|
|
سوريا بين احتلال القصر واحتلال الرغيف
احمد صالح سلوم
شاعر و باحث في الشؤون الاقتصادية السياسية
(Ahmad Saloum)
الحوار المتمدن-العدد: 8618 - 2026 / 2 / 14 - 11:39
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
(مادة معمقة في تحولات السيادة والنهب من قاعدة التنف إلى فاتورة الكهرباء)
الكتاب الأول: القصر المسروق
مدخل: بيان الانهيار
ليس الاستقلال أن ترفع علماً جديداً على قصر مهدم، وليس التحرر أن تغير وجوه الحراس بينما تبقى أنت الأسير.
هذه حكاية وطن سُلِقَ على نار هادئة، سُلِمَ جلاده الأول إلى جلاد جديد، فكانت الدمعة تحت القناع، وكانت الصفعة بقفاز من حرير. سوريا التي قاتلها العالم بالأمس باسم "الثورة" الوهابية الصهيونية صارت اليوم تُنهب باسم "الشرعية"، وسوريا التي استعمرتها أمريكا بقواعدها وصواريخها صارت تُستعمر بفاتورة الكهرباء وبطاقة الخبز ورسوم التعليم.
ما يؤكد أن سوريا كلها محتلة اليوم، ليس بقاء جنود أجانب على أرضها، بل زوال الحاجة إلى بقائهم. حين لم تعد واشنطن بحاجة إلى قاعدة التنف، ولا إلى قسد، ولا إلى سرقة النفط والقمح عبر الصهاريج والمعابر غير الشرعية، فذلك لأنها أنجزت المشروع الأكبر: احتلال القصر الجمهوري، وبالتالي احتلال كل سوريا. فمن يملك القرار في دمشق لا يحتاج إلى قطع شرايين الوطن؛ لأنه يمسك بالقلب نفسه.
هذا تحقيق صحفي معمق، بلغة لا تعرف الحياد الزائف، تكتبه سوريا بحبرها الذي هو دمها، وتسطره أيامها التي صارت قبوراً متحركة. إنه محاولة لفهم كيف تتحول الجماعات التي كانت بالأمس على قوائم الإرهاب إلى حراس للمعبد، وكيف تصبح الفاتورة الشهرية أداة نهب أشمل من كل صهاريج النفط التي عبرت الحدود الشرقية.
التنف.. نهاية الطريق أم بدايته؟
القاعدة التي كانت عقدة الخناق
في الثاني عشر من شباط (فبراير) 2026، أكملت القوات الأمريكية انسحابها من قاعدة التنف الاستراتيجية، وسلمت موقعها إلى القوات السورية الجديدة. كان المشهد كارثياً في وضوحه: العلم الأمريكي يُنزل، والعلم السوري الجديد يُرفع، والضباط الذين كانوا حتى الأمس القريب مصنفين على قوائم الإرهاب يصافحون نظراءهم من البنتاغون. لم تكن صفقة تسليم، كانت حفل زفاف دموي.
قاعدة التنف، تلك البقعة المحصنة على مثلث الحدود السورية - العراقية - الأردنية، لم تكن مجرد موقع عسكري. كانت عقدة الخناق التي تمنع التواصل الجغرافي بين دمشق وبغداد، وكانت العين الساهرة على قطع طريق الإمداد الاستراتيجي. أنشأتها واشنطن عام 2014 لمحاربة تنظيمها الذي أسسته مدام كلينتون الدولة الإسلامية، ثم صارت سجناً للمنطقة بأكملها.
لكن شيئاً جوهرياً تغير. في تشرين الثاني (نوفمبر) 2025، استقبل البيت الأبيض الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع. الرجل الذي خرج من رحم تنظيم القاعدة، والذي لا تزال تصنيفاته الإرهابية عالقة في ملفات نصف دول العالم، صار ضيف شرف في واشنطن. ثم سقطت التنف كأول هدية زفاف.
ماذا يقول الانسحاب؟
الانسحاب من التنف لا يعني نهاية الاحتلال، بل يعني اكتماله. القاعدة لم تعد ضرورية لأن وظيفتها انتقلت إلى مكان آخر: إلى القصر الرئاسي نفسه. عندما تكون أنت من يمسك بقرارات الدولة، لا تحتاج إلى نقاط تفتيش على حدودها.
الانسحاب من التنف يشكل خطوة نحو انسحاب تكتيكي أوسع، من مواقع القتال إلى مواقع القيادة. قوات الاحتلال الأمريكي لم تغادر المنطقة؛ بعضها انتقل إلى الأردن، وتحديداً إلى قاعدة "موفق السلطي" الجوية. المفارقة الساخرة أن القاعدة سُميت تيمناً بطيار أردني استشهد في معركة ضد الطائرات الإسرائيلية عام 1966، واليوم تحتضن مقاتلات F-35 الأمريكية التي تشارك في رسم خريطة الاحتلال الجديدة للمنطقة.
تناقضات التبرير
تبرر واشنطن انسحابها بأن الحكومة السورية الجديدة انضمت إلى التحالف الدولي لمحاربة فلول تنظيم الدولة الإسلامية. لكن السؤال المُلِحّ: أي تحالف هذا الذي يضم من كانوا بالأمس أبرز وجوه التنظيمات المصنفة إرهابياً؟ وأي محاربة للإرهاب تتم بتسليم الدولة لجماعات تحمل في ذاكرتها التنظيمية نفس المرجعيات الوهابية الخليجية الفكرية التي أنتجت داعش والقاعدة؟
الجيش السوري اليوم يضم آلافاً من الجهاديين الإرهابيين السابقين. إنها حقيقة تقطر سخرية، تصف واقعاً لم يعد أحد يجيد إخفاءه. الدولة التي تأسست قبل أكثر من قرن على أنقاض الإمبراطورية العثمانية، صارت اليوم تحت إدارة رجال تعلموا فن الحكم في سجون التنظيمات وأحراش الشمال.
قسد.. من حارس البوابة إلى جزء من الحارس
الاتفاق الذي لم يكن
في العاشر من آذار (مارس) 2025، وقّعت قوات سوريا الديمقراطية اتفاقاً مع الحكومة الانتقالية في دمشق. كان الاتفاق يبدو، في قراءته الأولى، نصراً للسيادة السورية: دمج مؤسسات قسد في مؤسسات الدولة، تسليم المعابر الحدودية وحقول النفط، تعيين محافظ للحسكة من أبناء المنطقة.
لكن قراءة ثانية تكشف أن قسد لم تخسر المعركة، بل غيرت استراتيجيتها. فبدلاً من أن تكون درعاً أمريكياً في وجه دمشق، صارت جسراً أمريكياً إلى دمشق. الاتفاق نص على دمج التشكيلات العسكرية التابعة لقسد في الجيش السوري، ما يعني أن السلاح الأمريكي الذي زودت به واشنطن هذه القوات على مدى سنوات - من صواريخ تاو وجافلين إلى عربات أوشكوش المدرعة - صار الآن تحت تصرف دولة الاحتلال الجديدة. بعبارة أخرى: سلّمت أمريكا سلاحها إلى أعداء الأمس، ليكونوا حراساً لمصالحها اليوم.
النفط.. من السرقة إلى المشاركة
بموجب الاتفاق، استلمت الحكومة السورية حقول النفط والغاز في محافظة الحسكة ومحيطها. كان هذا بنداً محورياً، لأن سرقة النفط كانت لعقود عنوان الوجود الأمريكي في شرق الفرات. خلال السنوات السابقة، قدرت خسائر سوريا من النفط المسروق بمئات المليارات من الدولارات، وكانت قوافل الصهاريج تعبر يومياً إلى العراق تحت حماية القوات الأمريكية.
لكن المفارقة أن تسليم الحقول لم يوقف سرقة النفط. تقارير ميدانية في كانون الثاني (يناير) 2026 تحدثت عن إخراج أكثر من 500 صهريج نفط مسروق من الحقول السورية إلى العراق خلال شهر واحد فقط. كيف يحدث هذا والنظام الجديد يمسك بالحقول رسمياً؟ الجواب بسيط: لأن بعض الفصائل المرتبطة بدمشق لا تزال تعمل وفق منطق الغنيمة، ولأن السرقة صارت منظمة تحت سقف الدولة، لا خارجها. كما أن النفط سلم فعليا لثلاث سنوات قادمة كجزية للاحتلال الامريكي .
مصير السجون.. ملف داعش كورقة تفاوض
من أكثر بنود الاتفاق حساسية ملف سجون تنظيم الدولة الإسلامية الصهيونية . كانت قسد تتولى حراسة أكثر من عشرة سجون تضم آلاف المعتقلين من عناصر التنظيم. الاتفاق نص على نقل هذه المسؤولية إلى الحكومة السورية. لكن التنفيذ تطلب وساطة أمريكية مباشرة، واتفاقاً لاحقاً في كانون الثاني (يناير) 2026 نص على نقل أخطر المعتقلين إلى العراق قبل تسليم السجون.
ورقة داعش كانت الورقة الأخطر في يد قسد، وعندما سلمتها، سلمت معها مبرر الوجود الأمريكي. من يحرس سجون داعش يمتلك شرعية دولية، ومن يسلم هذه السجون يفقد تلك الشرعية. واشنطن لم تسلم السجون عبثاً، بل بعد أن تأكدت أن الحارس الجديد يمكن الوثوق به.
دماء الشيخ مقصود
لكن الطريق إلى الاتفاق لم يكن مفروشاً بالورود. في السادس من كانون الثاني (يناير) 2026، شنت القوات الحكومية الوهابية هجوماً عنيفاً على حيي الشيخ مقصود والأشرفية في حلب، اللذين يسكنهما الأكراد. استخدمت الدبابات والمدفعية الثقيلة والطائرات المسيرة التركية. استمر القتال أياماً، وسقط عشرات القتلى من الطرفين، بينهم سبعة أطفال وشقيقتهم البالغة 18 عاماً ووالديهم، قتلوا بصاروخ من طائرة مسيرة.
وصفت قسد الهجوم بأنه همجي وبربري، واستهدف إخضاع الشعب الكردي للإبادة وتغيير التركيبة الديموغرافية. لكن بعد أيام قليلة، كانت قسد تنسحب من الحي في إطار اتفاق لوقف إطلاق النار. هذا النمط المسرحي تكرر: اشتباكات عنيفة، ثم وساطة أمريكية، ثم اتفاق يوسع سيطرة الحكومة.
المشهد يعيد إنتاج نفسه: قسد تقاتل حتى اللحظة الأخيرة، ثم تسلم الموقع مقابل وعود بالاندماج. الفرق أن الوعود هذه المرة تأتي من دمشق الجديدة المحتلة ، لا من دمشق القديمة ذات السيادة .
السرقة الجديدة.. فاتورة الكهرباء نموذجاً
من النفط إلى الجيب
على مدى عقد كامل، كان الشعار السوري الرسمي: أمريكا تسرق نفطنا. وكان صحيحاً. كانت قوافل يومية من الصهاريج تعبر الحدود إلى العراق، تحمل ثروة الأمة إلى قواعد الاحتلال.
لكن في كانون الثاني (يناير) 2026، تغير الخطاب. لم يعد هناك حديث عن سرقة أمريكا للنفط، لأن النفط صار في يد الحكومة الشكلية للاحتلال . لكن الشعب السوري اكتشف أنه لم يستفد من هذه العودة شيئاً. بل على العكس، صار يدفع ثمن النفط المسلوب مرتين: مرة عندما سرقته أمريكا، ومرة عندما اشترته من حكومته بأسعار السوق.
في التاسع والعشرين من كانون الثاني (يناير) 2026، أصدرت مديرية كهرباء دمشق الدورة السادسة والأخيرة من فواتير العام 2025، وفق تسعيرة جديدة. كانت الأرقام صادمة: فواتير بقيمة 800 ألف ليرة سورية (نحو 69 دولاراً) لمنازل بسيطة لا تملك أجهزة تكييف أو تدفئة كهربائية. راتب موظف حكومي كامل يذهب في فاتورة شهر واحد.
تفسير الوزير: المواطن هو المشكلة
في آخر تصريح له، اعتبر وزير الطاقة الإخوانجي السوري أن مشكلة الكهرباء ليست في نقص التوليد، بل في اعتماد المواطنين على الكهرباء في الطبخ والتبريد والتدفئة والإنارة، دون الاعتماد على المازوت في التدفئة، لأن الكهرباء كانت شبه مجانية عند حكومات الأسد .
هذا المنطق يستحق التأمل. الوزير يعترف ضمنياً أن الكهرباء كانت شبه مجانية، ثم يلوم المواطن لأنه اعتاد على هذه المجانية. يعترف أن خسائر دعم الكهرباء بلغت ملياري دولار، ثم يكلف المواطن بهذه الخسائر. يعترف أن متوسط التغذية لا يتجاوز 8 ساعات يومياً، ثم يطالب المواطن بدفع ثمن خدمة غير مكتملة.
الفاتورة كأداة نهب
في النموذج القديم للنهب، كانت أمريكا تأخذ النفط من تحت الأرض السورية وتبيعه في الأسواق العالمية. في النموذج الجديد، تأخذ الحكومة الإخوانجية الداعشية المحتلة النفط من تحت الأرض السورية، وتولده كهرباء، وتبيعه للمواطن السوري بأسعار السوق، ثم تستخدم العائدات لتمويل أجهزتها الأمنية الإرهابية وميليشياتها.
الفرق أن النموذج القديم كان يسمى سرقة، أما النموذج الجديد فيسمى فاتورة. النموذج القديم كان يتطلب وجود قوات أمريكية على الأرض. النموذج الجديد لا يتطلب سوى موظف في شركة الكهرباء يقرأ العداد.
تكامل نهب الكهرباء ونهب القمح
لا تقتصر أدوات النهب الجديدة على الكهرباء. في سوريا 2026، كل خدمة حكومية صارت وسيلة لاستنزاف المواطن. التعليم له فاتورة، والماء له فاتورة، والمواصلات لها فاتورة، ورغيف الخبز له فاتورة مضاعفة. الحكومة الجديدة تتفوق على النظام السابق في شيء واحد: قدرتها على تحويل كل احتياج يومي إلى مصدر دخل وهذا ما يسمى الاحتلال الامريكي بحكومة شكلية خادمة له.
يقول مواطن سوري في شهادة موثقة: الأولوية للطعام والدواء قبل الكهرباء. دخلنا لا يسمح بدفع مئات الآلاف شهرياً. لكن الطعام نفسه صار أغلى، والدواء صار أغلى. كل شيء أغلى، وكل غلاء جديد يسمى إصلاحاً أو رفع دعماً.
صرماية عتيقة برجل العدو
من هم حراس المعبد؟
لنكن صريحين: الحكومة التي تحكم سوريا اليوم، والتي تسلمت قاعدة التنف، والتي تستلم حقول النفط، والتي تصدر فواتير الكهرباء، هي ذاتها الجماعات التي كانت بالأمس على قوائم الإرهاب في نصف دول العالم.
الرئيس الانتقالي غير الشرعي أحمد الشرع، الذي يستقبل المبعوث الأمريكي في قصر الشعب، هو القيادي السابق في تنظيم القاعدة، وزعيم هيئة تحرير الشام التي كانت فرعاً رسمياً للتنظيم في سوريا. وزراؤه وقادته العسكريون خرجوا من رحم المعسكرات الجهادية الإرهابية في إدلب وحلب. دساتيرهم التي يكتبونها تكرس سلطة وهابية لا تعترف بالمواطنة المتساوية.
هذا ليس تحريضاً ضد هؤلاء الأشخاص، بل وصف موضوعي لسيرهم الذاتية التي لم ينكروها هم أنفسهم. المفارقة ليست في ماضيهم، بل في الحاضر الذي حوّل هذا الماضي من عائق إلى مؤهل. بالأمس كانت القاعدة عدواً لأمريكا، واليوم قادتها ضيوف في البيت الأبيض. بالأمس كانت داعش خطراً وجودياً، واليوم سجونها تُسلم لمن كانوا أمس خصوماً لدودين لها.
الوظيفة الجديدة للجهاديين الارهابيين
ما الذي تغير؟ لم تتغير الأفكار، ولم تتغير الأهداف الاستراتيجية. تغيرت الوظيفة. بالأمس كانت هذه الجماعات تقاتل النظام السوري بالوكالة عن الغرب، و اليوم هي تدير الدولة بالوكالة عن الغرب. الوظيفة الجديدة تتطلب وجهاً جديداً، لكن اليد تبقى ذاتها.
الانتهاكات الجسيمة مستمرة في سوريا ما بعد الأسد: إعدامات ميدانية، اختطافات، تعذيب في مراكز الاحتجاز، قتل على أساس الهوية. في آذار (مارس) 2025، قتلت القوات الحكومية أكثر من 1400 شخص من الطائفة العلوية في محافظات طرطوس واللاذقية وحماة. في تموز (يوليو) 2025، قتلت نحو ألف شخص في السويداء بينهم 539 مدنياً درزياً.
الرجل الخفي: إسرائيل
في الخطاب الإعلامي السوري الجديد، اختفى العدو الإسرائيلي تقريباً. لم تعد هناك بيانات إدانة للانتهاكات الإسرائيلية، ولا تنديد باحتلال الجولان. الحكومة الجديدة مشغولة بتأمين حدودها الشمالية مع تركيا، وتنسيق مصالحها مع أمريكا، وفتح قنوات اتصال مع تل أبيب.
هذا هو معنى الصرماية العتيقة برجل العدو الصهيوني. الأيدي التي ترفع شعارات الإسلام السياسي هي نفسها التي توقع اتفاقيات تنسيق أمني مع إسرائيل. الأفواه التي تلهج بالجهاد هي نفسها التي تصمت عن قصف الجولان و الجنوب السوري و حلب ودمشق واللاذقية . الدماء التي تسيل باسم تحرير فلسطين هي نفسها التي تُراق في سجون دمشق.
البديل.. قواعد الأردن والانتظار المسلح
قاعدة موفق السلطي.. الاستثناء الذي يؤكد القاعدة
إذا كانت أمريكا قد انسحبت من التنف، فإلى أين ذهبت قواتها؟ بعضها انتقل إلى العراق، وبعضها إلى قواعد أخرى في المنطقة. لكن الوجهة الأكثر دلالة هي الأردن، وتحديداً قاعدة موفق السلطي الجوية.
في الأيام الأخيرة، وصلت إلى هذه القاعدة ست مقاتلات شبح من طراز F-35A، ترافقها ثلاث طائرات تزود بالوقود، لتنضم إلى ست مقاتلات أخرى من النوع نفسه. هذا التحشيد العسكري ليس عادياً، وهو يتزامن مع انسحاب أمريكي من سوريا. المفارقة أن القاعدة سُميت تيمناً بطيار أردني استشهد وهو يقاتل إسرائيل، واليوم تحتضن طائرات أمريكية تعمل بتنسيق وثيق مع العدو الصهيوني ، إسرائيل.
الأردن: حامل العبء الجديد
القواعد الأردنية، وعلى رأسها قاعدة المفرق وقاعدة موفق السلطي، صارت البديل الاستراتيجي لقاعدة التنف. وظيفة التنف كانت قطع الطريق بين إيران وسوريا ولبنان، وهذه الوظيفة لم تعد ضرورية بعد أن صارت دمشق في يد حكومة اخوانجية داعشية صديقة لواشنطن مسلوبة الإبادة لا عقل ولا سخام لديها . لكن المنطقة لا تزال بحاجة إلى قواعد عسكرية أمريكية ضد إيران ، والأردن هو الخيار الأمثل.
هذا يعني أن الاحتلال الأمريكي لسوريا لم ينته، بل تغير شكله فقط. من احتلال مباشر عبر قواعد عسكرية على الأرض السورية، إلى احتلال غير مباشر عبر قواعد في الدول المجاورة، مع وجود قوات سورية عميلة تتولى إدارة الشؤون اليومية.
خريطة الانتظار
ما تبقى من القوات الأمريكية في سوريا، بعد انسحاب التنف، يتركز في مناطق الشمال الشرقي، قرب حقول النفط والغاز، وفي محيط السجون التي تضم معتقلي تنظيم الدولة. لكن حتى هذه القوات في طريقها إلى الانسحاب التدريجي، مع استكمال نقل المسؤوليات إلى الحكومة السورية و بالتالي تخفيف العبء على المحتل الأمريكي الصهيوني.
خريطة الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة تعاد رسمها: تقليص في سوريا، تعزيز في الأردن، انتشار في قطر والعراق وتركيا. هذه ليست نهاية الوجود الأمريكي، بل إعادة انتشار تكتيكي، تمهيداً لمرحلة جديدة تختلف أدواتها لكن أهدافها واحدة.
من احتلال الأرض إلى احتلال الدولة
نظرية الاحتلال الشامل
الاحتلال العسكري التقليدي يحتاج إلى قوات على الأرض، إلى نقاط تفتيش، إلى دوريات، إلى قواعد. الاحتلال الجديد لا يحتاج إلى شيء من هذا. يكفيه أن يمتلك مفاتيح القرار في العاصمة، وأن تكون له كلمة مسموعة في تعيين الوزراء والمحافظين وقادة الأجهزة الأمنية.
ما حدث في سوريا هو انتقال من الاحتلال العسكري المباشر لبعض المناطق إلى احتلال الدولة الشامل. أمريكا لم تعد تحتاج إلى قاعدة التنف لأن من يدير القصر الجمهوري في دمشق يدير الدولة بما يخدم مصالحها. لم تعد تحتاج إلى سرقة النفط عبر الصهاريج لأن فاتورة الكهرباء تسرق السوريين كل شهر بلا عناء ولا مشقة.
مكونات الاحتلال الجديد
الاحتلال الجديد يقوم على أربعة أركان:
أولاً: احتلال السيادة. الحكومة السورية الحالية لا تملك قراراً مستقلاً في أي ملف استراتيجي. علاقاتها الخارجية مضبوطة بسقف أمريكي - صهيوني اولا ثم الفتات للتركي، وسياساتها الاقتصادية تمليها شروط صندوق النقد الدولي الروتشيلدي والمانحين من محميات الخليج الصهيو أمريكية واولهم محمية قطر .
ثانياً: احتلال الاقتصاد. الموارد السورية تنتجها الدولة، وتبيعها للمواطن بأسعار السوق، وتستخدم العائدات لتمويل أجهزة الأمن الإرهابي وشراء الولاءات. هذه حلقة مفرغة تجعل السوري العادي يدفع ثمن احتلاله من جيبه الخاص.
ثالثاً: احتلال الهوية. سوريا الجديدة تعاد صياغتها على أسس هوياتية ضيقة. اللغة الكردية تُدرس في المدارس الكردية، والعربية في المدارس العربية، والسريانية في المدارس السريانية. الدولة الواحدة تتحول إلى خليط من كانتونات ثقافية منفصلة، والمواطنة الجامعة تذوب في هوامش الهويات الجزئية فهناك مناطق سيادة كردية و درزية والقادم علوية كما في عهد الاحتلال الفرنسي .
رابعاً: احتلال المستقبل. أكثر من عقد من الحرب، وعقد آخر من إعادة الإعمار المشروط. سوريا الجديدة تبنى بالديون، وأي دين هو رهن على المستقبل. كل قرض جديد هو وثيقة ملكية جديدة لجيل لم يولد بعد.
لماذا كل هذا سهل؟
سهولة هذا الاحتلال الجديد تكمن في أنه لا يُرى. لا جنود أجانب في الشوارع، لا دبابات أمريكية في الساحات، لا طائرات إسرائيلية في الأجواء (رغم أنها موجودة فعلاً). الاحتلال صار أشبه بضغط الهواء: لا تراه لكنه يملأ الفراغات كلها.
يسهل أيضاً لأن له وجهاً سورياً. الوزير الذي يرفع الفاتورة سوري، والضابط الذي يداهم البيوت سوري، والمحافظ الذي يدير الحسكة سوري. الاحتلال لا يحتاج إلى تعبئة سياسية ضده، لأن عدوه غير مرئي.
ماذا يقول السوريون؟
شهادات من داخل الفاتورة
يقول مواطن سوري من دمشق: فاتورتي بلغت 800 ألف ليرة، أي ما يعادل راتب شهر كامل تقريباً. استهلاكي محدود ولا يضم أجهزة تكييف أو تدفئة كهربائية، ومع ذلك أجد صعوبة في السداد.
هذا المواطن، مثله مثل ملايين السوريين، يدفع ثمن حرب لم يشعلها، وثمن إعادة إعمار لم يطلبها، وثمن سيادة لا يملكها. الفاتورة الشهرية هي أقرب شيء إلى ضريبة الاحتلال، لكنها تُدفع لسلطة اخوانجية داعشية محلية عميلة ، وتُسمى تعرفة مدعومة وإصلاح قطاع.
شهادات من تحت القصف
في هجوم الشيخ مقصود، قُتل سبعة أطفال سوريين أكراد وشقيقتهم البالغة 18 عاماً ووالديهم، بصاروخ من طائرة مسيرة تركية. هؤلاء الأطفال لم يكونوا جنوداً في قسد، ولا سياسيين في الإدارة الذاتية. كانوا مجرد عائلات تسكن حياً كردياً في مدينة حلب.
الدماء الكردية التي سُفكت في كانون الثاني (يناير) 2026 لا تختلف عن الدماء الكردية التي سُفكت على يد داعش وعصابات الاحتلال التركي الأخرى بل النظام الجديد الذي يتحدث عن حقوق الأكراد ويعترف باللغة الكردية لغة وطنية.
شهادات من تحت الأنقاض
في الساحل السوري، في ربيع 2025، قتلت القوات الحكومية أكثر من 1400 سوري علوي مدني . في السويداء، في صيف 2025، قتلت نحو ألف سوري درزي مدني . هذه الأرقام ليست مجرد إحصائيات. كل رقم هو عائلة كاملة مُحيت، وبيت هُدم، وقرية أُحرقت.
هذا النظام الاحتلالي الجديد لم يجلب العدالة لضحايا الماضي، بل أضاف إليهم ضحايا جدداً. الأجهزة الأمنية الحديدة أكثر قمعا واضافت أساليب جديدة مبتكرة عرفتها إمارة إدلب الإرهابية التي حكمها الجولاني .و السجون فتحت أبوابها لمعتقلي اليوم بعشرات الآلاف مما يسمونهم فلول النظام السابق ، الذين دافعوا عن سيادة بلدهم ضد الاحتلال الأمريكي ومن لف لفه .
تناقضات المصطلح
التحرير أم تبادل الأدوار؟
لا يوجد مصطلح في المعجم السياسي السوري أكثر إشكالاً اليوم من كلمة تحرير. هل تحررت سوريا حقاً عندما سقط نظام الأسد؟ أم أن النظام استبدل بنظام آخر يختلف في الأيديولوجيا و لكنه لا هدف لها إلا تكريس الاحتلال الامريكي والصهيوني والخليجي لسورية ؟
المناطق التي كانت تحت سيطرة قسد تحررت لتصبح تحت سيطرة دمشق المحتلة . مناطق الغوطة تحررت لتصبح تحت سيطرة الأمن الاحتلابي الجديد. حلب تحررت لتصبح تحت سيطرة فصائل وهابية همجية تابعة لمخابرات بريطانية وأمريكية كانت بالأمس في إدلب. التحرير في كل هذه الحالات يعني ببساطة: احتلال سورية وفقدان سيادتها .
السيادة أم الإدارة بالوكالة؟
كلمة السيادة هي الأخرى تعاني أزمة معنى. هل تملك الحكومة السورية سيادة على قرارها العسكري وهي تتلقى تعليماتها من واشنطن عبر مبعوث خاص؟ هل تملك سيادة على ثرواتها وهي تبيع النفط بأسعار السوق العالمية وتدفع العائدات لدائنيها الدوليين؟
السيادة في قاموس 2026 تعني: إدارة الاحتلال بكفاءة.
الإصلاح أم التقشف؟
رفع الدعم عن الكهرباء يسمى إصلاحاً. زيادة أسعار الخبز تسمى إصلاحاً. خصخصة القطاع العام تسمى إصلاحاً. في كل مرة ترفع الحكومة سعر سلعة أساسية، تغلف القرار بعبارات الكفاءة والاستدامة والعدالة.
لكن الإصلاح الحقيقي كان سيبدأ من استرداد الأموال المنهوبة، ومحاسبة الفاسدين من النظام السابق والنظام الجديد على حد سواء، وليس من جيب المواطن الذي أنهكته الحروب والحصارات.
مستقبل الاحتلال الشامل
سيناريوهات المرحلة القادمة
لا أحد يعرف كيف ستنتهي هذه المسرحية الساخرة. هناك عدة سيناريوهات مطروحة، وكلها قاتمة:
السيناريو الأول: استقرار الاحتلال. تنجح الحكومة الجديدة في تثبيت سلطتها على كامل الأراضي السورية، بدعم أمريكي - تركي - خليجي. يصبح النموذج السوري نسخة محسنة من النموذج المصري: حكم استبدادي بوجه إسلامي ايام مرسي ومبارك، واقتصاد ليبرالي بوجه اشتراكي، وتبعية مطلقة لواشنطن. السوريون يدفعون الفواتير ويصمتون، والمجتمع الدولي يصفق للانتقال الديمقراطي.
السيناريو الثاني: انفجار الاحتلال. تستمر الانتهاكات الطائفية والقمع الأمني وسوء الإدارة الاقتصادية، حتى تنفجر الأمور في وجه الحكومة الجديدة. الساحل يثور، والسويداء تنتفض، ودرعا تعود إلى سابق عهدها. الدولة الفتية تنهار تحت وطأة تناقضاتها الداخلية، وتدخل سوريا في حرب أهلية جديدة، شرسة أكثر من سابقاتها. او تكتل وحدوي وطني يقتلع عصابة الاحتلال الجديد لدمشق وسورية .
السيناريو الثالث: إعادة إنتاج الاحتلال. تنجح القوى القديمة في استعادة بعض مواقعها، عبر تفاهمات مع القوى الجديدة. يتقاسم الجميع الغنائم تحت سقف دولي. سوريا تتحول إلى نموذج شبيه بلبنان: دولة طائفية بامتياز، يتقاسم أمراء الحرب مقاعد البرلمان والوزارات، بينما يدفع المواطن العادي الثمن غالياً.
دور القواعد الأردنية في السيناريوهات المستقبلية
في كل هذه السيناريوهات، تبقى القواعد الأمريكية في الأردن والعراق وقطر حاضرة كفاعل احتياطي. هي ليست ضرورية اليوم لأن الحكومة السورية تؤدي المهمة، لكنها ستصبح ضرورية غداً إذا أخفقت هذه الحكومة.
التحشيد العسكري المستمر في قاعدة موفق السلطي، ووصول مقاتلات F-35 تباعاً، يشير إلى أن واشنطن لا تثق كثيراً في قدرة حلفائها الجدد على الصمود. القواعد الأردنية هي شبكة الأمان الأمريكية في سوريا. إذا سقطت دمشق الجديدة، تعود واشنطن من حيث أتت إذا لم يحدث انهيار امريكي وشيك هذه السنة بسبب الديون والعجز عن دفع فوائدها .
الخاتمة - سوريا التي تدفع الفاتورة
في مدح الخيبة
بعد كل هذا، ماذا بقي من سوريا؟
بقي السوري العادي الذي يدفع فاتورة كهرباء تساوي راتب شهر، ويستجدي ساعتي تغذية إضافيتين من جار له علاقات. بقي الطالب الذي يدفع رسوماً دراسية تفوق دخل أسرته، ويذاكر على ضوء الشمع. بقي المريض الذي يدفع ثمن الدواء ضعف ثمنه الحقيقي، لأنه دفع قبل الدواء رشوة للطبيب ورشوة للصيدلي ورشوة للحارس.
سوريا التي كانت تحارب الاحتلال بالدم، صارت تدفع ثمن الاحتلال بالفاتورة.
الصدق الأخير
ربما يكون الصدق الوحيد المتبقي في هذا المشهد الكئيب هو الاعتراف بأن سوريا كلها محتلة اليوم. ليس بعضها، ولا أكثرها، بل كلها. الفرق بين مناطق سيطرة الحكومة ومناطق سيطرة الأكراد ومناطق سيطرة الأتراك ليس فرقاً في جوهر الاحتلال، بل في اسم المحتل فقط.
الاحتلال لم يعد عارياً، صار يرتدي بذلة رسمية ويوقع المراسيم التشريعية ويستقبل السفراء. لم يعد قادماً من بعيد، بل صار مقيماً في القصر الجمهوري.
وصية أخيرة
هذه المادة ليست دعوة لليأس، بل دعوة لفهم العدو الحقيقي. العدو ليس الحكومة الإخوانجية الداعشية السورية العميلة وحدها، ولا أمريكا وحدها، ولا إسرائيل وحدها. العدو هو نظام عالمي يحول الأوطان إلى أسواق، والسيادة إلى سلعة، والإنسانية إلى أرقام في فواتير شهرية.
مقاومة هذا العدو لا تبدأ بالسلاح فقط ، بل بالوعي. أن تعرف أن الفاتورة التي تدفعها ليست ثمناً للخدمة، بل ضريبة للاحتلال. أن تعرف أن الحكومة التي تحكمك ليست منتخبة بل معينة من واشنطن. أن تعرف أن من يرفع شعار الله أكبر. تكبير قد يكون وقع قبلها اتفاقاً مع تل أبيب لتكبير فواتيرك وإعدامك بالحياة .
هذه المعرفة وحدها لا تحرر وطناً، لكنها شرط أولي لأي تحرر قادم.
تم إعداد هذه المادة في 12 شباط (فبراير) 2026، يوم إعلان الانسحاب الأمريكي من قاعدة التنف، ويوم اكتمال حلقة الاحتلال الشامل.
تحية إلى سوريا التي تدفع الفاتورة.
…….
المادة الساخرة :
قاموس التحرير: سوريا كما يشرحها السيد الوزير الخادم للصهاينة الروتشيلديبن (مادة ساخرة عن أكذوبة السيادة ونهب الفاتورة)
في مدح الاحتلال الذي تسمونه وطناً
مدخل: بيان التحرير
بسم فواتير الكهرباء الجديدة، وبسم صندوق النقد الدولي الروتشيلدي الذي بارك لنا خطواتنا الإصلاحية الكبرى.
نحن، الحكومة السورية الانتقالية المنبثقة من رحم المعسكرات الجهادية والمولودة على أيدي خبراء أمريكيين في قيصرية واشنطن، نعلن للشعب السوري العظيم أن التحرير قد اكتمل. نعم، أيها السادة، اكتمل. فقد انسحبت أمريكا من قاعدة التنف، وسلمتنا حقول النفط، وصافحنا جنرالاتها بحرارة، والتقطنا الصور التذكارية تحت العلمين معاً. فماذا تريدون أكثر من ذلك؟ أتريدون أن نخلع أمريكا من قلوبنا أيضاً؟ هذا تطرف يا سادة.
نحن اليوم أحرار. حرية كاملة. ندفع فواتير الكهرباء بأسعار السوق العالمية، ونشتري الخبز بعشرين ضعف ثمنه على البطاقة الذكية للنظام السابق ، ونرسل أولادنا إلى مدارس خاصة لأن الحكومة لم تعد قادرة على تعليمهم. هذه هي الحرية. هذه هي السيادة. هذه هي سوريا الجديدة.
فلا تفسدوا علينا فرحتنا بتفاهات كالاستقلال الحقيقي، أو تحرير الجولان، أو استرداد الثروات الوطنية. هذه شعارات بالية من عهد البعث المنحل. نحن الآن في عصر الدولة المدنية، حيث الدولة مدنية والنهب عسكري، وحيث الشرعية دولية والفقر وطني.
هذا قاموس التحرير الجديد. احفظوه عن ظهر قلب، ففيه امتحان الشهر القادم.
التحرير - حين يصبح الانسحاب فتحاً
تعريف: التحرير، في الاصطلاح السوري الجديد، هو أن تنسحب القوات الأمريكية من قاعدة عسكرية لتحتل القصر الجمهوري. وهو أن تنتقل السيطرة من ضابط في البنتاغون إلى ضابط سوري تخرج في معسكرات هيئة تحرير الشام. وهو أن تستبدل العلم الأمريكي على سارية التنف بعلم سوري جديد، على أن يبقى العلم الأمريكي مرفوعاً في سارية القرار.
شرح مبسط:
تخيل أن لديك بيتاً، واقتحمه لص، وسرق أثاثك، وأقام فيه عشر سنين. ثم جاء لص آخر، واتفق مع اللص الأول على أن يخرجه من البيت، على أن يتولى هو إدارة البيت بدلاً منه. خرج اللص الأول من الباب، ودخل اللص الثاني من الشباك، ثم أعلن اللص الثاني: لقد حررنا البيت من الاحتلال!
هذا ما حدث في التنف. أمريكا خرجت من البوابة ودخلت من القلوب. خرجت من القاعدة ودخلت في القرار. لم يعد جنودها على الأرض، صاروا في السماء. لم يعد همها سرقة النفط بالصهاريج، صارت سرقته بالفواتير.
فيا أيها المشككون، ألا ترون التقدم الهائل؟ عشر سنوات كنا نعاني من وجود جندي أمريكي يسرق نفطنا علناً. اليوم، صار هناك موظف سوري يسرق راتبنا علناً. هذا ما نسميه توطين الوظائف. هذا ما نسميه التحرير.
شعر على لسان الوزير الإخوانجي الخادم للإمبريالية الصهيو أمريكية :
تحررنا من الأمريكانْ فأصبح النفط في أيدينا نبيعه للسوريين بالأسعار العالية ونشكر ترامب على إحسانه إلينا
االسيادة - حين تكون الإدارة بالوكالة وطناً
تعريف: السيادة، في الاصطلاح السوري الجديد، هي أن تمتلك كل مقومات الدولة المستقلة: علم ونشيد وجيش وعملة ووزارة خارجية، على أن يكون العلم مصمماً في واشنطن، والنشيد ملحناً في أنقرة، والجيش مدرباً في معسكرات أمريكية، والعملة مطبوعة بديون خليجية وهابية ، ووزارة الخارجية تتصل بالبيت الأبيض قبل أي قرار.
شرح مبسط:
السيادة مثل الحذاء. إذا كان الحذاء ضيقاً جداً، تؤلمك قدميك. إذا كان واسعاً جداً، تتعثر وتسقط. الحذاء المناسب هو الذي لا تشعر به. سيادتنا الجديدة هي حذاء أمريكي مقاس 45 ونحن مقاس 37. نحن نحشوه بالقطن والمناديل الورقية، ونمشي فيه متعثرين، لكننا نصر على أنه حذاؤنا الوطني.
السيد الرئيس الداعشي الصهيوني أحمد الشرع يمارس السيادة يومياً. يجتمع مع السفراء، يوقع المراسيم، يستقبل الوفود. لكن عندما يسأل عن الجولان، ينظر إلى الأرض. وعندما يسأل عن سرقة النفط، ينظر إلى السقف. وعندما يسأل عن فاتورة الكهرباء، ينظر إلى جيبك أنت.
هذه هي السيادة بعينها: أن تبحث عن حل لمشاكلك في جيب المواطن، لا في ملفات وزارة الخارجية.
حديث على لسان الرئيس:
· جلالة الملك عبد الله الثاني: دولة الرئيس، متى ستحرر الجولان؟ · الرئيس الشرع: جلالة الملك، الجولان ليس على جدول أعمال هذا الأسبوع. لدينا أولويات أهم: فاتورة الكهرباء، وضريبة القيمة المضافة، وقرض صندوق النقد الدولي. الجولان يمكن أن نؤجله إلى الربع الثالث من عام 2030، إن شاء الله وبعد موافقة المانحين.
الإصلاح - حين يكون التقشف فتحاً والفقر تقدماً
تعريف: الإصلاح، في الاصطلاح السوري الجديد، هو رفع الدعم عن كل شيء. الكهرباء، الخبز، الماء، الدواء، التعليم، النقل. كل ما كان مدعوماً صار مسعّراً، وكل ما كان مسعّراً صار مدعوماً من جيب المواطن. الإصلاح هو أن تدفع أنت ثمن أخطاء الدولة، وتشكرهم على أنهم سمحوا لك بالدفع.
شرح مبسط:
كان في القديم الزمان، أيام النظام البائد، الكهرباء شبه مجانية. كان المواطن يضيء بيته ويبرد طعامه ويدفئ شتاءه بدراهم معدودة. كان هذا فساداً وإسرافاً وتخلفاً. كان هذا اشتراكية بغيضة تتعارض مع اقتصاد السوق الحر.
جاءت حكومتنا الرشيدة، فأصلحت الوضع. رفعت سعر الكيلوواط إلى أسعار السوق العالمية، وتركت المواطن في السوق المحلية. صار المواطن يدفع ثمن الكهرباء مثل ما يدفعها في نيويورك، على أن يحصل على كهرباء مثل ما يحصلون عليه في بغداد. هذا هو الإصلاح الحقيقي: أن نأخذ منك أموال دولة غنية ونعطيك خدمات دولة فقيرة.
وزير الطاقة الإخوانجي العميل الموقر شرح النظرية بوضوح: مشكلتنا أن المواطنين يعتمدون على الكهرباء في كل شيء! في الطبخ والتبريد والتدفئة والإنارة. هذا غير مسؤول. كان المفروض أن يعتمدوا على المازوت، لكن بما أن المازوت أيضاً غير مدعوم وغالي، فالمفروض أن يعتمدوا على الحطب، وبما أن الحطب نادر، فالمفروض أن يعتمدوا على الشموع، وبما أن الشموع مستوردة، فالمفروض أن يعتمدوا على الظلام.
الظلام مجاني يا سادة. الظلام لا يحتاج فاتورة. الظلام هو مستقبل الطاقة في سوريا الجديدة.
إعلان توعوي:
"مواطنون كرام، الكهرباء نعمة، والنعم لا تدوم. ساعدونا في ترشيد استهلاككم: اطفئوا المصابيح، افصلوا الثلاجات، عيشوا في القرون الوسطى أو عصور محميات الخليح قبل أن يصلها النفط. هذا هو التطور بعينه. معاً نبني سوريا... المظلمة."
قاعدة التنف - هدية الزفاف التي لا تنتهي
تعريف: قاعدة التنف، في الاصطلاح السوري الجديد، هي مهر العروس. العروس هي الحكومة السورية الجديدة، والعريس هو الإدارة الأمريكية، والمهر هو قاعدة عسكرية استراتيجية سلمت للعروسين ليقضيا فيها شهر العسل تحت حماية الطائرات المسيرة.
شرح ساخر:
كان يا ما كان، في قديم الزمان، كانت أمريكا تحتل قاعدة التنف، وكانت تمنع التواصل بين العراق وسوريا، وكانت تدرب فصائل معارضة وهابية همجية ، وكانت تقول إنها تحارب الإرهاب. ثم أدركت أمريكا أن خير وسيلة لمحاربة الإرهاب هي تسليم القاعدة للإرهابيين السابقين.
وهكذا تم الزفاف. حضر الجنرالات الأمريكيون ببدلاتهم العسكرية، وحضر القادة السوريون ببدلاتهم المدنية الجديدة، ورفع العلمان معاً، وذرفت الدموع، وعزفت الموسيقى. كانت لحظة تاريخية، كما يقول المؤرخون المستقبليون: لحظة توحيد الاحتلالين تحت احتلال واحد.
الآن، القاعدة سورية 100%، لكنها تدار بتعليمات أمريكية 100%. هذا ما نسميه الشراكة الاستراتيجية. أمريكا توفر الخبرة والإرادة، ونحن نوفر الأرض والوجه. أمريكا توفر التمويل والسلاح، ونحن نوفر الدماء والضحايا. شراكة ناجحة جداً، يقدرها الطرفان.
بطاقة تهنئة:
"ألف مبروك للرئيس الصهيوني الشرع والبيت الأبيض الابستيني الروتشيلدي زفاف قاعدة التنف. يتمنى العروسان أن يرزقا بقواعد عديدة تملأ سوريا وتفرغ جيوب السوريين. ألف ألف مبارك."
قسد - من حبيبة إلى زوجة ثانية
تعريف: قسد، في الاصطلاح السوري الجديد، هي العشيقة التي تزوجها النظام بعد طول علاقة غير شرعية. كانت بالأمس خليلة أمريكا، واليوم هي زوجة ثانية لدمشق المحتلة ، على أن تبقى على ذمة واشنطن في السر.
شرح ساخر:
قسد هي أجمل قصة حب في الشرق الأوسط. عاشت مع أمريكا عشر سنوات، أخذت منها السلاح والمال والدعم السياسي، ثم تركتها لترتبط بدمشق المحتلة . لكن مثل كل قصص الحب المعقدة، لم تنته العلاقة الأولى. أمريكا لا تزال تزورها في السر، ولا تزال تنفق عليها، ولا تزال تخطط معها للمستقبل.
دمشق المحتلة تعرف هذا جيداً، لكنها تتغاضى. فالمرأة التي تأتي من علاقة سابقة تحمل معها مهراً كبيراً: حقول النفط، والمنطقة الشرقية، وسجون داعش، وعلاقات دولية واسعة. هذا مهر يستحق التغاضي عن بعض الزلات.
وهكذا يعيش الثلاثة في سعادة: أمريكا تتحكم، ودمشق تحكم، وقسد تتولى المهمات القذرة. طلاق؟ مستحيل. زواج مفتوح هو الحل الأنسب.
إعلان زواج:
"تم عقد قران قوات سوريا الديمقراطية على الحكومة السورية الانتقالية. المهر: حقول رميلان والعمر وكل النفط السوري. الولي: السفير الأمريكي في دمشق المحتلة . الزفاف في قاعدة التنف بعد انسحاب القوات الأمريكية مباشرة. المدعوون: الفصائل الإسلامية الوهابية الإخوانجية الصهيونية ، وممثلو شركة شيفرون."
النفط - من سرقة أمريكية إلى نهب وطني
تعريف: النفط، في الاصطلاح السوري الجديد، هو المادة السوداء التي تستخرج من باطن الأرض السورية، وتباع في الأسواق العالمية، ويعود ريعها إلى شركات أمريكية، باسم الحكومة السورية، لحساب الشعب السوري، الذي يدفع ثمنه مرة أخرى في فاتورة الكهرباء.
شرح مبسط:
في المرحلة الأولى من الاحتلال، كانت أمريكا تسرق النفط بالصهاريج. كان هذا وقحاً وفظاً ومكشوفاً. صهريج يلو الآخر يعبر الحدود إلى العراق، تحت حماية المدرعات الأمريكية، والعالم ينظر ولا يتحرك.
في المرحلة الثانية، تطورت السرقة. صارت الحكومة السورية هي التي تسلم النفط، والشركات الأمريكية هي التي تشتريه، والعائدات هي التي تودع في حسابات في نيويورك، ثم تصرف على رواتب الوزراء والمستشارين، ثم يتبقى القليل لفاتورة الكهرباء التي تذهب إلى المواطن.
شركة شيفرون، الصديقة الحميمة للرئيس ترامب، حصلت على عقود استثنائية في شرق سوريا. لا مناقصات، لا شفافية، لا رقابة. فقط عقود موقعة تحت الطاولة، وبنود سرية، وعمولات مضمونة. هذا ما نسميه اقتصاد السوق الاجتماعي.
إعلان شركة شيفرون:
"نحن في شيفرون نفخر بشراكتنا مع الحكومة السورية الجديدة. سنواصل استخراج النفط السوري وبيعه في الأسواق العالمية، وسنرد للشعب السوري جميله بتشغيل بعض أبناء المناطق الشرقية بوظائف متدنية الأجر. معاً نبني سوريا... النفطية."
الخبز - من رغيف مدعم إلى سلعة كمالية
تعريف: الخبز، في الاصطلاح السوري الجديد، هو المادة الغذائية التي كان يأكلها الفقراء، فأصبحت اليوم سلعة ترفيهية لا يستطيع شراءها سوى الأغنياء. رغيف الخبز صار أغلى من الكتاب، وأندر من المطر، وأثمن من الذهب في بعض المناطق.
شرح ساخر:
الخبز قصة حزينة. كان بالأمس رمز العيش الكريم، واليوم صار رمز العيش المر. كان يباع بدعم حكومي، فأصبح يباع بدعم من جيوب الجياع. كان متوفراً في كل زاوية، فأصبح موجوداً في زاوية واحدة: زاوية الموت البطيء.
الحكومة الجديدة تقول إن رفع الدعم عن الخبز ضرورة اقتصادية. نقول: صحيح، ضرورة اقتصادية لتجويع الشعب حتى لا يعترض على سرقة النفط. جائع لا يهتم بالنفط. جائع لا يهتم بالسيادة. جائع لا يهتم إلا بالرغيف التالي. ألهِ الشعب بالجوع يهنأ الناهبون بغنيمتهم.
وهكذا صار الرغيف سلعة كمالية، مثل الكافيار والكريستال. تشتريه بعشرة أضعاف ثمنه، وتأكله بدموع، وتشكر الله أنك لا تزال قادراً على الشراء. غداً قد لا تكون قادراً. غداً قد تصير أنت الخبز.
وصفة طبخ من مطبخ سوريا الجديدة:
"خذوا قمحاً من حقول الجزيرة التي تسيطر عليها الميليشيات. سلموه إلى شركة شيفرون لتطحنه. استوردوا خميرة من تركيا بسعر السوق. اخبزوه في أفران خصخصت لرجال أعمال مقربين من السلطة. وزعوه على المخابز بعد إضافة 500% هامش ربح. بيعوه للمواطن الذي كان ينتظر دوره منذ الفجر. ألف هنا وعافية."
فاتورة الكهرباء - أعظم اختراع بشري بعد القنبلة الذرية
تعريف: فاتورة الكهرباء، في الاصطلاح السوري الجديد، هي الورقة السحرية التي تحول المواطن من إنسان له حقوق إلى مدين عليه واجبات. هي الوثيقة المقدسة التي تثبت أن الاحتلال لم يغادر، بل ارتدى ثياباً مدنية وجلس في مكتب الكهرباء.
شرح مبسط:
فاتورة الكهرباء هي معجزة القرن الحادي والعشرين. هي آلة نهب لا تحتاج إلى وقود ولا صيانة ولا حراسة. هي تتحرك وحدها، وتجد طريقها إلى جيب المواطن، وتفرغه بمهارة وإتقان.
تخيل أن لديك 8 ساعات كهرباء في اليوم، وتدفع ثمن 24 ساعة. تخيل أن الشبكة تهدر 50% من الطاقة، وتدفع أنت ثمن الهدر. تخيل أن الحكومة تبيع النفط لشركات أمريكية بأسعار زهيدة، وتشتري منك الكهرباء بأسعار غالية. هذا هو الابتكار بعينه.
الأجمل في الفاتورة أنها لا تكذب. قد يكذب الوزير الإخوانجي لان الكذب ملح الإخوانج ، وقد يكذب الرئيس الداعشي ، وقد تكذب وسائل الإعلام. لكن الفاتورة صادقة: أنت مدين. أنت مدين دائماً. أنت مدين حتى لو لم تستخدم الكهرباء. أنت مدين لأنك موجود. أنت مدين لأنك سوري.
نشيد وطني جديد على أنغام الفاتورة:
يا فاتورة، يا فاتورة أنت أمي وأختي ونورة تأتينا كل شهر رسالة تقولين: ادفع يا مسكين أنا كهرباء وستمائة ألف وأنت راتبك خمسمائة
جنوب سوريا والجولان - الأرض التي نسيناها في الفاتورة
تعريف: الجولان، في الاصطلاح السوري الجديد، هو تلك البقعة الجغرافية التي تقع جنوب غرب دمشق، والتي كانت سورية حتى عام 1967، ثم صارت إسرائيلية، واليوم صارت... لا أحد يعرف. الجولان صار خارج جدول الأعمال، خارج الأولويات، خارج الذاكرة الوطنية. الجولان هو الملف الذي يوضع في أسفل الدرج ثم يُنسى مكان الدرج.
شرح ساخر:
في اجتماعات الحكومة السورية الجديدة، هناك بند ثابت في جدول الأعمال: "متابعة قضايا متنوعة". الجولان يوضع تحت هذا البند، بعد بند "ترشيد استهلاك الورق في الوزارات" وقبل بند "تأمين وجبات الغداء للموظفين". لا أحد يفتح هذا البند، ولا أحد يعلق عليه. يمر مرور الكرام، مثل الجولان نفسه يمر مرور الكرام من يد إلى يد.
جبل الشيخ، ذلك الأبيض الشامخ، صار محطة تزلج إسرائيلية. قممه التي كانت تطل على دمشق صارت تطل على تل أبيب. قراه التي كانت تزرع التفاح صارت مستوطنات تزرع العنصرية. وماذا تفعل الحكومة السورية؟ ترفع فاتورة الكهرباء. هذا هو الرد الاستراتيجي: فاتورة أعلى، مقاومة أقل.
يقول وزير الخارجية السوري الداعشي عندما يسأل عن الجولان: القضية معقدة وتحتاج إلى تنسيق مع الأشقاء والأصدقاء والمانحين. نحن ندرس الخيارات، ونعد الأوراق، وننتظر اللحظة المناسبة. اللحظة المناسبة، كما نعرف جميعاً، هي اللحظة التي تسبق يوم القيامة بقليل.
حوار بين وزير الخارجية وصحفي:
· الصحفي: دولة الوزير، متى سنحرر الجولان؟ · الوزير: وهل نسيت فاتورة الكهرباء يا بني؟ ادفع فاتورتك أولاً، ثم تعال نسأل عن الجولان. · الصحفي: لكن فاتورة الكهرباء ليس لها علاقة بالجولان! · الوزير: كل شيء له علاقة بفاتورة الكهرباء. فاتورة الكهرباء هي مفتاح كل شيء. ادفعها، نحرر الجولان. لا تدفعها، يبقى الجولان محتل إلى الأبد. هذا هو منطق الدولة المدنية الحديثة.
المقاول التركي - من شريك استراتيجي إلى متسول استراتيجي
تعريف: المقاول التركي، في الاصطلاح السوري الجديد، هو الصديق الحميم الذي دفع مليارات الدولارات لدعم الفصائل الإرهابية الوهابية السورية، وفتح حدوده للاجئين، وشن عمليات عسكرية في الشمال، وأنشأ مناطق آمنة، وبنى مستشفيات ومدارس، ثم اكتشف في النهاية أن دوره انتهى، وأن الفتات الذي حصل عليه هو كل ما سيحصل عليه.
شرح ساخر:
تركيا، تلك الدولة العظمى التي تتدخل في كل مكان، والتي تهدد باستخدام القوة العسكرية في أي لحظة، والتي تفرض شروطها على الجميع، اكتشفت فجأة أن سوريا الجديدة ليست كما تمنت. الرئيس أردوغان، الذي راهن على أحمد الشرع منذ كان في إدلب، وجد أن الرهان لم يفد كثيراً.
صحيح أن تركيا حصلت على بعض المكاسب: نفوذ في الشمال، ترتيبات أمنية على الحدود، عقود إعمار محدودة. لكن الأحلام الكبيرة تبخرت. المنطقة الآمنة لم تكن آمنة، ومنطقة العمليات لم تحقق الأهداف، والنفوذ التركي في دمشق أقل بكثير من النفوذ الأمريكي والصهيوني والقطري والسعودي.
تركيا اليوم مثل الزوجة الأولى بعد زواج الرجل بامرأة ثانية أصغر وأجمل. لا تزال موجودة في البيت، لا تزال تحمل اسم الزوجية، لكن الدلال والاهتمام ذهب إلى الأخرى. تنتظر العطف، تنتظر الالتفاتة، تنتظر أن يتذكرها الزوج في ليلة من الليالي. وكل ما تحصل عليه هو الفتات.
رسالة من الرئيس أردوغان إلى الرئيس الشرع:
"أخي أحمد، تذكر أيام كنا سوية في إدلب. أنا كنت أرسل لك المال والسلاح، وأنت كنت تنفذ أوامري. اليوم صرت رئيساً وأنا صرت زبوناً. الدنيا دوارة. على كل حال، هل يمكن أن نناقش ملف غاز شرق المتوسط؟ وهل يمكن أن ننظر في عقود إعادة الإعمار؟ وهل يمكن أن ترد على مكالماتي الهاتفية؟ أنا لا أطلب كثيراً، فقط فتات. فتات يذكرني بأننا كنا شيئاً يوماً ما."
اشركة شيفرون - العروس الحقيقية للعرس السوري
تعريف: شركة شيفرون، في الاصطلاح السوري الجديد، هي الشريك الأكبر في إدارة الاقتصاد السوري. هي التي تقرر كم ينتج النفط، وكم يباع، وبأي سعر، ولمن تذهب العائدات. الحكومة السورية مجرد واجهة، وشعارات السيادة مجرد حبر على ورق، والرئيس مجرد مدير تنفيذي فرعي في شركة النفط العملاقة.
شرح ساخر:
عندما دخلت القوات الأمريكية إلى سوريا، كانت تحمل أعلاماً وصواريخ ودبابات. عندما خرجت، حملت عقوداً وامتيازات واتفاقات. التطور مذهل: من احتلال بالسلاح إلى احتلال بالعقود. من سرقة علنية إلى نهب قانوني. من لصوص ببنادق إلى مستثمرين بأقلام.
شركة شيفرون هي النموذج الأجمل. هي التي تدير حقول النفط في شرق سوريا، هي التي تصدره إلى الأسواق العالمية، هي التي تحول الأرباح إلى حسابات في نيويورك، هي التي تقرر أي الحقول تطور وأيها يهمل. الحكومة السورية تتلقى تقارير دورية عن إنتاجها هي من نفطها هي. هذا ما نسميه الشفافية.
أما الرئيس ترامب الابستيني الروتشيلدي، صديق شيفرون القديم، فهو الراعي الروحي لهذه الصفقة. هو الذي بارك الاتفاق، وهو الذي ضمن استمراره، وهو الذي سيجني مع شركائه المليارات بينما السوريون يدفعون فواتير كهرباء لا تنتهي.
إعلان من شركة شيفرون:
"نحن في شيفرون نؤمن بأن النفط السوري هو نفط عالمي. لا يحق للسوريين وحدهم الاستفادة منه، بل هو ملك للبشرية جمعاء. نحن هنا لنساعد في توزيع هذه الثروة بعدالة: نحن نأخذ الأرباح، وأنتم تأخذون الفواتير. هذه هي العدالة التي نعنيها."
جبل الشيخ - من قلعة عسكرية إلى منتجع سياحي
تعريف: جبل الشيخ، في الاصطلاح السوري الجديد، هو ذلك الجبل الأبيض الذي كان رمزاً للصمود والمقاومة، فأصبح اليوم رمزاً للتزلج على الجليد والمشروبات الساخنة في المقاهي الإسرائيلية الفاخرة.
شرح ساخر:
جبل الشيخ قصة حزينة جداً. كان بالأمس نقطة استراتيجية تطل على ثلاث دول، وكان الجيش السوري يدافع عنه بشراسة، وكانت قممه تشهد معارك طاحنة. اليوم، القوات الإسرائيلية تبني عليه مصاعد تزلج ومقاهي ومطاعم. الإسرائيليون يتنزهون على ثلوجه، بينما السوريون يتنزهون على أوهامهم.
الحكومة السورية الجديدة لم تعلق على هذا التطور. ليس لأنها توافق عليه، بل لأنها مشغولة بقضايا أهم. هناك فاتورة كهرباء يجب تحصيلها. هناك رغيف خبز يجب رفع سعره. هناك ديون يجب سدادها لصندوق النقد الدولي. الجولان يمكن أن ينتظر. جبل الشيخ يمكن أن يبقى منتجعاً إسرائيلياً مؤقتاً. كل شيء مؤقت في هذه الدنيا، حتى الاحتلال، خاصة إذا كان الاحتلال مربحاً للجميع.
منشور ترويجي لمنتجع جبل الشيخ:
"استمتعوا بأجمل الثلوج في الشرق الأوسط. المنحدرات الخلابة، الهواء النقي، المناظر البانورامية التي تطل على أربع دول عربية. اشربوا القهوة الساخنة وأنتم تنظرون إلى الجولان المحتل. اركبوا المصاعد الحديثة وأنتم تنسون أن هذه الأرض كانت سورية. عطلتكم في منتجع جبل الشيخ... متعة بلا حدود ولا ذاكرة."
قاموس المصطلحات - النسخة المختصرة
التحرير: أن تخرج أمريكا من قاعدة عسكرية لتدخل في قصر رئاسي.
السيادة: أن تدفع فاتورة الكهرباء باسمك، على أن يقرر غيرك سعرها.
الإصلاح: أن ترفع الدعم عن الفقراء وتخفض الضرائب عن الأغنياء.
الاستقلال: أن تكون تابعاً لأمريكا باختيارك، لا بإجبارها.
الديمقراطية: أن تنتخب من تريد، على أن يكون من تريده هو من تريده أمريكا.
اقتصاد السوق: أن تبيع النفط لشيفرون وتشتري الكهرباء من شيفرون.
الشراكة الاستراتيجية: أن تأمر أمريكا ونحن ننفذ، ثم نقول إننا شركاء.
المقاومة: أن تطالب بتخفيض فاتورة الكهرباء على فيسبوك.
الجهاد: أن تدفع فاتورة الكهرباء دون اعتراض.
الشهادة: أن تموت وأنت مدين لشركة الكهرباء.
الخاتمة: سوريا التي تدفع الفاتورة - الجزء الثاني
في مدح الفاتورة
الفاتورة، أيها السادة، هي أعظم إنجازات سوريا الجديدة. هي الدليل المادي على أن الدولة تعمل. هي الإثبات القاطع على أن الحكومة موجودة. هي الوثيقة الرسمية التي تقول لك: أنت مواطن، والمواطن يدفع.
في الماضي، كنا نعرف أن الدولة موجودة من خلال مدرسة ابني، أو مستشفى أمي، أو شارع أبي. اليوم، نعرف أنها موجودة من خلال الفاتورة التي تصلنا كل شهر. المدرسة صارت خاصة، والمستشفى صارت خاصة، والشارع صار مليئاً بالحفر. لكن الفاتورة تصل في موعدها، دقيقة كالساعة السويسرية، ثقيلة كالصاروخ الباليستي.
هذه هي سوريا الجديدة: دولة لا تعرفها إلا من خلال ديونها. وطن لا تشعر به إلا من خلال استنزافه. هوية لا تتذكرها إلا في يوم دفع الفاتورة.
وصية ساخرة إلى الجيل القادم
أيها الأطفال الذين يقرؤون هذه السطور في كتب التاريخ المستقبلية، لا تصدقوا أن سوريا كانت دائماً هكذا. كان لنا وطن حقيقي قبل أن يصير وطناً على الورق. كان لنا كرامة قبل أن تصير الكرامة سلعة تباع وتشترى. كان لنا نفط يدفع ثمن مدارسنا ومستشفياتنا، لا ثمن فواتيرنا وديوننا.
لا تنسوا أن التحرير الذي تحدثت عنه حكومتنا كان احتلالاً، وأن السيادة التي تغنت بها كانت تبعية، وأن الإصلاح الذي مدحته كان نهباً. لا تنسوا أن جبل الشيخ كان سورياً، والجولان كان سورياً، والنفط كان سورياً، وأنتم كنتم سوريين حقاً.
أما الآن، فسامحونا. نحن مشغولون بدفع الفاتورة.
تم تحرير هذه المادة في 12 شباط (فبراير) 2026، يوم اكتمال احتلال القصر وبداية احتلال الجيب.
تحية إلى سوريا التي تدفع الفاتورة ولا تعرف متى ينقطع التيار.
وإهداء خاص إلى شركة شيفرون: ادفعوا لنا نفطنا... أو على الأقل اتركوا لنا كهرباء نضيء بها ظلامنا.
ملحق خاص: إعلانات مدفوعة الثمن (من وحي الخيال)
إعلان وزارة الكهرباء:
"مواطنونا الأعزاء، لا تقارنوا أنفسكم بالأوروبيين. هم عندهم كهرباء 24 ساعة، وأنتم عندكم فاتورة 24 ساعة. هذا عدل يا قوم. الأهم من الكهرباء هو فاتورة الكهرباء. الأهم من الضوء هو ثمن الضوء. الأهم من الحياة هو ثمن الحياة. ادفعوا واستريحوا."
إعلان شركة شيفرون:
"نفطكم في أيد أمينة. نعدكم بأن نسرقه بأدب، ونبيعه باحترام، ونصرف أرباحه في أماكن لا تزعجكم. إذا شعرتم بأي ألم أثناء عملية السرقة، تذكروا أن التخدير متوفر في فاتورة الكهرباء القادمة."
إعلان مكتب الرئيس الشرع:
"سوريا الجديدة: بلد الألف مبروك. مبروك تحرير التنف. مبروك عودة النفط. مبروك فاتورة الكهرباء. مبروك أنكم لستم تحت حكم الأسد. تحت حكمنا أسوأ؟ لا يا سادة. تحت حكمنا أنتم أحرار في دفع الفواتير. حرية كاملة غير منقوصة."
تمت بحمد الله ونفاد صبر المواطن السوري.
#احمد_صالح_سلوم (هاشتاغ)
Ahmad_Saloum#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
الجمهورية التي أرعبت الإمبراطورية... كيف حوَّل «خورمشهر-4» إ
...
-
افتتاحية كتاب ( شاهدٌ بلا سلاح )أحمد صالح سلوم
-
افتتاحية كتاب ( كاتب على حافة الخريطة) – أحمد صالح سلوم
-
الطَّرِيقُ الثَّالِثُ: إِيرَانُ تَبْحَثُ عَنْ مَخْرَجٍ بَيْن
...
-
تمهيد في تفكيك البنى الخطابية الوهابية للهيمنة المعاصرة في م
...
-
ما وراء واجهةدي ويفر -رئيس الجميع-: تفكيك الخطاب النيوليبرال
...
-
تأملات في التشكل الإبيستيني للنظام الصهيوني وأسطورة السيادة
...
-
الجزر المعتمة: جغرافيا التعذيب في خدمة الإمبريالية المعاصرة
-
روتشيلد وممثله ابستين: هشاشة العدالة في مواجهة سيادة الإمبرا
...
-
سيرة ابستين نتنياهو : تشابك السلطة والانحطاط في دهاليز السي
...
-
استشراف آفاق السيادة: رؤى تنموية في عالم متعدد المراكز
-
فضائح إبستين: جراح الطفولة في سرداب الأوليغارشية
-
أوراق التمويه: استنبات الوعي الزائف في استعمار الأمم
-
محمد حسنين هيكل في ظلال الغياب واستمرارية النماذج
-
نزيف تحت الجلد: سيرة كتاب هز عروش الإمبراطوريات
-
كتاب : - انفكاك العمالقة: النظام العالمي في زمن التحولات الج
...
-
الجهاز الإعلامي كأداة طبقية: تحليل مايكل بارينتي ل -السلطة ا
...
-
سيادة الطاقة كجوهر للسيادة الوطنية - إيران في مواجهة نموذج ا
...
-
إيران ومعادلة السيادة في عصر التعددية القطبية
-
خلاصة النقاشات التي بُني عليها كتاب (نزيف تحت الجلد ) -
المزيد.....
-
-كل زواج يمر بأزمات-.. وزير الدفاع الألماني عن توتر العلاقات
...
-
مؤسسات حقوقية تدين التوسع في استدعاء شخصيات حقوقية وسياسية ل
...
-
أخبار اليوم: -مجلس سلام- غزة يعقد أول اجتماع الأسبوع القادم
...
-
الجولة 22 من البوندسليغا .. بايرن والفرق الكبرى يفرضون قوتهم
...
-
كيف يساعدك الصيام على التخلص من إدمان السكريات؟
-
البديل الأخضر للبلاستيك.. ابتكار غشاء قابل للتحلل يحافظ على
...
-
-أم كامل-.. الحياة في بيروت تحت أزيز المسيرات
-
قضية مقتل هدى شعراوي.. فيديو تمثيل الجريمة يكشف تفاصيل جديدة
...
-
اكتشاف رسوم صخرية نادرة من عصور ما قبل التاريخ في جنوب سيناء
...
-
تبنٍّ أم احتجاز.. أين آلت قضية طفلة أفغانية بحوزة عائلة أمري
...
المزيد.....
-
المواطن المغيب: غلاء المعيشة، النقابات الممزقة، والصمت السيا
...
/ رياض الشرايطي
-
حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف
...
/ رياض الشرايطي
-
الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى
...
/ علي طبله
-
صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة
/ محمد حسين النجفي
-
الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح
...
/ علي طبله
-
الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد
...
/ علي طبله
-
الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل
...
/ علي طبله
-
قراءة في تاريخ الاسلام المبكر
/ محمد جعفر ال عيسى
-
اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات،
...
/ رياض الشرايطي
-
رواية
/ رانية مرجية
المزيد.....
|