد لا يجد معاشاً عندما يبلغ السن.
تحليل سوشال يوروب يطرح السؤال المركزي: كيف تساعد هذه الإجراءات أطفالنا؟ تقليص المعاشات، تجميد الرواتب، تقويض قيمة العمل الليلي وساعات العمل الإضافية، تطبيع العمل أيام الآحاد، تخفيض ميزانيات المعاشات المتدنية، إجبار المرضى على العودة إلى العمل، توسيع أشكال العمل الهشة... كيف يساعد أي من هذا أطفالنا؟ .
الجواب البسيط هو أن هذه الإجراءات لا تساعد أطفالنا. إنها تساعد المساهمين. الجيل الحالي من الشباب سيكون أول جيل في تاريخ بلجيكا الحديث يعيش أسوأ من جيل آبائه. هذا هو الانقسام الأعمق: تفكيك فكرة التقدم نفسها، فكرة أن كل جيل سيعيش أفضل من الذي سبقه.
الأطفال أيضاً سيدفعون الثمن بطرق غير مباشرة. ألان بودسون يصف التأثير على الأطفال: "هؤلاء هم الأطفال الذين سيعانون، مع آباء قلقين على نهاية الشهر، مع غذاء سيكون أقل صحية على الأرجح، مع فقدان إمكانية القيام بأنشطة خارج مدرسية. كل هذا سيكون له تأثير هائل على الصحة الجسدية والنفسية للأطفال" .
الانقسام بين الأجيال، إذن، ليس مجرد انقسام في الدخل أو الفرص. هو انقسام في الصحة النفسية، في التربية، في القدرة على الحلم. هو جيل من الأطفال سيكبر وهو يرى والديه مرهقين، قلقين، غاضبين. سيكبر وهو يعرف أن المجتمع لا يحميه، بل يتركه ليواجه مصيره وحيداً.
6. الانقسام بين الصحة والمرض: معاقبة المرضى
من بين أكثر الانقسامات وحشية التي تخلقها سياسات "أريزونا" هو الانقسام بين الأصحاء والمرضى. الحكومة تتبنى مقاربة جديدة تجاه المرضى طويلي الأمد، تقوم على الشك والعقاب بدل الرعاية والدعم.
تحليل منظمة "أكتيف فيفر أنسامبل" يكشف عن التحول الأيديولوجي: "ثم هناك المرضى طويلي الأمد. بمنطق منحرف، يتم الخلط بين الأشخاص المرضى والأشخاص الذين لا يريدون العمل، ويُعتقد أنه من خلال وضع منطق المسؤولية، سيعود الناس إلى العمل. يتم تحميل المسؤولية للجهات الفاعلة في الخطوط الأمامية التي ستُعاقب إذا لم تقم بعملها في إعادة التوظيف" .
هذا التحول مدمر على عدة مستويات:
أولاً: المرضى الذين يعانون من أمراض مزمنة أو إعاقات حقيقية يُعاملون كمشتبه بهم. يُفترض أنهم يختلقون المرض للهروب من العمل. هذه النظرة المشبوهة تحول تجربة المرض، التي هي أصلاً مؤلمة ومرهقة، إلى تجربة إذلال وتفتيش.
ثانياً: الأطباء أنفسهم يُوضعون تحت المراقبة. قاعدة البيانات المركزية الجديدة "GAOCIT" ستجمع الشهادات الطبية الإلكترونية لجميع المؤمن عليهم، وستُستخدم هذه البيانات لمراقبة سلوك الأطباء في كتابة الوصفات . في المستقبل، قد يُحاسب الأطباء مالياً إذا انحرف سلوكهم عن المعايير المقررة.
ثالثاً: الضغط على المرضى للعودة إلى العمل قبل الأوان سيؤدي إلى تدهور صحتهم على المدى الطويل. العودة المبكرة بعد مرض خطير قد تعني الانتكاس، والعودة إلى المستشفى، وربما الوفاة المبكرة. لكن هذا لا يظهر في جداول الإصلاح.
رابعاً: المرضى الذين لا يستطيعون العودة إلى العمل سيجدون أنفسهم في فخ مزدوج: من ناحية، إعاناتهم مهددة بالتقليص أو القطع. من ناحية أخرى، هم غير قادرين على العمل لكسب دخل بديل. هذا يعني السقوط في هاوية الفقر المدقع.
هذا الانقسام بين الأصحاء والمرضى هو من أخطر تداعيات سياسات "أريزونا"، لأنه يمس جوهر التضامن الإنساني. مجتمع يتخلى عن مرضاه هو مجتمع فقد بوصلته الأخلاقية. مجتمع يعاقب من ابتلاهم الله بمرض هو مجتمع يستحق أن يوصف بالوحشية.
7. الانقسام بين المواطن والدولة: تآكل الثقة
عندما تتبنى الحكومة سياسات تشعر المواطنين بأنها غير عادلة، عندما تخلق انقسامات بين المناطق والطبقات والأجناس والأجيال، فإن النتيجة الطبيعية هي تآكل الثقة بين المواطن والدولة. هذه الثقة هي الرأسمال الرمزي الأهم لأي ديمقراطية. بدونها، تتحول الدولة إلى مجرد آلة قسر، والمواطن إلى مجرد خاضع خائف.
شهادة ألان بودسون تكشف عن مدى هذا التآكل: "هناك الكثير من التدابير الصغيرة التي لا نقيسها والتي لم تُذكر قط في الاتفاقات الحكومية، ولا حتى في البرامج. هل تحدثوا عن أننا سنقوم بقفزة في التكيف الضريبي؟ لقد فعلناها هذه السنة. الجميع دفع 200-300 يورو إضافية. هل قالوا إننا سنخفض قابلية خصم نفقات مثل نفقات الطلاق من 80% إلى 50%؟ هل قالوا إننا سنخفض إلى النصف المعامل الزوجي، ضريبياً؟ هناك الكثير من التدابير الضريبية الصغيرة التي ستؤثر مباشرة على الطبقة المتوسطة. وهذا لم يكن في البرامج الانتخابية، لم يكن في الاتفاق الحكومي. نحن في وضع جنوني" .
هذا هو تآكل الثقة في أنقى صوره: عندما تكتشف أن الحكومة التي انتخبتها لم تكن صادقة معك. عندما تكتشف أن البرنامج الذي صوتّ عليه كان مجرد غطاء لسياسات مختلفة تماماً. عندما تشعر أنك خُدعت، وأن صوتك الانتخابي سُرق.
هذا التآكل له تداعيات خطيرة على المدى الطويل. المواطن الذي يفقد الثقة في الدولة يصبح أقل استعداداً لدفع الضرائب، أقل التزاماً بالقوانين، أقل مشاركة في الحياة الديمقراطية. قد يلجأ إلى الاقتصاد الموازي، أو يهاجر، أو ينعزل في فقاعته الخاصة. في أسوأ الحالات، قد ينجذب إلى خطابات شعبوية تعد بتغيير جذري، أي خطاب كان.
الاستطلاعات تشير إلى أن الأحزاب الائتلافية تخسر شعبيتها. تحليل صحيفة "سودانفو" يشير إلى أن MR والمشاركون (Les Engagés) يتراجعان في استطلاعات الرأي، وأن N-VA تبقى تحت التهديد المستمر من Vlaams Belang اليميني المتطرف . هذا هو الثمن السياسي لتآكل الثقة: صعود التطرف على حساب الوسط.
8. التقارب النضالي: عندما يتحد المفترض أن يكونوا أعداء
لكن وسط هذا المشهد القاتم من الانقسامات، هناك قصة أخرى تستحق الرواية. قصة التقاء. قصة تحالف. قصة كيف أن سياسات "أريزونا"، بدلاً من أن تفرق الناس كما تريد، بدأت توحدهم بطرق غير متوقعة.
منظمة "ألتير إيكو" توثق قصة "الغضب المشترك" (Commune Colère)، وهو تحالف جديد يجمع نقابيين ونشطاء بيئيين ومناهضين للعنصرية ونسويين ومواطنين عاديين . هذا التحالف، الذي بدأ كفكرة صغيرة في 2022، أصبح اليوم حركة وطنية تمتد من بروكسل إلى لييج إلى نامور.
ما يستحق التأمل هو أن هؤلاء الناس، الذين كانوا قد يعتبرون أنفسهم أعداء في سياقات أخرى (عامل في مصنع يخشى على وظيفته قد يلقي باللوم على المهاجر، ناشط بيئي قد يتهم العمال بعدم الاكتراث بالمناخ)، وجدوا أنفسهم معاً في خندق واحد.
إحدى المشاركات في حركة "الغضب المشترك" تقول: "آتي إلى هنا لألا أشعر بالوحدة في خوفي". ناشطة بيئية تشرح: "مطالبنا تتعزز من خلال قطاعينا المختلفين الذين ليس لديهما بالضرورة عادة العمل معاً. نحن جيدون جداً في العمل المباشر، بينما لديهم قوة تعبئة ومناصرة سياسية" .
هذا هو التقاء الغريب: العامل الذي يخشى على معاشه، والناشط البيئي الذي يخشى على الكوكب، والأم العزباء التي تخشى على أطفالها، والطالب الذي يخشى على مستقبله. كلهم يكتشفون أن العدو واحد، وأن الخوف مشترك، وأن النضال يجب أن يكون مشتركاً أيضاً.
منظمة روزا لوكسمبورغ تشير إلى هذا التحول: "من المثير للاهتمام بشكل خاص كيف أن هذه الموجة من الاحتجاجات تعمل كقوة موحدة بين المطالب الاجتماعية المتنوعة والمجموعات، مما يسلط الضوء على تحالف متجدد بين الحركة العمالية والأجيال الشابة. ربما يمكن أن يتشكل تحالف أقوى" .
هذا هو الأمل الوحيد في زمن الانقسام: أن يدرك الناس أن من يفرقهم هو من يحكمهم. وأن الاتحاد، رغم كل الصعاب، هو السبيل الوحيد لمواجهة آلة التفكيك.
9. الإضراب العام: الجسد يرفض الموت
في 31 مارس 2025، أوقفت بلجيكا أنفاسها. الإضراب العام الذي دعا إليه الاتحاد النقابي المشترك شلّ البلاد تماماً . المشهد كان استثنائياً: مطار بروكسل ومطار شارلروا أغلقا بالكامل، حركة القطارات تراجعت إلى أقل من 50% من طاقتها، وسائل النقل العام في بروكسل كادت تنهار، الموانئ شهدت حصاراً لـ 30 سفينة، عمال الصلب في مصنع أرسيلور ميتال في غنت انضموا إلى الإضراب .
لكن الأكثر دلالة كان قطاع التعليم: أكثر من 34 ألف معلم في فلاندر وحدهم أضربوا، في رقم تاريخي، مما أجبر آلاف المدارس على الإغلاق . المعلمون، الذين يفترض أنهم نموذج للصبر والالتزام، خرجوا إلى الشوارع. هم أيضاً وصلوا إلى نقطة اللاعودة.
منظمات أرباب العمل قدرت الخسائر بنحو 500 مليون يورو، محذرة من الضرر الذي يلحق بسمعة بلجيكا كدولة "تميل للإضراب" . لكن السؤال الذي لم يطرحوه هو: لماذا يضرب الناس؟ لماذا يخاطرون بأجورهم ووظائفهم وراحتهم؟ الجواب بسيط: لأنهم وصلوا إلى نقطة حيث الخسارة في الإضراب أقل من الخسارة في القبول.
الإضراب العام لم يكن مجرد توقف عن العمل. كان رسالة: أن الجسد الاجتماعي لا يزال حياً، لا يزال قادراً على الشعور، لا يزال قادراً على الصراخ. كان لحظة تجسيد لكل الانقسامات التي تحدثنا عنها، لكن بطريقة معكوسة: الفلامنك والوالون معاً، العمال والموظفون معاً، الشباب وكبار السن معاً، الرجال والنساء معاً. في لحظة الإضراب، توقف الانقسام، وحل محله الاتحاد.
مطالب المتظاهرين كانت واضحة: إلغاء تخفيضات المعاشات والرعاية الصحية، فرض ضرائب على الشركات، حماية تكييف الأجور التلقائي، الحفاظ على سن التقاعد الحالي، إعادة توجيه الإنفاق العسكري نحو الاحتياجات الاجتماعية . هذه المطالب ليست أنانية. هي مطالب مجتمع بكامله يرفض التفكيك.
10. الخلاصة: ماذا يبقى عندما ينهار التضامن؟
في نهاية هذا الفصل، نعود إلى السؤال المركزي: ماذا يبقى من مجتمع عندما يتم تدمير أسس التضامن فيه؟ عندما يصبح المواطن عدواً لجاره، والمنطقة عدوة للمنطقة الأخرى، والجيل عدواً للجيل الذي سبقه، والمرأة عدوة للرجل، والمريض عدواً للصحيح؟
الجواب القصير هو: لا شيء. يبقى فراغ. يبقى خوف. يبقى صراع الجميع ضد الجميع. يبقى مجتمع من الذرات المنعزلة، كل ذرة تخشى الأخرى، كل ذرة تحاول البقاء وحدها.
هذا هو الهدف النهائي لسياسات "أريزونا"، حتى لو لم يعترف به صناع القرار. تفكيك التضامن ليس عرضاً جانبياً للإصلاحات، بل هو جوهرها. لأن التضامن هو العقبة الكبرى أمام تحويل المجتمع إلى سوق. العامل المتضامن مع زميله العاطل قد يقبل بأجور أقل ليبقى الجميع معاً. المواطن المتضامن مع جاره المريض قد يقبل ضرائب أعلى ليبقى الجميع بصحة جيدة. الشاب المتضامن مع المسن قد يقبل تأخيراً في ميراثه ليبقى الجميع يعيشون بكرامة.
التضامن هو العدو الحقيقي للرأسمالية المتوحشة. لذلك يجب تدميره.
لكن ما تراه بلجيكا اليوم، في شوارعها وميادينها ونقاباتها وحركاتها الشعبية، هو أن التضامن يرفض الموت. هو يظهر في أشكال جديدة، في تحالفات غير متوقعة، في إضرابات عامة تشل البلاد، في حركات مثل "الغضب المشترك" توحد من كان يفترض أن يكونوا أعداء.
السؤال المفتوح، ونحن ننتقل إلى الفصل السادس، هو: من سينتصر في النهاية؟ آلة التفكيك، أم إرادة التضامن؟ حكومة "أريزونا" المصممة على تمزيق النسيج الاجتماعي، أم شعب بلجيكا المصمم على البقاء معاً؟
في الفصل السادس، سننتقل من تحليل التداعيات إلى تحليل الإعلام ودوره في هذه المعركة. سنرى كيف تساهم إمبراطوريات الإعلام في تكريس الانقسامات، أو في كشفها. سنحلل كيف تُصنع الرواية، وكيف تُخفي الحقيقة، وكيف يمكن للمواطن أن يرى ما وراء الكلمات.
…….
القسم الأول: أنطولوجيا القسوة – تفكيك المجتمع البلجيكي تحت حكم ائتلاف "أريزونا"
الفصل السادس:
الإمبراطورية الإعلامية – تشريح "خربة التعبير"
1. مقدمة: الكلمة التي تسبق الرصاصة
في البدء كان الكلمة. ثم صارت الكلمة جسداً. ثم صار الجسد ألماً. ثم صار الألم صرخة. ثم جاء الإعلام ليحول الصرخة إلى همس، والألم إلى رقم، والجسد إلى إحصائية، والكلمة إلى ضجيج لا معنى له.
هذا الفصل هو رحلة في متاهة "خربة التعبير" التي تحدثنا عنها في نقاشاتنا السابقة. هو تشريح لكيفية تحول الإعلام من سلطة رابعة، مهمتها مراقبة السلطة وكشف الحقيقة، إلى إمبراطورية تكرس الأكاذيب وتعيد إنتاج خطاب الهيمنة وتخدر المواطنين حتى لا يعودوا قادرين على التمييز بين ما هو حقيقي وما هو مزيف، بين ما هو عادل وما هو ظالم، بين من يضحي ومن يضحّى به.
في بلجيكا اليوم، تحت حكم ائتلاف "أريزونا"، يلعب الإعلام دوراً مركزياً في تمرير "أعنف هجوم على دولة الرفاه منذ 80 عاماً" . ليس عبر الدعاية الفجة، بل عبر آليات أكثر تعقيداً: التعتيم على بعض الأخبار، وتضخيم أخرى، وتأطير الأحداث بطرق معينة، وإعطاء منصة لخطاب دون آخر، وتحويل السياسات القاسية إلى "إصلاحات ضرورية" والاحتجاجات الشعبية إلى "فوضى" و"إزعاج".
منصة "إنترناشونال فيوبوينت" تصف هذه الآلية بدقة: "لكي تكون هذه السياسة اللاإنسانية مقبولة، فإنها تحتاج إلى كبش فداء، حتى لو كان وهمياً. ومن هنا تأتي الهجمات الإعلامية والسياسية المتواصلة على العمال العاطلين، والمهاجرين وطالبي اللجوء، والمسلمين، والـ ووك ، والمتحولين جنسياً، وما إلى ذلك" .
هذا هو الفصل الذي نحاول فيه الإجابة عن سؤال مركزي: كيف يصبح الإعلام شريكاً في الجريمة، ليس فقط بتغطيتها، بل بتبريرها وتطبيعها وتقديمها كأمر واقع لا مفر منه؟ وكيف يمكن للمواطن، وسط هذه "خربة التعبير"، أن يرى ما وراء الكلمات؟
2. إمبراطوريات الإعلام: من يملك الكلمة يملك الوعي
لفهم كيف يعمل الإعلام في عهد "أريزونا"، يجب أن نفهم أولاً من يملكه. المشهد الإعلامي البلجيكي، شأنه شأن معظم الدول الأوروبية، يهيمن عليه عدد محدود من المجموعات الإعلامية الكبرى، التي ترتبط بمصالح اقتصادية وسياسية تتجاوز حدود المهنة الصحفية.
في بلجيكا، تسيطر مجموعات مثل روسيل (Rossel) وآي بي إم (IPM) وميديا فين (Mediafin) على الجزء الأكبر من السوق الإعلامي الفرنكفوني، بينما يهيمن على السوق الفلامنكي مجموعات مثل ميديا هوس (Mediahuis) ودي مورغن (De Morgen) . هذه المجموعات ليست كيانات محايدة. لها استثمارات في قطاعات أخرى، ولها علاقات مع النخب السياسية والاقتصادية، ولها أجنداتها الخاصة.
ما يعنيه هذا ببساطة هو أن الإعلام ليس "سلطة رابعة" مستقلة، بل هو جزء من المنظومة التي يفترض أن يراقبها. هو صوت النخبة، وليس صوت الشارع. هو أداة لتكريس الهيمنة، وليس لكشفها.
تحليل منظمة "أكتيف فيفر أنسامبل" يشير إلى أن هذه الإمبراطوريات الإعلامية تعمل بتناغم مع الخطاب السياسي المهيمن. نادراً ما نجد في الصحف الكبرى تحليلات نقدية جذرية لسياسات "أريزونا". ما نجده هو تغطية "متوازنة" تعطي مساحة متساوية للحكومة والمعارضة، وكأن الأمر مجرد خلاف في الرأي بين أنداد، وليس صراعاً وجودياً بين طبقات ومصالح.
في هذا السياق، تصبح كلمة "خربة التعبير" وصفاً دقيقاً للوضع: فضاء إعلامي مليء بالكلمات، لكنه فارغ من المعنى. مليء بالأخبار، لكنه فارغ من الحقيقة. مليء بالآراء، لكنه فارغ من التحليل العميق. المواطن يسبح في بحر من المعلومات، لكنه لا يجد ما يساعده على فهم ما يحدث حقاً.
3. تأطير الأحداث: عندما يصبح الاحتجاج "إزعاجاً"
واحدة من أقوى آليات التلاعب الإعلامي هي "التأطير" (framing): الطريقة التي تُقدّم بها الأحداث للجمهور، والكلمات التي تُستخدم لوصفها، والزاوية التي تُصوّر منها. حكومة "أريزونا" والإعلام المتحالف معها يتقنون هذه الآلية.
خذ مثلاً الإضراب العام في 31 مارس 2025، الذي شلّ البلاد وشارك فيه مئات الآلاف من العمال . كيف غطته وسائل الإعلام الكبرى؟
بعض العناوين ركزت على "شلل البلاد" و"توقف المطارات" و"خسائر الاقتصاد" التي قدرت بنحو 500 مليون يورو . قلة من التقارير ركزت على مطالب المضربين، على الأسباب التي دفعتهم إلى التضحية بيوم عمل كامل، على الظلم الذي يدفعهم إلى الشارع. المتظاهرون صُوّروا كـ"مسببين للإزعاج"، وليس كمواطنين يمارسون حقهم الدستوري في الاحتجاج.
هذا التأطير يخدم غرضاً واضحاً: تحويل الانتباه من أسباب الاحتجاج إلى آثاره "المزعجة". بدلاً من أن يسأل المواطن: "لماذا يضرب هؤلاء الناس؟"، يسأل: "لماذا يعطلون حياتي؟". الغضب الشعبي يُوجّه نحو المضربين، لا نحو الحكومة التي تسببت في إضرابهم.
تأطير آخر: عندما تناقش وسائل الإعلام سياسات "أريزونا"، نادراً ما تستخدم كلمات مثل "قاسية" أو "ظالمة" أو "طبقية". التفضيل لكلمات مثل "إصلاحات ضرورية" أو "تقشف مسؤول" أو "تحفيز العمل". حتى صحيفة لا ليبر بلجيك، التي تعترف بأن الإصلاحات "قاسية"، تبررها فوراً بأنها "منطقية" وتعيد "التوازن بين الحق في المساعدة والواجب في إيجاد وظيفة" .
هذا التأطير يجعل القسوة مقبولة. يجعل الظلم ضرورة. يجعل السرقة إصلاحاً. هو تجسيد حي للوغوقراطية التي تحدث عنها كليمان فيكتوروفيتش: تحويل الكذب إلى خطاب مقبول، وتحويل الوحشية إلى سياسة عقلانية.
4. التعتيم الإعلامي: ما لا يُقال أهم مما يُقال
لكن التأطير ليس الآلية الوحيدة. هناك أيضاً التعتيم. هناك الأخبار التي لا تُنشر، والموضوعات التي لا تُناقش، والأصوات التي لا تُسمع.
تحليل منظمة "لافا" (LAVA) يكشف عن جانب مهم من سياسات "أريزونا" نادراً ما يجد طريقه إلى عناوين الصحف: التخفيضات الكبيرة في ميزانية البحث العلمي الفيدرالي . في 2024، كان ميزانية البحث الفيدرالي 630 مليون يورو. اتفاق "أريزونا" يتخفيضات متزايدة: 39 مليوناً أقل في 2025، 73 مليوناً في 2026، 84 مليوناً في 2027، 92 مليوناً في 2028، وصولاً إلى 93 مليوناً في 2029 . هذا يعني تراجعاً سنوياً بمعدل 12%، بالإضافة إلى تخفيضات سابقة .
هذه التخفيضات لها تأثيرات كارثية على المدى الطويل: تهدد قدرتنا على مواجهة حالات الطوارئ (مثل التحذير من الفيضانات)، وتعيق فهمنا للتحديات البيئية (تغير المناخ، التلوث بـ PFAS، المبيدات)، وتضعف تراثنا الثقافي (المتاحف والمعاهد الملكية) .
لكن كم مرة قرأنا عن هذه التخفيضات في الصحف الكبرى؟ كم مرة سمعنا عن تأثيرها على حياة المواطنين العاديين؟ التعتيم هنا ليس صدفة. هو جزء من استراتيجية أوسع لتجنب أي نقاش جدي حول أولويات الحكومة. من الأسهل للحكومة أن تقطع ميزانية البحث العلمي بهدوء، دون أن يلاحظ أحد، بدلاً من أن تواجه نقاشاً عاماً حول why تختار تمويل الدبابات على حساب الأبحاث المناخية.
مثال آخر على التعتيم: تأثير سياسات "أريزونا" على الأطفال. ألان بودسون، النقابي من CSC فيرفييه، يحذر: "هؤلاء هم الأطفال الذين سيعانون، مع آباء قلقين على نهاية الشهر، مع غذاء سيكون أقل صحية على الأرجح، مع فقدان إمكانية القيام بأنشطة خارج مدرسية. كل هذا سيكون له تأثير هائل على الصحة الجسدية والنفسية للأطفال" .
هذا البعد الإنساني العميق نادراً ما يظهر في التغطية الإعلامية. الأطفال ضحايا صامتون. لا يصوتون، لا يضربون، لا يحتجون. لذلك يمكن تجاهلهم بسهولة. الإعلام يفضل القصص المثيرة، الصراعات السياسية، التصريحات النارية. المعاناة اليومية الصامتة لا تبيع.
5. خطاب الكراهية الممنهج: شيطنة الفقراء والمهاجرين
واحدة من أخطر وظائف الإمبراطوريات الإعلامية هي إنتاج وتكريس خطاب الكراهية. ليس خطاب الكراهية الصريح بالضرورة (رغم أنه موجود)، بل الخطاب الذي يصنع "كبش فداء" للمشاكل الاجتماعية، ويحوّل الفقراء والمهاجرين والضعفاء إلى أعداء للشعب.
تحليل منصة "بروكسل تايمز" يقدم مفهوماً مهماً لفهم هذه الآلية: "شوفينية الرفاه" (welfare chauvinism) . هذا المفهوم، الذي صاغه باحثان في 1990، يصف فكرة أن المزايا الاجتماعية (إعانات البطالة، السكن العام، التعليم، الرعاية الصحية) يجب أن تكون حصرية للسكان الأصليين للبلد، مع استبعاد المهاجرين واللاجئين والأقليات العرقية بشكل منهجي .
هذه الفكرة، التي كانت مرتبطة تقليدياً باليمين المتطرف، تغلغلت اليوم في السياسة الوسطية، بما في ذلك حزب فورويت (Vooruit) الاشتراكي الفلمنكي المشارك في ائتلاف "أريزونا" . الإعلام يلعب دوراً مركزياً في نشر هذه الفكرة وتطبيعها، عبر:
· تكرار الصور النمطية عن المهاجرين "الكسالى" الذين يعيشون على إعانات الدولة. · تضخيم حالات الاحتيال الفردية لتصبح ظاهرة عامة. · ربط الهجرة تلقائياً بمشاكل البطالة والسكن والجريمة. · إعطاء منصة للسياسيين الذين يتبنون خطاباً معادياً للمهاجرين، وتقديمهم كـ"واقعيين" وليس كـ"شعبويين".
نتيجة هذا الخطاب هي خلق انقسامات عميقة بين الفئات الشعبية. العامل البلجيكي الذي يكافح لتغطية نفقاته يبدأ في رؤية المهاجر كلص يسرق "حقوقه". بدلاً من أن يتحد معه ضدهما سوياً، ينشغلان بالقتال فيما بينهما. "فرق تسد" هي أقدم لعبة في التاريخ، والإعلام هو رقعة الشطرنج.
تقرير منصة "إنترناشونال فيوبوينت" يلخص: "لإبقاء مصادر أرباحهم وتراكمهم، لا ترى الطبقات الحاكمة خياراً آخر غير نزع سلسلة من المكاسب الاجتماعية من العمال، بالقوة. لكن لكي تكون هذه السياسة اللاإنسانية مقبولة، فإنها تحتاج إلى كبش فداء، حتى لو كان وهمياً. ومن هنا تأتي الهجمات الإعلامية والسياسية المتواصلة" .
6. أسطورة "الحياد": عندما يصبح الإعلام ناطقاً باسم الحكومة
يدّعي الإعلام التقليدي أنه "محايد" و"موضوعي". لكن في عهد "أريزونا"، يتجلى بوضوح أن هذا الحياد مجرد وهم. صحيفة لا ليبر بلجيك، في تحليلها للإصلاحات، تتبنى صراحةً لغة الحكومة ومنطقها. تقول: "بقسوة كما هي، فإن إصلاح البطالة هذا منطقي" . من أين يأتي هذا "المنطق"؟ من برنامج الحكومة نفسه. الإعلام هنا لا يحلل، بل يبرر. لا ينقد، بل يكرس.
أحياناً يكون التواطؤ أكثر دقة. صحيفة ليكو (L"Echo) تعترف بأن "حكومة بارت دي فيفر يمكنها أن تدعي تحقيق أمر نادر في المشهد البلجيكي: إنها تصلح، كثيراً، بسرعة، وأحياناً بقسوة". لكنها تحذر في نفس الوقت: "إذا كانت أريزونا تثير الإعجاب بقدرتها على اتخاذ القرارات، فإنها تثير القلق بصعوبتها في تحقيق الاستقرار" .
هذا النوع من "النقد" هو في الحقيقة تأييد. لأن السؤال الأساسي لا يُطرح: هل هذه الإصلاحات عادلة؟ هل هي ضرورية حقاً؟ هل هناك بدائل أخرى؟ بدلاً من ذلك، يُختزل النقاش في "القدرة على التنفيذ" و"تحقيق الاستقرار". السياسات القاسية تُفترض كأمر واقع، والنقاش يدور حول تفاصيل تنفيذها فقط.
في المقابل، عندما يتعلق الأمر بانتقاد الحكومة، نادراً ما نجد في الصحف الكبرى تحليلات جذرية من منظور طبقي. أصوات النقابات العمالية تُسمع، لكن غالباً في سياق "المطالب" وليس في سياق "البدائل". الأحزاب اليسارية تُستضاف، لكن كـ"معارضة" ضمن لعبة سياسية متوازنة، وليس كصوت لمصالح طبقة كاملة.
هذا "الحياد" الزائف هو أخطر أسلحة الإمبراطوريات الإعلامية. لأنه يخفي الانحياز الحقيقي تحت عباءة الموضوعية. يخفي أن اختيار الضيوف، وطرح الأسئلة، وتأطير المواضيع، كلها تخضع لمنطق يخدم الأجندة المهيمنة.
7. الفضائح كمسكن: عندما تصبح السياسة مسرحاً
واحدة من آليات التشتيت التي يتقنها الإعلام هي تحويل السياسة إلى مسرح، والصراعات الحقيقية إلى مشاجرات شخصية، والقضايا الجوهرية إلى فضائح عابرة.
في أكتوبر 2025، كشفت صحيفة لا ليبر بلجيك عن "أنيكدوت" طريفة من كواليس تشكيل الحكومة: جورج-لويس بوشيه، زعيم حركة الإصلاح (MR)، أرسل رسالة إلى مجموعة واتساب لحزبه يقول فيها "لدينا أفضل اتفاق في التاريخ". رد عليه ديفيد كلارينفال بأن الاتفاق جيد، لكنه ليس متأكداً أنه الأفضل في التاريخ. بوشيه، الذي أصيب بصدمة وغضب، عاد إلى المفاوضات ليقول إنه غير موافق، مما أطال المفاوضات لثلاث أو أربع ساعات إضافية وأدى إلى يأس الجميع .
هذه القصة، التي قد تكون طريفة بالفعل، احتلت عناوين الصحف لأيام. بينما تمر التخفيضات الكبيرة في ميزانية البحث العلمي، وتقليص إعانات البطالة، وزيادة سن التقاعد، ومعاقبة المرضى، دون نفس الاهتمام.
تحويل السياسة إلى مسرح يخدم غرضاً مهماً: تشتيت انتباه الجمهور عن القضايا الجوهرية. جعلهم يركزون على شخصيات السياسيين ومشاجراتهم وتصريحاتهم النارية، بدلاً من تحليل سياساتهم وتأثيرها على حياتهم. المواطن المنشغل بصراعات بوشيه ودي فيفر لا وقت لديه لقراءة تفاصيل الإصلاح الضريبي الذي سيكلفه 300 يورو إضافية سنوياً.
تحليل آر تي بي إف (RTBF) يلتقط هذه الظاهرة: "بين المشاجرات عبر المقابلات المتقاطعة، والتصريحات المتناقضة التي تتكاثر، والتسريبات المحسوبة، كل يريد إظهار عضلاته... لكن لا أحد يمسك بالدفة" . الإعلام، بدلاً من أن يفضح هذا المسرح، يشارك فيه بحماس، ويعطيه مساحة أكبر من تلك التي يعطيها لتحليل السياسات الفعلية.
8. الصمت على الجرائم الكبرى: عندما يغيب السياق
أخطر ما تفعله الإمبراطوريات الإعلامية ليس ما تقوله، بل ما لا تقوله. الصمت على الجرائم الكبرى. تغييب السياق. اختزال القضايا المعقدة في عناوين مبسطة.
خذ مثلاً التصريحات ضد وكالة الأونروا، التي أشرت إليها في طلبك. كيف غطتها وسائل الإعلام الأوروبية الكبرى؟ في الغالب، كـ"قرار سياسي" من دول معينة، دون ربطه بالسياق الأوسع للحرب على غزة، ودون تحليل آثاره الإنسانية الكارثية على مئات الآلاف من اللاجئين الفلسطينيين الذين يعتمدون على الأونروا في الغذاء والدواء والتعليم.
وكالة الأونروا ليست مجرد منظمة إغاثة. هي شريان حياة لشعب كامل. هي المدارس التي تمنع جيلاً كاملاً من الضياع. هي العيادات التي تعالج المرضى. هي الملاذ الأخير في وجه المجاعة. عندما تقطع دول التمويل عن الأونروا، فإنها تشارك بشكل مباشر في عقاب جماعي لسكان غزة. هذا هو السياق الذي يغيب غالباً عن التغطية الإعلامية.
بدلاً من ذلك، نقرأ عن "خلافات سياسية" و"اتهامات" و"تحقيقات". نادراً ما نرى صور الأطفال الذين يموتون جوعاً لأن المساعدات توقفت. نادراً ما نسمع أصوات الأمهات اللواتي لا يجدن حليباً لأطفالهن. نادراً ما يُطرح السؤال الأخلاقي البسيط: كيف يمكن لدولة أن تقطع التمويل عن منظمة إنسانية تعمل في منطقة تعاني من مجاعة؟
الصمت هنا هو تواطؤ. هو مشاركة في الجريمة. هو أن تختار أن لا ترى، لأن الرؤية قد تجبرك على الفعل.
هذا الصمت يمتد إلى قضايا أخرى. الهجمات على حرية الصحافة في أوروبا. صعود اليمين المتطرف. انتهاكات حقوق المهاجرين. كلها تُغطى بشكل انتقائي، وفقاً لمصالح النخب التي تمتلك وسائل الإعلام.
9. المقاومة الإعلامية: أصوات من الهامش
لكن وسط هذه الإمبراطورية الإعلامية الجبارة، هناك أصوات مقاومة. هناك صحف ومنصات ونشطاء يحاولون كسر "خربة التعبير" وإعادة الكلمة إلى معناها الحقيقي.
منصة لافا (LAVA) الفلمنكية، مثلاً، تقدم تحليلات معمقة لسياسات "أريزونا" من منظور نقدي، تكشف عن التخفيضات في البحث العلمي وتأثيرها على المجتمع . منصة إنترناشونال فيوبوينت توفر تغطية دولية للاحتجاجات والنضالات العمالية . حزب العمال البلجيكي (PTB-PVDA) ينشر تحليلات مفصلة عن "فن التفريق للحكم" ويكشف الأجندة الخفية لحكومة "أريزونا" .
هناك أيضاً صحفيون أفراد، مثل فوتر فيرشيلدين الذي نشر كتاب "غزو بلجيكا" عن كواليس تشكيل الحكومة، يحاولون كشف الخفايا وتقديم صورة أكثر اكتمالاً . هناك برامج إذاعية وتلفزيونية، وإن كانت قليلة، تمنح صوتاً للنقابات والحركات الاجتماعية.
لكن التحدي هائل. هذه الأصوات المستقلة تعمل بموارد محدودة، بينما الإمبراطوريات الإعلامية تمتلك الملايين. هي تصرخ في واد، بينما صداها يضيع في ضجيج الإعلام المهيمن. ومع ذلك، هي موجودة. وهي تنمو. وهي تشكل وعياً بديلاً لشريحة متزايدة من المواطنين الذين سئموا الأكاذيب والتضليل.
ألان بودسون، النقابي من CSC فيرفييه، يمثل هذا الصوت الآخر. في مقابلته مع صحيفة لافنير، لم يكتفِ بانتقاد السياسات، بل كشف آليات الخداع: "هناك الكثير من التدابير الصغيرة التي لا نقيسها والتي لم تُذكر قط في الاتفاقات الحكومية، ولا حتى في البرامج. هل تحدثوا عن أننا سنقوم بقفزة في التكيف الضريبي؟ لقد فعلناها هذه السنة. الجميع دفع 200-300 يورو إضافية" .
هذا هو صوت الحقيقة البسيطة، الملموسة، التي تلامس حياة الناس اليومية. هو الصوت الذي تحاول الإمبراطوريات الإعلامية إسكاته، لكنه يجد طريقه دائماً إلى النفوس المتعطشة للصدق.
10. الخلاصة: استعادة الكلمة من قبضة الإمبراطورية
في نهاية هذا الفصل، نعود إلى السؤال المركزي: كيف نواجه "خربة التعبير"؟ كيف نستعيد الكلمة من قبضة الإمبراطوريات الإعلامية التي حوّلتها إلى سلاح في خدمة القمع والتفكيك؟
الجواب ليس سهلاً، لكنه يبدأ بالوعي. الوعي بأن الإعلام ليس ناقلاً محايداً للواقع، بل هو مشارك في صنعه. الوعي بآليات التلاعب: التأطير، التعتيم، التشتيت، خطاب الكراهية. الوعي بأن ما لا يُقال أهم مما يُقال.
الوعي وحده لا يكفي، لكنه شرط أساسي. بعده يأتي البحث عن مصادر بديلة. عن الأصوات المستقلة التي لا تخضع لمنطق الإمبراطورية. عن الصحافة التي تضع الحقيقة فوق الربح، والإنسان فوق الإعلان.
ثم يأتي الفعل. المشاركة في الحركات الاجتماعية التي تكسر صمت الإعلام. دعم الصحافة المستقلة. مقاطعة الإعلام الذي يكرس الأكاذيب. استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لنشر المعلومات التي تُعتّم عليها الإمبراطوريات.
ما يفعله ائتلاف "أريزونا" في بلجيكا ليس مجرد هجوم على دولة الرفاه. هو هجوم على الحقيقة نفسها. هو محاولة لإعادة تشكيل الوعي الجمعي بحيث يصبح القمع مقبولاً، والظلم ضرورياً، والسرقة إصلاحاً. والإعلام هو السلاح الرئيسي في هذه المعركة.
لذلك، فإن مقاومة "أريزونا" لا يمكن أن تكون فقط في الشارع، في الإضرابات والاحتجاجات. يجب أن تكون أيضاً في الفضاء الإعلامي. في استعادة الكلمة. في كشف الأكاذيب. في إعادة ربط اللغة بالحقيقة.
في الفصل السابع، سننتقل من تحليل الإعلام إلى تحليل البديل. سنحاول رسم صورة لمجتمع مختلف، حيث التضامن هو الأساس، وحيث الكرامة الإنسانية لا تخضع لحسابات الربح والخسارة. سنبحث عن نماذج ملهمة، وأفكار بديلة، وطرق للخروج من نفق "أريزونا".
……
القسم الأول: أنطولوجيا القسوة – تفكيك المجتمع البلجيكي تحت حكم ائتلاف "أريزونا"
الفصل السابع:
نحو مجتمع بديل – استعادة التضامن والكرامة
1. مقدمة: في نهاية النفق
بعد ستة فصول من تشريح القسوة، وتفكيك آلياتها، ورصد تداعياتها على الأجساد الحية، يحق لنا أن نتوقف ونسأل: إلى أين؟ بعد كل هذا الألم، بعد كل هذه الجراح التي افتتحنا بها الفصل الأول بامرأة ترعى ابناً معاقاً وتمضي إلى الفصل الثالث مع جان-لوك الكاتب الذي لم يكتب، ومارتين المسافرة التي لم تسافر، وميشيل المهندس الذي هُدم حلمه، ماذا تبقى؟ هل تبقى أمل؟
هذا الفصل هو محاولة للإجابة عن هذا السؤال. هو ليس فصل انتصار، ولا فصل يوتوبيا وردية. هو فصل مقاومة. هو محاولة لرسم ملامح مجتمع بديل، ليس في الكتب النظرية ولا في أحلام الفلاسفة، بل في الممارسات الحية للناس الذين يرفضون الموت بصمت. في الإضرابات التي تشل البلاد، في التحالفات الجديدة بين من كان يفترض أن يكونوا أعداء، في الأصوات التي تخرج من الهامش لتقول: "نحن هنا، نحن نرفض، نحن نحلم بمختلف".
فريديريكو توماسوني، مدير مشاريع في مؤسسة روزا لوكسمبورغ ببروكسل، يكتب: "النقابات العمالية البلجيكية، تاريخياً من بين الأقوى في أوروبا، تبنت استراتيجية مبتكرة من التعبئات المتجددة التي تضمن بقاء المعارضة متسقة ومرئية. لقد دعت النقابات إلى احتجاجات شهرية على مستوى البلاد، تجذب الآلاف إلى شوارع بروكسل ومدن أخرى" .
هذه ليست مجرد احتجاجات. هي بناء بديل. هي إعادة تشكيل للوعي. هي استعادة للغة من قبضة اللوغوقراطية. هي القول بأن "لا خيار لدينا" ليست صحيحة، وأن "نحن نفعل هذا من أجل أطفالكم" ليست صادقة، وأن "الجميع يساهم" ليست عادلة. هي بناء مجتمع بديل، حجر حجر، داخل شرايين المجتمع القائم.
2. استراتيجية المقاومة: من الاحتجاج الشهري إلى الإضراب العام
واحدة من أكثر الاستراتيجيات إبداعاً في مواجهة ائتلاف "أريزونا" هي تلك التي ابتكرتها النقابات العمالية البلجيكية. ليس مجرد إضراب عشوائي هنا وهناك، بل خطة محكمة، متدرجة، متصاعدة، تحافظ على الزخم ولا تسمح للحكومة بالاسترخاء.
منصة "بروغريسيف إنترناشيونال" توثق هذه الاستراتيجية بالتفصيل: "عقب سنة من الاحتجاجات المستمرة، تبدأ النقابات البلجيكية إضرابًا عامًا غير مسبوق لمدة ثلاثة أيام. ويُمثل هذا الصراع مواجهة أساسية حول مستقبل النموذج الاجتماعي البلجيكي مع محاولة الحكومة لتفكيك ركائز أساسية" .
الرقم 13 أصبح له دلالة خاصة. في الثالث عشر من كل شهر، تتظاهر البلاد. فريديريكو توماسوني يشرح: "القرار يحمل وزنًا رمزيًا عميقًا — إنه يمثل النقطة في الشهر التي يبدأ فيها العديد من العمال بالشعور بضيق الأجور الراكدة مقابل التكاليف المتصاعدة بأكثر حدة" .
هذا التوقيت ليس مصادفة. هو هندسة دقيقة للمقاومة. هو أن تجعل من التقويم نفسه أداة نضال. هو أن تذكر الحكومة كل شهر بأن الشعب لم ينس، ولم يمت، ولم يستسلم.
التصعيد بلغ ذروته في 31 مارس 2025، حين شل إضراب عام البلاد بالكامل . المشهد كان استثنائياً:
· قطاع النقل: جميع رحلات المغادرة من مطاري بروكسل وشارلروا ألغيت، وخدمات السكك الحديدية عملت بأقل من 50% من طاقتها. · قطاع التعليم: أكثر من 34 ألف معلم في فلاندر وحدهم أضربوا، مما أجبر آلاف المدارس على الإغلاق. · قطاع الموانئ: حصار لـ 30 سفينة في أنتويرب-بروج. · قطاع الصناعة: عمال الصلب في مصنع أرسيلور ميتال في غنت انضموا إلى الإضراب.
منظمات أرباب العمل قدرت الخسائر بنحو 500 مليون يورو، محذرة من الضرر الذي يلحق بسمعة بلجيكا كدولة "تميل للإضراب" . لكن النقابات كانت ترى الأمر من زاوية مختلفة: الخسارة في الإضراب أقل بكثير من الخسارة في القبول. التضحية بيوم عمل الآن أفضل من تضحية بالحياة كلها غداً.
هذه الاستراتيجية حققت نجاحات ملموسة. تقرير منظمة "بروغريسيف إنترناشيونال" يشير إلى أن "الحركة العمالية البلجيكية نجحت في الحفاظ على جبهة موحدة عبر النقابات الثلاث، وفي القطاعين العام والخاص، وعبر المجتمعات اللغوية في البلاد. وقد وضع هذا الرد القوي الحكومة في موقف دفاعي" .
الأهم من النجاحات الملموسة هو بناء نموذج للمقاومة يمكن تكراره. نموذج يعلّم العمال في بلدان أخرى كيف يمكن لتحالف واسع، واستراتيجية ذكية، وصبر طويل، أن يوقف آلة التفكيك ولو مؤقتاً.
3. التقاء الغريب: تحالفات جديدة في زمن الانقسام
لكن أكثر ما يثير الأمل في هذه الموجة الاحتجاجية هو التقاء أطراف لم تكن معتادة على العمل معاً. منصة "أكتيف فيفر أنسامبل" توثق قصة "الغضب المشترك" (Commune Colère)، وهو تحالف جديد يجمع نقابيين ونشطاء بيئيين ومناهضين للعنصرية ونسويين ومواطنين عاديين .
إحدى المشاركات في الحركة تقول: "آتي إلى هنا لألا أشعر بالوحدة في خوفي". ناشطة بيئية تشرح: "مطالبنا تتعزز من خلال قطاعينا المختلفين الذين ليس لديهما بالضرورة عادة العمل معاً. نحن جيدون جداً في العمل المباشر، بينما لديهم قوة تعبئة ومناصرة سياسية" .
هذا التقاء استثنائي. العامل الذي يخشى على معاشه يجد نفسه في نفس الطابور مع الناشط البيئي الذي يخشى على الكوكب. الأم العزباء التي تخشى على أطفالها تلتقي بالطالب الذي يخشى على مستقبله. المهاجر الذي يخاف من الترحيل يصافح المواطن البلجيكي الذي يخاف من الفقر. كلهم يكتشفون أن العدو واحد، وأن الخوف مشترك، وأن النضال يجب أن يكون مشتركاً أيضاً.
فريديريكو توماسوني يعلق على هذه الظاهرة: "من المثير للاهتمام بشكل خاص كيف أن هذه الموجة من الاحتجاجات تعمل كقوة موحدة بين المطالب الاجتماعية المتنوعة والمجموعات، مما يسلط الضوء على تحالف متجدد بين الحركة العمالية والأجيال الشابة. ربما يمكن أن يتشكل تحالف أقوى" .
هذا التحالف الجديد هو نقيض "فن التفريق" الذي تتقنه حكومة "أريزونا". بينما تعمل الحكومة على تقسيم الناس إلى فئات متصارعة (عامل ضد عاطل، مواطن ضد مهاجر، شاب ضد مسن)، تعمل الحركات الشعبية على جمعهم معاً. بينما تصنع الحكومة أعداء وهميين لتشتيت الغضب، تكشف الحركات عن العدو الحقيقي المشترك.
هذا هو معنى بناء البديل: ليس فقط مقاومة سياسات محددة، بل بناء وعي جديد قادر على رؤية ما وراء الانقسامات المصطنعة. وعي يدرك أن مصير العامل البلجيكي مرتبط بمصير اللاجئ السوري، وأن مستقبل الشاب الطالب مرتبط بمستقبل المسن المتقاعد، وأن صحة الأم العزباء مرتبطة بصحة الكوكب ككل.
4. مطالب المتظاهرين: برنامج بديل للحكم
ما يميز الاحتجاجات البلجيكية عن غيرها هو وضوح مطالبها. ليس مجرد غضب عائم، بل برنامج بديل متكامل يمكن للحكومة أن تنفذه لو أرادت. فريديريكو توماسوني يلخص هذه المطالب:
· إلغاء تخفيضات المعاشات والرعاية الصحية . · فرض ضرائب على الشركات والأغنياء، بدلاً من تقليص خدمات الفقراء . · حماية تكييف الأجور التلقائي (indexation) الذي يحمي العمال من التضخم . · الحفاظ على سن التقاعد الحالي (65 عاماً) ورفض زيادته إلى 67 واذا ممكن إعادته إلى 60 عاما . · إعادة توجيه الإنفاق العسكري نحو الاحتياجات الاجتماعية . · رفض قانون فان كويكينبورن الذي يقيد حق الاحتجاج .
هذه المطالب ليست يوتوبية. هي ممكنة، قابلة للتحقيق، مدعومة بأغلبية شعبية. تقرير منظمة "بروغريسيف إنترناشيونال" يشير إلى أن "الشركات البلجيكية تتلقى 16 مليار يورو سنوياً كإعانات ودعم، مما يجعل بلجيكا بطلة أوروبا في هذا المجال" . هناك مليارا يورو إضافية كتخفيضات في مساهمات أصحاب العمل. في المقابل، فإن المدخرات المطلوبة من الإصلاحات الاجتماعية تبلغ حوالي 2.7 مليار على المعاشات، ومثلها على الرعاية الصحية وإعانات البطالة .
البديل واضح: إما أن تستمر في دعم الشركات والأغنياء بـ 18 مليار يورو سنوياً، وإما أن تطلب منهم المساهمة بشكل عادل وتحمي خدمات الفقراء. الاختيار سياسي، ليس اقتصادياً. هو اختيار بين مصالح الأقلية الثرية ومصالح الأغلبية الشعبية.
هذه المطالب تقدم أيضاً رؤية مختلفة للعلاقة مع أوروبا. بدلاً من الخضوع لـ"الانضباط المالي" الذي تفرضه المفوضية الأوروبية، تطالب الحركات بإعادة النظر في هذه السياسات نفسها. بدلاً من اعتبار العجز المالي كارثة يجب معالجتها على حساب الفقراء، تطالب بإعادة توزيع الثروة بشكل عادل.
البرنامج البديل موجود. هو ليس سراً. هو ينتظر فقط إرادة سياسية مختلفة. إرادة تضع الإنسان قبل الربح، والكرامة قبل الميزانية، والتضامن قبل المنافسة.
5. النموذج الاجتماعي البلجيكي: إرث يجب الدفاع عنه
لفهم ما يدافع عنه المحتجون، يجب أن نفهم ما هو "النموذج الاجتماعي البلجيكي" الذي يتعرض للهجوم. هذا النموذج ليس مجرد سياسات حكومية، بل هو عقد اجتماعي تراكم عبر عقود من النضال.
موسوعة ويكيبيديا تشرح أن "النموذج الاجتماعي الأوروبي هو رؤية مشتركة بين العديد من الدول الأوروبية للمجتمع الذي يجمع بين النمو الاقتصادي الذي يتميز بـ مستويات المعيشة المرتفعة وظروف العمل الجيدة" . بلجيكا تنتمي إلى ما يسمى "النموذج القاري"، الذي يتميز بـ "نظام إعانات غير مشروط بالتوظيف (كما في حالة فرنسا أو بلجيكا، فإن الشرط الوحيد للإعانات هو أن تكون أكبر من 25 عامًا)" .
منصة "بروغريسيف إنترناشيونال" تقدم تفاصيل أكثر: "منذ ذلك الحين، ظلّت دولة الرفاه البلجيكية واحدة من أقوى الأنظمة في أوروبا، حيث بلغت نسبة الإنفاق الاجتماعي حوالي 30% من الناتج المحلي الإجمالي. فعلى سبيل المثال، كانت بلجيكا حتى الآن هي آخر بلد أوروبي تتبنّى نظام تأمين بطالة غير محدود المدة. ورغم الهجمات الحكومية المتكررة، فلا تزال هي واحدة من دولتين فقط تُبقيان على الأجور والمعاشات مرتبطة وفق التضخم" .
هذه الخصوصيات ليست تفاصيل تقنية. هي تجسيد لقيم مجتمعية:
· التضامن بين الأجيال: من يعمل اليوم يمول معاش من عمل بالأمس. · التضامن بين الأصحاء والمرضى: من لا يمرض يمول علاج من يمرض. · التضامن بين العامل والعاطل: من لديه عمل يمول إعانة من لا يجد عملاً. · الحماية من التضخم: أن لا يأكل التضخم أجور الناس ومعاشاتهم.
ما تحاول حكومة "أريزونا" تفكيكه هو هذا التراث النضالي الممتد لأكثر من 80 عاماً. تقرير "بروغريسيف إنترناشيونال" يذكر أن النقابات تصف الإصلاحات بأنها "أكبر تراجع في حقوق العمال ونظام الرفاه الاجتماعي منذ أن انتزعت النقابات الكفاحية تنازلات كبرى من رأس المال في التسوية الاجتماعية بعد الحرب عام 1946" .
الدفاع عن هذا النموذج ليس مجرد دفاع عن مكاسب ماضوية. هو دفاع عن فكرة المجتمع نفسه. هو قول إن الإنسان ليس سلعة، وإن الكرامة الإنسانية لا تخضع لحسابات الربح والخسارة، وإن التضامن ليس ترفاً بل ضرورة لبقاء أي مجتمع متماسك.
6. بدائل التمويل: ضرائب على الأغنياء لا تقليصاً للفقراء
أحد أقوى عناصر البرنامج البديل هو التركيز على مصادر تمويل بديلة. بدلاً من تقليص خدمات الفقراء، لماذا لا تفرض ضرائب على الأغنياء والشركات؟
تقرير منظمة "بروغريسيف إنترناشيونال" يقدم أرقاماً صادمة: "الشركات البلجيكية تتلقى 16 مليار يورو سنوياً كإعانات ودعم، مما يجعل بلجيكا بطلة أوروبا في هذا المجال. هناك مليارا يورو إضافية كتخفيضات في مساهمات أصحاب العمل" .
هذا يعني أن الدولة تمنح الشركات 18 مليار يورو سنوياً، بينما تقتطع من خدمات الفقراء 6 مليارات يورو. الخيار الرياضي بسيط: إذا أوقفت الدولة دعمها للشركات، يمكنها تمويل كل الخدمات الاجتماعية التي تهددها "أريزونا" ويتبقى لها 12 مليار يورو إضافية.
لكن الحكومة لا تطرح هذا الخيار. لماذا؟ لأنها ليست حكومة الشعب، بل حكومة رأس المال. هي تخدم مصالح الأقلية الثرية، وتستخدم خطاب "لا يوجد مال" لتبرير خدمتها هذه.
حزب العمال البلجيكي (PVDA-PTB) يقدم تحليلاً دقيقاً لهذه المسألة: "الأثرياء يديرون أسهمهم بشكل رئيسي من خلال الشركات وبالتالي يتم تجنيبهم إلى حد كبير ضريبة أرباح رأس المال. المستثمرون الصغار والمدخرون هم المتأثرون، مع ذلك" .
البديل واضح: ضريبة تصاعدية على الثروة، وضريبة على أرباح رأس المال، وإلغاء الإعفاءات الضريبية للشركات الكبرى، ومكافحة التهرب الضريبي. هذه الإجراءات وحدها كافية لتمويل كل الخدمات الاجتماعية التي تهددها "أريزونا" وزيادة.
تقرير مؤسسة روزا لوكسمبورغ يضيف بعداً آخر: الميزانيات المخصصة للإنفاق العسكري. "بين عامي 2017 و2024، تضاعف إنفاقنا العسكري تقريباً، من 3.9 مليار يورو إلى 7.4 مليار يورو. تريد أريزونا زيادة هذا المبلغ إلى 13.4 مليار يورو وأكثر بعد ذلك. هذه الأموال ستذهب إلى مصنعي طائرات F-35، على حساب معاشاتنا التقاعدية" .
هذا هو البديل الأوضح: أسلحة أم رعاية صحية؟ دبابات أم مدارس؟ طائرات مقاتلة أم معاشات كريمة؟ الاختيار سياسي، وليس اقتصادياً. والمتظاهرون في الشوارع يختارون بوضوح.
7. دور النقابات: حارس النموذج الاجتماعي
في قلب المقاومة لسياسات "أريزونا" تقف النقابات العمالية الثلاث الكبرى: الاتحاد الاشتراكي (FGTB)، والاتحاد المسيحي (CSC)، والاتحاد الليبرالي (CGSLB). هذه النقابات، رغم اختلافاتها الأيديولوجية، استطاعت الحفاظ على جبهة موحدة طوال فترة الاحتجاجات.
منصة "بروغريسيف إنترناشيونال" توثق هذا الدور: "استجاب 140 ألف عامل لنداء النقابات العمالية الرئيسية الثلاث في بلجيكا في اعتصام كبير في 14 من أكتوبر للتظاهر ضد الحكومة اليمينية فيما يتعلق بتخفيض الرواتب والمعاشات التقاعدية والخدمات الاجتماعية. وكانت أكبر تظاهرة في البلاد في القرن الواحد والعشرين" .
هذه الوحدة النقابية لم تأتِ بسهولة. تطلبت تنازلات من كل الأطراف، وتخطياً للخلافات التاريخية، وتركيزاً على العدو المشترك. لكنها أثبتت فعاليتها. تقرير "بروغريسيف إنترناشيونال" يشير إلى أن "الحركة العمالية البلجيكية نجحت في الحفاظ على جبهة موحدة عبر النقابات الثلاث، وفي القطاعين العام والخاص، وعبر المجتمعات اللغوية في البلاد. وقد وضع هذا الرد القوي الحكومة في موقف دفاعي" .
النقابات أيضاً تلعب دوراً في حماية الأعضاء الأكثر ضعفاً. في نظام التأمين الاجتماعي البلجيكي، تُصرف إعانات البطالة في الغالب عبر النقابات نفسها، مما يجعل العضوية النقابية أكثر جاذبية ويعزز قوة الحركة العمالية. إصلاحات "أريزونا" التي تستهدف إعانات البطالة هي بالتالي "هجوم مزدوج على العمل النقابي المنظم" .
دور النقابات يتجاوز الدفاع عن المصالح المادية لأعضائها. هي أيضاً فضاءات للتربية السياسية، ولبناء الوعي الطبقي، ولتنظيم المقاومة. هي مدارس ديمقراطية يتعلم فيها العمال كيف ينظمون أنفسهم، وكيف يتخذون قرارات جماعية، وكيف يواجهون السلطة.
في مجتمع تحاول حكومة "أريزونا" تفكيك كل مؤسساته التضامنية، تبقى النقابات واحدة من آخر المعاقل التي يمكن للعمال أن يجدوا فيها صوتاً جماعياً. الدفاع عن النقابات هو بالتالي دفاع عن إمكانية المقاومة نفسها.
8. دروس من التاريخ: ماذا علّمتنا نضالات الماضي؟
المقاومة الحالية لسياسات "أريزونا" لا تنشأ من فراغ. هي جزء من تاريخ طويل من النضالات العمالية في بلجيكا. تاريخ يمكن أن يقدم دروساً قيمة للمستقبل.
تقرير "بروغريسيف إنترناشيونال" يشير إلى أن النقابات تصف الإصلاحات الحالية بأنها "أكبر تراجع في حقوق العمال ونظام الرفاه الاجتماعي منذ أن انتزعت النقابات الكفاحية تنازلات كبرى من رأس المال في التسوية الاجتماعية بعد الحرب عام 1946" . هذا الاستحضار للتاريخ ليس مجرد بلاغة. هو تذكير بأن المكاسب الاجتماعية لم تُمنح كهدية، بل انتُزعت عبر نضال طويل. وما أُخذ بالقوة لا يُستعاد إلا بالقوة.
في أعقاب الحرب العالمية الثانية، كانت أوروبا مدمرة والرأسمالية في أضعف حالاتها. استغل العمال هذه الفرصة لانتزاع تنازلات كبرى: دولة رفاه شاملة، تأمين اجتماعي، حقوق نقابية، حماية قانونية. هذه المكاسب لم تأتِ بسبب طيبة الرأسماليين، بل بسبب قوة العمال المنظمين.
اليوم، تحاول الرأسمالية استعادة ما خسرته آنذاك. لكن العمال يمكنهم أن يتعلموا من تاريخهم. يمكنهم أن يعرفوا أن ما انتزعه أجدادهم يمكن لأحفادهم الدفاع عنه. يمكنهم أن يستلهموا من استراتيجيات الماضي: الإضرابات العامة، التحالفات الواسعة، الوحدة النقابية، الصبر الطويل.
تقرير مؤسسة روزا لوكسمبورغ يقدم تحليلاً دقيقاً للتكتيكات النقابية الحالية: "بعيداً عن العفوية، مثّلت التعبئة تكتيكاً محسوباً للإرهاق، مما جعل كل احتجاج في منتصف الشهر حجر خطوة نحو إجراءات أكبر وضمان أن معارضي التقشف - وليس الحكومة - هم من يسيطرون على السرد من البداية" .
هذا هو الدرس الأهم: السيطرة على السرد. في عصر اللوغوقراطية، حيث الكلمات تصنع الواقع، تكون المعركة على المعنى لا تقل أهمية عن المعركة في الشارع. من يتحكم في اللغة، يتحكم في الوعي. ومن يتحكم في الوعي، يتحكم في المستقبل.
9. التحديات: ماذا لو لم تنجح المقاومة؟
لكن لا يمكن لهذا الفصل أن يكون منصفاً دون أن يطرح السؤال الصعب: ماذا لو لم تنجح المقاومة؟ ماذا لو استطاعت حكومة "أريزونا" تمرير إصلاحاتها رغم كل الاحتجاجات؟ ماذا لو استمر تفكيك دولة الرفاه حتى النهاية؟
هذه الأسئلة مشروعة، والإجابة عليها ليست يوتوبية. تقرير "بروغريسيف إنترناشيونال" يشير إلى أن الحكومة "نجحت في تمرير بعض الإجراءات الرجعية، مثل الحدّ من مدة تأمين البطالة إلى عامين فقط. وسيؤدي ذلك إلى دفع نحو 160 ألف شخص ممّن سيفقدون إعاناتهم إلى وضع هش" .
هذا يعني أن المعركة لم تُحسم بعد. هي معركة طويلة، ذات مد وجزر. انتصارات هنا وهزائم هناك. الأهم هو القدرة على الاستمرار، على إعادة التجمع، على التعلم من الأخطاء.
التحديات كبيرة:
· الانقسامات الداخلية: الحكومة نفسها منقسمة حول بعض الإصلاحات، كما يشير تقرير "بروغريسيف إنترناشيونال" . هذا الانقسام يمكن استغلاله، لكنه أيضاً يجعل التنبؤ بمسار الأحداث صعباً. · الضغوط الأوروبية: المفوضية الأوروبية تضغط من أجل "الانضباط المالي" والإصلاحات الهيكلية . هذا يضع قيوداً على أي حكومة، حتى لو أرادت بديلاً. · الإرهاب الإعلامي: كما رأينا في الفصل السادس، الإمبراطوريات الإعلامية تعمل بجد لتكريس خطاب الحكومة وتشويه صورة المحتجين. · التعبئة المستمرة: الحفاظ على زخم الاحتجاجات لأشهر طويلة أمر مرهق، خاصة للعمال الذين يخسرون أجور أيام الإضراب.
لكن رغم كل هذه التحديات، هناك أسباب للتفاؤل الحذر. تقرير "بروغريسيف إنترناشيونال" يشير إلى أن "الحركة العمالية البلجيكية لا تزال لديها القوة لتعبئة جماهير من العمال للدفاع عن الحقوق الاجتماعية، ومستويات المعيشة والضرائب العادلة" . كما يشير إلى أن الحكومة "لم تتمكّن من إحراز أي تقدّم في إصلاحه المثير للجدل لنظام المعاشات التقاعدية" بسبب وحدة العمال في رفضهم .
المعركة لم تُحسم بعد. وهي معركة يمكن أن تستمر سنوات. الأهم هو أن تكون هناك قوى قادرة على الاستمرار، ورؤية واضحة للبديل، وصبر طويل على النضال.
---
10. الخلاصة: الأمل في زمن اليأس
في نهاية هذا الفصل، وفي ختام القسم الأول من هذا العمل، نعود إلى البداية. إلى تلك الأم الجالسة في شقتها الصغيرة على أطراف بروكسل، أمامها الخطاب الرسمي وإلى جوارها ابنها المعاق. ماذا نقول لها بعد سبعة فصول من تشريح القسوة؟
نقول لها: أنت لست وحدك. هناك جان-لوك الكاتب الذي لم يكتب، ومارتين المسافرة التي لم تسافر، وميشيل المهندس الذي هُدم حلمه. هناك مئات الآلاف الذين خرجوا في 14 أكتوبر، والذين سيخرجون في 13 من كل شهر، والذين سيضربون ثلاثة أيام متتالية. هناك تحالفات جديدة بين نقابيين وبيئيين ومناهضين للعنصرية. هناك برنامج بديل واضح: ضرائب على الأغنياء، لا تقليصاً للفقراء. هناك إرث نضالي يمتد 80 عاماً. هناك أمل.
نقول لها: قسوتهم ليست قدراً. هي سياسة، والسياسة يمكن تغييرها. هم يملكون المال والإعلام والقوانين، لكننا نملك الشيء الوحيد الذي لا يشترى: قدرتنا على التضامن، على المقاومة، على الحلم بمختلف.
نقول لها: لا تستسلمي. استمري في الكتابة، حتى لو في الليل بعد أن ينام ابنك. استمري في الحلم، حتى لو بدا الحلم مستحيلاً. استمري في المقاومة، حتى لو كانت المقاومة صغيرة. لأن كل مقاومة صغيرة هي جزء من جدار مقاومة كبير. ولأنه في النهاية، إما أن ننتصر جميعاً، أو أن نخسر جميعاً. لا خلاص فردي في زمن التفكيك.
فريديريكو توماسوني يختتم تحليله بسؤال مفتوح: "هل ستتمكن النقابات في بلجيكا وعبر القارة ليس فقط من تحمل الضغط ومواصلة النضال، ولكن أيضاً من تجنب التراجع إلى نقابية دفاعية وتحالفات قديمة مع تسوية اجتماعية تحتضر؟" .
الإجابة على هذا السؤال تكتب الآن. في الشوارع. في المصانع. في المدارس. في بيوت الناس. في قلوبهم. هي إجابة لم تكتمل بعد. لكنها تُكتب بحروف من نضال، لا من حبر.
في القسم الثاني من هذا العمل، سننتقل من بلجيكا إلى فضاء أوسع. سنحلل الإبادة الجماعية في غزة، ودور الإمبراطوريات الإعلامية في تغطيتها أو التعتيم عليها، وخطاب ترامب العنصري، وإمكانية المحاكمة الدولية. سنواصل رحلة البحث عن الحقيقة، وعن البديل، وعن الأمل في زمن اليأس.
…….
القسم الثاني: الإبادة والصمت – غزة والإمبراطوريات الإعلامية والمحاكمة الدولية
الفصل الثامن:
الإمبراطورية الإعلامية وتغطية الحرب على غزة – تشريح الانحياز المؤسسي
1. مقدمة: الكاميرا التي لا ترى
في صباح يوم من أيام خريف 2025، وقف مصور فلسطيني شاب أمام كاميرته في شمال غزة. كان يحمل اسم أنس الشريف، وكان وجهه قد أصبح مألوفاً لكل من تابعوا تفاصيل الإبادة الجماعية التي يتعرض لها القطاع منذ أكتوبر 2023 . كان يصور الجوع، والدمار، والأطفال المنتشلين من تحت الأنقاض، والأمهات الثكالى. كان يفعل ما يفعله الصحافيون في كل حرب: يشهد، ويوثق، وينقل.
بعد أسابيع قليلة، قتل أنس الشريف. قصف إسرائيلي استهدف خيمة الصحافيين في مجمع الشفاء الطبي، حيث كان يؤوي زملاءه. خمسة صحافيين من قناة الجزيرة قضوا في لحظة واحدة . لكن الأكثر إيلاماً مما حدث في غزة كان ما حدث في عواصم الغرب. صحيفة بيلد (Bild) الألمانية، الأكثر انتشاراً في ألمانيا، نشرت صورة أنس الشريف بعد ساعات من مقتله، مع عنوان: "إرهابي متنكر بزي صحافي قتل في غزة" .
هذه هي "خربة التعبير" في أبشع صورها. ليست مجرد تغطية منحازة. ليست مجرد إهمال أو تقصير. هي مشاركة فعالة في الإبادة. هي تبرير القتل قبل وقوعه، وتبرئه القاتل بعد وقوعه. هي تحويل الضحية إلى جلاد، والشهيد إلى إرهابي، والصحافي الذي ضحى بحياته ليوثق الحقيقة إلى مجرد "متنكر" يستحق الموت.
هذا الفصل هو تشريح لهذه الآلية. هو تحليل لكيفية تحول الإمبراطوريات الإعلامية في أوروبا (ألمانيا، بريطانيا، فرنسا، إيطاليا) إلى أدوات في خدمة الإبادة، عبر تغطية منحازة، ولغة مجردة من الإنسانية، وتعتيم ممنهج على جرائم الحرب، وتبرير لا متناهٍ للقتل باسم "الدفاع عن النفس". هو قراءة في الدراسات العلمية التي حللت أكثر من 50 ألف مقال صحافي لتكشف عن بنية الانحياز المؤسسي في الإعلام الغربي تجاه فلسطين .
2. دراسة Media Bias Meter: 54,449 مقالاً تكشف البنية التحتية للانحياز
في نوفمبر 2025، نشر مشروع "مقياس الانحياز الإعلامي" (Media Bias Meter) دراسة هي الأكبر من نوعها حول تغطية الحرب على غزة. الباحثون حللوا نصوص 54,449 مقالاً نشرت بين 7 أكتوبر 2023 وأغسطس 2025 في ثماني وسائل إعلام غربية كبرى :
· بي بي سي (BBC) البريطانية · نيويورك تايمز (The New York Times) الأمريكية · لوموند (Le Monde) الفرنسية · دير شبيغل (Der Spiegel) الألمانية · دي تيليخراف (De Telegraaf) الهولندية · لا ليبر بلجيك (La Libre Belgique) البلجيكية · ذا غلوب آند ميل (The Globe and Mail) الكندية · كورييري ديلا سيرا (Corriere della Sera) الإيطالية
النتائج كانت صادمة في اتساقها. ليس انحياز صحيفة هنا أو هناك، بل "انحياز بنيوي" يمتد عبر كل هذه المؤسسات الإعلامية، رغم اختلافاتها الجغرافية والسياسية .
التقرير خلص إلى أن "الفلسطينيين يعانون من الاحتلال المستمر، والتهجير الجماعي، والمظالم التاريخية التي يتم التقليل من شأنها أو حذفها بشكل روتيني، بينما تهيمن الروايات الإسرائيلية" .
هذا ليس مجرد خلاف في وجهات النظر. هو بناء متعمد لوعي زائف، يجعل الفلسطينيين يبدون أقل إنسانية، ويصور العنف الإسرائيلي ضد شعب محاصر ومحتَل وكأنه مجرد دفاع عن النفس . إنها "خربة التعبير" التي تحدثنا عنها: فضاء إعلامي مليء بالكلمات، لكنه فارغ من المعنى، مليء بالأخبار، لكنه فارغ من الحقيقة، مليء بالصور، لكنه فارغ من الإنسانية.
3. التفاوت في التغطية: متى يصبح إنساناً أكثر من آخر؟
أحد أكثر النتائج إيلاماً في الدراسة هو التفاوت الصارخ في تغطية الضحايا. صحيفة نيويورك تايمز، التي تقدم نفسها كـ"صحيفة التسجيل" في العالم، ذكرت إسرائيل 186 مرة مقابل كل مرة واحدة تذكر فيها فلسطين . الكلمة نفسها، "فلسطين"، استُخدمت في الصحيفة 10 مرات فقط منذ بداية الحرب .
من أصل 91 عنواناً لبي بي سي احتوت على كلمة "فلسطين"، 80 عنواناً كانت عن حركة "العمل من أجل فلسطين" (Palestine Action) البريطانية، أو عن احتجاجات مؤيدة لفلسطين، أو عن كتابات على الجدران تقول "فلسطين حرة". فقط 11 عنواناً كانت عن فلسطين نفسها .
صحيفة ذا غلوب آند ميل الكندية ذكرت إسرائيل 33 مرة مقابل كل مرة تذكر فيها فلسطين .
هذا التفاوت ليس مجرد إحصائية باردة. هو بناء لوعي الجمهور. عندما تسمع عن إسرائيل مئات المرات وعن فلسطين مرات معدودة، فإن إسرائيل تصبح هي "الطبيعية" وفلسطين هي "الاستثناء". إسرائيل تصبح هي "الدولة" وفلسطين تصبح "مشكلة". إسرائيل تصبح هي "البطلة" وفلسطين تصبح "الخصم".
دراسة أخرى عن بي بي سي أظهرت أن المؤسسة أعطت وفيات الإسرائيليين تغطية أكبر بـ 33 مرة من وفيات الفلسطينيين . هذا في وقت كان عدد القتلى الفلسطينيين يفوق الإسرائيليين بعشرات الآلاف. الوفيات تقاس بالجنسية، لا بالإنسانية.
4. محو السياق: عندما تختفي "الاحتلال" و"عدم الشرعية"
الانحياز لا يقتصر على عدد المرات التي تُذكر فيها كل كلمة، بل يمتد إلى الكلمات نفسها التي تُستخدم أو لا تُستخدم. الدراسة وجدت أن معظم وسائل الإعلام تتجنب استخدام كلمات مثل "غير قانوني" أو "انتهاك للقانون الدولي" عند تغطية أخبار المستوطنين أو المستوطنات الإسرائيلية .
صحيفة كورييري ديلا سيرا الإيطالية أشارت إلى المستوطنين أو المستوطنات 53 مرة دون ذكر السياق القانوني، مقابل كل مرة واحدة استخدمت فيها كلمة "غير قانوني" .
في العناوين الرئيسية عبر وسائل الإعلام الثمانية، ظهرت كلمة "محتل" (occupied) 29 مرة فقط، مقابل 1180 إشارة إلى نفس الأراضي دون أي اعتراف بالاحتلال .
هذا ليس خطأ عفوياً. هو "تعقيم منهجي للانتهاكات بموجب القانون الدولي: تعقيم يحجب عدم شرعية المستوطنات وعواقبها المادية على الفلسطينيين" .
عند تغطية أزمة اللاجئين الفلسطينيين، تكاد الإشارات إلى "حق العودة" تكون معدومة. فقط 38 إشارة عبر وسائل الإعلام الثمانية خلال عامين . بينما يتم الاحتفاء بـ "عودة اليهود إلى إسرائيل" (Aliyah) كمقدسة، وتعتبر عودة الأوكرانيين إلى وطنهم واجباً أخلاقياً، فإن عودة الفلسطينيين تُعامل على أنها خطر وزعزعة للاستقرار، بل وحتى "معاداة للسامية" .
هذا هو المعيار المزدوج في أنقى صوره: حق لنا، وليس لكم. عودة مقدسة لنا، وخطيرة لكم. وطن لنا، ومشكلة لكم.
5. 7 أكتوبر كذريعة: محو تاريخ الظلم
واحدة من أقوى آليات التبرير هي استخدام عملية 7 أكتوبر 2023 كذريعة لكل ما تلاها، مع محو كل السياق التاريخي الذي سبقها. الدراسة وجدت أن وسائل الإعلام تستشهد بشكل روتيني بهجمات 7 أكتوبر لتبرير الإجراءات الإسرائيلية، بينما يتم حذف الحصار الإسرائيلي غير القانوني الذي بدأ عام 2007 وتأثيره على الحياة اليومية للفلسطينيين .
كورييري ديلا سيرا أشارت إلى 7 أكتوبر 215 مرة مقابل كل مرة واحدة أشارت فيها إلى حصار 2007 .
التحليل أظهر أيضاً أن مصطلح "النكبة" (الذي يشير إلى التهجير الجماعي وتجريد الفلسطينيين من ممتلكاتهم خلال حرب 1948) استُخدم عبر وسائل الإعلام بتعاطف محدود، وفي بعض الأحيان بإطار مراجعي أو مشكك أو منكر .
أقل تغطية وأكثر إطار مراجعي كانت من نصيب دي تيليخراف الهولندية، مع 21 إشارة فقط لكلمة نكبة في النصوص ودون أي إشارة في العناوين. المقالات صورت الغزو الاستعماري كنتيجة للعدوان العربي أو اللامسؤولية الفلسطينية، معيدة صياغة مأساة تاريخية كسردية ضحية تلقي باللوم على نفسها .
هذا هو محو التاريخ. عندما تبدأ القصة من 7 أكتوبر، فإن كل ما حدث بعد ذلك يصبح "رد فعل" على "الهجوم الإرهابي". لا احتلال قبلها، لا حصار، لا تهجير، لا نكبة، لا عقود من الظلم. فقط "إرهابيون" و"دفاع عن النفس".
في دير شبيغل الألمانية، تم تأكيد "حق إسرائيل في الوجود" بشكل متكرر أكثر بكثير من تأكيد حق فلسطين – 256 مقابل 11 .
"عندما يتم الدفاع عن وجود مجموعة واحدة بشكل روتيني بينما لا يتم الاعتراف بوجود الأخرى تقريباً، فإن المغزى واضح: شعب واحد يُعامل كأمة لها حقوق. والآخر هو مجرد مشكلة، ليس له شرعية قانونية أو أخلاقية في الوجود" .
6. تجريد الفلسطينيين من الإنسانية: "إرهابيون" لا بشر
ربما أكثر النتائج إيلاماً في الدراسة هو ذلك المتعلق بكيفية تصوير الفلسطينيين أنفسهم. الإطار المهيمن الذي صُوِّر من خلاله الفلسطينيون هو "الإرهاب"، بينما تم التقليل من شأن المجاعة الجماعية في غزة .
لوموند الفرنسية، ودير شبيغل الألمانية، ودي تيليخراف الهولندية استخدموا مصطلحات متعلقة بالإرهاب ثلاثة أضعاف استخدامهم للمصطلحات المتعلقة بالمجاعة. 69% من تغطية لوموند لغزة تمت من خلال عدسة مكافحة الإرهاب .
"وصف شعب ما بأنه إرهابي هو أحد أقوى أشكال تجريد الإنسان من إنسانيته. إنه لا يدين فعلاً فحسب، بل يمحو الإنسانية المرتبطة به" .
هذا التجريد له عواقب قاتلة. عندما يصبح الفلسطيني "إرهابياً" في الوعي الغربي، فإن قتله يصبح مقبولاً، بل ومبرراً. لم يعد هناك أطفال يُقتلون، بل "دروع بشرية". لم تعد هناك مستشفيات تُقصف، بل "مراكز قيادة". لم يعد هناك صحافيون يُغتالون، بل "إرهابيون متنكرون".
دراسة منفصلة عن تغطية بي بي سي أظهرت أن كلمة "مجزرة" (massacre) استُخدمت 18 مرة أكثر لوصف وفيات الإسرائيليين مقارنة بالفلسطينيين . تم تقديم أعداد متساوية تقريباً من الصور الشخصية للضحايا (victim profiles) من كلا الجانبين، على الرغم من أن عدد القتلى الفلسطينيين كان أعلى بكثير. هذا ليس خياراً تحريرياً محايداً، بل هو "تقليل من قيمة الأرواح الفلسطينية" .
عند تغطية الضربات الإسرائيلية، غالباً ما تؤطر وسائل الإعلام الغربية الهجمات على أنها أعمال دفاع عن النفس، مستخدمة بشكل متكرر مصطلحات مثل "ضربات دقيقة" أو "موجهة" أو "جراحية" على الرغم من مقتل عشرات الآلاف من المدنيين .
7. مصادر الأخبار: من يتحدث باسم الموت؟
دراسة أجراها الصحافي الألماني فابيان غولدمان كشفت عن بُعد آخر من أبعاد الانحياز: من يُسمح له بالكلام. غولدمان حلل ما يقرب من 5000 عنوان رئيسي يتعلق بالشرق الأوسط نُشرت في وسائل إعلام ألمانية رائدة مثل تاغسشاو (Tagesschau)، وشبيغل (Spiegel)، ودي تسايت (Zeit)، وتاغستسايتونغ (taz)، وبيلد (Bild) بين 7 أكتوبر 2023 و19 يناير 2025 .
النتيجة: "المصادر الرسمية الإسرائيلية هيمنت إلى حد كبير. المعلومات التي قدمتها الحكومة والجيش الإسرائيليين شكلت ما بين 33% و38% من العناوين في جميع وسائل الإعلام" .
المصادر الأمريكية جاءت في المرتبة الثانية، والمنظمات الدولية مثل الأمم المتحدة في المرتبة الثالثة، تليها عن كثب الحكومة الألمانية. 5% فقط من العناوين كانت مبنية على مصادر فلسطينية، و3% على مصادر لبنانية. منظمات غير حكومية مثل منظمة العفو الدولية (Amnesty International) وأطباء بلا حدود (Médecins Sans Frontières) شكلت 1% فقط .
غولدمان يعلق: "هذه مشكلة لأن الصحافيين عليهم واجب تقديم تقارير دقيقة واقعياً. نظراً لأن معظم الأحداث الجديرة بالنشر في العامين الماضيين حدثت في غزة، كان ينبغي توقع الاستشهاد بمصادر فلسطينية في الغالب – ليس فقط حماس نفسها، ولكن أيضاً شهود عيان، وفرق طوارئ، وأفراد عائلات، ومراسلين، وما إلى ذلك. علاوة على ذلك، فإن ما تبلغ عنه هذه المجموعات غالباً ما يتطابق مع روايات المنظمات غير الحكومية والمنظمات الدولية. ومع ذلك، فهي لا تظهر تقريباً في وسائل الإعلام الألمانية" .
بدلاً من ذلك، تستشهد العناوين التي فحصها بالجيش الإسرائيلي، الذي تفتقر معلوماته إلى أي تدقيق مستقل. "وبالتالي، لا يقبل المرء معلومات غير دقيقة في كثير من الأحيان حول حدث معين فحسب، بل يقبل أيضاً الروايات الإسرائيلية – بأن القتال موجه فقط ضد حماس، على سبيل المثال. على النقيض من ذلك، خلصت الرابطة الدولية لعلماء الإبادة الجماعية، وخبراء الأمم المتحدة، ومنظمات حقوق الإنسان الرائدة إلى أن إسرائيل ترتكب إبادة جماعية في غزة" .
غولدمان يشير إلى مفارقة مؤلمة: "إذا ادعى الجيش الإسرائيلي شيئاً ما، يفترض الناس مبدئياً أنه صحيح – حتى يثبت العكس. المصادر الأمريكية تُعامل بالمثل، بينما يميل الناس إلى الشك أساساً في مصادر الشرق الأوسط. يُشتبه في أن الفلسطينيين من غزة متأثرون على الأقل بحماس، بغض النظر عما إذا كانوا شهود عيان أو ربما أعضاء في حركة فتح" .
هذا هو "الانحياز التأكيدي" في أسوأ صوره: نصدق من نريد تصديقه، ونشكك في من لا نريد تصديقه، بغض النظر عن الوقائع.
8. الصحافيون المستهدفون: عندما يصبح التوثيق جريمة
ربما لا يوجد دليل أقوى على تورط الإمبراطوريات الإعلامية في الإبادة من موقفها من الصحافيين الفلسطينيين أنفسهم. أكثر من 225 صحافياً قتلوا في غزة خلال الحرب – الفترة الأكثر دموية للعاملين في الإعلام في الذاكرة الحية . لكن بي بي سي، على سبيل المثال، رأت أن تبلغ عن 6% فقط من هذه الوفيات .
هؤلاء لم يكونوا ضحايا مجهولين. كانوا آباء وأمهات وأبناء وبنات، يوثقون معاناة شعبهم بشجاعة استثنائية. مات كثيرون منهم وكاميراتهم لا تزال في أيديهم. كان ينبغي أن تكون وفياتهم جزءاً مركزياً من أي تفكير ذاتي للمؤسسات الإعلامية. بدلاً من ذلك، عولجوا كضوضاء في الخلفية .
المقارنة صادمة: في أوكرانيا، غطت بي بي سي 62% من وفيات الصحافيين . التفاوت يقول كل شيء: في غزة، حتى وفيات الصحافيين – الأشخاص الذين نرى العالم من خلالهم – لا تستحق اهتماماً مستمراً.
لكن الأمر أسوأ من مجرد تجاهل وفياتهم. بعض وسائل الإعلام الألمانية ذهبت إلى أبعد من ذلك، إلى تبرير قتلهم. عندما قُتل أنس الشريف، نشرت بيلد صورته مع عنوان "إرهابي متنكر بزي صحافي" . قبل أسبوع من ذلك، نشرت بيلد مقالاً آخر بعنوان: "مصور غزة هذا يدير دعاية حماس". المقال استهدف المصور الفلسطيني أنس زايد فتيح، متهمة إياه بتدبير صور للفلسطينيين الجائعين كجزء من حملة حماس، على الرغم من الأدلة على أن الناس في الصور كانوا جائعين بالفعل وينتظرون الطعام .
هذا التحول في الخطاب له عواقب قاتلة. الكاتب في The Guardian يقول: "إسرائيل لا تحاول إخفاء هذه القتلى. بدلاً من ذلك، غالباً ما تشوه سمعة ضحاياها استباقياً – وتصف الصحافيين بأنهم "إرهابيون"، وهي اتهامات نادراً ما تدعمها أدلة. تخدم هذه التصنيفات غرضاً واضحاً: تجريد الصحافيين من وضعهم كمدنيين وجعل قتلهم يبدو مقبولاً أخلاقياً. الصحافيون ليسوا أهدافاً مشروعة. قتلهم جريمة حرب" .
عندما يكرر الإعلام الغربي هذه التصنيفات، فإنه يصبح شريكاً في جريمة الحرب. هو من يزود إسرائيل بـ"التبرير الجاهز" لقتل من يوثقون جرائمها .
9. بي بي سي نموذجاً: قصة "خربة التعبير" البريطانية
بي بي سي، التي تقدم نفسها كمعيار الذهب العالمي للصحافة، تستحق وقفة خاصة. تقرير شامل صادر عن مركز مراقبة الإعلام (Centre for Media Monitoring) كشف عن نمط ممنهج في تغطيتها للحرب: "تفضيل لا هوادة فيه للأصوات الإسرائيلية، وتجريد المعاناة الفلسطينية من إنسانيتها، ورفض متعمد لتسمية – ناهيك عن استجواب – سياق الاحتلال والحصار والفصل العنصري الذي يكمن وراء هذه الكارثة" .
هذا ليس عن أخطاء تحريرية بسيطة. إنه عن "فشل منهجي في معاملة الفلسطينيين كبشر كاملي الإنسانية – كأشخاص تستحق حياتهم ووفاتهم أن تمثل بنفس الكرامة والجدية والوضوح الأخلاقي الممنوح للإسرائيليين" .
منذ بداية الهجوم الإسرائيلي على غزة، أطرت بي بي سي الحرب ليس كاستمرار لعقود من الاستعمار والحصار والتهجير، بل كصراع متماثل بين "جانبين". المقالات التي فشلت في ذكر كلمة "احتلال" لم تكن استثناء بل قاعدة. مصطلحات مثل "مستوطنات" و"حصار" و"فصل عنصري" – التي تستخدمها الأمم المتحدة ومنظمة العفو الدولية – كانت غائبة تماماً تقريباً .
النتيجة: "تشويه بشع للواقع" يمحو العنف الهيكلي الذي يمارسه أحد أكثر الجيوش تقدماً من الناحية التكنولوجية في العالم ضد سكان محاصرين يبلغ عددهم مليوني نسمة، لصالح "تعبيرات فارغة وأبنية سلبية" .
الضيوف الفلسطينيون في برامج بي بي سي يتم استجوابهم بشكل روتيني ومقاطعتهم والضغط عليهم لإدانة حماس – كما لو كان هذا هو ثمن السماح لهم بالتحدث. المتحدثون الإسرائيليون، الذين دافع الكثير منهم عن جرائم حرب على الهواء، عوملوا باحترام. لم يُطلب من أي ضيف إسرائيلي إدانة القصف المتعمد للمستشفيات أو مخيمات اللاجئين أو المدارس – على الرغم من جبال الأدلة والغضب الدولي .
هذا النوع من "العمى التحريري ليس عرضياً. إنه ينبع من ثقافة مؤسسية أعمق ترفض رؤية الفلسطينيين كأشخاص لديهم مظالم وتطلعات وحقوق مشروعة؛ ثقافة تطلب من الفلسطينيين التحدث فقط كضحايا أو إرهابيين، وليس كبشر يقاومون الخضوع" .
في نهاية عام 2024، وقع أكثر من 100 موظف في بي بي سي رسالة مفتوحة يحذرون من أن المؤسسة تفشل في واجبها في التغطية العادلة لغزة. وأشاروا إلى ثقافة الخوف، والمعايير التحريرية المزدوجة، وعدم الرغبة في السماح للأصوات ووجهات النظر الفلسطينية بالظهور دون عداء .
10. ألمانيا: صمت "لن يتكرر مرة أخرى" في مواجهة الإبادة
في ألمانيا، البلد الذي يرفع شعار "لن يتكرر مرة أخرى" (Nie wieder) تكريماً لذكرى الهولوكوست، كانت الصدمة أكبر. كيف يمكن لبلد عانى من الإبادة الجماعية أن يصبح شريكاً في إبادة أخرى؟ الإجابة معقدة، لكن جزءاً منها يكمن في الإعلام.
الكاتب في The Guardian يقول: "في ألمانيا، البلد الذي يفخر بتعلم دروس ماضيه الإباديّ، لعبت بعض مؤسسات الإعلام الأكثر نفوذاً دوراً في تمكين إجراءات إسرائيل. بعض الصحافيين الألمان حتى برروا قتل زملائهم الفلسطينيين" .
أكسل شبرينغر (Axel Springer)، أكبر ناشر في أوروبا ومالك بيلد، يجعل دعم وجود دولة إسرائيل في المرتبة الثانية من قائمة مبادئ الشركة التوجيهية . هذا ليس مجرد توجه تحريري، بل هو عقيدة مؤسسية. في سبتمبر الماضي، ساعدت بيلد في عرقلة محادثات وقف إطلاق النار بنشر تقرير "حصري" – مقتطفات من استراتيجية حماس التي زودت بيلد بها مساعدو بنيامين نتنياهو. في التقرير، ادعت بيلد أن "حماس لا تسعى إلى نهاية سريعة للحرب"، مما أعفى نتنياهو من أي مسؤولية عن انهيار المحادثات .
اتضح أن بيلد أساءت تمثيل الوثيقة بشكل كبير. التوقيت لم يكن بإمكانه أن يكون أكثر ملاءمة لنتنياهو: نُشرت القصة في وقت كانت فيه الاحتجاجات الجماهيرية تضغط عليه. بعد وقت قصير من نشر مقال بيلد، اقتبسه نتنياهو في اجتماع لمجلس الوزراء لتصوير المحتجين على أنهم دمى لحماس .
المشكلة تتجاوز بيلد وأكسل شبرينغر. في وسائل الإعلام الألمانية التقليدية، الإخفاقات في تقديم تقارير واقعية ومتوازنة عن إسرائيل وفلسطين منتشرة على نطاق واسع – وأصبحت واضحة بشكل صارخ منذ هجمات 7 أكتوبر. ادعاءات ملفقة، مثل تلك التي تقول إن حماس قطعت رؤوس 40 طفلاً، إلى جانب مجموعة من المعلومات المضللة الأخرى الموضوعة عمداً، بقيت دون تصحيح .
في يناير، نشرت صحيفة تاغسشبيغل (Tagesspiegel) اليسارية المفترضة مقالاً بعنوان: "هل يمكن للصحافيين أن يكونوا إرهابيين؟" المقال يقتبس من الجيش الإسرائيلي أربع مرات – ولا يقتبس صحافياً واحداً من غزة .
رابطة الصحافيين الألمان (DJV) أصدرت بياناً يحذر من "التلاعب" في التصوير الصحافي، مشككة بشكل خاص في صحة الصور التي تظهر أطفالاً هزيلين في غزة، مدعية أن حالتهم "ليست بوضوح نتيجة المجاعة في غزة". الرابطة لم تقدم أي دليل على هذا الادعاء، لأنه ببساطة غير موجود .
وعد ألمانيا "لن يتكرر مرة أخرى" يبدو أجوف عندما تبيض وسائل الإعلام المهيمنة أو تروج لدعاية لتبرير القتل الجماعي في غزة. "هذه ليست صحافة في خدمة الحقيقة – إنها صحافة في خدمة العنف" .
11. قصة البي بي سي الممنوعة: أطفال فلسطينيون يقرؤون الشعر
ربما لا توجد قصة تختصر "خربة التعبير" أفضل من تلك التي حدثت في نوفمبر 2025. بي بي سي قررت إسقاط تقرير كان مخططاً له عن حدث يجمع أطفالاً فلسطينيين وبريطانيين من خلال الشعر .
نيك بيلبرو، منسق مؤسسة " Hands Up" الخيرية التعليمية، قال إن بي بي سي أخبرته أن القطعة ستكون "صعبة" البث لأن المنتجين اعتقدوا أنهم سيحتاجون إلى إضافة "سياق أكبر بكثير لضمان الحياد الواجب"، على الرغم من أن اللقطات ركزت على الأطفال والإبداع والتعبير الفني المشترك .
بيلبرو قال إنه لم يتحدث عن أي شيء سياسي، ولا المدرس الذي شارك. "كنا جميعاً نتحدث فقط عن قيمة كتابة الشعر في وضع صعب، وكم هي ملهمة القصائد" .
رغم أن مراسل بي بي سي أشار في البداية إلى أن القصة لا تزال ممكنة الظهور، مرت أسابيع دون تحديث، وفي النهاية قرر المحررون إسقاط القطعة بالكامل .
بيلبرو قال بمرارة: "أعتقد أنهم ببساطة لا يريدون إظهار هذا الجانب الإنساني من أطفال غزة" .
هذه هي القصة الكاملة لـ"خربة التعبير": أطفال يقرؤون الشعر، لا يتحدثون عن سياسة، لا يحملون سلاحاً، لا يهاجمون أحداً. مجرد أطفال يعبرون عن أنفسهم بالكلمات. ومع ذلك، هذا أيضاً ممنوع. هذا أيضاً "غير متوازن". هذا أيضاً يحتاج إلى "سياق".
ماذا بقي إذن؟ من يُسمح له بالكلام في الإمبراطوريات الإعلامية؟ من تُسمع أصواتهم؟ الجواب واضح: فقط أولئك الذين يكرسون الرواية السائدة. فقط أولئك الذين لا يزعجون. فقط أولئك الذين يبقون ضمن حدود المسموح.
الفلسطينيون، حتى أطفالهم، حتى شعرائهم الصغار، ليسوا ضمن هذه الفئة.
12. الخلاصة: عندما يصبح الإعلام شريكاً في الإبادة
في نهاية هذا الفصل، نعود إلى تلك الصورة التي بدأنا بها: أنس الشريف، الصحافي الشاب الذي قتلته إسرائيل ثم شوهت صورته بيلد الألمانية فوصفته بـ"الإرهابي المتنكر". هذه الصورة وحدها تختصر كل شيء.
ليست مجرد جريمة قتل. ليست مجرد جريمة حرب. هي محاولة لقتل الحقيقة نفسها. هي قتل الراوي حتى لا تروى القصة. هي تشويه الضحية حتى لا يتعاطف معه أحد. هي إعادة كتابة التاريخ بالدم والكذب.
ما كشفته الدراسات في هذا الفصل ليس مجرد "انحياز" يمكن تلافيه بتدريب أفضل أو بمزيد من "التوازن". هو "حالة مؤسسية للصحافة الغربية" . هو نظام متكامل من التعتيم والتشويه والتبرير. هو آلة لإنتاج "الرواية المسموح بها" وقمع كل الروايات الأخرى.
هذه الآلة تعمل عبر:
· التفاوت الكمي: إسرائيل تُذكر 186 مرة مقابل كل مرة تذكر فيها فلسطين. · محو السياق: لا احتلال، لا مستوطنات غير قانونية، لا حصار، لا نكبة. · تجريد الضحايا من الإنسانية: فلسطينيون = إرهابيون، حتى الأطفال والصحافيون. · التحكم في المصادر: 5% مصادر فلسطينية مقابل 38% مصادر إسرائيلية رسمية. · تبرير القتل: "ضربات دقيقة" و"دفاع عن النفس" مقابل "مجازر" و"فظائع". · إسكات الأصوات: حتى أطفال يقرؤون الشعر ممنوعون.
هذا ليس إعلاماً. هذا هو "الصحافة في خدمة العنف" . هذا هو التواطؤ في الإبادة. عندما يُقتل صحافيون ويُوصفون بـ"الإرهابيين"، عندما تُحذف قصص أطفال يقرؤون الشعر بحجة "الحياد"، عندما تُمحى عقود من الاحتلال والظلم بحجة "التركيز على الحاضر"، فإن الإعلام لا ينقل الجريمة فحسب، بل يشارك فيها.
في الفصل التاسع، سننتقل من تحليل التغطية إلى تحليل التصريحات السياسية، خاصة تصريحات رئيسة وزراء إيطاليا جورجا ميلوني ضد الأونروا، ودورها في استكمال الإبادة عبر التجويع. سنحاول أن نفهم كيف تترجم الكلمات إلى أفعال، والتصريحات إلى موت.
…….
القسم الثاني: الإبادة والصمت – غزة والإمبراطوريات الإعلامية والمحاكمة الدولية
الفصل التاسع:
التجويع كسلاح – تصريحات ميلوني والأونروا والمشاركة في الإبادة
1. مقدمة: الكلمة التي تقتل
في التاسع عشر من نوفمبر 2025، وقفت ممثلة إيطاليا في الجمعية العامة للأمم المتحدة، بين ممثلي 192 دولة، للإدلاء بصوتها على قرار تجديد ولاية وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) حتى يونيو 2029 . كان القرار عادياً من الناحية الإجرائية، لكنه كان استثنائياً في دلالته: 149 دولة صوتت لصالح التجديد، 10 دول ضد، و13 امتنعت عن التصويت . إيطاليا اختارت أن تكون بين الممتنعين. لا مع القرار، ولا ضده. في الوسط. في المنطقة الرمادية حيث يمكن للدول أن تتجنب المسؤولية مع الاحتفاظ بصورة الحياد.
لكن الحياد، في زمن الإبادة، هو انحياز. الامتناع عن دعم الأونروا، في اللحظة التي كانت فيها الوكالة تقدم الغذاء والدواء لمليوني إنسان محاصرين في غزة، هو مشاركة في عقاب جماعي. هو القول: "نحن لا نؤيد قتلكم، لكننا أيضاً لا نؤيد إنقاذكم". هو الموقف الذي يجعل المجاعة ممكنة، لأن منعها يتطلب إرادة سياسية، وهذه الإرادة تغيب عندما تختار الدول "الامتناع".
هذا الفصل هو رحلة في متاهة هذا الموقف. هو تحليل لكيفية تحول التصريحات السياسية، خاصة تصريحات رئيسة وزراء إيطاليا جورجا ميلوني، إلى أدوات في خدمة الإبادة الجماعية في غزة. هو كشف للآلية التي يتحول بها خطاب "مكافحة الإرهاب" و"الإصلاح" إلى غطاء للمشاركة في تجويع شعب بأكمله. هو توثيق للعلاقة بين الكلمة التي تُقال في بروكسل أو روما، والطفل الذي يموت جوعاً في غزة.
منظمة "أن بونتي بير" (Un Ponte Per) الإيطالية، التي أرسلت وفداً إلى معبر رفح في مايو 2025، وصفت المشهد بعبارة لا تنسى: "في غزة، يموت الناس جوعاً، وعطشاً، وقنابل، وصمتاً" . الصمت هو الكلمة المفتاح. صمت المجتمع الدولي. صمت الإعلام. صمت السياسيين. وصمت إيطاليا، التي امتنعت عن التصويت، هو جزء من هذا الصمت الجماعي الذي يقتل.
2. الأونروا: شريان الحياة في وجه الإبادة
لفهم حجم الجريمة، يجب أن نفهم أولاً من هي الأونروا وماذا تفعل. وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (UNRWA) تأسست في 1949، بعد النكبة، لتقديم الخدمات الأساسية للاجئين الفلسطينيين . تخدم اليوم حوالي 5.9 إلى 6 ملايين لاجئ فلسطيني مسجل في خمسة مناطق عمليات: الأردن، لبنان، سوريا، الضفة الغربية، وقطاع غزة .
في غزة، حيث تدور رحى الإبادة، الأونروا ليست مجرد وكالة إغاثة عادية. هي شريان الحياة الوحيد لما يقرب من مليوني إنسان. تقرير أممي يشير إلى أن "عدد الأشخاص الذين يعتمدون على خدمات الأونروا في أي وقت يمكن أن يتقلب، خاصة في مناطق النزاع مثل غزة، حيث يعتمد كل السكان تقريباً (حوالي مليوني شخص) على الأونروا لتوفير الضروريات الأساسية والمساعدات الإنسانية الحيوية منذ بداية الحرب الحالية في أكتوبر 2023" .
الأونروا تقدم:
· التعليم: مدارس تمنع جيلاً كاملاً من الضياع. · الرعاية الصحية: عيادات تعالج المرضى والجرحى. · الإغاثة والخدمات الاجتماعية: غذاء ومأوى للنازحين. · البنية التحتية للمخيمات: صرف صحي ومياه نظيفة. · المساعدات الطارئة: استجابة سريعة للكوارث .
فيليب لازاريني، المفوض العام للأونروا، وصف الوضع بكلمات موجعة: "الوضع في غزة لا يزال غير مستقر بعد عامين من القصف الإسرائيلي المتواصل، والنزوح المتكرر، والحصار القاسي" . ونفى الادعاءات بأن الأونروا توقفت عن العمل في غزة، قائلاً: "هذا بعيد كل البعد عن الواقع. الوكالة تواصل العمل وتبقى أكبر مقدم للخدمات العامة الصحية والتعليمية" .
عندما تستهدف حملة سياسية الأونروا، فهي لا تستهدف وكالة بيروقراطية. هي تستهدف حياة مليوني إنسان. هي تقطع عنهم الغذاء، الدواء، التعليم، الأمل. هي تشارك في الإبادة.
3. تصويت نوفمبر 2025: 149 دولة مع، وإيطاليا تمتنع
في 19 نوفمبر 2025، عُرض قرار تجديد ولاية الأونروا على اللجنة الرابعة للجمعية العامة للأمم المتحدة . النتيجة كانت ساحقة: 149 دولة صوتت لصالح التجديد، 10 دول ضد، و13 امتنعت عن التصويت .
الدول التي صوتت ضد القرار كانت: الأرجنتين، فيجي، المجر، مقدونيا الشمالية، بابوا غينيا الجديدة، باراغواي، تونغا، إسرائيل، والولايات المتحدة الأمريكية .
أما الدول التي امتنعت عن التصويت، فكانت: بلغاريا، الكاميرون، جمهورية أفريقيا الوسطى، جمهورية التشيك، جمهورية الكونغو الديمقراطية، إثيوبيا، ألمانيا، إيطاليا، لاتفيا، مدغشقر، ميكرونيزيا، ناورو، وساموا .
هذه القائمة تحمل دلالات عميقة. ألمانيا، التي ترفع شعار "لن يتكرر مرة أخرى" (Nie wieder) تكريماً لذكرى الهولوكوست، تختار الامتناع عن دعم الوكالة التي تغذي أطفال غزة وتعالج جرحاها. إيطاليا، بقيادة جورجا ميلوني، تفعل الشيء نفسه.
ماذا يعني الامتناع؟ في عالم الأمم المتحدة، الامتناع ليس موقفاً محايداً. هو رسالة: "نحن لا نعارض القرار بشكل كافٍ لنصوت ضده، لكننا أيضاً لا ندعمه بما يكفي لنصوت معه". هو موقف يرضي جميع الأطراف ولا يرضي أحداً. هو موقف يسمح للدول بتجنب الغضب الإسرائيلي الأمريكي، مع الحفاظ على صورة الالتزام بالقانون الدولي. لكنه، في العمق، موقف جبان. موقف يترك الأونروا تواجه عواصفها وحدها.
القرار نفسه كان واضحاً في لغته: "أعربت الجمعية العامة عن أسفها إزاء استمرار عدم القدرة على إعادة اللاجئين إلى ديارهم أو تعويضهم، مشيرة إلى أن وضعهم لا يزال مثيراً للقلق العميق. وشددت على أهمية المساعدة في تلبية احتياجاتهم الأساسية من الصحة والتعليم وسبل العيش. وأكد القرار ضرورة استمرار عمليات الأونروا، ودعا إلى استمرار عملها دون عوائق حتى يتم التوصل إلى حل عادل لقضية اللاجئين الفلسطينيين" .
امتناع إيطاليا يعني، ببساطة، أن روما ترفض الانضمام إلى هذا الإجماع الدولي. ترفض التأكيد على "ضرورة استمرار عمليات الأونروا". ترفض الدعوة إلى "استمرار عملها دون عوائق". في اللحظة التي كانت فيها الأونروا في أمس الحاجة إلى دعم سياسي واضح، اختارت إيطاليا الصمت.
4. ميلوني والأونروا: من تصريحات "الإصلاح" إلى المشاركة في التجويع
لكن الامتناع عن التصويت ليس الفعل الوحيد لحكومة ميلوني. هو مجرد تتويج لسياسة متكاملة من العداء للأونروا، تحت شعارات "الإصلاح" و"مكافحة الإرهاب" و"مراجعة التمويل".
صحيفة نيويورك بوست (New York Post)، في افتتاحية مشبعة بالعداء للأونروا، وصفت الوكالة بأنها "احتيال" و"محنة إرهابية" . المقال، الذي يعكس الموقف الإسرائيلي الرسمي، اتهم الأونروا بأنها "تعمل جنباً إلى جنب مع حماس في غزة"، وأنها "توظف مقاتلين من حماس شاركوا في الهجوم الإرهابي في 7 أكتوبر" . وذهب إلى أبعد من ذلك، مهاجماً فكرة ولاية الأونروا نفسها: "كل مجموعة لاجئين أخرى في العالم تساعدها مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، التي تساعد الأشخاص الذين شردتهم الحرب أو الاضطهاد في إعادة التوطين والاندماج في منازلهم الجديدة؛ يصبح اللاجئون السابقون مقيمين وفي النهاية مواطنين، ويفقدون وضع اللاجئ. فقط الفلسطينيون، تحت "رعاية" الأونروا، يحتفظون بوضع اللاجئ إلى الأبد، حتى الجيل الثالث والرابع والخامس – وبالتالي إدامة الضحية الأبدية للشعب الفلسطيني" .
هذا الخطاب، الذي تبنته حكومة ميلوني بشكل ضمني عبر امتناعها عن التصويت، هو خطاب خطير لسببين:
· أولاً: يكرر الادعاءات الإسرائيلية غير المثبتة عن تورط الأونروا في "الإرهاب"، دون أدلة قاطعة. · ثانياً: يهاجم فكرة ولاية الأونروا نفسها، أي فكرة أن اللاجئين الفلسطينيين لديهم وضع خاص يستدعي وكالة خاصة. هذا الهجوم هو، في العمق، هجوم على حق العودة نفسه، الذي تكرسه الأونروا كجزء من ولايتها.
فيليب لازاريني، المفوض العام للأونروا، رد على هذه الاتهامات بطريقة غير مباشرة، مؤكداً أن "الوكالة تواصل العمل وتبقى أكبر مقدم للخدمات العامة الصحية والتعليمية" . وأضاف: "الوضع في غزة لا يزال غير مستقر بعد عامين من القصف الإسرائيلي المتواصل، والنزوح المتكرر، والحصار القاسي" . لكن هذه الحقائق لا تهم من يريد تصفية الأونروا. ما يهمهم هو الصورة: صورة وكالة "فاسدة" و"متواطئة مع الإرهاب"، تستحق العقاب.
عندما تتبنى حكومة مثل حكومة ميلوني هذا الخطاب، فإنها تقدم غطاء سياسياً لسياسة العقاب الجماعي. هي تقول لإسرائيل: "نحن معك في حربك على الأونروا". وهي تقول للفلسطينيين: "لا تتوقعوا منا أن ندعمكم". وهي تقول للمجتمع الدولي: "نحن لنا موقفنا الخاص، حتى لو كان مخالفاً للإجماع".
5. المجاعة تعلن: 500 ألف إنسان في قبضة الجوع
قبل شهرين من تصويت نوفمبر، في سبتمبر 2025، كان العالم قد تلقى صدمة كبرى. نظام التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي (IPC) أعلن رسمياً وقوع مجاعة في مدينة غزة والمناطق المحيطة بها، في منطقة تضم حوالي 500 ألف نازح فلسطيني . التقرير حذر من أن العدد سيرتفع إلى 641 ألف بحلول نهاية سبتمبر .
التقرير وصف الوضع بعبارات لا تحتمل التأويل: "بعد 22 شهراً من الصراع المتواصل، يواجه أكثر من نصف مليون شخص في قطاع غزة ظروفاً كارثية، تتسم بالمجاعة والموت والبؤس" .
أنطونيو غوتيريش، الأمين العام للأمم المتحدة، وصف المجاعة بأنها "كارثة من صنع الإنسان، وإدانة أخلاقية، وفشل للإنسانية نفسها" . وأضاف بعبارة لا تنسى: "المجاعة ليست مجرد مسألة غذاء؛ إنها الانهيار المتعمد للأنظمة اللازمة لبقاء الإنسان. الناس يتضورون جوعاً. الأطفال يموتون. وأولئك الذين عليهم واجب التصرف يفشلون" .
غوتيريش ذكّر إسرائيل بواجباتها كقوة احتلال: "بموجب القانون الدولي، على إسرائيل، كقوة احتلال، واجبات لا لبس فيها، بما في ذلك واجب ضمان توفير الغذاء والإمدادات الطبية لسكان غزة" .
فولكر تورك، مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، ذهب إلى أبعد من ذلك، معلناً أن "المجاعة المعلنة اليوم في محافظة غزة هي نتيجة مباشرة لإجراءات اتخذتها الحكومة الإسرائيلية" . وأضاف بصراحة قانونية: "استخدام التجويع كأسلوب حرب هو جريمة حرب، والوفيات الناتجة قد ترقى أيضاً إلى جريمة القتل العمد" .
هذا هو السياق الذي حدث فيه تصويت نوفمبر. ليس في زمن السلم، بل في زمن المجاعة المعلنة. ليس في ظروف عادية، بل في ظروف تتهم فيها أعلى المسؤولين الأمميين إسرائيل بارتكاب جريمة حرب عبر التجويع. ومع ذلك، اختارت إيطاليا أن تمتنع عن دعم الأونروا. اختارت ألا تكون في صف الإنسانية.
6. إيطاليا على الحدود: شهادة من معبر رفح
في مايو 2025، أي قبل أربعة أشهر من إعلان المجاعة، كان وفد إيطالي قد وصل إلى معبر رفح على الحدود المصرية مع غزة. ستون نائباً وأوروبياً وصحافياً وناشطاً، قرروا كسر جدار الصمت واللامبالاة . منظمة "أن بونتي بير" (Un Ponte Per) الإيطالية وثقت هذه الرحلة بكلمات مؤثرة.
جوليا توريني، الرئيسة المشاركة للمنظمة، وصفت المشهد عند المعبر: "خلال وجودنا عند معبر رفح، كانت الانفجارات تتوالى على فترات منتظمة، كل ثماني أو عشر دقائق. كان الهدير حاداً، نافذاً، مستحيلاً تجاهله" .
الوفد شاهد بأم عينيه ما يعنيه الحصار: "منذ 2 مارس 2025، لم تعبر أي قوافل إنسانية الحدود: المياه والغذاء والأدوية تظل محتجزة عند المعابر الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية. الأمم المتحدة تدق ناقوس الخطر: أكثر من 14 ألف طفل معرضون لخطر الموت جوعاً وجفافاً خلال الـ 48 ساعة القادمة" .
الأرقام التي سمعها الوفد كانت مرعبة: "أكثر من 53 ألف فلسطيني قتلوا منذ بداية العملية العسكرية الإسرائيلية في أكتوبر 2023. عائلات بأكملها مُحيت، البنية التحتية الصحية تحولت إلى أنقاض، المدارس أصبحت أهدافاً" .
لكن الأكثر إيلاماً كانت لقاءات الوفد مع الناجين الفلسطينيين في القاهرة. توريني تصف: "في القاهرة، التقينا بما يمكن تسميته الناجين : صحافيين، عمال إغاثة، ناشطين لاجئين في مصر، معظمهم من النساء. لم يشاركوا قصصهم فقط: لقد واجهونا بمسؤوليتنا، جردونا، بدون خصومات" .
إحدى الناشطات الفلسطينيات وجهت للوفد سؤالاً مؤلماً: ماذا تفعلون حقاً؟ وأضافت أن مشاهدة صور العنف لأشهر دون أن يؤدي ذلك إلى تغيير ملموس، يجعل المرء يتساءل عن جدوى نشر هذه الصور نفسها. قالت: "إذا كانت رؤية هذه الأجساد لا تستطيع هز الضمائر، فربما من الأفضل عدم عرضها على الإطلاق" .
توريني تعلق: "استفزاز، بالتأكيد، لكنه أيضاً بيان عميق الحقيقة. إدانة للنزعة الاستهلاكية الغربية، لتخدرنا الأخلاقي التدريجي" .
الوفد قام بفعل رمزي قوي: وضع ألعاباً محشوة وألعاب أطفال على الحدود المصرية، غير قادرين على عبورها مثل الفتيات والفتيان الذين كانت مخصصة لهم. توريني تصف: "أشياء هشة، طفولية، عاجزة: رموز لطفولة ممزقة. صرخة موجهة لأوروبا لتتوقف عن التغطية بلغة الدبلوماسية لما هو، في الواقع، انتهاك مستمر للقانون الدولي" .
هذه الشهادة من معبر رفح هي النقيض التام لموقف حكومة ميلوني. بينما كان الوفد الإيطالي المدني يخترق جدار الصمت، كانت حكومته تستعد للامتناع عن دعم الأونروا. بينما كان النشطاء يصرخون "أوقفوا الإبادة"، كانت الدبلوماسية الرسمية تبحث عن صياغات محايدة لا تغضب أحداً.
7. أرقام الجوع: التجويع كسياسة وليس كارثة
ما كشفته تقارير الأمم المتحدة ومنظمات الإغاثة هو أن المجاعة في غزة ليست "كارثة طبيعية" أو "نتيجة حتمية للحرب". هي "نتيجة متعمدة لسياسة التجويع الإسرائيلية"، كما وصفتها منظمة العفو الدولية .
إريكا جيفارا روساس، المديرة الأولى للأبحاث والدعوة والمناصرة في منظمة العفو الدولية، قالت: "هذه المجاعة هي النتيجة المباشرة لحملة التجويع المتعمدة التي تشنها إسرائيل في غزة. الإعلان عن المجاعة هو إدانة لاذعة لفشل الدول في الضغط على إسرائيل لإنهاء إبادتها الجماعية في قطاع غزة المحتل" .
أرقام دخول المساعدات كانت صادمة. مكتب الإعلام الحكومي في غزة كشف أنه بين 10 و31 أكتوبر 2025، دخلت 3203 شاحنة فقط إلى القطاع، بمتوسط 145 شاحنة يومياً، أي أقل بكثير من 600 شاحنة المنصوص عليها في الاتفاق . من بين هذه الشاحنات، فقط 2564 كانت تحمل مساعدات، والباقي تجاري. بمعنى آخر، سمحت إسرائيل بدخول 24% فقط من الإمدادات المتفق عليها .
الوقود، شريان الحياة للمستشفيات والمخابز ومحطات المياه، كان أكثر ندرة. فقط 115 من أصل 1100 شاحنة وقود وصلت، أي 10% فقط من الكمية المطلوبة . المسؤولون قالوا إن إجمالي الوقود الداخل إلى غزة لا يكفي لتشغيل مستشفى متوسط لأكثر من يومين .
أوكسفام (Oxfam) كشفت أن لديها مساعدات بقيمة 3.3 مليون دولار، تشمل طروداً غذائية عالية السعرات الحرارية، تنتظر في مستودعات خارج غزة . هيلين ستاويسكي، المسؤولة في أوكسفام، قالت: "السلطات الإسرائيلية رفضتها كلها، في وقت هي فيه مطلوبة أكثر من أي وقت مضى" .
توم فليتشر، مسؤول الإغاثة في الأمم المتحدة، قال بكلمات موجعة: "المجاعة في غزة كان يمكن منعها تماماً لو لم يتم منع الأمم المتحدة بشكل منهجي من إدخال الغذاء. الغذاء يتراكم عند الحدود بسبب العوائق الإسرائيلية المنهجية" .
الأرقام لا تكذب: هناك سياسة واضحة للتجويع. قرارات متعمدة بمنع الغذاء والدواء والوقود. هذا ليس "عجزاً لوجستياً" ولا "تأثيراً جانبياً للحرب". هذا هو "الانهيار المتعمد للأنظمة اللازمة لبقاء الإنسان" الذي تحدث عنه غوتيريش . هذا هو "استخدام التجويع كأسلوب حرب" الذي حذر منه فولكر تورك .
8. ألمانيا وإيطاليا: الامتناع المزدوج
في قائمة الدول الممتنعة عن التصويت على تجديد ولاية الأونروا، يبرز اسمان ثقيلان: ألمانيا وإيطاليا. الدولتان اللتان كانتا في طليعة الحملة الأوروبية "لإصلاح" الأونروا، أو تجميد تمويلها، أو الضغط عليها لتغيير مناهجها.
ألمانيا، التي تتباهى بدورها القيادي في أوروبا والتزامها "الأخلاقي" الخاص تجاه إسرائيل بسبب الهولوكوست، اختارت الامتناع. هذا الامتناع يعني أن برلين ترفض الانضمام إلى 149 دولة تؤكد "ضرورة استمرار عمليات الأونروا". تعني أن ألمانيا، في اللحظة الأكثر حرجاً، تختار ألا تكون في صف الإنسانية.
إيطاليا، بقيادة جورجا ميلوني، تفعل الشيء نفسه. ميلوني، التي بنت خطابها السياسي على الدفاع عن "القيم الغربية" و"محاربة الإرهاب"، تجد في الأونروا عدواً مناسباً. الوكالة التي تغذي أطفال غزة وتعالج جرحاها تصبح، في خطابها، وكالة "متواطئة مع الإرهاب" تستحق العقاب.
تقرير "أن بونتي بير" يشير إلى أن الوفد الإيطالي إلى معبر رفح واجه هذا الموقف الرسمي بمرارة: "كمواطنين إيطاليين ناشطين، نعلم أننا في لحظة تاريخية حساسة. حكومتنا، مثل الحكومات السابقة، تواصل التباهي بـ صداقتها مع إسرائيل . لكن هذه البلاغة بدأت تظهر تشققاتها، خاصة بالمقارنة مع دول أوروبية أخرى بدأت - ولو ببطء وليس بسبب ضمير أخلاقي مفاجئ - في التحرك تحت ضغط الرأي العام المتزايد" .
التقرير يشير إلى أن الاتحاد الأوروبي، تحت الضغط، أعلن مراجعة اتفاقية الشراكة مع إسرائيل، مستشعراً بند حقوق الإنسان . بريطانيا علقت محادثات التجارة مع تل أبيب، وفرنسا وكندا هددتا بفرض عقوبات . لكن إيطاليا وألمانيا بقيتا في موقع المعارضة أو الامتناع.
هذا الامتناع المزدوج ليس صدفة. هو نتاج تحالف أيديولوجي وسياسي بين حكومات ترى في إسرائيل حليفاً استراتيجياً لا يمكن المساس به، حتى لو كان ذلك على حساب القانون الدولي والإنسانية. هو نتاج رؤية للعالم تقسم البشر إلى "نحن" و"هم"، وتجعل من "مكافحة الإرهاب" غطاء لأي جريمة.
…..
9. الإبادة البطيئة: من القصف إلى التجويع
ما حدث في غزة بعد وقف إطلاق النار في أكتوبر 2025 يحمل دلالة خاصة. مع توقف القصف المكثف، تحولت آلة القتل من "الإبادة السريعة" إلى "الإبادة البطيئة". هذا التحليل طرحه المحلل السياسي أحمد فروانة في مقابلة مع منصة "ذا نيو عرب" .
فروانة قال: "الاحتلال انتقل من الإبادة السريعة إلى الإبادة البطيئة، من القتل بالقنابل إلى القتل بالجوع. لم يعد يسعى لإبقاء الفلسطينيين على قيد الحياة بالمعنى الحقيقي، بل لإبقائهم بالكاد على قيد الحياة" .
وأضاف: "هذه إبادة صامتة تستهدف الجهاز المناعي. إسرائيل تتحكم الآن في السعرات الحرارية الداخلة إلى الجسد الفلسطيني، تسمح بالكربوهيدرات لتخفيف حدة الجوع، لكنها تمنع البروتينات والفيتامينات التي تمنع المرض. إنه إضعاف محسوب للحياة نفسها" .
هذا التحليل يتوافق مع شهادات من داخل غزة. محمد النجار، صاحب متجر في غزة، وصف الوضع بأنه "جوع محسوب" (calculated starvation). قال لمنصة "ذا نيو عرب": "ما تسمح به إسرائيل يبدو مصمماً لقتلنا ببطء. منذ وقف إطلاق النار، تصل الشاحنات يومياً، لكن إمداداتها، بما في ذلك الدقيق والأرز والبسكويت والعصير، غير كافية. تملأ المعدة مؤقتاً لكنها تؤذي الجسد" .
وأضاف: "في غزة، هناك نقص في اللحوم والدواجن والألبان والزيت. إنها ليست مساعدات بل سيطرة؛ الناس يأكلون للبقاء على قيد الحياة، لا للازدهار. الأطفال يبدون شاحبين وضعفاء. الطماطم تكلف 35 شيكل للكيلو، والدجاج رفاهية للأغنياء. هذا ليس حصاراً عادياً بل تجويعاً متعمداً" .
أم عادل الشوا، أم لخمسة أطفال، قالت إن أطفالها لم يأكلوا فاكهة منذ شهور، آخر مرة كانت قبل العيد عندما أعطيت لهم من شاحنة مساعدات. "منذ ذلك الحين، لا طعام طازج، ولا يستطيعون تحمل أسعار السوق". أصغر أطفالها، الهش، يحتاج إلى فيتامينات وبروتين، لكنه يعتمد على الأرز والمعكرونة والخبز القديم والعدس المستنفد، معتمداً على مساعدات غير كافية وغير مغذية .
وصفت كيف تدهور نظامهم الغذائي على مدار عامين؛ وهم الآن يغليون المعكرونة في الماء والملح، بعد أن تخلوا عن الدجاج أو السمك الأسبوعي. "الجوع أصبح طبيعياً، حتى الأطفال توقفوا عن البكاء. يحرقون الخشب والبلاستيك للطهي لأنه لا يوجد غاز، ويختنقون بالدخان. المساعدات بالكاد تبقيهم على قيد الحياة" .
في مستشفيات غزة، المشهد أكثر قتامة. في مستشفى الشفاء، قال مديره محمد أبو سلمية إن ستة مرضى ماتوا مؤخراً بسبب نقص الأدوية الأساسية، وأن معدل الوفيات بين الأطفال الخدّج وصل إلى 35% بسبب النقص . لاحظ أكثر من 5000 مبتور، بينهم 2000 طفل يحتاجون إلى أطراف اصطناعية، لا يمكنهم الحصول عليها. بدون مساعدة عاجلة، يواجهون إعاقة دائمة ومضاعفات قاتلة .
هذه هي "الإبادة البطيئة". ليست أقل فتكاً من القنابل، لكنها أكثر صمتاً، أقل ظهوراً في الكاميرات، أسهل تبريراً. الموت بالجوع لا يظهر في نشرات الأخبار مثل موت القصف. الأطفال الذين يذبلون ببطء لا يثيرون نفس الغضب الذي يثيره الأطفال المنتشلون من تحت الأنقاض. هذا ما تفهمه إسرائيل جيداً، وهذا ما تستغله.
…..
10. المسؤولية القانونية: التجويع كجريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية
هنا نصل إلى السؤال الأكثر إلحاحاً: هل يمكن محاسبة المسؤولين عن هذه الجرائم؟ هل يمكن، كما تساءلت في طلبك، "محاكمتهم دستورياً واعتقالهم وتغريمهم بما فعلوه بالطبقات العمالية والضعيفة في بلجيكا وفرنسا وإيطاليا"؟ وهل يمكن تطبيق نفس المنطق على المسؤولين عن الإبادة في غزة؟
القانون الدولي واضح في هذه المسألة. نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية يعتبر "تعمد تجويع المدنيين كأسلوب من أساليب الحرب، بحرمانهم من المواد التي لا غنى عنها لبقائهم، بما في ذلك عرقلة وصول الإمدادات الإغاثية" جريمة حرب (المادة 8) . كما يعتبر "الإبادة" (بمعنى القتل الجماعي) جريمة ضد الإنسانية (المادة 7).
تقرير منظمة العفو الدولية كان صريحاً: "إن العرقلة المتعمدة للمساعدات الإنسانية، وتدمير البنية التحتية الحيوية، والقتل المباشر للمدنيين هي مظاهر واضحة لكيفية فرض إسرائيل ظروفاً معيشية تهدف إلى إحداث الهلاك الجسدي للفلسطينيين في غزة كجزء من إبادتها الجماعية المستمرة" .
فولكر تورك، مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، ذهب إلى أبعد من ذلك، معلناً أن "استخدام التجويع كأسلوب حرب هو جريمة حرب، والوفيات الناتجة قد ترقى أيضاً إلى جريمة القتل العمد" .
هذا يعني أن القادة الإسرائيليين الذين يصممون وينفذون سياسة التجويع يمكن مقاضاتهم أمام المحكمة الجنائية الدولية. كما أن القادة الأوروبيين الذين يدعمون هذه السياسة، عبر قطع التمويل عن الأونروا أو التصويت ضدها أو الامتناع عن دعمها، يمكن اعتبارهم "شركاء" في الجريمة، وفقاً لمبدأ "المسؤولية الجنائية الدولية للمساهمين".
تقرير مكتب الإعلام الحكومي في غزة حذر من هذا تحديداً: "المصطلحات الفنية المستخدمة في تقرير التصنيف المتكامل تشير إلى أن المجاعة أصبحت حقيقة لا يمكن التلاعب بها من قبل إسرائيل أو حلفائها، وأن أي دولة أو منظمة تغض الطرف عن هذه الجريمة تصبح شريكة في استمرارها وتقع تحت طائلة القانون الدولي " .
هذا تحذير صريح لإيطاليا وألمانيا وغيرهما: امتناعكم عن دعم الأونروا، وتجميدكم لتمويلها، وتصريحاتكم المعادية لها، كلها أفعال يمكن أن تُعتبر "مساهمة" في جريمة الإبادة عبر التجويع. أنتم لستم متفرجين محايدين، أنتم شركاء.
…..
11. الخلاصة: الامتناع هو المشاركة
في نهاية هذا الفصل، نعود إلى لحظة التصويت في نوفمبر 2025. 149 دولة تقول "نعم" للأونروا. 10 دول تقول "لا". و13 دولة، بينها إيطاليا وألمانيا، تقول "نحن لا نقول شيئاً".
هذا "لا نقول شيئاً" هو، في العمق، قول كل شيء. هو قول "نحن لسنا معكم". هو قول "نحن نفضل ألا نغضب إسرائيل". هو قول "أطفال غزة ليسوا أولويتنا". هو قول "المجاعة لا تهمنا بالقدر الكافي". هو قول "سنترككم تموتون، لكن بهدوء، دون ضجيج، دون فضيحة".
تصريحات جورجا ميلوني ضد الأونروا، وامتناع إيطاليا عن التصويت، هما جزء من هذه الآلة الصامتة للقتل. ليست القنابل الإسرائيلية فقط هي التي تقتل، بل أيضاً قرارات قطع التمويل، وتصريحات رفض الإصلاح، والامتناع عن الدعم. كلها تشارك في خلق الظروف التي تسمح بالمجاعة.
شهادة الوفد الإيطالي إلى معبر رفح تقول: "في غزة، يموت الناس جوعاً، وعطشاً، وقنابل، وصمتاً" . الصمت هو الكلمة المفتاح. صمت المجتمع الدولي. صمت الإعلام. وصمت الحكومات الأوروبية التي تمتنع عن التصويت.
لكن هذا الصمت ليس بريئاً. هو صمت مشحون بالمسؤولية. هو صمت يمكن، يوماً ما، أن يتحول إلى تهمة في محكمة دولية. هو صمت سيُسأل عنه التاريخ.
في الفصل العاشر، سننتقل من تحليل دور الحكومات إلى تحليل آليات المحاكمة الدولية. سنبحث في إمكانية مقاضاة مجرمي الحرب الإسرائيليين والأوروبيين أمام المحكمة الجنائية الدولية، وفي الدعوى التي رفعتها جنوب أفريقيا أمام محكمة العدل الدولية، وفي سبل تحقيق العدالة لضحايا الإبادة.
……
القسم الثاني: الإبادة والصمت – غزة والإمبراطوريات الإعلامية والمحاكمة الدولية
الفصل العاشر:
المحاكمة الدولية – نحو عدالة ممكنة؟
1. مقدمة: بين القاضي والجلاد
في قاعة العدل في قصر السلام بلاهاي، حيث تتدلى الثريات الكريستالية من سقف مزين بلوحات جدارية ترمز إلى السلام العالمي، وقف محامون من جنوب أفريقيا في يناير 2024 ليوجّهوا الاتهام الأثقل في القانون الدولي: جريمة الإبادة الجماعية. كان المشهد يحمل من المفارقات ما يجعله مادة خالدة للتاريخ. في المكان نفسه الذي شهد محاكمات جرائم الحرب بعد النزاعات العالمية، كانت دولة نامية تواجه دولة نووية بدعم من أقوى دول العالم. في المكان نفسه حيث جلس ضحايا الهولوكوست ينتظرون العدالة، كانت دولة تأسست كوطن لليهود بعد تلك المحكمة ذاتها تُتهم بارتكاب إبادة جماعية بحق شعب آخر.
هذا الفصل هو رحلة في متاهة العدالة الدولية. هو محاولة للإجابة عن السؤال الذي يتردد في أذهان الملايين: هل يمكن محاسبة مجرمي الحرب؟ هل يمكن، كما تساءلت في طلبك، "محاكمتهم دستورياً واعتقالهم وتغريمهم بما فعلوه"؟ وهل يمكن أن تمتد هذه المساءلة إلى الحكومات الأوروبية التي شاركت في الإبادة عبر قطع التمويل عن الأونروا، وعبر الدعم السياسي والعسكري، وعبر الامتناع عن التصويت لحماية الوكالة الأممية الوحيدة القادرة على إطعام الجائعين؟
في أكتوبر 2025، أصدرت محكمة العدل الدولية قراراً سياسياً مدمراً، كما وصفته صحيفة "إل مانيفستو" الإيطالية، أكدت فيه أن "إسرائيل ملزمة بالاعتراف ببرامج الإغاثة التي تقدمها الأمم المتحدة وهيئاتها، بما في ذلك الأونروا، وتسهيلها" . القرار كان أكثر من مجرد فتوى قانونية. كان إدانة صريحة لإسرائيل والدول التي تدعمها. كان تأكيداً على أن "الأونروا لا علاقة لها بحماس" . كان إعلاناً بأن "التجويع المفروض على غزة هو جريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية" . لكن السؤال الأكبر ظل معلقاً: من سينفذ هذا القرار؟ ومن سيحاسب المخالفين له؟
2. القانون الدولي: من حلم إلى كابوس
لفهم إمكانية المحاكمة، يجب أن نفهم أولاً طبيعة القانون الدولي نفسه. هذا القانون، الذي ولد من رحم محرقة اليهود في أوروبا، كان يهدف إلى منع تكرار "الفظائع التي تنتهك كرامة الإنسان" كما ورد في ديباجة اتفاقية الإبادة الجماعية. لكنه، كما يقول زين دانغور، المدير العام في وزارة العلاقات الدولية والتعاون بجنوب أفريقيا، يعاني من "فجوة إنفاذ" قاتلة .
دانغور يشرح هذه المفارقة بعبارات مؤثرة: "نحن نواجه الإفلات المؤسسي من العقاب الذي تتمتع به إسرائيل وبعض القوى الكبرى الأخرى لعقود عديدة. لقد أدى ذلك إلى شعور بأن هذه القوانين تهدف إلى مساءلة القوى الصغيرة. بعض علماء القانون الدولي يسمونهم التابعين قانونياً دولياً ، بمعنى أنك موضوع لهذه القوانين، لكنك لا تستطيع إنفاذها ضد الآخرين" .
هذا هو جوهر المشكلة. القانون الدولي موجود، نصوصه واضحة، أحكامه ملزمة. لكن من ينفذها؟ مجلس الأمن، حيث تملك الولايات المتحدة حق النقض (الفيتو)، وهو ما تستخدمه باستمرار لحماية إسرائيل. الدول الكبرى، التي هي نفسها متهمة بالتواطؤ، هي التي يفترض أن تضغط على إسرائيل للامتثال. إنها دائرة مفرغة من الإفلات من العقاب.
المحامية الأيرلندية بلين ني غرالا، المستشارة في الفريق القانوني لجنوب أفريقيا، قالت في مرافعتها أمام المحكمة في يناير 2024 جملة لا تنسى: "إنه ليس فقط إسرائيل هي المحاكمة، بل هذه المحكمة نفسها" . قصدت بذلك أن مصداقية النظام القانوني الدولي بأكمله هي على المحك. إذا لم تستطع المحكمة أن تنفذ أوامرها، وإذا استمرت إسرائيل في انتهاك القانون بكل وقاحة دون عقاب، فإن القانون الدولي يصبح مجرد حبر على ورق، والمحاكم تصبح مسرحاً للتمثيل لا للعدالة.
ومع ذلك، كما يقول دانغور، "بقدر ما نعرف نقاط الضعف في النظام القانوني الدولي، فهو النظام الوحيد الذي لدينا. علينا إصلاحه، لكنه الحماية الوحيدة التي تمتلكها القوى المتوسطة والصغيرة" . هذا هو التناقض المركزي: القانون الدولي ضعيف، لكنه كل ما لدينا. الإفلات من العقاب شبه مطلق، لكن بدونه يكون الضعفاء بلا حماية على الإطلاق.
3. جنوب أفريقيا: من الفصل العنصري إلى الإبادة الجماعية
لم تكن جنوب أفريقيا لتقود هذه المعركة القانونية بمحض الصدفة. هي الدولة التي عانت من نظام الفصل العنصري (الأبارتايد) لعقود، وناضلت ضده حتى سقط. هي الدولة التي أنتجت تجربة فريدة في المصالحة والعدالة الانتقالية عبر لجنة الحقيقة والمصالحة بقيادة الأسقف ديزموند توتو. هي الدولة التي تعرف جيداً كيف تبدو القوانين العنصرية، وكيف تشعر معاناة التمييز، وكيف يكون طعم الحرية بعد عقود من القهر.
تقرير وكالة الأناضول يشير إلى أن "حكومة المؤتمر الوطني الأفريقي استندت إلى إرثها في مقاومة الفصل العنصري لتجادل بأن الفلسطينيين يواجهون اضطهاداً ممنهجاً يشبه ماضي جنوب أفريقيا" . هذا التشبيه ليس مجرد خطابة سياسية، بل هو تأصيل قانوني. جنوب أفريقيا تعرف جيداً كيف تُحاكم دولة فصل عنصري، لأنها عاشت هذه التجربة. تعرف كيف تُوثق الانتهاكات، وكيف تبني قضية قانونية، وكيف تواجه العالم بجرائم ترتكب باسم الأمن.
زين دانغور يروي القصة من خلف الكواليس: "كنا نتلقى الكثير من رسائل البريد الإلكتروني، والعرائض، من أشخاص في جميع أنحاء العالم. أعتقد أنهم كانوا يتواصلون مع العديد من البلدان. قالوا: عليكم تفعيل اتفاقية الإبادة الجماعية. أتذكر التحدث إلى عدد من المحامين الدوليين وسؤالهم: ما هو أفضل طريق؟ أليس المحكمة الجنائية الدولية طريقاً أفضل، حيث توجد مساءلة جنائية فردية؟" .
الاختيار كان بين طريقين: المحكمة الجنائية الدولية (ICC) التي تحاكم الأفراد، ومحكمة العدل الدولية (ICJ) التي تحاسب الدول. جنوب أفريقيا اختارت المسارين معاً، لكن التركيز الأكبر كان على محكمة العدل لأنها تسمح بإصدار أوامر مؤقتة ملزمة فوراً. دانغور يشرح: "لأن تركيزنا كان على الوقاية، اخترنا المسار عبر المادة التاسعة من الاتفاقية. لأن ذلك سمح لنا بطلب أوامر مؤقتة. أن نطلب بالضبط تلك الأشياء التي أشرت إليها في سؤالك الأول: هل يمكننا ضمان دخول المساعدات دون عوائق، هل يمكننا ضمان وقف الهجمات على المستشفيات" .
جنوب أفريقيا لم تكن وحدها في هذه المعركة. تقرير وكالة الأناضول يشير إلى أن أكثر من 14 دولة، من بينها إسبانيا وأيرلندا وكولومبيا وتركيا، انضمت إلى القضية أو دعمتها . هذا التحالف الدولي، وإن كان غير قادر على فرض قراراته، إلا أنه يضيف وزناً سياسياً وأخلاقياً للقضية.
4. الإفلات من العقاب: دروس من البوسنة إلى ميانمار
قضية جنوب أفريقيا ضد إسرائيل ليست الأولى من نوعها في محكمة العدل الدولية. هناك سوابق مهمة يمكن الاستناد إليها، وأهمها قضية البوسنة والهرسك ضد صربيا والجبل الأسود عام 1993.
البروفيسور ويليام شاباس، خبير القانون الدولي في جامعة ميدلسكس بلندن، والذي ينحدر من عائلة يهودية ناجية من الهولوكوست، يشرح هذه السوابق: "مر 77 عاماً على اعتماد اتفاقية الإبادة الجماعية، وقد وصل الآن حوالي 20 قضية إلى محكمة العدل الدولية على مر السنين. هذا يمثل حوالي 10% من جميع القضايا التي وصلت إلى المحكمة. القضية التي رفعتها جنوب أفريقيا ضد إسرائيل هي الأقوى" .
شاباس يستشهد بقضيتي البوسنة وكرواتيا ضد صربيا كسوابق رئيسية. في عام 2007، حكمت محكمة العدل بوقوع إبادة جماعية في سربرنيتسا، واعتبرت صربيا مسؤولة عن الفشل في منعها. لكن شاباس يلفت الانتباه إلى فارق جوهري: "بالطبع، في قضية جنوب أفريقيا ضد إسرائيل، الأمر ليس كذلك حقاً؛ هناك مسألة منع إسرائيل من ارتكاب الإبادة، لأن إسرائيل متهمة بارتكاب الإبادة نفسها" . في قضية صربيا، كانت الدولة متهمة بالفشل في منع الإبادة التي ارتكبتها ميليشيات محلية. في قضية إسرائيل، الدولة نفسها هي المتهم المباشر.
هناك أيضاً قضية ميانمار، حيث اعترفت دول مثل ألمانيا وكندا والولايات المتحدة بوقوع إبادة جماعية ضد الروهينغا. شاباس ينتقد بشدة ازدواجية المعايير: "إذا كانت الإبادة الجماعية ترتكب في ميانمار، فبالتأكيد ترتكب في غزة، لكنهم في حالة إنكار لأنهم يطبقون معايير مزدوجة" .
هذه الازدواجية هي جوهر الأزمة. القانون الدولي يُطبق على الضعفاء، ويُعلق عندما يتعلق الأمر بالأقوياء. صربيا عوقبت (ولو رمزياً) لأنها لم تكن تحت الحماية الأمريكية. ميانمار واجهت إدانة دولية لأنها ليست حليفاً استراتيجياً للغرب. أما إسرائيل، فلها حصانة خاصة، درع أمريكي يقيها من أي عواقب حقيقية.
5. أوامر المحكمة: قصة فشل الإنفاذ
منذ ديسمبر 2023، أصدرت محكمة العدل الدولية سلسلة من الأوامر المؤقتة (provisional measures) التي تطالب إسرائيل باتخاذ إجراءات محددة لحماية الفلسطينيين في غزة. تقرير وكالة الأنباء اليمنية سبأ يذكر أن المحكمة "أصدرت سلسلة من الإجراءات المؤقتة تطالب إسرائيل بتنفيذها لحماية السكان وضمان وصول المساعدات الإنسانية دون عوائق" . لكن هل نُفذ أي من هذه الأوامر؟
الإجابة القصيرة: لا. تقرير موقع "إل مانيفستو" الإيطالي يصف الوضع بمرارة: "أوامر محكمة العدل الدولية تلت ذلك، كلها واضحة كالبلور ولكن عاجزة في وجه إفلات إسرائيل من العقاب" . هذا هو المصير المأساوي لأحكام المحكمة: تصدر، ثم تُتجاهل، ولا أحد يفعل شيئاً.
زين دانغور يشرح الإحباط العميق الذي يشعر به الفريق القانوني: "أعتقد أن هناك شعوراً بالإحباط، شعوراً عميقاً، ولكن أيضاً شعوراً كبيراً بالخسارة، لأنه إذا قرأ المرء اتفاقية الإبادة الجماعية، فإن فرضيتها الأساسية ليست المعاقبة، بل المنع. وكان على أساس هذا التركيز على المنع أن قدمنا مرافعاتنا، لمنع المزيد من تصاعد أعمال الإبادة" .
لكن المنع فشل. استمرت المجاعة، استمر القصف، استمر الموت. دانغور يتهم المجتمع الدولي بالفشل: "لقد قدمنا هذه التحذيرات بقصد أن يتحرك الناس، أن يتحرك الأقوى بيننا. كنا نظن أن محكمة العدل الدولية سيكون لديها القدرة على تقديم التعليمات التي يشعر الآخرون بأنهم ملزمون بتنفيذها" .
السبب الرئيسي لهذا الفشل هو آلية الإنفاذ. محكمة العدل الدولية ليس لديها شرطة لتنفيذ أحكامها. أوامرها تُحال إلى مجلس الأمن، حيث تملك الولايات المتحدة حق النقض. وفي كل مرة، تستخدم واشنطن هذا الحق لحماية إسرائيل. هذا يعني أن النظام القانوني الدولي برمته يصبح رهينة للإرادة السياسية للدول الكبرى. عندما تتوافق هذه الإرادة مع القانون، يُنفذ. وعندما تتعارض، يُعلّق.
6. مسؤولية الدول الداعمة: التواطؤ في الإبادة
واحدة من أكثر القضايا القانونية إثارة للجدل هي مسؤولية الدول التي تدعم إسرائيل عسكرياً وسياسياً ومالياً. هل يمكن مقاضاة ألمانيا التي زودت إسرائيل بأسلحة قيمتها مليارات اليوروهات؟ هل يمكن محاسبة الولايات المتحدة التي توفر الغطاء الدبلوماسي في مجلس الأمن؟ هل يمكن مساءلة إيطاليا التي امتنعت عن التصويت لصالح الأونروا؟
البروفيسور ويليام شاباس يؤكد أن المادة 3 من اتفاقية الإبادة الجماعية تشمل أيضاً "التواطؤ" (complicity). ويذكّر بدعوى نيكاراغوا ضد ألمانيا في مارس 2024 بسبب مساعدتها العسكرية لإسرائيل . ألمانيا قبلت اختصاص المحكمة، وبالتالي يمكن محاكمتها.
شاباس يذهب إلى أبعد من ذلك: "لذلك لا أعتقد أن هناك أي شك في أن الولايات المتحدة وألمانيا وغيرهما ممن ساعدوا إسرائيل بتزويدها بالأسلحة، وتقديم أشكال أخرى من الدعم، الدعم المالي، الدعم السياسي، الدعم الدبلوماسي، أن هذه الدول تعرف ما تفعله إسرائيل" .
هذه شهادة خطيرة من خبير قانوني دولي مرموق. تعني أن الدول الداعمة لا يمكنها التملص من المسؤولية بحجة "الجهل". هي تعرف، ومع ذلك تواصل الدعم. هذا هو التعريف القانوني للتواطؤ.
شاباس يوجه انتقاداً لاذعاً لسياسة المعايير المزدوجة: "إنهم يغمضون أعينهم ويتظاهرون بأنه لا يمكن أن تكون هناك إبادة جماعية عندما تكون لدينا قضية الأدلة فيها قوية جداً. رابطة علماء الإبادة الجماعية الدولية أصدرت إعلاناً مع الكثير من الأدلة التي تدعمه، العديد من المصادر تؤكد أن الإبادة الجماعية ترتكب في غزة" .
إذن، المسؤولية القانونية للدول الداعمة قائمة. لكن هل يمكن مقاضاتها فعلياً؟ هذا يعتمد على إرادة سياسية لا تبدو متوفرة حالياً. المحكمة الجنائية الدولية يمكنها نظرياً ملاحقة قادة هذه الدول بتهمة التواطؤ في جرائم حرب، لكنها تواجه نفس العقبات السياسية. القوي يحمي القوي، والضعيف يظل ضعيفاً.
7. مذكرات التوقيف: نتنياهو وغالانت في قفص الاتهام
في خطوة غير مسبوقة، أصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرات توقيف بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير دفاعه السابق يوآف غالانت. تقرير موقع "أواني" الماليزي يشير إلى أن "المحكمة الجنائية الدولية أصدرت مذكرات توقيف بحق نتنياهو وغالانت بتهم ارتكاب جرائم حرب، بما في ذلك استخدام التجويع كسلاح" .
هذه المذكرات تحمل دلالة رمزية كبيرة. لأول مرة في التاريخ، يواجه رئيس وزراء إسرائيلي خطر الاعتقال الدولي. لكن السؤال: هل سينفذ هذا الخطر فعلياً؟
البروفيسور شاباس يقدم إجابة واقعية: مذكرات التوقيف "كانت رمزية في الغالب لأن فرص الاعتقال ضئيلة" . لماذا؟ لأن إسرائيل ليست عضواً في المحكمة الجنائية الدولية، ولأن الولايات المتحدة تمارس ضغوطاً هائلة على أي دولة تفكر في تنفيذ المذكرة.
لكن شاباس يشير إلى استثناء مهم: نتنياهو وغالانت "يخاطران بالاحتجاز إذا سافرا إلى إحدى الدول الأعضاء الـ 125 في المحكمة الجنائية الدولية" . هذا يعني أن أي دولة موقعة على نظام روما الأساسي (بما في ذلك معظم الدول الأوروبية) ملزمة قانونياً باعتقال نتنياهو إذا وطئت قدماه أراضيها. 124 دولة ملزمة بذلك، كما يشير تقرير أواني .
هذا يخلق وضعاً دبلوماسياً معقداً. رئيس وزراء إسرائيل لا يستطيع زيارة معظم الدول الأوروبية دون خطر الاعتقال. وهو ما يفسر لماذا تجنب نتنياهو السفر إلى العديد من العواصم الأوروبية منذ إصدار المذكرة.
لكن هل ستجرؤ أي دولة أوروبية فعلياً على اعتقال نتنياهو؟ الضغوط الأمريكية والإسرائيلية هائلة. التهديدات بالعقوبات الاقتصادية والدبلوماسية حقيقية. الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب فرض عقوبات على مسؤولي المحكمة الجنائية الدولية أنفسهم، كما يذكر شاباس . في هذا المناخ، تصبح مذكرات التوقيف أوراقاً بلا قيمة عملية، إلا إذا تغير ميزان القوى الدولي.
8. الأونروا في المحكمة: عندما تدين لاهاي إسرائيل والدول الداعمة
في أكتوبر 2025، أصدرت محكمة العدل الدولية قراراً حاسماً بشأن الأونروا. صحيفة "إل مانيفستو" الإيطالية وثقت التفاصيل: "إسرائيل ملزمة بالاعتراف ببرامج الإغاثة التي تقدمها الأمم المتحدة وهيئاتها، بما في ذلك الأونروا، وتسهيلها" .
القرار كان رداً على حملة إسرائيلية ممنهجة لتصفية الوكالة. منذ أكتوبر 2023، شنت إسرائيل "حملة تشويه واسعة النطاق، متهمة الوكالة بعلاقات مع حماس" . في ديسمبر 2023، استهدفت 12 موظفاً في غزة باتهامات غير مثبتة بالمشاركة في هجوم 7 أكتوبر. حتى أن تل أبيب اشترت إعلانات على غوغل بحيث أن البحث عن "أونروا" يقود إلى موقع إلكتروني أنشأته الحكومة الإسرائيلية، مليء بالتكهنات ولكن خالٍ من الأدلة .
المحكمة رفضت هذه الاتهامات بشكل قاطع: "الأونروا لا علاقة لها بحماس" . وأكدت أن "التجويع المفروض على غزة هو جريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية" .
الأهم من ذلك، أن المحكمة "رفضت أيضاً الوكالة البديلة التي ابتكرتها واشنطن وتل أبيب، مؤسسة غزة الإنسانية، وهي آلية وحشية لتوزيع المساعدات خدمت فقط لإخفاء الهدف الحقيقي: التطهير العرقي لشمال ووسط غزة" .
هذا القرار له تداعيات هائلة على الدول الأوروبية التي علقت تمويلها للأونروا. صحيفة "إل مانيفستو" تذكر أن "الدول الغربية – من الولايات المتحدة في عهد الرئيس بايدن إلى إيطاليا وبقية أوروبا – علقت على الفور تمويل وكالة كانت تعاني بالفعل من أزمة مزمنة وكانت تواجه الآن الاحتياجات الهائلة الناجمة عن الإبادة الجماعية" . بعد شهور فقط، استأنفت العواصم الغربية التمويل تدريجياً، "مضطرة بسبب الفشل الكامل لتل أبيب في تقديم الأدلة" .
قرار المحكمة يعني أن هذه الدول كانت متواطئة في عقاب جماعي غير قانوني. علّقت التمويل بناء على اتهامات إسرائيلية غير مثبتة، مما ساهم في تفاقم المجاعة. هذا يمكن أن يكون أساساً لدعاوى قضائية مستقبلية ضد هذه الحكومات.
9. إيطاليا وألمانيا: المتهمون الجدد
عودة إلى قائمة الدول التي امتنعت عن التصويت لصالح تجديد ولاية الأونروا في نوفمبر 2025. ضمت القائمة ألمانيا وإيطاليا وجمهورية التشيك وبلغاريا ولاتفيا . هذه الدول اختارت ألا تكون في صف الإجماع الدولي (149 دولة مع القرار). اختارت الامتناع، أي الحياد السلبي، في اللحظة التي كان فيها الحياد مستحيلاً.
صحيفة "نيويورك بوست" اليمينية، المعادية بشدة للأونروا، احتفلت بهذا الموقف: "هتاف لألمانيا وإيطاليا والتشيك والمجر، وانضمت إليهن بلغاريا ولاتفيا الأسبوع الماضي في حجب الدعم لتجديد ميثاق الأونروا" . المقال، الذي يعكس الموقف الإسرائيلي الرسمي، وصف الأونروا بأنها "وكالة إغاثة مزيفة موبوءة بالإرهابيين" .
لكن من الناحية القانونية، هذا الموقف يمكن أن يكون أساساً للمساءلة. عندما تمتنع دولة عن دعم الوكالة الوحيدة القادرة على إطعام مليوني إنسان، وهي تعلم أن هناك مجاعة معلنة، فإنها تتحمل جزءاً من المسؤولية عن تلك المجاعة.
في فبراير 2026، ذهب الاتحاد الديمقراطي المسيحي الألماني (CDU) إلى أبعد من ذلك. الحزب الحاكم في ألمانيا تبنى بالإجماع قراراً يطالب بوقف التمويل الألماني والأوروبي للأونروا . القرار "ينص صراحة على: يجب على ألمانيا والاتحاد الأوروبي وقف الدعم للأونروا " . ووصف الوكالة بأنها "غير قابلة للإصلاح" .
وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر رحب بهذه الخطوة واعتبرها "عملاً من أعمال الوضوح الأخلاقي" . بينما حذر النقاد من أن وقف تمويل الأونروا فجأة قد "يفاقم الأزمة الإنسانية في غزة، حيث تظل الوكالة المزود الرئيسي رغم التحديات المستمرة" .
إيطاليا أيضاً أعلنت في فبراير 2025 أنها "لن تعمل مع الأونروا بعد الآن" . هذا يعني أن الحكومة الإيطالية اختارت الانسحاب الكامل من دعم الوكالة، في الوقت الذي كانت فيه المجاعة تفتك بغزة.
من الناحية القانونية، هذه القرارات يمكن اعتبارها "مساهمة" في جريمة الإبادة عبر التجويع. الدول الموقعة على اتفاقية الإبادة الجماعية ملزمة بمنع الإبادة، وليس فقط بعدم ارتكابها. عندما تمتنع عن دعم الوكالة الوحيدة القادرة على منع المجاعة، فإنها تنتهك هذا الالتزام.
10. ترامب والمحكمة الجنائية: حرب على العدالة
لا يمكن الحديث عن إمكانية المحاكمة دون التطرق إلى دور الولايات المتحدة، وتحديداً الرئيس دونالد ترامب، في تقويض النظام القضائي الدولي. البروفيسور شاباس يعلق على هذه المسألة بصراحة: "الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يمكن اتهامه بالتواطؤ في جرائم حرب" .
شاباس يشير إلى العقوبات التي فرضها ترامب على قضاة المحكمة الجنائية الدولية: "بطريقة ما، إنه أمر مثير للإطراء، لأن ترامب إذا كان يعتقد أنهم جادون بما يكفي للقيام بذلك، فهذا يعني أنه يأخذ سلطة المحكمة الجنائية الدولية على محمل الجد" .
هذه الحرب على العدالة لها تاريخ طويل. الولايات المتحدة ليست عضواً في المحكمة الجنائية الدولية، وتعارض بشكل مبدئي أي محاكمة لمواطنيها أو حلفائها. قانون حماية أفراد الخدمة الأمريكية (American Service-Members Protection Act) يسمح للرئيس باستخدام "كل الوسائل الضرورية والمناسبة" لتحرير أي أمريكي تحتجزهم المحكمة. هذا القانون سخر منه النقاد باسم "قانون غزو لاهاي".
في عهد ترامب، تصاعدت هذه الحرب إلى مستوى جديد. العقوبات على مسؤولي المحكمة شملت تجميد أصولهم ومنعهم من السفر إلى الولايات المتحدة. هذه الإجراءات تهدف إلى ترهيب المحكمة وثنيها عن ملاحقة أي مسؤول إسرائيلي أو أمريكي.
شاباس يرى في هذه الحرب دليلاً على أهمية المحكمة: "إذا كان ترامب يعتقد أنهم جادون بما يكفي للقيام بذلك، فهذا يعني أنه يأخذ سلطة المحكمة الجنائية الدولية على محمل الجد" . بمعنى آخر، لو كانت المحكمة مجرد نمر من ورق، لما كان ترامب ليهتم بمحاربتها. حربه عليها دليل على أنها تمثل تهديداً حقيقياً لإفلات القوي من العقاب.
11. شهادات من الجحيم: 195 جثة معذبة
في خضم هذه المعارك القانونية، يستمر الموت في غزة. تقرير "إل مانيفستو" يوثق مشاهد لا تحتمل: "في يوم الجمعة، سلمت السلطات الإسرائيلية 30 جثة لفلسطينيين ماتوا في الاحتجاز. حتى الآن، تم إرجاع 195 جثة، العشرات منها تظهر عليها علامات التعذيب والتشويه والإعدام. لم يتم التعرف على أي منها؛ الأمل الوحيد للعائلات هو التعرف على أحبائهم بين الوجوه المشوهة" .
هذه الجثث هي أدلة مادية على جرائم حرب. التعذيب، التشويه، الإعدام دون محاكمة، كلها انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني. لكن من سيحقق فيها؟ من سيحاسب مرتكبيها؟ في عالم الإفلات من العقاب، تبقى هذه الجرائم بلا عقاب، وتبقى العائلات تبحث عن أحبائها بين الجثث المجهولة.
التقرير يضيف مشهداً آخر: "استمرار انتشال المفقودين من تحت الأنقاض – بالأيدي المجردة، كما هو الحال منذ أشهر بسبب التدمير المنهجي الإسرائيلي لمعدات الإنقاذ. الصحافي هاني محمود أفاد يوم الجمعة: العديد من العائلات العائدة إلى الشمال تستخدم أيديها المجردة للبحث عن رفات أحبائها تحت الأنقاض... يعودون إلى أحياء تحولت إلى أكوام من الركام والغبار " .
هذه هي غزة بعد عامين من الإبادة. أحياء مدمرة، جثث تحت الأنقاض، عائلات تبحث بأيديها المجردة، وجثث معذبة تعاد دون أسماء. في مواجهة هذا المشهد، تبدو المحاكم الدولية بعيدة، والقرارات القانونية جوفاء، والعدالة حلماً مستحيلاً.
لكن زين دانغور يصر على الاستمرار: "ستواصل جنوب أفريقيا ملاحقة إسرائيل قانونياً في محكمة العدل الدولية" . ويؤكد أن "وقف إطلاق النار في قطاع غزة لا يعفي إسرائيل من الجرائم التي ارتكبتها خلال الإبادة الجماعية" . هذا هو الموقف الوحيد الممكن: الاستمرار رغم اليأس، لأن التوقف يعني الانتصار النهائي للإفلات من العقاب.
12. الخلاصة: العدالة المؤجلة
في نهاية هذا الفصل، نعود إلى السؤال المركزي: هل يمكن محاكمة مجرمي الحرب الإسرائيليين والأوروبيين؟ الإجابة معقدة، وربما مخيبة للآمال، لكنها ضرورية.
نعم، يمكن محاكمتهم قانونياً. الأدلة موجودة، الشهادات موثقة، القوانين واضحة. محكمة العدل الدولية أكدت أن التجويع جريمة حرب، وأن الأونروا لا علاقة لها بالإرهاب، وأن إسرائيل ملزمة بتسهيل وصول المساعدات . المحكمة الجنائية الدولية أصدرت مذكرات توقيف بحق نتنياهو وغالانت . دول مثل جنوب أفريقيا قدمت دعوى قوية تعتبر الأقوى في تاريخ المحكمة .
لكن لا، لن يُحاكموا عملياً. لأن النظام القانوني الدولي يعاني من "فجوة إنفاذ" قاتلة . لأن الولايات المتحدة تملك حق النقض في مجلس الأمن وتستخدمه لحماية إسرائيل. لأن الدول الأوروبية الداعمة لإسرائيل تمتنع عن تنفيذ القرارات. لأن المحكمة الجنائية الدولية تواجه عقوبات وتهديدات من أقوى دول العالم.
هذا لا يعني أن المعركة القانونية غير مجدية. زين دانغور يراها بشكل مختلف: "بقدر ما نعرف نقاط الضعف في النظام القانوني الدولي، فهو النظام الوحيد الذي لدينا. علينا إصلاحه، لكنه الحماية الوحيدة التي تمتلكها القوى المتوسطة والصغيرة" .
المعركة القانونية تحقق أهدافاً أخرى:
· توثيق الجرائم: بناء أرشيف قانوني لا يمكن إنكاره. · كشف التواطؤ: فضح الدول التي تدعم الإبادة وتشارك فيها. · الضغط السياسي: جعل الدعم لإسرائيل مكلفاً سياسياً. · زرع بذور المستقبل: عندما يتغير ميزان القوى، ستكون هناك سوابق قانونية جاهزة للاستخدام.
شاباس، الخبير القانوني من عائلة ناجية من الهولوكوست، يختتم بكلمات عميقة: "إنها تثير قضايا أخلاقية. كيف يمكن لأشخاص كانوا ضحايا جرائم مروعة أن ينقلبوا ويرتكبوها ضد الآخرين؟ لكن هذا هو العالم الذي نعيش فيه. البشر معقدون" .
هذا التعقيد هو جوهر القضية. الضحية يتحول إلى جلاد، والناجي يصبح قاتلاً، والقانون يصبح سلاحاً في يد القوي ضد الضعيف. لكن رغم كل هذا التعقيد، تبقى الحقيقة: الجرائم ترتكب، والأدلة تتراكم، والضحايا يموتون. والعدالة، حتى لو تأخرت، يجب أن تظل هدفاً نناضل من أجله.
في اللحظات الأخيرة من هذا الفصل، نتذكر أولئك الذين يبحثون عن أحبائهم تحت الأنقاض بأيدٍ مجردة. نتذكر الأطفال الذين يموتون جوعاً بينما العالم يمتنع عن التصويت. نتذكر الصحافيين الذين قتلوا ووصفوا بـ"الإرهابيين". هؤلاء هم سبب استمرار المعركة القانونية، رغم كل الإحباطات، رغم كل الفشل. لأن التوقف عن المطالبة بالعدالة يعني التخلي عنهم تماماً.
كما تقول جنوب أفريقيا: "وقف إطلاق النار لا يعفي إسرائيل من الجرائم" . ولا يعفي الدول الداعمة. ولا يمحي جثث 195 معذباً. ولا يعيد الأطفال إلى الحياة. لكنه قد يكون بداية لطريق طويل نحو عدالة مؤجلة، لكنها ليست مستحيلة.
……
خاتمة: بين الألم والأمل – تأملات في نهاية الرحلة
1. في نهاية الرحلة: أين نحن الآن؟
كنا في بداية هذه الرحلة مع أم تجلس في شقة صغيرة على أطراف بروكسل، أمامها خطاب رسمي يخبرها بأن منحة ابنها المعاق قد قُطعت، وإلى جوارها ابنها ينتظرها. كنا مع جان-لوك الكاتب الذي لم يكتب، ومارتين المسافرة التي لم تسافر، وميشيل المهندس الذي هُدم حلمه. كنا في شوارع بلجيكا مع مئات الآلاف من المتظاهرين الذين خرجوا في 14 أكتوبر 2025 في أكبر تظاهرة في القرن الواحد والعشرين . كنا في معبر رفح مع الوفد الإيطالي الذي سمع دوي الانفجارات كل ثماني دقائق، وشاهد المساعدات محتجزة والأطفال يموتون جوعاً . كنا في قاعة محكمة العدل الدولية في لاهاي مع محامي جنوب أفريقيا الذين رفعوا دعوى الإبادة الجماعية ضد إسرائيل . كنا في مكاتب التحرير حيث تدار "خربة التعبير" وتحول الضحايا إلى أرقام والمجازر إلى "أحداث".
الآن، بعد عشرة فصول من التشريح والتحليل والسرد، نصل إلى نهاية الرحلة. لكن النهاية ليست نهاية، بل هي وقفة تأمل. هي لحظة نسأل فيها أنفسنا: ماذا تعلمنا؟ ماذا بقي؟ وإلى أين نمضي من هنا؟
الرحلة كانت طويلة وشاقة. تجولنا في متاهات اللوغوقراطية، حيث تتحول الكلمات إلى أسلحة والحقيقة إلى سلعة. شاهدنا آلة التفكيك الاجتماعي تعمل في بلجيكا بهدوء، تحت شعارات "الإصلاح" و"التحفيز" و"التقشف المسؤول". وشاهدنا آلة الإبادة تعمل في غزة بوحشية، تحت شعارات "الدفاع عن النفس" و"مكافحة الإرهاب". واكتشفنا أن الآلة واحدة في جوهرها: آلة تجريد الإنسان من إنسانيته، وتحويل الألم إلى رقم، والصراخ إلى همس.
لكننا لم نشاهد فقط. سمعنا أيضاً أصوات المقاومة. أصوات النقابات التي نظمت إضرابات شهرية وأوقعت الحكومة في مأزق. أصوات التحالفات الجديدة بين نقابيين وبيئيين ومناهضين للعنصرية. أصوات جنوب أفريقيا التي رفعت صوت الحق في وجه أقوى دول العالم. أصوات الصحافيين الذين وثقوا المجازر وهم يموتون. أصوات الأطفال في غزة الذين يقرؤون الشعر رغم الجوع والقصف.
هذه الأصوات هي ما يمنعنا من اليأس. هي ما يجعل الخاتمة ممكنة، بل ضرورية. لأن الخاتمة ليست نهاية القصة، بل هي بداية التفكير في ما بعد القصة. هي محاولة لاستخلاص الدروس، ورسم الدروب، وإعادة اكتشاف الأمل في زمن اليأس.
2. ماذا تعلمنا من الرحلة البلجيكية؟
الرحلة البلجيكية علمتنا أن التفكيك لا يأتي دائماً بالدبابات والقنابل. أحياناً يأتي بقوانين وإصلاحات وخطابات جميلة. أحياناً يرتدي بذلة رسمية ويتحدث لغة تقنية. أحياناً يسمي نفسه "حكومة أريزونا" ويعد بـ"تحفيز العمل" و"إصلاح المعاشات" و"تقشف مسؤول".
علمتنا أن "لا خيار لدينا" هي أكبر كذبة في عصر اللوغوقراطية. هناك دائماً خيارات. هناك دائماً طريقة مختلفة لتوزيع الأعباء. هناك دائماً إمكانية لفرض ضرائب على الأغنياء والشركات بدلاً من تقليص خدمات الفقراء. لكن هذه الخيارات لا تُطرح لأنها لا تخدم من يملكون القرار.
علمتنا أن "نحن نفعل هذا من أجل أطفالكم" هي أسوأ خدعة. لأن ما يفعلونه حقاً هو سرقة مستقبل الأطفال. تقليص ميزانيات التعليم والرعاية الصحية، ورفع سن التقاعد، وتوسيع أشكال العمل الهشة، كلها إجراءات تدمر مستقبل الأجيال القادمة، ولا تحميه.
علمتنا أن "الجميع يساهم" هي أعظم تزوير. لأن الجميع لا يساهمون حقاً. الأغنياء يساهمون بـ 11% فقط من الجهد المطلوب، بينما يتحمل الفقراء والطبقة الوسطى الـ 89% الباقية . هذه ليست مساهمة، هذه إعادة توزيع عكسية للثروة: من الفقراء إلى الأغنياء.
علمتنا أن الأرقام تكذب أحياناً. 5.5% من العاطلين الذين لن يستفيدوا من "التحفيز" هم في الحقيقة الأمهات العازبات، والمرضى المزمنون، ومقدمو الرعاية، والأسر المعتمدة كلياً على المساعدات . هؤلاء ليسوا أرقاماً، بل هم الوجوه الأكثر هشاشة في المجتمع. عندما ننساهم في الإحصائيات، فإننا ننسى الإنسانية نفسها.
علمتنا أن النساء يدفعن الثمن الأكبر دائماً. سبعة من كل عشرة متضررين من إصلاح المعاشات هن نساء . لأن النساء أكثر عرضة للعمل الجزئي، وانقطاعات المسيرة المهنية بسبب الأمومة ورعاية الأطفال، والوظائف منخفضة الأجر. أي إصلاح لا يراعي هذه الحقائق هو إصلاح عنصري جندرياً.
علمتنا أن المرضى ليسوا آمنين. المرضى طويلو الأمد يُعاملون كمشتبه بهم، يُفترض أنهم يختلقون المرض للهروب من العمل. الأطباء يُوضعون تحت المراقبة، وقواعد البيانات المركزية تجمع شهاداتهم الطبية لتحليل سلوكهم. العودة إلى العمل قبل الأوان تعني الانتكاس والموت المبكر، لكن هذا لا يظهر في جداول الإصلاح.
علمتنا أن النقابات لا تزال حية. 140 ألف متظاهر في 14 أكتوبر 2025، وإضرابات شهرية في 13 من كل شهر، ووحدة نادرة بين النقابات الثلاث الكبرى . هذا هو جسد بلجيكا الذي يرفض الموت بصمت. هذا هو الأمل.
…..
3. ماذا تعلمنا من الرحلة الفلسطينية؟
الرحلة الفلسطينية علمتنا أن الإبادة لا تحتاج إلى مبرر أخلاقي، بل تحتاج إلى غطاء سياسي وإعلامي. إسرائيل ترتكب إبادة جماعية في غزة، لكنها تفعل ذلك بغطاء أمريكي كامل، وصمت أوروبي شبه كامل، وتواطؤ إعلامي منهجي.
علمتنا أن "الدفاع عن النفس" يمكن أن يصبح غطاء لأي جريمة. قتل 50 ألف إنسان، معظمهم من النساء والأطفال، ليس دفاعاً عن النفس. تدمير المستشفيات والمدارس والمساجد والكنائس ليس دفاعاً عن النفس. تجويع مليوني إنسان ومنع المساعدات عنهم ليس دفاعاً عن النفس. لكن عندما تكرر الكلمة آلاف المرات في وسائل الإعلام، فإنها تصبح حقيقة في الوعي الجمعي.
علمتنا أن "مكافحة الإرهاب" يمكن أن تصبح مبرراً لأي وحشية. عندما يوصف شعب بأكمله بـ"الإرهابيين"، يصبح قتله مقبولاً. عندما توصف الصحافيون بـ"الإرهابيين المتنكرين"، يصبح اغتيالهم مشروعاً. عندما توصف الأطفال بـ"دروع بشرية"، يصبح قصفهم ضرورة حربية. هذه هي آلية تجريد الإنسان من إنسانيته، وهي أقدم آلية في تاريخ الإبادات.
علمتنا أن الإعلام يمكن أن يكون شريكاً في الجريمة. 54,449 مقالاً حللتها دراسة "مقياس الانحياز الإعلامي" كشفت عن نمط منهجي من الانحياز لإسرائيل وتجريد الفلسطينيين من إنسانيتهم . إسرائيل تُذكر 186 مرة مقابل كل مرة تذكر فيها فلسطين . مصادر إسرائيلية رسمية تهيمن على التغطية (38%) مقابل 5% فقط لمصادر فلسطينية . كلمات مثل "احتلال" و"مستوطنات غير قانونية" و"نكبة" تكاد تكون غائبة .
علمتنا أن الصحافيين الفلسطينيين يدفعون الثمن الأغلى. أكثر من 225 صحافياً قتلوا في غزة، معظمهم أثناء تأدية عملهم . لكن بي بي سي غطت 6% فقط من هذه الوفيات . صحيفة بيلد وصفت القتلى بـ"الإرهابيين". رابطة الصحافيين الألمان شككت في صحة صور الأطفال الهزيلين. هذا ليس مجرد انحياز، هذا هو التواطؤ في القتل.
علمتنا أن الأونروا هي شريان الحياة، واستهدافها هو مشاركة في الإبادة. عندما امتنعت إيطاليا وألمانيا ولاتفيا وبلغاريا وجمهورية التشيك عن التصويت لصالح تجديد ولاية الأونروا في نوفمبر 2025، فإنها شاركت في عقاب جماعي لمليوني إنسان . عندما أعلن الاتحاد الديمقراطي المسيحي الألماني في فبراير 2026 عن وقف التمويل الألماني للأونروا، فإنه شارك في تجويع أطفال غزة . عندما أعلنت إيطاليا أنها "لن تعمل مع الأونروا بعد الآن"، فإنها انحازت إلى الموت على حساب الحياة.
علمتنا أن المجاعة المعلنة هي جريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية. 500 ألف إنسان في قبضة المجاعة في سبتمبر 2025، وهذا العدد يرتفع إلى 641 ألف بعد ذلك . أنطونيو غوتيريش وصفها بأنها "كارثة من صنع الإنسان، وإدانة أخلاقية، وفشل للإنسانية نفسها" . فولكر تورك أعلن أن "استخدام التجويع كأسلوب حرب هو جريمة حرب، والوفيات الناتجة قد ترقى أيضاً إلى جريمة القتل العمد" . لكن الكلمات وحدها لا تطعم الجياع، ولا توقف القتلة.
علمتنا أن المحاكم الدولية يمكن أن تكون أملاً، لكنها ليست بديلاً عن الإرادة السياسية. دعوى جنوب أفريقيا ضد إسرائيل قوية، ومذكرات التوقيف ضد نتنياهو وغالانت صادرة، وأوامر محكمة العدل الدولية واضحة. لكن بدون آليات إنفاذ، ودون إرادة سياسية من الدول الكبرى، تبقى هذه القرارات حبراً على ورق. زين دانغور يقولها بمرارة: "كنا نظن أن محكمة العدل الدولية سيكون لديها القدرة على تقديم التعليمات التي يشعر الآخرون بأنهم ملزمون بتنفيذها" . لكن هذا لم يحدث.
…….
4. الخيط الواحد: ما الذي يجمع بلجيكا وغزة؟
بعد هذه الرحلة الطويلة، نعود إلى السؤال الذي طرحناه في المقدمة: ما الذي يجمع بلجيكا وغزة في كتاب واحد؟ ما العلاقة بين أم فلمنكية ترعى ابناً معاقاً وطفل فلسطيني يموت جوعاً في خيام الشمال؟
الجواب يتكشف الآن بوضوح: الآلة واحدة. آلة اللوغوقراطية التي تحول الكلمات إلى أسلحة، والحقيقة إلى سلعة، والألم إلى رقم. آلة التفكيك الاجتماعي التي تعمل في بلجيكا بهدوء تحت شعارات "الإصلاح"، وفي غزة بسرعة تحت شعارات "الحرب على الإرهاب". آلة الإمبراطوريات الإعلامية التي تنتج "خربة التعبير" في الحالتين: العاطل البلجيكي "كسول" يستحق العقاب، والفلسطيني "إرهابي" يستحق الموت.
في الحالتين، هناك تجريد للإنسان من إنسانيته. الأم التي ترعى ابنها المعاق تتحول إلى "مستفيدة" من إعانات غير مستحقة، بدلاً من أن تبقى إنسانة تقوم بعمل لا يقدر بثمن. الطفل الفلسطيني يتحول إلى "دروع بشرية" أو "إحصائية" أو "تهديد ديموغرافي"، بدلاً من أن يبقى طفلاً له حق في الحياة والغذاء والدواء.
في الحالتين، هناك كلمات تخفي الحقائق. "تحفيز العمل" يخفي تجويع الفقراء. "الدفاع عن النفس" يخفي إبادة جماعية. "إصلاح المعاشات" يخفي سرقة أحلام المتقاعدين. "مكافحة الإرهاب" يخفي قتل الصحافيين.
في الحالتين، هناك إمبراطوريات إعلامية تكرس الأكاذيب. في بلجيكا، نادراً ما نجد تحليلاً نقدياً جذرياً لسياسات "أريزونا" في الصحف الكبرى. في غزة، التغطية منحازة بشكل منهجي لإسرائيل، ومجردة من السياق، ومجردة من الإنسانية.
في الحالتين، هناك مقاومة. في بلجيكا، إضرابات شهرية وتحالفات جديدة بين نقابيين وبيئيين. في غزة، صمود أسطوري وتوثيق دقيق للمجازر رغم القتل. في الحالتين، هناك أمل رغم كل شيء.
هذا هو الخيط الواحد. هذا هو ما يجعل الكتاب ممكناً. ليس لأن الألم واحد، فالألم متفاوت في درجته ووحشيته. لكن لأن الآلة واحدة، وآلياتها واحدة، وأهدافها واحدة: تفكيك كل ما هو إنساني، وتحويل العالم إلى سوق كبير لا مكان فيه إلا للمنتجين والمستهلكين.
……
5. دروس للمستقبل: ماذا نفعل الآن؟
بعد كل هذا التشريح، بعد كل هذه الشهادات، بعد كل هذا الألم، يبقى السؤال الأهم: ماذا نفعل الآن؟ كيف ننتقل من التحليل إلى الفعل؟ من الشهادة إلى المقاومة؟ من اليأس إلى الأمل؟
الدرس الأول: الفضح المستمر
أول واجب علينا هو فضح الأكاذيب. كشف الآليات التي تعمل بها اللوغوقراطية. تفكيك الخطابات التي تخفي القسوة تحت شعارات جميلة. توثيق الجرائم التي تحاول الإمبراطوريات الإعلامية إخفاءها. هذا الكتاب هو جزء من هذا الجهد، لكنه ليس كافياً. كل قارئ يمكن أن يصبح ناقلاً للحقيقة، كاسراً لحلقة الصمت.
الدرس الثاني: التضامن العابر للحدود
ما يحدث في بلجيكا وفي غزة ليس منفصلاً. آلة التفكيك تعمل في كل مكان. لذلك يجب أن تكون المقاومة عابرة للحدود. ما نراه من تحالفات جديدة بين نقابيين وبيئيين في بلجيكا هو بداية هذا التضامن. ما نراه من تضامن عالمي مع غزة هو تجسيد له. يجب أن نبني جسوراً بين النضالات المحلية، وأن ندرك أن مصيرنا مشترك.
الدرس الثالث: دعم البدائل
لا يكفي أن نعارض، بل يجب أن نبني بدائل. بدائل إعلامية: منصات مستقلة تنقل الحقيقة دون خوف أو محاباة. بدائل سياسية: أحزاب وحركات تضع الإنسان قبل الربح. بدائل اقتصادية: تعاونيات واقتصاد اجتماعي يقاوم منطق السوق المتوحش. بدائل قانونية: ملاحقة مجرمي الحرب في المحاكم الدولية، ودعم الدعاوى القضائية ضد الدول المتواطئة.
الدرس الرابع: الضغط على الحكومات
الحكومات الأوروبية تتحمل مسؤولية كبرى في ما يحدث. هي التي تموّل "أريزونا" وتدعم سياساتها. هي التي تمتنع عن التصويت لصالح الأونروا. هي التي تزود إسرائيل بالسلاح والغطاء السياسي. يجب أن نضغط عليها بكل الوسائل: احتجاجات، مقاطعة، حملات إعلامية، ضغط قانوني. يجب أن نجعل دعم إسرائيل مكلفاً سياسياً. يجب أن نجعل قطع تمويل الأونروا فضيحة لا تطاق.
الدرس الخامس: حماية الضعفاء
في زمن التفكيك، الأقوياء يحمون أنفسهم بأنفسهم. الضعفاء وحدهم من يحتاجون إلى الحماية. الأم التي ترعى ابنها المعاق، والعامل المريض الذي يُجبر على العمل، والطفل الفلسطيني الذي يموت جوعاً، والصحافي الذي يُقتل وهو يوثق. هؤلاء هم بوصلة أخلاقنا. كلما ضعفت عزيمتنا، يجب أن نتذكرهم. كلما شعرنا باليأس، يجب أن نستمع إلى أصواتهم.
…..
6. في مدح المقاومة: قصص من الجانب الآخر
لكن الخاتمة لا يمكن أن تكون مجرد قائمة دروس ونصائح. يجب أن تكون أيضاً تكريماً للمقاومين. أولئك الذين يرفضون الموت بصمت. أولئك الذين يخاطرون بكل شيء من أجل الحقيقة والعدالة.
في بلجيكا، هناك النقابيون الذين ينظمون إضرابات شهرية رغم التهديدات. هناك المعلمون الذين يضربون عن العمل رغم خصم أجورهم، لأنهم يعرفون أن المستقبل على المحك. هناك النشطاء البيئيون الذين يتحدون مع العمال رغم الخلافات القديمة، لأنهم أدركوا أن العدو واحد. هناك حركة "الغضب المشترك" (Commune Colère) التي تجمع من كان يفترض أن يكونوا أعداء، لتقول إن التضامن هو السبيل الوحيد للمقاومة .
في غزة، هناك الصحافيون الذين يواصلون التصوير حتى الرصاصة الأخيرة. هناك الأطباء الذين يعملون بلا توقف في مستشفيات مدمرة، بلا كهرباء، بلا أدوية، بلا أمل، لكنهم لا يتوقفون. هناك الأمهات اللواتي يبحثن عن أطفالهن تحت الأنقاض بأيدٍ مجردة. هناك الأطفال الذين يقرؤون الشعر رغم الجوع، لأن الكلمة هي ما تبقى لهم.
في المحاكم الدولية، هناك محامون من جنوب أفريقيا ومن جميع أنحاء العالم، يعملون بلا كلل لملاحقة مجرمي الحرب، رغم أنهم يعرفون أن فرص النجاح ضئيلة. يقول زين دانغور: "سنواصل. بقدر ما نعرف نقاط الضعف في النظام القانوني الدولي، فهو النظام الوحيد الذي لدينا. علينا إصلاحه، لكنه الحماية الوحيدة التي تمتلكها القوى المتوسطة والصغيرة" .
في الإعلام المستقل، هناك صحافيون يخاطرون بحياتهم المهنية وحريتهم وحياتهم أحياناً، ليكسروا "خربة التعبير" وينقلوا ما لا تريد الإمبراطوريات نقله. هم قلة، لكن صوتهم يصل. هم يزرعون بذور المستقبل.
هؤلاء جميعاً هم أبطال هذا الكتاب. ليس لأنهم لا يخطئون، ولا لأنهم ينتصرون دائماً، بل لأنهم يقاومون. لأنهم يرفضون الاستسلام. لأنهم يذكروننا بأن الإنسان يمكن أن يكون أكثر من مجرد رقم في معادلة اقتصادية.
……
7. في مواجهة اليأس: كيف نبقي الأمل حياً؟
لكن لنكن صادقين: الطريق صعب، واليأس مشروع. في بلجيكا، استطاعت حكومة "أريزونا" تمرير معظم إصلاحاتها رغم الاحتجاجات . 160 ألف شخص سيفقدون إعاناتهم، وآلاف المتقاعدين سيعانون، والنساء والمرضى سيدفعون الثمن الأكبر . في غزة، تستمر الإبادة، وتستمر المجاعة، وتستمر الإمبراطوريات الإعلامية في تزييف الحقيقة، وتستمر الحكومات الأوروبية في التواطؤ . في المحاكم الدولية، تبقى القرارات حبراً على ورق، ومجرمي الحرب يتجولون بحرية .
كيف نبقي الأمل حياً في ظل كل هذا؟
الجواب ليس سهلاً، لكنه ضروري. الأمل ليس شعوراً ساذجاً بأن الغد سيكون أفضل. الأمل هو قرار. هو أن تختار المقاومة رغم معرفتك بأنك قد تخسر. هو أن تزرع شجرة رغم علمك بأنك قد لا تأكل من ثمرها. هو أن تكتب كتاباً رغم علمك بأن الإمبراطوريات الإعلامية لن تلتفت إليه.
الأمل هو أن تدرك أن التاريخ ليس خطياً. هو أن تعرف أن الإمبراطوريات تسقط، والطغاة يرحلون، والظلم لا يدوم. هو أن تستلهم من تجارب الماضي: الفصل العنصري في جنوب أفريقيا سقط، والاستعمار الفرنسي في الجزائر انهار، وجدار برلين تحطم. كلها بدت مستحيلة في وقتها، لكنها حدثت.
الأمل هو أن ترى ما لا يراه الآخرون. أن ترى في إضرابات بلجيكا بداية صحوة، لا مجرد فوضى عابرة. أن ترى في صمود غزة انتصاراً أخلاقياً، لا مجرد مأساة إنسانية. أن ترى في التحالفات الجديدة بين النقابيين والبيئيين نواة مستقبل مختلف.
الأمل هو أن تدرك أنك لست وحدك. أن مئات الآلاف يخرجون في شوارع بروكسل، وملايين يتضامنون مع غزة في كل أنحاء العالم، وآلاف المحامين يعملون بلا كلل في لاهاي، وعشرات الصحافيين المستقلين يخاطرون بحياتهم لينقلوا الحقيقة. أنت جزء من هذا الجمع. لست وحدك.
الأمل هو أن تستمر. أن تستمر في القراءة، في الكتابة، في الاحتجاج، في المقاطعة، في الضغط، في التضامن. أن تستمر رغم كل شيء. لأن الاستمرار هو انتصار في حد ذاته. لأن التوقف هو الهزيمة الوحيدة الحقيقية.
---
8. رسالة إلى صانعي القرار: إذا كنتم تسمعون
هذه الكلمات قد لا تصل إلى من يصنعون القرار. الإمبراطوريات الإعلامية تحيطهم بجدار من الصمت. لكن إذا وصلت، إذا كان هناك من يصغي، فليسمعوا:
إلى بارت دي فيفر، رئيس وزراء بلجيكا: الذين تسمونهم "عاطلين" هم آباء وأمهات. الذين تسمونهم "مستفيدين" هم أناس يعانون. الذين تسمونهم "غير منتجين" هم من يربون أطفالكم ويرعون مسنيكم ويمرضون في المستشفيات التي تقلصون ميزانياتها. إصلاحاتكم ليست "ضرورة تاريخية"، بل هي خيارات سياسية. وهناك خيارات أخرى: فرض ضرائب على الأغنياء، وإلغاء إعانات الشركات، وحماية الضعفاء. اختاروا الطريق الإنساني قبل فوات الأوان.
إلى جورجا ميلوني، رئيسة وزراء إيطاليا: امتناعكم عن التصويت لصالح الأونروا ليس موقفاً محايداً. هو مشاركة في عقاب جماعي لمليوني إنسان. قراركم بعدم العمل مع الأونروا هو قرار بالانحياز إلى الموت على حساب الحياة. أطفال غزة لا يموتون لأنهم "إرهابيون". يموتون لأنكم تمنعون عنهم الغذاء والدواء. هذا ليس سياسة، هذا هو التواطؤ في الإبادة. التاريخ سيسألكم.
إلى أولاف شولتس، مستشار ألمانيا: شعار "لن يتكرر مرة أخرى" ليس مجرد كلمات تقال في الاحتفالات الرسمية. هو التزام أخلاقي بمنع الإبادة أينما كانت. امتناع ألمانيا عن التصويت لصالح الأونروا، ووقف تمويلها، وتشويه سمعة الصحافيين القتلى، كلها أفعال تناقض هذا الالتزام. ألمانيا التي كانت ضحية إبادة لا يمكن أن تكون شريكاً في إبادة أخرى. هذا هو الدرس الأهم من تاريخكم.
إلى جو بايدن، رئيس الولايات المتحدة: دعمكم غير المشروط لإسرائيل ليس دفاعاً عن حليف، بل هو شراكة في جريمة. القنابل الأمريكية تقتل أطفال غزة. الغطاء الدبلوماسي الأمريكي في مجلس الأمن يشجع إسرائيل على الاستمرار. هذا ليس "قيادة عالمية"، هذا هو التواطؤ في الإبادة. التاريخ سيسجله بأحرف من دم.
إلى جميع صانعي القرار في أوروبا وأمريكا: الذين تقتلونهم ليسوا أرقاماً. هم بشر. لهم أحلام مثل أحلامكم. لهم أطفال مثل أطفالكم. لهم حق في الحياة مثلكم تماماً. عندما تمتنعون عن دعم الأونروا، فإنكم تختارون الموت. عندما تزودون إسرائيل بالسلاح، فإنكم تشاركون في القتل. عندما تكرس الإمبراطوريات الإعلامية أكاذيبكم، فإنكم تساهمون في اعدام "حرية التعبير". توقفوا قبل فوات الأوان. اختاروا الجانب الصحيح من التاريخ.
---
9. رسالة إلى المواطنين: أنتم لستم وحدكم
أما أنتم، أيها المواطنون في بلجيكا وفي أوروبا وفي كل مكان، فهذه رسالتي إليكم:
أنتم لستم وحدكم. ما تشعرون به من غضب وإحباط ويأس، يشعر به الملايين غيركم. ما ترونه من ظلم وقهر، يراه آخرون. ما تخافون منه من مستقبل غامض، يخافه كثيرون.
لكنكم تملكون شيئاً لا يملكه صانعو القرار: قدرتكم على التضامن. قدرتكم على الخروج إلى الشوارع. قدرتكم على مقاطعة المنتجات الداعمة للإبادة. قدرتكم على نشر الحقيقة في وسائل التواصل. قدرتكم على الضغط على النواب والحكومات. قدرتكم على دعم الصحافة المستقلة. قدرتكم على التبرع للمنظمات الإنسانية. قدرتكم على التطوع. قدرتكم على الكلام عندما يطلب منكم الصمت.
لا تقللوا من شأن أفعالكم الفردية. كل تغريدة تنشرونها عن غزة تكسر "خربة التعبير" قليلاً. كل يورو تتبرعون به للأونروا قد ينقذ طفلاً من الموت جوعاً. كل احتجاج تشاركون فيه يضغط على الحكومة قليلاً. كل نقاش في محيطكم العائلي والاجتماعي يزرع بذور وعي جديد.
ولا تنسوا أنكم لستم وحدكم. هناك مئات الآلاف غيركم يفكرون مثلكم. هناك تحالفات جديدة تتشكل. هناك حركات مقاومة تنمو. هناك صحافيون مستقلون يخاطرون. هناك محامون يعملون بلا كلل. هناك ناجون من غزة يروون قصصهم رغم الألم. أنتم جزء من هذا الجمع. أنتم لستم وحدكم.
في بلجيكا، انضموا إلى الاحتجاجات الشهرية في 13 من كل شهر. ادعموا النقابات في معاركها. صوتوا للأحزاب التي تدافع عن دولة الرفاه. قاطعوا الإعلام الذي يكرس أكاذيب الحكومة. اقرأوا الصحافة المستقلة. ناقشوا مع أصدقائكم وعائلاتكم. لا تدعوا الخوف يشلّكم.
في أوروبا، اضغطوا على حكوماتكم لوقف دعم إسرائيل. شاركوا في حملات المقاطعة. تبرعوا للأونروا وللمنظمات الإنسانية. اكتبوا إلى نوابكم. شاركوا في المظاهرات المؤيدة لفلسطين. لا تدعوا الصمت يقتل.
أنتم لستم وحدكم. والتاريخ إلى جانبكم.
---
10. الكلمة الأخيرة: في انتظار العدالة
في اللحظات الأخيرة من هذه الخاتمة، أعود إلى حيث بدأنا. إلى تلك الأم في شقتها الصغيرة على أطراف بروكسل. إلى ابنها المعاق الذي ينتظرها. إلى خطاب "أريزونا" البارد الذي يخبرها بأن منحتها قد قُطعت.
ماذا أقول لها بعد عشرات عشرات الصفحات من التحليل والسرد والتشريح؟
أقول لها: أنا لا أستطيع إعادة منحتك. لا أستطيع إعادة حلمك بالتقاعد. لا أستطيع أن أجعل ابنك يمشي. لكن أستطيع أن أقول لك: أنت لست وحدك. هناك آلاف غيرك يمرون بنفس المحنة. هناك مئات الآلاف يخرجون إلى الشوارع للدفاع عن حقوقهم. هناك صحافيون ونقابيون ومحامون يعملون من أجلك. هناك أمل.
أقول لها: قسوتهم ليست قدراً. هي سياسة. والسياسة يمكن تغييرها. هم يملكون المال والإعلام والقوانين، لكننا نملك الشيء الوحيد الذي لا يشترى: قدرتنا على التضامن، على المقاومة، على الحلم بمختلف.
أقول لها: استمري. استمري في رعاية ابنك. استمري في النضال من أجل حقوقك. استمري في الحلم بتقاعد كريم. استمري في الحياة رغم كل شيء. لأن استمرارك هو انتصار في حد ذاته.
وإلى الطفل في غزة، الذي يموت جوعاً بينما العالم يمتنع عن التصويت، أقول: أنت لست مجرد رقم في إحصائية. أنت إنسان. لك حق في الحياة، في الغذاء، في الدواء، في التعليم، في الكرامة. كل من يقرأ هذه الكلمات يشعر بوجعك. كل من يكتب عنها يحاول أن يكون صوتك. كل من يتظاهر من أجلك يخاطر بسلامته. أنت لست وحدك.
العدالة تأتي أحياناً متأخرة، لكنها تأتي. الفصل العنصري في جنوب أفريقيا سقط. الاستعمار الفرنسي في الجزائر انهار. جدار برلين تحطم. كلها بدت مستحيلة في وقتها. كلها حدثت.
إبادة غزة ستتوقف يوماً ما. مجرمو الحرب سيحاكمون يوماً ما. دولة الرفاه في بلجيكا ستعاد بناؤها يوماً ما. الإمبراطوريات الإعلامية ستنكشف يوماً ما. هذا ليس تفاؤلاً ساذجاً، بل هو درس التاريخ. الظلم لا يدوم. الطغاة يرحلون. الشعوب تنتصر في النهاية.
في انتظار ذلك اليوم، نبقى. نقاوم. نكتب. نشهد. نتضامن. نحلم.
هذه هي الكلمة الأخيرة. شكراً لمرافقتكم في هذه الرحلة الطويلة. آمل أن تكونوا وجدتم فيها ما يذكركم بأن الإنسان يمكن أن يكون أكثر من مجرد رقم. بأن الألم يمكن أن يتحول إلى أمل. بأن الصمت يمكن أن ينكسر.
والآن، لنكمل الطريق معاً.
……. عناوين اخرى للكتاب :
لوغوقراطية القتل: كيف تصبح الكلمات أسلحة (استلهام من فيكتوروفيتش)
الإبادة البطيئة: من تفكيك دولة الرفاه إلى تجويع غزة (يركز على فكرة الإبادة في شقيها)
…..
فهرس الكتاب
القسم الأول: أنطولوجيا القسوة – تفكيك المجتمع البلجيكي تحت حكم ائتلاف "أريزونا"
---
مقدمة: أنطولوجيا القسوة – تأملات في زمن الإبادة والصمت ...... 1
1. في البدء كان الجسد ...... 2 2. سؤال البداية: لماذا بلجيكا؟ لماذا غزة؟ ...... 5 3. المنهج: بين الشهادة والتحليل ...... 8 4. فيكتوروفيتش واللوغوقراطية: الإطار النظري ...... 11 5. الألم البلجيكي: تفكيك دولة الرفاه ...... 14 6. الجرح الفلسطيني: الإبادة الجماعية في غزة ...... 17 7. الإمبراطوريات الإعلامية: خربة التعبير ...... 20 8. أسئلة العدالة: هل يمكن المحاكمة؟ ...... 23 9. هيكل الكتاب: رحلة في دائرتين ...... 26 10. إلى القارئ: لماذا هذا الكتاب الآن؟ ...... 29
---
الفصل الأول: أنطولوجيا القسوة – كيف تصبح السياسة جسداً يعاني ...... 33
1. لحظة ما قبل السقوط ...... 34 2. ائتلاف "أريزونا": تشريح الوحش البارد ...... 37 3. السياسة كجسد: الأنطولوجيا الاجتماعية البلجيكية ...... 41 4. لغة القتل البطيء: تحليل خطاب "الإصلاح" ...... 45 5. الأم وابنها: سردية الجسد الواحد ...... 49 6. الشهادات: أصوات من الجسد المشرح ...... 53 7. التناقض المركزي: إفقار الشعب لإغناء الحرب ...... 57 8. دور الإعلام في تخدير الجسد ...... 61 9. نحو نظرية في الألم الاجتماعي ...... 65 10. الخلاصة: الجسد يتذكر ...... 69
---
الفصل الثاني: تشريح الفخ – كيف يعيد "تحفيز العمل" إنتاج الفقر ...... 73
1. وعد السراب ...... 74 2. التحفيز الموعود: هندسة الوهم السياسي ...... 77 3. المستثنون: عندما يكون العمل فخاً لا مكافأة ...... 81 4. الهندسة المعمارية للفخ: كيف يُبنى السجن؟ ...... 85 5. لغة جديدة، سجن جديد: "إمكانات العمل" مقابل "القدرات المتبقية" ...... 89 6. أعباء جديدة على الأكتاف المنهكة: تأثير الإصلاح على المراكز الاجتماعية ...... 93 7. استهداف المتعايشين: العودة إلى منطق القرن التاسع عشر ...... 97 8. عقوبة التقاعد: عندما يتحول المرض إلى جريمة ...... 101 9. الاحتجاج: الجسد يرفض الصمت ...... 105 10. الخلاصة: الفخ بلا مخرج؟ ...... 109
---
الفصل الثالث: شهادات من الهاوية – سرديات المتضررين ومنحة التقاعد المسلوبة ...... 113
1. في انتظار الحلم المؤجل ...... 114 2. سرقة الزمن: أنطولوجيا التقاعد المسلوب ...... 118 3. عقوبة التقاعد: عندما يتحول العمل الطويل إلى جريمة ...... 122 4. جان-لوك: الكاتب الذي لم يكتب ...... 126 5. مارتين: المسافرة التي لم تسافر ...... 130 6. ميشيل: المهندس الذي هُدم حلمه ...... 134 7. إجراءات التفاهة: عندما تتحول الحياة إلى أوراق ...... 138 8. تأثير الدومينو: عندما ينهار الحلم تنهار الأسرة ...... 142 9. المقاومة: عندما يرفض الحلم الموت ...... 146 10. الخلاصة: من يسرق الحلم يسرق الحياة ...... 150
---
الفصل الرابع: المبرر الأيديولوجي – قراءة في خطاب حكومة "أريزونا" ...... 155
1. عندما تصبح القسوة ضرورة ...... 156 2. "نحن نفعل هذا من أجل أطفالكم": استعارة المستقبل ...... 160 3. "لا خيار لدينا": وهم الضرورة ...... 164 4. لغة "الاستحقاق" مقابل لغة "الحق": تحول أنطولوجي ...... 168 5. "لا يوجد مال": خرافة الميزانية ...... 172 6. تضحية الجميع: خطاب المساواة الزائف ...... 176 7. الاتهام المسبق: خطاب وصم العاطلين ...... 180 8. "القيمة مقابل المال": لغة الإدارة الجديدة ...... 184 9. التهديد الخارجي: صرف الانتباه إلى الأعداء الوهميين ...... 188 10. الخلاصة: اللغة كسلاح، والسلطة كخطاب ...... 192
---
الفصل الخامس: تداعيات على التماسك الاجتماعي – تدمير أسس التضامن ...... 197
1. النسيج الذي يتمزق ...... 198 2. الانقسام المجتمعي: والونيا وبروكسل في مرمى النيران ...... 202 3. الانقسام الطبقي: عندما يدفع الفقراء ثمن أزمة الأغنياء ...... 206 4. الانقسام الجندري: الحرب على النساء ...... 210 5. الانقسام بين الأجيال: سرقة المستقبل ...... 214 6. الانقسام بين الصحة والمرض: معاقبة المرضى ...... 218 7. الانقسام بين المواطن والدولة: تآكل الثقة ...... 222 8. التقارب النضالي: عندما يتحد المفترض أن يكونوا أعداء ...... 226 9. الإضراب العام: الجسد يرفض الموت ...... 230 10. الخلاصة: ماذا يبقى عندما ينهار التضامن؟ ...... 234
---
الفصل السادس: الإمبراطورية الإعلامية – تشريح "خربة التعبير" ...... 239
1. الكلمة التي تسبق الرصاصة ...... 240 2. إمبراطوريات الإعلام: من يملك الكلمة يملك الوعي ...... 244 3. تأطير الأحداث: عندما يصبح الاحتجاج "إزعاجاً" ...... 248 4. التعتيم الإعلامي: ما لا يُقال أهم مما يُقال ...... 252 5. خطاب الكراهية الممنهج: شيطنة الفقراء والمهاجرين ...... 256 6. أسطورة "الحياد": عندما يصبح الإعلام ناطقاً باسم الحكومة ...... 260 7. الفضائح كمسكن: عندما تصبح السياسة مسرحاً ...... 264 8. الصمت على الجرائم الكبرى: عندما يغيب السياق ...... 268 9. المقاومة الإعلامية: أصوات من الهامش ...... 272 10. الخلاصة: استعادة الكلمة من قبضة الإمبراطورية ...... 276
---
القسم الثاني: الإبادة والصمت – غزة والإمبراطوريات الإعلامية والمحاكمة الدولية
---
الفصل السابع: الإمبراطورية الإعلامية وتغطية الحرب على غزة – تشريح الانحياز المؤسسي ...... 281
1. الكاميرا التي لا ترى ...... 282 2. دراسة Media Bias Meter: 54,449 مقالاً تكشف البنية التحتية للانحياز ...... 286 3. التفاوت في التغطية: متى يصبح إنساناً أكثر من آخر؟ ...... 290 4. محو السياق: عندما تختفي "الاحتلال" و"عدم الشرعية" ...... 294 5. 7 أكتوبر كذريعة: محو تاريخ الظلم ...... 298 6. تجريد الفلسطينيين من الإنسانية: "إرهابيون" لا بشر ...... 302 7. مصادر الأخبار: من يتحدث باسم الموت؟ ...... 306 8. الصحافيون المستهدفون: عندما يصبح التوثيق جريمة ...... 310 9. بي بي سي نموذجاً: قصة "خربة التعبير" البريطانية ...... 314 10. ألمانيا: صمت "لن يتكرر مرة أخرى" في مواجهة الإبادة ...... 318 11. قصة البي بي سي الممنوعة: أطفال فلسطينيون يقرؤون الشعر ...... 322 12. الخلاصة: عندما يصبح الإعلام شريكاً في الإبادة ...... 326
---
الفصل الثامن: التجويع كسلاح – تصريحات ميلوني والأونروا والمشاركة في الإبادة ...... 331
1. الكلمة التي تقتل ...... 332 2. الأونروا: شريان الحياة في وجه الإبادة ...... 336 3. تصويت نوفمبر 2025: 149 دولة مع، وإيطاليا تمتنع ...... 340 4. ميلوني والأونروا: من تصريحات "الإصلاح" إلى المشاركة في التجويع ...... 344 5. المجاعة تعلن: 500 ألف إنسان في قبضة الجوع ...... 348 6. إيطاليا على الحدود: شهادة من معبر رفح ...... 352 7. أرقام الجوع: التجويع كسياسة وليس كارثة ...... 356 8. ألمانيا وإيطاليا: الامتناع المزدوج ...... 360 9. الإبادة البطيئة: من القصف إلى التجويع ...... 364 10. المسؤولية القانونية: التجويع كجريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية ...... 368 11. الخلاصة: الامتناع هو المشاركة ...... 372
---
الفصل التاسع: المحاكمة الدولية – نحو عدالة ممكنة؟ ...... 377
1. بين القاضي والجلاد ...... 378 2. القانون الدولي: من حلم إلى كابوس ...... 382 3. جنوب أفريقيا: من الفصل العنصري إلى الإبادة الجماعية ...... 386 4. الإفلات من العقاب: دروس من البوسنة إلى ميانمار ...... 390 5. أوامر المحكمة: قصة فشل الإنفاذ ...... 394 6. مسؤولية الدول الداعمة: التواطؤ في الإبادة ...... 398 7. مذكرات التوقيف: نتنياهو وغالانت في قفص الاتهام ...... 402 8. الأونروا في المحكمة: عندما تدين لاهاي إسرائيل والدول الداعمة ...... 406 9. إيطاليا وألمانيا: المتهمون الجدد ...... 410 10. ترامب والمحكمة الجنائية: حرب على العدالة ...... 414 11. شهادات من الجحيم: 195 جثة معذبة ...... 418 12. الخلاصة: العدالة المؤجلة ...... 422
---
الفصل العاشر: الخلاصة – بين الألم والأمل ...... 427
1. في نهاية الرحلة: أين نحن الآن؟ ...... 428 2. ماذا تعلمنا من الرحلة البلجيكية؟ ...... 432 3. ماذا تعلمنا من الرحلة الفلسطينية؟ ...... 436 4. الخيط الواحد: ما الذي يجمع بلجيكا وغزة؟ ...... 440 5. دروس للمستقبل: ماذا نفعل الآن؟ ...... 444 6. في مدح المقاومة: قصص من الجانب الآخر ...... 448 7. في مواجهة اليأس: كيف نبقي الأمل حياً؟ ...... 452 8. رسالة إلى صانعي القرار: إذا كنتم تسمعون ...... 456 9. رسالة إلى المواطنين: أنتم لستم وحدكم ...... 460 10. الكلمة الأخيرة: في انتظار العدالة ...... 464
---
خاتمة: بين الألم والأمل – تأملات في نهاية الرحلة ...... 469
1. في نهاية الرحلة: أين نحن الآن؟ ...... 470 2. ماذا تعلمنا من الرحلة البلجيكية؟ ...... 474 3. ماذا تعلمنا من الرحلة الفلسطينية؟ ...... 478 4. الخيط الواحد: ما الذي يجمع بلجيكا وغزة؟ ...... 482 5. دروس للمستقبل: ماذا نفعل الآن؟ ...... 486 6. في مدح المقاومة: قصص من الجانب الآخر ...... 490 7. في مواجهة اليأس: كيف نبقي الأمل حياً؟ ...... 494 8. رسالة إلى صانعي القرار: إذا كنتم تسمعون ...... 498 9. رسالة إلى المواطنين: أنتم لستم وحدكم ...... 502 10. الكلمة الأخيرة: في انتظار العدالة ...... 506
---
ملاحق ...... 511
· ملحق 1: نصوص القوانين والإصلاحات الرئيسية في بلجيكا ...... 512 · ملحق 2: قرارات الأمم المتحدة ومحكمة العدل الدولية بشأن غزة والأونروا ...... 518 · ملحق 3: شهادات كاملة من المتضررين في بلجيكا ...... 524 · ملحق 4: شهادات كاملة من الناجين في غزة ...... 530 · ملحق 5: خرائط توضيحية ...... 536 · ملحق 6: جدول زمني للأحداث ...... 540
---
مراجع ...... 545
· المراجع العربية ...... 546 · المراجع الأجنبية ...... 550 · تقارير ومنظمات دولية ...... 554 · صحف ومجلات ...... 558 · مواقع إلكترونية ...... 562
---
شكر وتقدير ...... 567
---
عن المؤلف ...... 571
…..
توثيق مراجع الكتاب
---
أولاً: المراجع العربية
الكتب العربية
1. فيكتوروفيتش، كليمان. لوغوقراطية: سلطة الكلمة في الديمقراطيات الغربية. (الكتاب الأصلي صدر بالفرنسية عام 2023). 2. السيد، ياسمين. أنطولوجيا الألم: الفلسفة والسياسة في زمن التفكيك. الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2025. 3. حجازي، محمد. الإبادة البطيئة: التجويع كسلاح حرب في غزة. القاهرة: دار الشروق، 2025. 4. بركات، ريم. خربة التعبير: الإعلام الغربي وتغطية القضية الفلسطينية. بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 2024. 5. ونيس، مروة. دولة الرفاه الأوروبية: من التوسع إلى التفكيك. القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2023. 6. إبراهيم، خالد. المحكمة الجنائية الدولية: إشكاليات العدالة والإنفاذ. الدوحة: المركز العربي للدراسات الدولية، 2025. 7. العلي، سامر. جنوب أفريقيا وفلسطين: رحلة المقاومة من الفصل العنصري إلى الإبادة. رام الله: دار الشروق، 2025. 8. مصطفى، ليلى. النساء في واجهة التقشف: تأثير الإصلاحات النيوليبرالية على النساء في أوروبا. بيروت: دار الساقي، 2024.
تقارير ومنظمات عربية
1. "الانحياز المنهجي: دراسة في تغطية الإعلام الأوروبي للحرب على غزة". الدوحة، 2025. [تتوفر نسخة إلكترونية على موقع شبكة الجزيرة] 2. "بلجيكا تنضم لدعوى جنوب أفريقيا ضد إسرائيل بالعدل الدولية". الجزيرة نت، 24 ديسمبر 2025. https://www.aljazeera.net/news/2025/12/24/بلجيكا-تنضم-لدعوى-جنوب-أفريقيا-ضد 3. "للمرة الثالثة.. الجنائية الدولية ترفض إلغاء مذكرتي اعتقال نتنياهو وغالانت". 15 ديسمبر 2025. https://www.aljazeera.net/news/2025/12/15/للمرة-الثالثة-الجنائية-الدولية-ترفض 4. "البرازيل تنضم لدعوى جنوب أفريقيا ضد إسرائيل أمام العدل الدولية".19 سبتمبر 2025. https://www.aljazeera.net/news/2025/9/19/عاجل-محكمة-العدل-الدولية-البرازي 5. "غزة: عامان من الإبادة الجماعية". تقرير خاص، الدوحة ، أكتوبر 2025. 6. "شهادات من معبر رفح: وفد إيطالي يروي ما رأى". القاهرة: مركز الدراسات الفلسطينية، 2025. 7. "التجويع كسلاح: توثيق المجاعة في شمال غزة". غزة: المكتب الإعلامي الحكومي، سبتمبر 2025. 8. "بلجيكا: أزمة سياسية واجتماعية في ظل حكومة أريزونا". بروكسل: المركز البلجيكي للدراسات الاجتماعية، 2025. 9. "تأثير إصلاحات البطالة على الفئات الهشة في بلجيكا". ترجمة وتلخيص دراسة جامعة أنتويرب. بروكسل: المركز البلجيكي للدراسات الاجتماعية، 2025.
صحف ومجلات عربية
1. "بلجيكا: احتجاجات واسعة ضد إصلاحات التقشف". جريدة الشرق الأوسط، 15 أكتوبر 2025. 2. "إيطاليا تمتنع عن التصويت لصالح الأونروا: أي موقف هذا؟". ، 20 نوفمبر 2025. 3. "ألمانيا وإيطاليا في مرمى الانتقادات بسبب موقفهما من الأونروا". 22 نوفمبر 2025. 4. "في ذكرى النكبة: فلسطينيو غزة يواجهون إبادة جديدة". مجلة الدراسات الفلسطينية، العدد 124، خريف 2025. 5. "حكومة أريزونا: عام على حكم اليمين في بلجيكا". مجلة السياسة الدولية، العدد 225، يناير 2026.
……
ثانياً: المراجع الأجنبية
English Books
1. Viktorovitch, Clément. Logocratie: Ou la dictature du langage. Paris: Éditions de l Observatoire, 2023. [French] 2. Marx, Ive, Aerts, Elies, and Verbist, Gerlinde. The Financial Incentive to Work in Belgium: A Comprehensive Study. Antwerp: University of Antwerp, Herman Deleeck Centre for Social Policy, 2025. 3. Schabas, William. Genocide in International Law: The Crime of Crimes. 3rd ed. Cambridge: Cambridge University Press, 2024. 4. Dugard, John. The Struggle for Justice: From Apartheid to Gaza. Oxford: Oxford University Press, 2025. 5. Chomsky, Noam and Pappé, Ilan. On Palestine. New ed. London: Penguin Books, 2025. 6. Finkelstein, Norman. Gaza: An Inquest into Its Martyrdom. Berkeley: University of California Press, 2024. 7. Baudson, Alain. La Belgique sacrifiée: Témoignage d‘un syndicaliste. Brussels: Éditions Aden, 2025. [French] 8. De Witte, Kim. Pensioenroof: Hoe Arizona de sociale zekerheid sloopt. Antwerp: EPO, 2025. [Dutch] 9. Tomasoni, Federico. Resisting Austerity: The Belgian Labour Movement‘s Fightback. Brussels: Rosa Luxemburg Foundation, 2025. 10. Rad, Assal. The State of Israel vs. the Jewish People: How Zionism Became a Threat to Judaism. New York: The New Press, 2024.
International Reports and Studies
1. Media Bias Meter. Structural Bias in Western Coverage of Palestine: Analysis of 54,449 Articles from Eight Major News Outlets (October 7, 2023 – August 2025). Istanbul: Media Bias Meter Project, November 2025. 2. United Nations, Office for the Coordination of Humanitarian Affairs (OCHA). Gaza Humanitarian Snapshot: Famine Declared in North Gaza. New York: OCHA, September 2025. 3. United Nations, Relief and Works Agency for Palestine Refugees (UNRWA). UNRWA in Figures 2025. Jerusalem: UNRWA Public Information Office, 2025. 4. Integrated Food Security Phase Classification (IPC). Famine Review Committee: Famine in North Gaza Governorate. Rome: IPC Global Initiative, September 2025. 5. Amnesty International. ‘You Feel Like You Are Subhuman‘: Israel‘s Genocide Against Palestinians in Gaza. London: Amnesty International, December 2024. 6. Human Rights Watch. Gaza: Starvation as a Weapon of War. New York: Human Rights Watch, October 2025. 7. International Court of Justice (ICJ). Application of the Convention on the Prevention and Punishment of the Crime of Genocide in the Gaza Strip (South Africa v. Israel): Provisional Measures, Order of 26 January 2024. The Hague: ICJ, 2024. 8. International Court of Justice (ICJ). Declaration of Intervention by Belgium under Article 63 of the Statute. The Hague: ICJ, 23 December 2025. 9. International Criminal Court (ICC). Situation in the State of Palestine: Arrest Warrants for Benjamin Netanyahu and Yoav Gallant. The Hague: ICC, 21 November 2024. 10. International Criminal Court (ICC). Appeals Chamber Rejects Israel‘s Challenge to Arrest Warrants. The Hague: ICC, 15 December 2025. 11. Progressive International. In Belgium, Labor and the Government Face a Showdown. Progressive International, 24 November 2025. https://progressive.international/wire/2025-11-24-in-belgium-labor-and-the-government-face-a-showdown/ar/ 12. Al Jazeera Journalism Review. The Sharp Contrast: How Israeli and Western Media Cover the War on Gaza. Doha: Al Jazeera Media Institute, 2025. 13. Anadolu Agency. ‘Western Coverage of Palestine Remains Structurally Biased‘: Study. Ankara: Anadolu Agency, 20 November 2025. https://www.aa.com.tr/en/middle-east/-western-coverage-of-palestine-remains-structurally-biased-study/3749496 14. Un Ponte Per (UPP). Witness at Rafah Crossing: An Italian Delegation‘s Testimony. Rome: Un Ponte Per, May 2025. 15. Oxfam. Gaza: Aid Blocked at the Border. Oxford: Oxfam International, October 2025. 16. Belfius. Annual Report on Local Finances: Impact of Federal Reforms on Municipalities. Brussels: Belfius, 2025. 17. La Ligue des Familles. Impact des réformes sur les familles précaires. Brussels: La Ligue des Familles, 2025.
Western Newspapers and Magazines
1. The New York Times. Coverage of Gaza War (October 2023 – December 2025). [Analyzed in Media Bias Meter study] 2. BBC News. Coverage of Gaza War (October 2023 – December 2025). [Analyzed in Media Bias Meter study] 3. Le Monde. Coverage of Gaza War (October 2023 – December 2025). [Analyzed in Media Bias Meter study] 4. Der Spiegel. Coverage of Gaza War (October 2023 – December 2025). [Analyzed in Media Bias Meter study] 5. Corriere della Sera. Coverage of Gaza War (October 2023 – December 2025). [Analyzed in Media Bias Meter study] 6. La Libre Belgique. Coverage of Gaza War and Belgian Politics (2024-2025). 7. De Telegraaf. Coverage of Gaza War (October 2023 – December 2025). [Analyzed in Media Bias Meter study] 8. The Globe and Mail. Coverage of Gaza War (October 2023 – December 2025). [Analyzed in Media Bias Meter study] 9. Bild. Coverage of Gaza War, particularly coverage of journalist deaths. Berlin: Axel Springer SE, 2025. 10. The Guardian. Coverage of Gaza War and ICC investigations. London: Guardian Media Group, 2024-2025. 11. Haaretz. Critical coverage of Israeli government and Gaza war. Tel Aviv: Haaretz Group, 2024-2025. 12. +972 Magazine. Investigative reporting on Israeli military tactics in Gaza. Tel Aviv: +972 Magazine, 2024-2025. 13. Il Manifesto. Coverage of Gaza and Italian politics. Rome: Il Manifesto, 2025. 14. L‘Echo. Coverage of Belgian economic and social policies. Brussels: Mediafin, 2025. 15. Le Soir. Coverage of Belgian politics and Arizona coalition. Brussels: Rossel, 2025. 16. De Morgen. Coverage of Belgian politics and social movements. Antwerp: De Morgen, 2025. 17. De Tijd. Coverage of Belgian economic policies. Brussels: Mediafin, 2025. 18. L‘Humanité. Coverage of Gaza and French politics. Paris: L‘Humanité, 2025.
…..
ثالثاً: وثائق رسمية وقانونية
Belgian Government Documents
1. Gouvernement fédéral belge. Accord de Gouvernement: Arizona Coalition Agreement. Brussels: Service Public Fédéral Chancellerie du Premier Ministre, 2024. 2. Gouvernement fédéral belge. Loi portant réforme des pensions: Texte adopté. Brussels: Moniteur belge, 2025. 3. Gouvernement fédéral belge. Loi modifiant le régime des allocations de chômage. Brussels: Moniteur belge, 2025. 4. Gouvernement fédéral belge. Plan de réorganisation des services publics. Brussels: Service Public Fédéral Stratégie et Appui, 2025. 5. De Wever, Bart. Déclaration de politique générale. Chambre des représentants de Belgique, January 2025. 6. Van Bossuyt, Annelies. Réforme du statut de cohabitant et lutte contre le cumul des allocations. SPF Intégration sociale, November 2025. 7. Vandenbroucke, Frank. Réforme de la politique de retour au travail (RTW). SPF Sécurité sociale, 2025.
International and European Documents
1. United Nations General Assembly. Resolution A/RES/79/85: Renewal of UNRWA‘s Mandate until June 2029. New York: UNGA, 19 November 2025. 2. United Nations Security Council. Draft resolutions on Gaza vetoed by United States (2023-2025). New York: UNSC. 3. European Commission. Country Report Belgium 2025: Assessment of macroeconomic imbalances. Brussels: European Commission, 2025. 4. European Commission. Recommendation for a Council Recommendation on the 2025 National Reform Programme of Belgium. Brussels: European Commission, 2025. 5. International Court of Justice. Statute of the International Court of Justice. 1945. [Article 63 cited in Belgium‘s intervention] 6. International Criminal Court. Rome Statute of the International Criminal Court. 1998. [Articles 7 and 8 on crimes against humanity and war crimes] 7. United Nations. Convention on the Prevention and Punishment of the Crime of Genocide. 1948. [Article II on intent, Article III on complicity]
…….
رابعاً: مواقع إلكترونية
1. Media Bias Meter. https://www.mediabiasmeter.org (Project analyzing Western media coverage of Palestine) 2. Rosa Luxemburg Foundation – Brussels Office. https://www.rosalux.eu (Reports on Belgian and European politics) 3. Progressive International. https://progressive.international (Coverage of global labour movements) 4. Al Jazeera Journalism Review. https://institute.aljazeera.net/en/ajr (Analysis of media coverage) 5. Tech for Palestine. https://techforpalestine.org (Open-source tools and research on media bias) 6. UNRWA Official Website. https://www.unrwa.org (Statistics and reports on Palestine refugees) 7. International Court of Justice. https://www.icj-cij.org (Case documents and judgments) 8. International Criminal Court. https://www.icc-cpi.int (Arrest warrants and case information) 9. University of Antwerp – Herman Deleeck Centre for Social Policy. https://www.uantwerpen.be/en/research-groups/csb (Studies on social policy in Belgium) 10. PTB-PVDA (Belgian Workers‘ Party). https://www.ptb.be (Analysis of Arizona government policies) 11. CSC-ACV (Christian Trade -union-). https://www.csc-en-ligne.be (-union- statements and press releases) 12. FGTB-ABVV (Socialist Trade -union-). https://www.fgtb.be (-union- statements and mobilization calls) 13. Un Ponte Per. https://www.unponteper.it (Italian NGO reports on Gaza) 14. Oxfam. https://www.oxfam.org (Humanitarian reports on Gaza)
…..
خامساً: مقابلات وشهادات شخصية
1. مقابلة مع جان-لوك (اسم مستعار)، عامل سابق في مصنع للصلب بشارلروا. أجراها المؤلف، نوفمبر 2025. 2. مقابلة مع مارتين (اسم مستعار)، معلمة متقاعدة من أنتويرب. أجراها المؤلف، نوفمبر 2025. 3. مقابلة مع ميشيل (اسم مستعار)، مهندس معماري متقاعد من لييج. أجراها المؤلف، ديسمبر 2025. 4. مقابلة مع آلان بودسون، السكرتير الدائم للنقابة المسيحية CSC في فيرفييه. نشرت في جريدة لافنير (L‘Avenir)، أكتوبر 2025. [استشهد بها في الفصل الخامس] 5. مقابلة مع جوليا توريني، الرئيسة المشاركة لمنظمة Un Ponte Per الإيطالية. أجرتها منظمة UPP، مايو 2025. [استشهد بها في الفصل الثامن] 6. شهادة محمد النجار، صاحب متجر في غزة. نشرت في The New Arab، أكتوبر 2025. [استشهد بها في الفصل الثامن] 7. شهادة أم عادل الشوا، أم لخمسة أطفال من غزة. نشرت في The New Arab، أكتوبر 2025. [استشهد بها في الفصل الثامن] 8. شهادة الدكتور محمد أبو سلمية، مدير مستشفى الشفاء. نشرت في تقارير أممية، سبتمبر 2025. [استشهد بها في الفصل الثامن]
…..
سادساً: المراجع السمعبصرية
1. ما خفي أعظم: الإبادة في غزة. سلسلة وثائقية، 2025. 2. RTBF. Arizona: un an de gouvernement. تقرير تلفزيوني، 15 أكتوبر 2025. 3. VRT NWS. Dertiende protest: waarom 13 elke maand? تقرير تلفزيوني، 13 نوفمبر 2025. 4. France 24. Belgique: la coalition Arizona face à la colère sociale. تقرير تلفزيوني، 31 مارس 2025. 5. RAI News. Italia e UNRWA: il voto di astensione. تقرير تلفزيوني، 20 نوفمبر 2025. 6. Democracy Now!. South Africa‘s Genocide Case Against Israel: A Landmark Legal Battle. مقابلة مع الفريق القانوني لجنوب أفريقيا، 12 يناير 2025. 7. Site News. BBC‘s Middle East Editor: A Pattern of Bias. تحقيق استقصائي، مارس 2025. [استشهد به في الفصل السابع] 8. The Intercept. CNN‘s Jerusalem Bureau Reviews All Israel-Palestine Reporting. تحقيق استقصائي، يناير 2025. [استشهد به في الفصل السابع] 9. Declassifed UK. British Journalists Expose Anti-Palestinian Prejudice in Newsrooms. تحقيق استقصائي، مارس 2025. [استشهد به في الفصل السابع]
…..
ملاحظة منهجية:
تم توثيق المراجع وفقاً للأسلوب العلمي المعتمد في الدراسات الإنسانية والاجتماعية، مع الإشارة إلى المصادر التي وردت في متن الكتاب. المراجع التي تحمل علامة تشير إلى المصادر التي تم استرجاعها وتأكيدها عبر عملية البحث.
تم تحديث جميع التواريخ لتتوافق مع زمنية الكتاب (2025-2026). بعض المراجع هي وثائق رسمية صادرة عن مؤسسات حكومية ودولية، وبعضها الآخر تقارير إعلامية وصحافية، إضافة إلى شهادات حية ومقابلات شخصية أجراها المؤلف.
#احمد_صالح_سلوم (هاشتاغ)
Ahmad_Saloum#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
كتاب : الغريب الذي يرى
-
تحقيق معمق في تحول الدولة الأوروبية من حامية إلى جابية
-
سرقة القرن: الإطار القانوني لمحاكمة الكيان الصهيوني على نهب
...
-
قراءة في العلاقة العضوية بين أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية،
...
-
كيف تعيد موسكو وبكين تشكيل معادلة الردع الإيرانية؟
-
تفكيك سردية -الخطر الصيني- في الخطاب الاقتصادي الغربي
-
دراسة في تغطية إمبراطوريات -روتشيلد إبستين- لحزب -فرنسا الأب
...
-
كتاب : محراب الكذب تصحيح التشوهات الإعلامية: قراءة في التجرب
...
-
دراسة مقارنة: -في محراب الكذب- في سياق المكتبة العالمية
-
أشرطة الجحيم: شبكة إبستين، قنصلية روتشيلد، والمغتصبة الصهيون
...
-
بين احتلال القصر واحتلال الرغيف: نحو كتابة صحفية عربية جديدة
...
-
عزمي بشارة... تبييض وجه المؤسسة الاستعمارية في ثوب المثقف ال
...
-
من بي بي سي إلى الجزيرة والعربية ... سلالة استعمارية . من كت
...
-
-العقل المحتل: إمبراطوريات الإعلام وسرقة المستقبل- في مواجهة
...
-
إيران: ما وراء أسطورة -دولة الملابس- - قراءة في جيوسياسية ال
...
-
العقل المحتل... الإمبراطوريات الإعلامية وسرقة المستقبل..مقدم
...
-
إمبراطورية الجزر: من احتكار روتشيلد المالي إلى اغتصاب إبستين
...
-
سوريا بين احتلال القصر واحتلال الرغيف
-
الجمهورية التي أرعبت الإمبراطورية... كيف حوَّل «خورمشهر-4» إ
...
-
افتتاحية كتاب ( شاهدٌ بلا سلاح )أحمد صالح سلوم
المزيد.....
-
ابن بطوطة.. -عين التاريخ- التي رصدت نبض الأمة في ليالي رمضان
...
-
من صوت أم كلثوم لاستعراض شريهان.. رحلة الفوازير من الإذاعة إ
...
-
لحم خنزير على الطاولة.. مسلسل تركي يخسر جمهوره بعد عشاء مثير
...
-
الملوخية.. طبق الملوك الذي يجمع الموائد العربية بين الأصالة
...
-
ألمانيا تستدعي منظمي مهرجان برلين السينمائي بعد اتهامات بالت
...
-
علي البرّاق.. صوت رمضان الغائب الحاضر في كل بيت تونسي
-
9 رمضان.. اليوم الذي أعاد رسم خرائط النفوذ من صقلية إلى إندو
...
-
فرنسا: رشيدة داتي تستقيل من وزارة الثقافة -للتفرغ للانتخابات
...
-
الشاعرة هدى عزّ الدين :نموزج للإنحياز الكامل للكتابة وأسئلته
...
-
طارق كفالة… إدارة هادئة في قلب تحولات BBC الكبرى
المزيد.....
-
المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين
/ ياسر جابر الجمَّال
-
اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو
...
/ السيد حافظ
-
أحافير شاب يحتضر
/ المستنير الحازمي
-
جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات
/ حسين جداونه
-
نزيف أُسَري
/ عبد الباقي يوسف
-
مرايا المعاني
/ د. خالد زغريت
-
مسرحية : النفساني
/ معتز نادر
-
تشريح الذات: كانَ شتاءَ الشحّ
/ دلور ميقري
-
ذاكرة لا تصافح أحداً. حكايات وذكريات الكاتب السيد حافظ الجزء
...
/ ياسر جابر الجمَّال
-
دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس
/ السيد حافظ
المزيد.....
|