أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - احمد صالح سلوم - الجمهورية التي أرعبت الإمبراطورية... كيف حوَّل «خورمشهر-4» إيران إلى قوّة عظمى لا تُقهر؟















المزيد.....



الجمهورية التي أرعبت الإمبراطورية... كيف حوَّل «خورمشهر-4» إيران إلى قوّة عظمى لا تُقهر؟


احمد صالح سلوم
شاعر و باحث في الشؤون الاقتصادية السياسية

(Ahmad Saloum)


الحوار المتمدن-العدد: 8616 - 2026 / 2 / 12 - 09:24
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


العنوان الداخلي (الافتتاحية):

لماذا لا تتفاوض القوى العظمى مع الضعفاء؟... تأمّلات في آنيّة الردع وخلود الإرادة

بقلم: أحمد صالح سلوم

نحن والمنظور الغربي... وهم الضعف وحقيقة القوّة

ليس في تاريخ العلاقات الدوليّة ما هو أشدّ سخريةً من أن تُصنَّف أمّةٌ بأنها «ضعيفة» لمجرّد أنها لم تسلك الطريق الذي رسمه لها الآخرون. ليس في سجّلات الاستعمار ما هو أقسى على الحقّ من أن تُحاكم إرادة شعبٍ بأنها «عدوانية» لأنها تريد أن تملك زمامَ قرارها، لا زمامَ أوامرها.

يسألون: لماذا تتفاوض أميركا مع إيران؟ وكأنّ التفاوض منّةٌ من سيّدٍ على عبد، لا حقٌّ من قوّةٍ لندٍ على ند. يسألون وإيرانُ بلا سلاح نووي، وإيرانُ لم تتجاوز الخطوط الحمر التي رسمتها الإمبريالية العلميّة، أي لم تصنع القنبلة. يسألون وهي بلا حاملات طائرات، وبلا قواعدَ عسكريّة في بحار الآخرين. فلماذا، إذاً، هذا الجيشُ الجرّار؟ لماذا حاملاتُ الأسطول الخامس؟ لماذا حشودُ البنتاغون التي لا تكلّ ولا تملّ من المرابطة في مياه الخليج الدافئة؟

لم تَعُد الإجابةُ سرًّا. فالحشودُ العسكريّة الصهيونية – الأميركية - الاستعمارية ليست إلا محاولةً يائسةً لإعادة عقارب الساعة إلى الوراء. إلى الوراء كثيراً. إلى أيامٍ كان فيها «شاهنشاه» إيران يتسوّل شراءَ طائراتٍ قديمة، ويُشغِّلُ «السافاك» لخدمةِ الموساد. إلى أيامٍ كانت فيها إيران محميّةً، لا وطناً.

ذلك أن إيران التي نراها اليوم لا تُهاجَم لأنها ضعيفة. تُهاجَم لأنها، في معادلات الهيمنة، أشدُّ خطورةً من أي قوّةٍ نوويّةٍ مطمئنّة. إيران لا تهدِّد إسرائيل بصاروخٍ ذرّي؛ إيران تهدِّد وجودَ إسرائيل بمجرد أنها قادرة على الصمود. تهدِّد مشروع «إبستين» الاستعماري بمجرد أنها تثبتُ كلَّ يوم أن صناعةَ الإنسان أصلبُ من صناعة الرؤوس النوويّة، وأن صناعةَ الصواريخ لا تُشترى من الخارج، بل تُستنبَط من نخاع الأرض ومن عزيمة المهندسين.


أسطورة الضعف الإيراني... وإشكالية النظرة الاستعلائيّة

منذ ما يزيد على أربعة عقود، والمراكزُ الغربيّة للدراسات الاستراتيجيّة ترفعُ رايةَ السخرية من الجيش الإيراني. في البداية، سخروا من الخُطب. ثم سخروا من «الحرس الثوري». ثم سخروا من الصواريخ القصيرة المدى. ثم سخروا من الطائرات من دون طيار التي وصفوها بالبدائيّة. اليوم، يتوقّفون عند صاروخ «خورمشهر-4» ليعلنوا أنه «تطوّرٌ مقلق».

بيد أن السؤال العميق ليس: كيف استطاعت إيران أن تصنع صاروخاً فرط صوتيًّا يقطع المسافةَ إلى تل أبيب في عشر دقائق؟ السؤال الأعمق هو: لماذا ظلّ الغربُ طوال هذه السنين يقرأ إيران قراءةً استعلائيّةً خاطئة؟ لماذا ظلّ يظنُّ أن العقوبات ستحيل الجمهوريّة الإسلاميّة إلى كوريا شماليةٍ أخرى، بدعاية كاذبة أنها خاضعةً وجائعة؟

الجواب يكمن في فكرة «العجز» التي يُسقطها المستعمِر على المستعمَر. ففي المنطق الغربي، لا قوّةَ بلا ترسانة نوويّة. ولا هيبةَ بلا حاملات طائرات. ولا قدرةَ بلا تكنولوجيا مستورَدة من وادي السيليكون. حين ينظر الغرب إلى إيران، يراها من خلال عقدة النقص التي يعاني منها حلفاؤه في المنطقة. يراها كما تراها السعودية: جيشاً يمتلك دبّابات قديمة من حقبة السبعينيّات، وطائرات إف-4 و إف-5. يراها وكأنها متحفٌ عسكريّ.

وهذا هو الخطأ الاستراتيجيّ الأكبر في القرن الحادي والعشرين. فإيران لم تبنِ جيشاً يعتمد على قطع الغيار الأميركيّة. إيران بنَت عقيدةً عسكريّةً لا تحتاج إلى أن تسأل أحداً الإذن. عقيدةً تقوم على الصواريخ البالستيّة التي تُصنَع محليّاً، والطائرات من دون طيّار التي تتفوّق على مثيلاتها الإسرائيليّة، والقوّة البشريّة المؤمنة التي لا تُقهَر.

«خورمشهر-4»... اسمٌ لا يُنسى

في الخامس من شباط 2026، وقبل ساعاتٍ من انطلاق المحادثات النوويّة في مسقط، كشفت إيران النقاب عن مدينة صاروخيّة جديدة تحت الأرض . لم يكن هذا الكشف مجرّد بيانٍ صحفيّ، ولا عرضاً عسكريًّا على منصّة. كان رسالةً مشفَّرةً بدماء الشهداء، مكتوبةً بلغةٍ لا تحتمل التأويل.

«خورمشهر-4»، أو كما يحلو لصنّاعه تسميته «خيبر»، ليس مجرّد صاروخ بالستيّ متوسط المدى. هو رمزُ المعادلة التي تقول: «لا يمكن أن يُهزَم من يمتلكُ 2000 كيلومتر من الغضب».

صاروخٌ يحمل رأساً حربياً يزن طناً ونصف الطنّ. رأسٌ ليس مصمَّماً للتفاخُر، بل لتسوية القواعد العسكريّة بالأرض. صاروخٌ يبلغ سرعته 16 ضعف سرعة الصوت خارج الغلاف الجويّ، و8 أضعاف داخله . سرعةٌ لا تعطي لأنظمة القبة الحديديّة ولا لنظيراتها الأميركية أيَّ فرصةٍ للتفكير. الصاروخ يصل قبل أن تبدأ منظومات الإنذار بالصراخ.

دقةٌ تصل إلى 30 متراً. هذا ليس صاروخاً مبعثَراً يُستخدم لرعب المدنيين. هذا رأسُ حربةٍ جراحيّ، يقرأ عنوان الهدف ثم يطرق الباب.

لكن الأهمّ من كلّ ذلك، هو أن إيران لم تكتفِ بتطوير الصاروخ. بل طوَّرت عقيدةَ الاستخدام. فـ«خورمشهر-4» دخل الخدمة لا كسلاح ردع دفاعيّ، بل كسلاح هجوميّ. إيران لم تعُد تنتظر حتى تُضرب لتضرب. إيران أصبحت هي مَن يُملي قواعد الاشتباك .

ميزان الردع... حين يكون الرقم 2000 أقوى من 90%

يسأل السذّج: أين قنبلة إيران الذريّة؟ ويسأل العملاء: أين مفتّشو الوكالة الدوليّة؟

لا يُدرِك هؤلاء أن إيران صنعت «قنبلتها الذريّة» من دون يورانيوم مخصَّب. صَنَعَتْها من هندسة الصواريخ. صَنَعَتْها من سرعة الفتك. صَنَعَتْها من إيمانها بأن الوصول إلى عيار 90% ليس أعظم من الوصول إلى عيار 2000 كيلومتر.

لقد قال وزير الخارجيّة عباس عراقجي كلمته الفاصلة: «إنهم يخافون من قنبلتنا الذرّيّة، ونحن لا نسعى إليها. قنبلتنا الذرّيّة هي قوّة قول لا للقوى العظمى» .

لم تكن هذه الكلمة بلاغةً دبلوماسيّةً عابرة. كانت إعلانَ مذهبٍ سياسيّ – عسكريّ جديد. إيران ترفع شعار «الردع بلا سلاح نووي». إيران تقول للعالم: ها نحن نكسر احتكار القوّة. أنتم تملكون الترسانة الذرّيّة، ونحن نملك إرادة التحرّر. أنتم تملكون حقّ النقض في مجلس الأمن، ونحن نملك حقّ النقض في ساحة المعركة.

وهنا يكمن سرّ الرعب الإسرائيليّ. فمنذ عام 1948، قامت إسرائيل على أسطورتين: أسطورة الجيش الذي لا يُقهر، وأسطورة التفوق النوويّ الإقليميّ. اليوم، سقطت الأسطورتان معاً. الجيش الإسرائيليّ عاجز عن ردع صواريخٍ لا تمنحه الوقت الكافي لاستدعاء الاحتياط. والتفوّق النوويّ لم يعُد ذا قيمةٍ أمام صواريخَ فرط صوتيّةٍ يمكنها أن تصل قبل أن تُفتَح علب الغاز.


الكيان منتهي الصلاحيّة... هلعياطُ إسرائيل وفراغ وجودها

ما حدث في شباط 2026 لم يكن مجرّد مناورة عسكريّة جديدة. كان إعلانَ وفاةٍ سريريّةٍ للكيان الصهيوني.

لاحظ المراقبون كيف قفز بنيامين نتنياهو، في غضون أسابيع قليلة، من موقفٍ متحفِّظ على الحرب إلى موقف الهائج الذي يطالب واشنطن بقصف إيران فوراً . هذا التحوّلُ ليس ناتجاً عن قوّة إسرائيلية مفاجئة، بل عن ضعفٍ مستشعر. إسرائيل أدركت أنها، في أيّ حربٍ قادمة، ستكون وحدها في ساحة النار.

صواريخ «حزب الله» الدقيقة التي تنتظر الإذن بالإطلاق. صواريخ «أنصار الله» اليمنيّة التي أثبتت قدرتها على تجاوز المسافات الطويلة. صواريخ «المقاومة الإسلاميّة» في العراق. وكلّها، اليوم، تتغذّى من منظومة استخباراتيّة إيرانيّة متطوّرة، وتعمل وفق عقيدةٍ موحَّدة: إغراق الدفاعات الجويّة الإسرائيليّة.

لقد كشفت حرب الأيّام الاثني عشر في حزيران 2025 عن شيءٍ لم تعترف به تل أبيب رسميّاً: القبّة الحديديّة لها سقف. عندما تُطلَق 500 صاروخ بالستيّ وألف طائرة مسيّرة في وقتٍ متقارب، لا تعود للقبّة فائدة . المدنيّون الإسرائيليّون اكتشفوا أن الملاجئ لا تحمي من صواريخ تزن أطناناً. والجيش اكتشف أن الاغتيالات لم تعُد تردع جيلاً جديداً من القادة يعيشون تحت الأرض، ويخطّطون للمستقبل.


واشنطن عاجزة... الإمبراطورية تترنّح

لا يمكن فهم الهستيريا الأميركيّة الحاليّة بمعزل عن مأزق الإمبراطورية. فمنذ الانسحاب الكارثي من أفغانستان، وواشنطن تبحث عن صورةٍ تعيد لها هيبتها المتآكلة. جاء ترامب ليبيع الأوهام: «أميركا أقوى من أيّ وقت مضى».

لكن الواقع على الأرض يقول عكس ذلك. حاملة الطائرات «يو إس إس أبراهام لنكولن» موجودة في البحر العربيّ، وليس في الخليج العربيّ. الطائرات العسكريّة تُحلِّق في مناورات دفاعيّة، لا هجوميّة . وكلّ التسريبات الصادرة عن البنتاغون تتحدّث عن «فرصة لتمكين إسرائيل»، وليس عن «خطة أميركية لضرب إيران» .

الترجمة السياسيّة واضحة: واشنطن تريد الحرب، لكنّها لا تريد أن تخوضها. واشنطن تريد أن تدمّر إيران، لكنّها تعلم أن ثمَن ذلك سيكون باهظاً. ليس فقط في الخليج، بل في أوكرانيا حيث تحتاج أوكرانيا إلى كلّ قطعة سلاح. وفي آسيا حيث الصين تراقب وتنتظر. وفي الداخل الأميركي حيث المواطن لم يعُد متحمّساً لحروب الشرق الأوسط.

ولهذا السبب تتوسّل إدارة ترامب العربَ ليشاركوا في العدوان، وتجدهم يتهرّبون. السعودية ترفض استخدام أجوائها للهجوم على إيران، علناً، بينما تهمس في أذن واشنطن: «إذا لم تضربوها، ستزداد قوّة» . تركيا ترفض صوريا رفضاً قاطعاً أي حرب . قطر تكتفي باستضافة القواعد الاكثر عدوانية والأكبر . الإمارات تلعب على الحبلين.


منطق الند للند... حين يفرض الضعيف السابق شروطه

ظلّ المفاوض الأميركي طيلة عقدين من الزمن يتعامل مع الملفّ النوويّ الإيراني كمسألة شرطيّة: أنتم متّهمون، ونحن المدّعون، فعليكم إثبات البراءة. لكنّ معادلة 2026 اختلفت جذريّاً.

للمرّة الأولى، ربّما منذ الثورة الإسلاميّة، تجلس إيران إلى طاولة المفاوضات لا لتقديم التنازلات، بل لفرض المعادلات. إيران اليوم لا تتفاوض على تخصيب اليورانيوم؛ تتفاوض على مستقبل المنطقة. لا تتفاوض على عدد أجهزة الطرد المركزي؛ تتفاوض على شرعيّة وجودها الإقليميّ.

ما الذي تغيّر؟ تغيّر أن إيران تمتلك ما يكفي من القوّة الصاروخيّة لتجعلَ أيَّ عدوانٍ مستقبليّ مكلفاً إلى درجة الردع. تغيّر أن إيران أثبتت، خلال حرب الاثني عشر يوماً، أنها تستطيع الاستمرار. ليس فقط الاستمرار في إطلاق الصواريخ، بل الاستمرار في احتواء الأزمة اقتصاديّاً وسياسيّاً. لم تنفجر إيران من الداخل، كما راهن نتنياهو. لم يثُر الشعب على حكومته. بل التفّ حول راية المقاومة.

لذلك، حين تحدّث وزير الخارجيّة الإيرانيّ في القمّة الدبلوماسيّة في طهران عن «سرّ القوّة»، لم يكن يردّد شعاراً. كان يقرأ وثيقة النصر. سرّ القوّة ليس في الغنى، بل في الاستغناء. سرّ القوّة ليس في التحالفات، بل في الثقة بالنفس. سرّ القوّة ليس في امتلاك القنبلة، بل في امتلاك القدرة على قول «لا» دون أن تهتزّ اليد .


قارنوا... محمياتٌ بلا مشاريع، ومشروعٌ بلا محميّة

من أعجب ما في هذه المواجهة الطويلة، هو هذا التناقض الصارخ بين «محاور المقاومة» و «محميات الاستسلام».

أنظروا إلى ما تسمى دول الخليج الثريّة. تمتلك أحدث الطائرات الأميركيّة. تشتري أغلى منظومات الدفاع الجوّي. تنفق مليارات الدولارات سنويّاً على شراء الحماية. ومع ذلك، كلّها عاجزة عن حماية سمائها لوحدها. تحتاج القوات الأميركيّة لتوجيه صواريخها. تحتاج الموساد لقراءة استخباراتها. تحتاج البنتاغون لرسم عقيدتها العسكريّة.

ثم أنظروا إلى إيران. محرومة من شراء أي سلاح متطوّر. تخضع لأقسى حصار تكنولوجيّ في التاريخ. ورغم ذلك، تصنع صواريخ لا تستطيع المنظومات الأميركيّة اعتراضها. تدمّر طائرات تجسّسٍ أميركيّة متطوّرة وتعلن عنها في متاحفها الحربيّة. تأسر بحّارةً أميرك وتفرج عنهم بكرم الضيافة، لا بذلّ الاستجداء.

هذه ليست معجزة. هذا هو الفرق بين أمّة تقرأ التاريخ كي تصنعه، وأممٍ تقرأ التاريخ كي تبقى هوامشه.


2000 كيلومتر... ما وراء الرقم

لنتمعّن في الرقم 2000، فهو مفتاح اللغز. مدى صاروخ خورمشهر-4 هو 2000 كيلومتر . ليس أكثر. ليس أقلّ.

لماذا 2000؟ لأن هذه المسافة كافية لتغطية كلّ الأراضي الفلسطينية المحتلّة. كافية لبلوغ قواعد أميركا في قطر والإمارات والبحرين. كافية لبلوغ أطراف اليونان ورومانيا، حيث تتمركز بعض المنشآت العسكريّة الحيويّة. لكنها ليست كافية لبلوغ باريس أو لندن. ليست كافية لتهديد القارّة الأوروبّيّة كلّها.

هندسة دقيقة. عقيدة عسكريّة واضحة. إيران لا تصنع صواريخ عابرة للقارّات. إيران تصنع صواريخ ردع إقليميّ. تقول لواشنطن: لا نقصدكم، ولكن من آذاكم فإلينا. تقول لتل أبيب: أنتِ في مرمانا، فلا تتحرّكي.


المدن الصاروخيّة... إستراتيجية البقاء تحت الأرض

في مشاهد أثارت هلع المحللين العسكريّين، كشفت إيران للمرّة الأولى عن مواقع إطلاق صواريخها تحت الأرض. ليست صوامع إسمنتيّة عاديّة. أنفاقٌ تمتدّ لعشرات الكيلومترات في عمق الجبال. ممرّاتٌ تسير فيها قوافل الصواريخ على منصّات متحرّكة، تختفي ثم تظهر.

هذه المدن الصاروخيّة لا تمحوها أيّ ضربة جويّة. لا تراها الأقمار الصناعيّة. لا تستطيع الصواريخ الخارقة للتحصينات الوصول إلى أعماقها. هي تجسيدٌ حقيقيّ لعقيدة «الضربة الثانية» في عالم ما قبل النووي.

ما بنته إيران تحت الأرض هو بمثابة «الثالوث النوويّ» للفقراء. لا غوّاصات نوويّة، لكن أنفاق لا تُقهر. لا قاذفات استراتيجيّة، لكن منصّات متحرّكة لا تُحصى. لا رؤوس حربيّة حراريّة نوويّة، لكن رؤوس تقليديّة تزن أطناناً تكفي لتدمير أيّ هدف عسكريّ في المنطقة.


لماذا الآن؟ توقيت العظمة

تتساءل الأوساط الدبلوماسيّة عن توقيت إعلان إيران عن خورمشهر-4. لماذا قبل ساعات من المفاوضات؟ لماذا بهذه الضجّة الإعلاميّة؟

الجواب بسيط في عمقه: إيران تريد تغيير لغة التفاوض. كانت المفاوضات السابقة تدور حول «ما المسموح لإيران أن تمتلك». المفاوضات الحاليّة يجب أن تدور حول «ما الذي تستطيع إيران أن تفعل إذا لم يُحترَم أمنها القوميّ».

إنه درسٌ في علم النفس السياسيّ. إيران تخبر الأميركيّ أن القوّة العسكريّة ليست ترساً في آلة التفاوض، بل هي رئة التفاوض. من دونها، تختنق الدبلوماسيّة. ومعها، يصبح الحوار بين متساويين.


موسكو وبكين... حلفاء الضرورة أم شركاء المصير؟

لا يمكن الحديث عن المعادلة الجديدة من دون التوقف عند الموقع الدوليّ لإيران. لقد التفت واشنطن متأخّرةً إلى أن «العزلة الدوليّة» التي حاولت فرضها على إيران تحوّلت إلى عزلتها هي.

عندما تقول وثائق البنتاغون إن العدوّ الحقيقيّ للمشروع الصهيو – أميركي هو «إيران – روسيا – الصين»، فإنها لا تبالغ كثيراً . الثلاثة لا يشكّلون حلفاً عسكريًّا رسميّاً، لكنهم يشكّلون وعياً مشتركاً بأن الهيمنة الأميركيّة الأحاديّة قد ولّت.

إيران تقدّم للنموذج الصاعد في العالم (آسيا) ما لا تقدّمه أيّ دولة أخرى: نموذج مقاومة فعّال، وخبرة في التعامل مع العقوبات، وموقع جغرافيّ استراتيجيّ يتحكّم بممرّات الطاقة. في المقابل، تقدّم الصين وروسيا غطاءً سياسيّاً في مجلس الأمن، وتكنولوجيا متطوّرة، وأسواقاً للنفط.

لكن إيران ليست تابعاً في هذا الحلف غير المعلَن. إيران هي مَن يقرّر متى تفتح جبهات المقاومة، ومتى تهدّئها. موسكو تفاوض واشنطن، وبكين تتاجر معها، لكن إيران هي التي تواجهها في الميدان. هذا موقع قوّة، لا ضعف.


الإنسان المقاوم... الصناعة الأصعب

يغفل التقارير الغربيّة عن أهمّ عنصر في المعادلة الإيرانيّة: الإنسان. إن الحديث عن الصواريخ والمدن تحت الأرض هو حديث عن المنتَج النهائيّ. لكن المصنع الحقيقيّ هو المجتمع الإيرانيّ نفسه.

على مدى خمسة وأربعين عاماً، أنتجت الثورة الإسلاميّة جيلاً بعد جيل من العلماء والمهندسين والقادة العسكريّين الذين يؤمنون بأن «الاستقلال» ليس شعاراً يُرفع في المهرجانات، بل هو برنامج حياة. هذا الجيل لم يدرس في هارفارد ولا في السوربون. درس في جامعات طهران وشيراز وأصفهان. تعلّم أن يصنع من النحاس المحلّي أشباه موصلات. تعلّم أن يبرمج الصواريخ بلغة لم يخترعها الأميركيّ.

هذا الإنسان هو الذي يخيف إبستين ونتنياهو. لأن هذا الإنسان إذا انتشر في المنطقة، انتهى زمن الوكلاء والعبيد والترسانات الفارغة.


الرعب من «القدوة» لا من «القوّة»

تحليل الخطب السياسيّة لزعماء إسرائيل في الأسابيع الأخيرة يكشف عن هاجس غريب. إنهم لا يتحدّثون كثيراً عن عدد الصواريخ الإيرانيّة، بل يتحدّثون عن «روح المقاومة». نتنياهو يقول: «أفضل الثورات تبدأ من الداخل» . وهذا اعترافٌ ضمنيّ بأن مشكلة إسرائيل ليست في الترسانة الإيرانيّة، بل في الرسالة الإيرانيّة.

إيران اليوم لا تصدِّر الصواريخ فقط إلى حلفائها. تصدِّر فكرةً: «يمكنكم أن تفعلوا مثلي». تصدِّر نموذجاً: «يمكنكم أن تقفوا على أقدامكم». هذا هو الخطر الوجوديّ على المشروع الاستعماريّ برمّته. إذا استقلّت الشعوب، مَن سيشتري السلاح الأميركي؟ مَن سيقدّم القواعد العسكريّة مجّاناً؟ مَن سيصفّق للزيارات الرسميّة؟


إعادة إنتاج الشاه... حلم أم كابوس؟

ما يريده البنتاغون والموساد واضح: إعادة عقارب الساعة إلى الوراء، إلى ما قبل 1979. إلى إيران التي كانت تسمّى «درّة الخليج». إيران التي كانت تشتري كلَّ ما ينتجه مجمّع الصناعات العسكريّة الأميركيّ. إيران التي كانت أوّل المعترفين بإسرائيل في المنطقة، وثاني دولة إسلاميّة تعترف بها بعد تركيا.

لكن التاريخ لا يعيد نفسه بهذه البساطة. إيران اليوم ليست إيران الأمس. الشعب الإيرانيّ اختبر طعم الاستقلال. اختبر طعم صناعة الصاروخ بأيديه. اختبر طعم إسقاط الطائرة الأميركيّة من دون استئذان أحد. العودة إلى الوراء تعني حرباً أهليّة لا تُحمد عقباها. تعني دماراً للبنى التحتيّة التي أنفقت عليها الأجيال عقوداً من العرق.

والمدهش أن الأميركي نفسه يدرك هذا. لكنه أسير خطابه. لقد صعّد إلى حدّ لا يستطيع معه التراجع. حشود الأسطول الخامس لا يمكن سحبها دون أن يقال إن إيران انتصرت. ولذلك، الحلّ الوحيد الذي يراه هو أن تنفجر إيران من الداخل. وهذا الحلّ، كما يبدو، سيبقى سراباً.



التكلفة الباهظة... إلى متى يتحمّل دافع الضرائب الأميركيّ؟

ثمّة سؤال صارخ تتجنّبه وسائل الإعلام الأميركيّة: كم كلّفت هذه المواجهة خزينة الولايات المتّحدة؟ كم مليار دولار أُنفقت على نقل حاملات الطائرات ذهاباً وإياباً؟ كم ملياراً أُنفقت على صواريخ اعتراضيّة باهظة الثمن لإسقاط مسيّرات إيرانيّة لا تتجاوز كلفة الواحدة منها بضع عشرات آلاف الدولارات؟

الاقتصاد الأميركي يعاني. الدَين العامّ يتجاوز السقف. الجسور والطرق في نيويورك تتداعى. المشردون ينامون في شوارع كاليفورنيا. ومع ذلك، تُصرّ الإدارة على استنزاف المليارات في مواجهة لا يمكن كسبها.

إسرائيل أيضاً تدفع الثمن. اقتصادها يعتمد على الاستثمارات الأجنبيّة، وهذه الاستثمارات تهرب عند أول صفّارة إنذار. مئات آلاف المستوطنين يقضون ساعاتٍ في الملاجئ. شركات التكنولوجيا الفائقة تفكّر في نقل مقرّاتها إلى أوروبا.


رسالة إلى صنّاع القرار في واشنطن

إذا كان في وسع هذه السطور أن تبلغ مَن يصنع القرار في البيت الأبيض، أقول لهم بكلّ تجرّد: لقد جُرِّبت الحرب مع إيران. جُرِّبت الاغتيالات. جُرِّبت العقوبات القصوى. جُرِّبت سياسة الضغط الأقصى. كلّها فشلت في تحقيق الهدف المعلَن، ونجحت فقط في زيادة الحقد والكراهية.

إيران ليست أفغانستان. ليست العراق. ليست سوريا. إيران دولة ذات مشروع حضاريّ، تمتدّ جذوره في التاريخ لأكثر من ألفي عام. لا يمكن احتلالها، ولا يمكن تغيير نظامها من الخارج، ولا يمكن إجبارها على الاستسلام.

الحلّ الوحيد العقلانيّ هو القبول بإيران القويّة. القبول بأن لها مصالحها المشروعة في المنطقة. القبول بأن زوال إسرائيل ليس شرطاً إيرانيّاً للتعايش، بل هو نتيجة حتميّة لسياسات إسرائيل نفسها. القبول بأن مراكمة القوّة الإيرانيّة هي واقعٌ لا يمكن تغييره، بل يمكن فقط إدارته.


رسالة إلى الشعوب العربيّة

أمّا إليكم، يا شعوب الأردن ومصر وسوريا ولبنان وفلسطين والخليج، فأقول: لا تنتظروا من أحدٍ أن يحرّركم. لا تنتظروا من واشنطن أن تعدّل سياستها. لا تنتظروا من تل أبيب أن تشفق عليكم.

انظروا إلى إيران. لم تكن يوماً أقوى منكم. كانت أفقر من كثير من دولكم. كانت أكثر عزلة. ومع ذلك، صنعت معجزتها. صنعتها لأنّها آمنت أنّ التخلّف ليس قدراً، وأنّ الاستعمار ليس حتميّة، وأنّ الغرب ليس الإله الوحيد الذي يُستعبَد.

قوّتكم في وحدتكم. قوّتكم في علمائكم ومهندسيكم. قوّتكم في أرضكم وثرواتكم. قوّتكم في رفضكم أن تكونوا مجرّد سوقٍ استهلاكيّة لمنتجات الآخرين وأسلحتهم.


خورّمشهر تنتصر من جديد

يحمل هذا الصاروخ اسم مدينة عربيّة إيرانيّة، سقطت في الحرب التي فرضها صدام على إيران بدعمٍ عربي وغربيّ وإقليميّ. خرمشهر سقطت، ثمّ حُرِّرت بدماء الشباب الإيرانيّ. كانت تلك بداية الوعي الجديد: لا أحد سيحمينا إلا أنفسنا.

واليوم، يحمل الصاروخ الجديد الاسم نفسه. خرمشهر لم تعُد مدينة حدوديّة منكوبة. خرمشهر صارت عقيدة عسكريّة. صارت رسالة إلى كلّ من يعتقد أن إيران يمكن أن تُهزَم: لقد حُرِّرت خرمشهر بالأمس، واليوم تُحرَّر المعادلات الإقليميّة.

هكذا يصير النصر ثقافة. هكذا يصير الاستشهاد حياة. هكذا تصير إيران قوّة عظمى، لا لأنها تملك القنبلة، بل لأنها تملك مفاتيح القلوب والعقول قبل مفاتيح الصواريخ.


الخاتمة... إيران التي لا تُقهَر

في اللحظة التي تقرأ فيها هذه السطور، تكون حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن» لا تزال تسبح في مياه الخليج. والطيّارون الإسرائيليّون لا يزالون يتدرّبون على ضرب المنشآت النوويّة. والدبلوماسيّون لا يزالون يلتقون وينفضّون.

لكن في اللحظة نفسها، يكون مهندس إيرانيّ شابّ، ربما لم يتجاوز الثلاثين من عمره، يراقب شاشات نظام التوجيه لصاروخ خورمشهر-4. يكون مستعدّاً للضغط على الزرّ إذا تعدّت الطائرات الحمراء الخطوط الحمراء.

هذا الشابّ هو قوّة إيران العظمى. ليس الصاروخ. ليس اليورانيوم. ليس حتى القائد. هذا الشابّ الذي ينام قرير العين، لا يخشى تهديدات ترامب، ولا حشود البنتاغون، ولا وعيد نتنياهو. ينام وهو يعلم أن الردع الحقيقيّ هو أن تكون مستعدّاً للموت كي تحيا أمّتك.

من أجل هذا الشابّ، ومن أجل أمثاله في كلّ بقعة من بقاع الأرض المستضعفة، نقول للاستعمار الجديد: لقد فات الأوان. إيران التي تتصوّرونها في أوراق البنتاغون لم تعُد موجودة. إيران اليوم حقيقةٌ لا يمكن إنكارها، ولا يمكن ردّها إلى الوراء.

إيران قوّة عظمى. ليس لأنها تريد ذلك، بل لأنكم أردتم إذلالها فأبيت.

وظيفة الكيان انتهت. لا لأن إيران دمّرته، بل لأنه عجز عن إيجاد مبرّر لوجوده في غير ظلّ الهيمنة الأميركيّة.

ووظيفة الإمبراطوريّة تلفظ أنفاسها الأخيرة. لا لأن جيوشها هُزِمت، بل لأن فكرة أنّ شعباً يمكن أن يُشترى بالدولار ويُقهر بالطائرات قد ماتت في خنادق المقاومة.

تمّت

أحمد صالح سلوم
شباط 2026

……..

المادة الساخرة :


الجمهورية التي أرعبت نتفلكس... كيف حوّل «خورمشهر-4» إيران إلى برنامج واقعي بمواسم غير محدودة؟

العنوان الداخلي (الافتتاحية):

لماذا لا يتفاوض الأقوياء مع ترامب؟... تأمّلات في آنيّة الفزع وخلود التبرّع



نحن والمنظور الغربي... وهم المحميات وحقيقة الإفلاس

ليس في تاريخ العلاقات الدوليّة ما هو أشدّ سخريةً من أن تُصنّف دولةٌ بأنها «الإمبراطورية العظمى» لمجرّد أنها تملك حقّ الفيتو وحاملات الطائرات ومليون جندي لا يعرفون أين تقع أفغانستان أصلاً.

ليس في سجّلات البنتاغون ما هو أطرف من أن تُحاكم إرادة شعبٍ بأنها «عدوانية» لأنها تريد أن تملك زمام قرارها، بينما حلفاؤها في الخليج يملكون زمام الشيكات.

يسألون: لماذا تتفاوض أميركا مع إيران؟ وكأنّ التفاوض منّةٌ من مدير شركة أمن خاص على عميل دفع الفاتورة متأخراً.

يسألون وإيرانُ بلا حاملات طائرات، وبلا قواعدَ عسكريّة في بحار الآخرين، وبلا أموال مجمّدة في سويسرا تكفي لإطعام أمّة.

فلماذا، إذاً، هذا الجيشُ الجرّار الذي يرفض التقاعد؟ لماذا حاملاتُ الأسطول الخامس التي تستهلك وقوداً يكفي لتدفئة مليون مشرّد أميركي؟ لماذا حشودُ البنتاغون التي لا تكلّ ولا تملّ من المرابطة في مياه الخليج الدافئة؟!

لم تَعُد الإجابةُ سرًّا. الحشودُ العسكريّة ليست إلا محاولةً يائسةً لإعادة عقارب الساعة إلى الوراء. إلى أيامٍ كان فيها «شاهنشاه» إيران يتسوّل شراءَ طائراتٍ قديمة من كتalog الجيش الأميركي المستعمل.

إلى أيامٍ كانت فيها إيران محميّةً، لا وطناً. مثل الكويت. مثل قطر. مثل البحرين. مثل... طيب ما تزعلوش.

ذلك أن إيران التي نراها اليوم لا تُهاجَم لأنها قويّة. تُهاجَم لأنها، في معادلات الهيمنة، أشدُّ إحراجاً من أي قوّة نوويّة مطمئنّة.

إيران لا تهدِّد إسرائيل بصاروخ ذرّي؛ إيران تهدِّد مشروع «إبستين» الاستعماري بمجرد أنها تثبتُ كلَّ يوم أن صناعةَ الإنسان أصلبُ من صناعة الرؤوس النوويّة، وأن صناعةَ الصواريخ لا تُشترى من الخارج، بل تُستنبَط من نخاع الأرض... أو من موقع علي بابا، المهم ما حدى داري.

……

أسطورة الضعف الإيراني... وإشكالية النظرة الاستعلائيّة من فوق البرج المراقب

منذ ما يزيد على أربعة عقود، والمراكزُ الغربيّة للدراسات الاستراتيجيّة ترفعُ رايةَ السخرية من الجيش الإيراني.

في البداية، سخروا من الخُطب. ثم سخروا من «الحرس الثوري». ثم سخروا من الصواريخ القصيرة المدى. ثم سخروا من الطائرات من دون طيار ووصفوها بالبدائيّة.

اليوم، يتوقّفون عند صاروخ «خورمشهر-4» ليعلنوا أنه «تطوّرٌ مقلق».

بيد أن السؤال العميق ليس: كيف استطاعت إيران أن تصنع صاروخاً فرط صوتيًّا يقطع المسافةَ إلى تل أبيب في عشر دقائق؟

السؤال الأعمق هو: لماذا ظلّ الغربُ طوال هذه السنين يقرأ إيران قراءةً استعلائيّةً خاطئة؟

لماذا ظلّ يظنُّ أن العقوبات ستحيل الجمهوريّة الإسلاميّة إلى كوريا شمالية أخرى... لكن مع المزيد من المسلسلات التركية المدبلجة؟

الجواب يكمن في فكرة «العجز» التي يُسقطها المستعمِر على المستعمَر.

ففي المنطق الغربي، لا قوّةَ بلا ترسانة نوويّة. ولا هيبةَ بلا حاملات طائرات. ولا قدرةَ بلا تكنولوجيا مستورَدة من وادي السيليكون... أو من شينزين، المهم تكون عليها ملصق "صنع في".

حين ينظر الغرب إلى إيران، يراها من خلال عقدة النقص التي يعاني منها حلفاؤه في المنطقة.

يراها كما تراها السعودية: جيشاً يمتلك دبّابات قديمة من حقبة السبعينيّات، وطائرات إف-4 و إف-5. يراها وكأنها متحفٌ عسكريّ.

وهذا هو الخطأ الاستراتيجيّ الأكبر في القرن الحادي والعشرين.

فإيران لم تبنِ جيشاً يعتمد على قطع الغيار الأميركيّة. إيران بنَت عقيدةً عسكريّةً لا تحتاج إلى أن تسأل أحداً الإذن.

عقيدةً تقوم على الصواريخ البالستيّة التي تُصنَع محليّاً، والطائرات من دون طيّار التي تتفوّق على مثيلاتها الإسرائيليّة... في كتalog الأسعار على أقل تقدير.

…….

«خورمشهر-4»... اسمٌ لا يُنسى (ولو حاولوا)

في الخامس من شباط 2026، وقبل ساعاتٍ من انطلاق المحادثات النوويّة في مسقط، كشفت إيران النقاب عن مدينة صاروخيّة جديدة تحت الأرض.

لم يكن هذا الكشف مجرّد بيانٍ صحفيّ، ولا عرضاً عسكريًّا على منصّة. كان رسالةً مشفَّرةً بدماء الشهداء... وبتوقيت مناسب لوكالات الأنباء العالميّة.

«خورمشهر-4»، أو كما يحلو لصنّاعه تسميته «خيبر»، ليس مجرّد صاروخ بالستيّ متوسط المدى. هو رمزُ المعادلة التي تقول: «لا يمكن أن يُهزَم من يمتلكُ 2000 كيلومتر من الغضب».

صاروخٌ يحمل رأساً حربياً يزن طناً ونصف الطنّ.

رأسٌ ليس مصمَّماً للتفاخُر، بل لتسوية القواعد العسكريّة بالأرض... أو لإثارة الكآبة في وجوه خبراء القبّة الحديديّة.

صاروخٌ يبلغ سرعته 16 ضعف سرعة الصوت خارج الغلاف الجويّ، و8 أضعاف داخله.

سرعةٌ لا تعطي لأنظمة القبة الحديديّة ولا لنظيراتها الأميركية أيَّ فرصةٍ للتفكير.

الصاروخ يصل قبل أن تبدأ منظومات الإنذار بالصراخ... وقبل أن ينهي نتنياهو جملته الشرطية: "إذا لم تفعل الولايات المتحدة..."

دقةٌ تصل إلى 30 متراً. هذا ليس صاروخاً مبعثَراً يُستخدم لرعب المدنيين. هذا رأسُ حربةٍ جراحيّ، يقرأ عنوان الهدف ثم يطرق الباب... بأدب شرقي.

لكن الأهمّ من كلّ ذلك، هو أن إيران لم تكتفِ بتطوير الصاروخ. بل طوَّرت عقيدةَ الاستخدام.

فـ«خورمشهر-4» دخل الخدمة لا كسلاح ردع دفاعيّ، بل كسلاح هجوميّ.

إيران لم تعُد تنتظر حتى تُضرب لتضرب. إيران أصبحت هي مَن يُملي قواعد الاشتباك.

مثل ذاك اللاعب في البلايستيشن اللي بيقرأ تحركات الخصم قبل ما يفكر فيها.

…….

ميزان الردع... حين يكون الرقم 2000 أقوى من 90% (ومليارات التبرعات)

يسأل السذّج: أين قنبلة إيران الذريّة؟

ويسأل العملاء: أين مفتّشو الوكالة الدوليّة؟

لا يُدرِك هؤلاء أن إيران صنعت «قنبلتها الذريّة» من دون يورانيوم مخصَّب.

صَنَعَتْها من هندسة الصواريخ. صَنَعَتْها من سرعة الفتك. صَنَعَتْها من إيمانها بأن الوصول إلى عيار 90% ليس أعظم من الوصول إلى عيار 2000 كيلومتر... وبأن العقوبات فرصة لتوطين الصناعة.

لقد قال وزير الخارجيّة عباس عراقجي كلمته الفاصلة: «إنهم يخافون من قنبلتنا الذرّيّة، ونحن لا نسعى إليها. قنبلتنا الذرّيّة هي قوّة قول لا للقوى العظمى».

لم تكن هذه الكلمة بلاغةً دبلوماسيّةً عابرة. كانت إعلانَ مذهبٍ سياسيّ – عسكريّ جديد: إيران ترفع شعار «الردع بلا سلاح نووي».

إيران تقول للعالم: ها نحن نكسر احتكار القوّة. أنتم تملكون الترسانة الذرّيّة، ونحن نملك إرادة التحرّر. أنتم تملكون حقّ النقض في مجلس الأمن، ونحن نملك حقّ النقض في ساحة المعركة.

وهنا يكمن سرّ الرعب الإسرائيليّ.

فمنذ عام 1948، قامت إسرائيل على أسطورتين: أسطورة الجيش الذي لا يُقهر، وأسطورة التفوق النوويّ الإقليميّ.

اليوم، سقطت الأسطورتان معاً.

الجيش الإسرائيليّ عاجز عن ردع صواريخٍ لا تمنحه الوقت الكافي لاستدعاء الاحتياط... ولا لشوي الفلافل.

والتفوّق النوويّ لم يعُد ذا قيمةٍ أمام صواريخَ فرط صوتيّةٍ يمكنها أن تصل قبل أن تُفتَح علب الغاز... وقبل أن ينتهي نتنياهو من خطابه أمام الكونغرس رقم 47.

…….

الكيان منتهي الصلاحيّة... هلعياطُ إسرائيل وفراغ وجودها

ما حدث في شباط 2026 لم يكن مجرّد مناورة عسكريّة جديدة. كان إعلانَ وفاةٍ سريريّةٍ للكيان الصهيوني.

لاحظ المراقبون كيف قفز بنيامين نتنياهو، في غضون أسابيع قليلة، من موقفٍ متحفِّظ على الحرب إلى موقف الهائج الذي يطالب واشنطن بقصف إيران فوراً.

هذا التحوّلُ ليس ناتجاً عن قوّة إسرائيلية مفاجئة، بل عن ضعفٍ مستشعر.

إسرائيل أدركت أنها، في أيّ حربٍ قادمة، ستكون وحدها في ساحة النار... حتى حاملات الطائرات الأميركية صارت تتمركز خارج الخليج، خوفاً على كراسي القبطان.

صواريخ «حزب الله» الدقيقة التي تنتظر الإذن بالإطلاق. صواريخ «أنصار الله» اليمنيّة التي أثبتت قدرتها على تجاوز المسافات الطويلة. صواريخ «المقاومة الإسلاميّة» في العراق.

وكلّها، اليوم، تتغذّى من منظومة استخباراتيّة إيرانيّة متطوّرة، وتعمل وفق عقيدةٍ موحَّدة: إغراق الدفاعات الجويّة الإسرائيليّة... وإرباك شركات التأمين.

لقد كشفت حرب الأيّام الاثني عشر في حزيران 2025 عن شيءٍ لم تعترف به تل أبيب رسميّاً: القبّة الحديديّة لها سقف.

عندما تُطلَق 500 صاروخ بالستيّ وألف طائرة مسيّرة في وقتٍ متقارب، لا تعود للقبّة فائدة.

المدنيّون الإسرائيليّون اكتشفوا أن الملاجئ لا تحمي من صواريخ تزن أطناناً... وأن تطبيق "الرد الآلي" على الصفارات لا يعمل إذا كنت نائماً.

والجيش اكتشف أن الاغتيالات لم تعُد تردع جيلاً جديداً من القادة يعيشون تحت الأرض، ويخطّطون للمستقبل... ويتابعون آخر صيحات الموضة في النظارات المقاومة للصواريخ.

…….

واشنطن عاجزة... الإمبراطورية تترنّح (وحزام الأمان مقطوع)

لا يمكن فهم الهستيريا الأميركيّة الحاليّة بمعزل عن مأزق الإمبراطورية.

فمنذ الانسحاب الكارثي من أفغانستان، وواشنطن تبحث عن صورةٍ تعيد لها هيبتها المتآكلة.

جاء ترامب ليبيع الأوهام: «أميركا أقوى من أيّ وقت مضى».

لكن الواقع على الأرض يقول عكس ذلك.

حاملة الطائرات «يو إس إس أبراهام لنكولن» موجودة في البحر العربيّ، وليس في الخليج العربيّ.

الطائرات العسكريّة تُحلِّق في مناورات دفاعيّة، لا هجوميّة.

وكلّ التسريبات الصادرة عن البنتاغون تتحدّث عن «فرصة لتمكين إسرائيل»، وليس عن «خطة أميركية لضرب إيران».

الترجمة السياسيّة واضحة: واشنطن تريد الحرب، لكنّها لا تريد أن تخوضها.

واشنطن تريد أن تدمّر إيران، لكنّها تعلم أن ثمَن ذلك سيكون باهظاً.

ليس فقط في الخليج، بل في أوكرانيا حيث تحتاج أوكرانيا إلى كلّ قطعة سلاح.

وفي آسيا حيث الصين تراقب وتنتظر... وتتناول الفشار.

وفي الداخل الأميركي حيث المواطن لم يعُد متحمّساً لحروب الشرق الأوسط، وهو مشغول بأسعار البيض وحرائق كاليفورنيا.

ولهذا السبب تتوسّل إدارة ترامب العربَ ليشاركوا في العدوان، وتجدهم يتهرّبون.

السعودية ترفض استخدام أجوائها للهجوم على إيران، علناً، بينما تهمس في أذن واشنطن: «إذا لم تضربوها، ستزداد قوّة».

تركيا ترفض رفضاً قاطعاً أي حرب... صورياً على الأقل.

قطر تكتفي باستضافة القاعدة الأكبر... وتصريحات الحياد.

الإمارات تلعب على الحبلين... وخيوطها من حرير صيني.

…….

محميات بلا مشاريع... ومشروع بلا محميّة (وكلها على حساب دافع الضرائب)

من أعجب ما في هذه المواجهة الطويلة، هو هذا التناقض الصارخ بين «محاور المقاومة» و «محميات الاستسلام».

أنظروا إلى ما تسمّى دول الخليج الثريّة.

تمتلك أحدث الطائرات الأميركيّة. تشتري أغلى منظومات الدفاع الجوّي. تنفق مليارات الدولارات سنويّاً على شراء الحماية.

ومع ذلك، كلّها عاجزة عن حماية سمائها لوحدها.

تحتاج القوات الأميركيّة لتوجيه صواريخها. تحتاج الموساد لقراءة استخباراتها. تحتاج البنتاغون لرسم عقيدتها العسكريّة.

ثم أنظروا إلى إيران.

محرومة من شراء أي سلاح متطوّر. تخضع لأقسى حصار تكنولوجيّ في التاريخ.

ورغم ذلك، تصنع صواريخ لا تستطيع المنظومات الأميركيّة اعتراضها.

تدمّر طائرات تجسّسٍ أميركيّة متطوّرة وتعلن عنها في متاحفها الحربيّة.

تأسر بحّارةً أميرك وتفرج عنهم بكرم الضيافة، لا بذلّ الاستجداء.

هذه ليست معجزة.

هذا هو الفرق بين أمّة تقرأ التاريخ كي تصنعه، وأممٍ تقرأ التاريخ كي تبقى هوامشه... وتدفع الفواتير.

……

وظيفة الكيان انتهت... لا لأنه دُمّر، بل لأنه عجز عن إيجاد مبرّر

وظيفة الكيان انتهت.

ليس لأن إيران دمّرته، بل لأنه عجز عن إيجاد مبرّر لوجوده في غير ظلّ الهيمنة الأميركيّة.

وعجز عن إقناع شعبه بأن البقاء في الملاجئ 12 ساعة يومياً هو "الحلم الصهيوني".

ووظيفة الإمبراطوريّة تلفظ أنفاسها الأخيرة.

ليس لأن جيوشها هُزِمت، بل لأن فكرة أنّ شعباً يمكن أن يُشترى بالدولار ويُقهر بالطائرات قد ماتت في خنادق المقاومة.

أو على الأقل، صارت قديمة الطراز... مثل طائرات F-4.

…..

تمّت... على أمل ألا نضطر لتكملة الموسم الخامس عشر



#احمد_صالح_سلوم (هاشتاغ)       Ahmad_Saloum#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- افتتاحية كتاب ( شاهدٌ بلا سلاح )أحمد صالح سلوم
- افتتاحية كتاب ( كاتب على حافة الخريطة) – أحمد صالح سلوم
- الطَّرِيقُ الثَّالِثُ: إِيرَانُ تَبْحَثُ عَنْ مَخْرَجٍ بَيْن ...
- تمهيد في تفكيك البنى الخطابية الوهابية للهيمنة المعاصرة في م ...
- ما وراء واجهةدي ويفر -رئيس الجميع-: تفكيك الخطاب النيوليبرال ...
- تأملات في التشكل الإبيستيني للنظام الصهيوني وأسطورة السيادة ...
- الجزر المعتمة: جغرافيا التعذيب في خدمة الإمبريالية المعاصرة
- روتشيلد وممثله ابستين: هشاشة العدالة في مواجهة سيادة الإمبرا ...
- سيرة ابستين نتنياهو : تشابك السلطة والانحطاط في دهاليز السي ...
- استشراف آفاق السيادة: رؤى تنموية في عالم متعدد المراكز
- فضائح إبستين: جراح الطفولة في سرداب الأوليغارشية
- أوراق التمويه: استنبات الوعي الزائف في استعمار الأمم
- محمد حسنين هيكل في ظلال الغياب واستمرارية النماذج
- نزيف تحت الجلد: سيرة كتاب هز عروش الإمبراطوريات
- كتاب : - انفكاك العمالقة: النظام العالمي في زمن التحولات الج ...
- الجهاز الإعلامي كأداة طبقية: تحليل مايكل بارينتي ل -السلطة ا ...
- سيادة الطاقة كجوهر للسيادة الوطنية - إيران في مواجهة نموذج ا ...
- إيران ومعادلة السيادة في عصر التعددية القطبية
- خلاصة النقاشات التي بُني عليها كتاب (نزيف تحت الجلد ) -
- من نهاية التاريخ إلى نزيف تحت الجلد..دراسة مقارنة


المزيد.....




- -عارٌ عليكِ!-.. مشادة بين نائب بالكونغرس والمدعية العامة بام ...
- من حانة متواضعة إلى شهرة عالمية.. طبق يصنع قائمة انتظار لأرب ...
- بريطانيا.. وزير خارجية سابق يطالب ستارمر بالاستقالة بسبب -فض ...
- من وراء الكواليس.. كيف يختار الأثرياء ملابسهم الفاخرة؟
- رسائل من البحر الأحمر.. إسرائيل تنفذ تمرينًا عسكريًا في إيلا ...
- صدمة في كندا بعد إطلاق نار جماعي في ثانوية تمبلر ريدج
- -عائد إلى غزة-.. شهادات عن اجتياز معبر رفح: الجيش الإسرائيلي ...
- -مؤسسة غزة الإنسانية- الأمريكية أمام دور جديد في القطاع.. هل ...
- بنغلادش تجري أول انتخابات بعد ثورة -الجيل زد- لطي صفحة حكم ا ...
- عودة 46 فلسطينيا إلى غزة عبر معبر رفح


المزيد.....

- حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف ... / رياض الشرايطي
- الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى ... / علي طبله
- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ... / علي طبله
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ... / علي طبله
- الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل ... / علي طبله
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر / محمد جعفر ال عيسى
- اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات، ... / رياض الشرايطي
- رواية / رانية مرجية
- ثوبها الأسود ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - احمد صالح سلوم - الجمهورية التي أرعبت الإمبراطورية... كيف حوَّل «خورمشهر-4» إيران إلى قوّة عظمى لا تُقهر؟