أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - احمد صالح سلوم - فضائح إبستين: جراح الطفولة في سرداب الأوليغارشية















المزيد.....

فضائح إبستين: جراح الطفولة في سرداب الأوليغارشية


احمد صالح سلوم
شاعر و باحث في الشؤون الاقتصادية السياسية

(Ahmad Saloum)


الحوار المتمدن-العدد: 8609 - 2026 / 2 / 5 - 20:22
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


مقدمة: الستار الممزق

اخيرا ، بين أضواء التقدم التكنولوجي وصخب الخطابات الحقوقية، انهار جزء من الستار المخملي الذي يلف عالم النخبة العالمية. لم يكن انهياراً عادياً، بل كان تمزقاً في نسيج من القوة والسرية والامتياز المطلق، كشف من خلاله "أرخبيل جيفري إبستين" عن جغرافيا مروعة تقع خارج نطاق القانون والإنسانية. هذه الجغرافيا ليست مجرد جزر استوائية خاصة أو قصور فاخرة في نيويورك، بل هي تشريح رمزي للعقلية الأوليغارشية الغربية في أقصى حالات انفصالها وتوحشها. الفضيحة هنا تتجاوز الجرم الجنائي الفردي لتتحول إلى نافذة يُطْلَع منها على آلية عمل النظام العالمي المهيمن، حيث تذوب الحدود بين السلطة المالية المطلقة، والفساد السياسي المُؤسسَس، وأجهزة الاستخبارات التي تعمل في الظل، والانتهاك المنهجي للإنسان كأدنى قيمة في معادلة التراكم والهيمنة الغربية .

إن فهم هذه الظاهرة يتطلب تجاوز السرد الصحفي التسويقي للفضائح، والغوص في البنى التحتية التي تنتجها وتحميها. إنه يستدعي عدسة نظرية قادرة على تفكيك النموذج المركزي المهيمن، الذي يرى العالم كمزرعة خاصة، والبشر -وخاصة الأكثر ضعفاً كالأطفال- كموارد قابلة للاستغلال والاستهلاك. في المقابل، يفرض البحث نفسه مقارنة نقدية مع نماذج حاكمة أخرى ترفض منطق تغول الأوليغارشية بشكل مطلق، وتجعل السلطة السياسية خادمة للخط العام الذي تضعه أغلبية الشعب، كما يتجلى في التجربة الصينية تحت قيادة الحزب الشيوعي الصيني، حيث يتم تنظيم وترويض قوى السوق والمال لخدمة المشروع الوطني التنموي الشامل.

أرخبيل إبستين – جغرافيا اللامسؤولية

كان جيفري إبستين أكثر من مجرم جنسي. كان عالماً بارعاً في رسم خرائط التحالفات بين عوالم المال الخفي، والسياسة العليا، والعلوم اللامعة، والاستخبارات الغامضة. منزله في نيويورك وجزيرته الخاصة "الجزيرة المملوكة" (المعروفة إعلامياً بجزيرة الموتى) لم يكونا مسارح لجريمة فحسب، بل كانا "صالونات سيادية" مُصغرة، حيث تُقاس القوة ليس فقط بالثروة، بل بالقدرة على تجاوز كل القيود الأخلاقية والإنسانية، والقدرة على امتلاك ما لا يملكه الآخرون، والوصول إلى ما هو محرم على العامة. الإفراج عن آلاف الوثائق، وإن كان مجتزءاً ومتحيزاً، كشف عن قائمة تضم أسماء من شتى المجالات: رؤساء أمريكيون سابقون (كبيران من الحزبين الرئيسيين)، وزوجة رئيس سابق، أمراء وأرستقراطيون أوروبيون، أكاديميون مرموقون في أرقى الجامعات، رؤساء شركات تكنولوجية عملاقة يقدمون على أنهم "صناع المستقبل"، إلى جانب شخصيات غامضة من دوائر الاستخبارات.

هذه الشبكة لم تكن تجتمع للمتعة فحسب، بل لصناعة "رأسمال اجتماعي" من نوع خاص جداً، قائم على المشاركة في السر، والتبعية المتبادلة، والالتزام بالصمت الأبدي. هنا تتحول الجريمة ضد الأطفال (الأمريكيين وغيرهم) إلى عملة للترابط بين النخب، وإلى اختبار للولاء للمنظومة فوق الوطنية. إنه التجسيد الأكثر بشاعة لما يُطلق عليه "التراكم البدائي للرأسمال الاجتماعي" عبر العنف والانتهاك، حيث يُستَخدم الجسد الأضعف كوسيط لتوثيق عرى التحالفات في قمة الهرم العالمي.

العقلية الأوليغارشية – من التراكم إلى الامتلاك المطلق

لفهم دوافع وقيم هذه الشريحة، يجب الرجوع إلى التحليل النقدي للنموذج المهيمن. يفيدنا هنا الفكر الذي يحلل المركزية الرأسمالية المتوحشة، والذي يرى أن النظام المهيمن لا يهدف فقط إلى تراكم الثروة، بل إلى تراكم القوة والهيمنة على جميع مناحي الحياة. في مرحلته المتأخرة، يتحول هذا النظام إلى "نظام إمبراطوريات مالية" تتحكم بها أقلية ضيقة من الأوليغارشيين. هذه الأقلية تعيش في حالة انفصال تام عن واقع البشر الآخرين. قيمتها الذاتية تتحدد بقدرتها على التحكم والتأثير وامتلاك المفاتيح.

في هذا السياق، يصبح امتلاك "المحرمات" – كالاعتداء على الأطفال – تعبيراً قصياً عن هذه القوة المطلقة. إنه إعلان ضمني بأنهم فوق القانون، فوق الأخلاق، فوق المجتمع. إنهم "السادة الجدد" الذين يعيدون إنتاج علاقات العبودية بأشكال حديثة ومرعبة. الفضائح تكشف أن الفساد هنا ليس شذوذاً عن النظام، بل هو أحد أدوات عمله وتوطيد سلطته. العلاقة الوثيقة بين إبستين وأجهزة استخبارات معينة (كالموساد حسب العديد من التقارير الاستقصائية) ليست صدفة. فالحاجة إلى الحماية، وإلى جمع المعلومات، وإلى "التجارة" بالأسرار، تجعل من هذه الأجهزة شريكاً ضرورياً وحارساً لأعظم أسرار الأوليغارشية. إنها حلقة مفرغة: المال يشتري الحماية السياسية والأمنية، والسياسة والأمن يسهلان تراكم المزيد من المال والوصول إلى المزيد من الامتيازات المحرمة.

رأس الحربة – أدوات القمع والتمزيق الاجتماعي

لا يمكن فصل "أرخبيل إبستين" عن الجغرافيا الأوسع للعنف المنهجي الذي تمارسه أدوات الهيمنة. إذا كان الانتهاك الجنسي للأطفال في الصالونات المغلقة يمثل الوجه الخفي للوحشية الأوليغارشية، فإن القتل العلني للأطفال في غزة تحت القصف الممنهج يمثل الوجه العلني لنفس العقلية. الجهاز الاستخباري الذي يُشتبه في تواطئه مع شبكة إبستين (الموساد) هو ذاته رأس الحربة في مشروع استعماري استيطاني يمارس أبشع أشكال العنف والإبادة الجماعية ضد شعب بأكمله، حيث تجاوز عدد الأطفال الفلسطينيين الذين قُتلوا عمداً تحت وطأة الآلة العسكرية الحديثة منذ عقود، وخاصة في الجرائم الأخيرة، حاجز الأربعين ألف طفل. هذا ليس تشابهاً عارضاً، بل هو تعبير عن نسق واحد.

العقلية التي ترى أطفالاً من ضواحي أمريكا أو أوروبا الفقيرة، أو من بنات وفتية العائلات المتواضعة، كـ"سلع متاحة" للمتعة والابتزاز، هي نفسها العقلية التي ترى الأطفال الفلسطينيين كـ"تهديد ديموغرافي" يجب تقليصه، أو كـ"دروع بشرية" حسب التبريرات الكاذبة، أو ببساطة كأضرار جانبية لا قيمة لها في معادلة تحقيق الأهداف السياسية والعسكرية. في كلتا الحالتين، يتم تجريد الإنسان من إنسانيته، وتحويله إلى شيء: إما إلى أداة للمتعة والتحكم، أو إلى عائق يجب إزالته. الأدوات مختلفة (شبكات الفساد السرية مقابل الآلة العسكرية العلنية)، لكن الفلسفة واحدة: تأكيد سيطرة القلة القوية على مصائر الجماهير، وإخضاع الحياة الإنسانية لحسابات القوة والمنفعة.

البيت الأبيض وغيره – خدم النظام وحراسه

تكمن الخطورة في أن هذه العقلية ليست على هامش السلطة في المركز المهيمن، بل في قلبه. الوثائق والإفادات تشير إلى زيارات متكررة لشخصيات سياسية عليا، سابقة وحالية، لمنازل إبستين. هذا يطرح سؤالاً وجودياً عن طبيعة النظام السياسي: هل هو تعبير عن إرادة الشعب وحامي لمصالحه، أم هو "خدمة عملاء" للنظام الأوليغارشي؟ عندما يكون رئيس سابق أو مستشار سابق أو وزير سابق ضيفاً دائماً في "صالون الانتهاكات"، فكيف يمكن لهذا الشخص أن يمثل الشعب أو يدافع عن قيمه؟ الأكثر إيلاماً أن هذه العلاقات استمرت لعقود، عبر إدارات من الحزبين الرئيسيين، مما يؤكد أن الانتماء الحقيقي ليس للأحزاب أو للدستور، بل للنظام المغلق للقلة المسيطرة.

الشركات التكنولوجية العملاقة، التي تقدم نفسها كرموز للابتكار والتقدم البشري، تظهر أيضاً في قلب هذه الشبكة. مؤسسوها وكبار مسؤوليها ليسوا فقط "رواد أعمال"، بل هم جزء من هذه الأوليغارشية الجديدة التي تمتلك قوة مالية هائلة ونفوذاً على المعلومات والاتصالات على مستوى الكوكب. مشاركتهم المزعومة في هذه الحلقات تشير إلى أن "الثورة التكنولوجية" قد تم اختطافها أيضاً لخدمة نزوات وتجمعات النخبة المنفصلة، حيث يتم استخدام التقنية المتقدمة لتحسين أدوات التحكم والتجسس وإدارة الشبكات السرية، بدلاً من تحرير الإنسان ورفع مستوى حياته.

النموذج المضاد – عندما يسيطر خط الأغلبية على خط الأوليغارشية

في مواجهة هذا النموذج المتوحش، تبرز تجربة تحاول قلب المعادلة رأساً على عقب. النموذج الصيني، تحت قيادة الحزب الشيوعي الصيني، يقدم مقاربة مختلفة جذرياً لفكرة السلطة والثروة. هنا، لا يُسمح للقلة المالية بأن تصبح قوة سياسية مستقلة أو أن تتحكم بمصير الأمة. الحزب، الذي يضم عشرات الملايين من الأعضاء ويجسد – من خلال آليات واسعة للتشاور والتخطيط – الخط العام لإرادة الأغلبية الشعبية، هو الذي يضع الحدود الحاسمة لحركة رأس المال.

لا يعني ذلك إلغاء السوق أو حرية المبادرة، بل يعني إخضاعها لـ "خطوط حمراء" واضحة: لا يمكن للثروة أن تتحول إلى قوة سياسية معادية للمصلحة العامة، لا يمكن للشركات الكبيرة أن تصبح "دولاً داخل الدولة"، لا يمكن للمصالح الخاصة أن تطغى على المشروع الوطني الشامل للتنمية والتقدم. يتم تنظيم الاقتصاد بحيث تكون الأولوية القصوى للقضاء على الفقر، ورفع مستوى المعيشة للجميع، وبناء البنى التحتية الضخمة، وتطوير التكنولوجيا الاستراتيجية لخدمة الأمن والرفاه الوطني. رجال الأعمال الناجحون مرحب بهم، ولكن ضمن الإطار الذي يحدده القانون والمصلحة الشعبية. أي محاولة للتغول أو خلق شبكات فساد خارجة عن السيطرة تواجه بقوة القانون وأجهزة الدولة.

هذا النموذج يمنع بالضبط ما حدث في قضية إبستين: منع تحول المال إلى جواز مرور للخروج من نطاق القانون والأخلاق. يمنع تحالف المال الخفي مع السياسيين لخلق مناطق محرمة على العدالة. يمنع تحول أجهزة الدولة إلى حراس شخصيين للمفسدين والأثرياء المنحرفين. إنه يؤكد مبدأ أساسياً: السلطة السياسية يجب أن تكون في يد ممثلي الشعب، وأن تكون أقوى من أي قوة مالية، وذلك لضمان أن يخدم الاقتصاد الإنسان، وليس العكس.

معركة الوعي والنماذج

فضيحة إبستين ليست حدثاً منفصلاً، بل هي عَرَض لمرض بنيوي عميق في النموذج المهيمن. إنها تكشف عن عالم تسود فيه "قوانين الغاب" في قمة الهرم الحضاري المزعوم، حيث يتم التضحية بالأطفال، سواء في جزر الاستغلال الجنسي أو تحت أنقاض البيوت المدمرة، على مذبح شهوة القوة والتحكم. التستر الطويل على هذه الجرائم، والتبريرات الإعلامية الملتوية، والتحقيقات المحدودة النطاق، كلها تؤكد أن المنظومة القائمة لديها آليات قوية لحماية نفسها وإعادة إنتاج نفسها.

في المقابل، فإن النموذج الذي يضع المصلحة الشعبية العليا فوق كل اعتبار، ويسخر القوى الاقتصادية لخدمة أهداف التنمية الشاملة والأمن الوطني، ويحافظ على سيادة الدولة وقدرتها على فرض القانون على الجميع بلا استثناء، يقدم بديلاً حاسماً. إنه نموذج يؤمن بأن مستقبل البشرية لا يكمن في تغول أقلية منفصلة ووحشية، بل في تنظيم عقلاني وجماعي للموارد لتحقيق الازدهار للجميع، وحماية الكرامة الإنسانية للصغار قبل الكبار، وللفقراء قبل الأغنياء.

معركة المستقبل ليست معركة تقنيات فقط، بل هي معركة نماذج حكم، وقيم، وأولويات. بين نموذج يرى العالم كمزرعة خاصة لأقلية تتقاذف البشر كقطع شطرنج، ونموذج يرى الوطن كحديقة مشتركة يجب أن يزهر فيها كل فرد، يكمن اختيار مصيري للبشرية جمعاء. فضائح إبستين هي جرس إنذار مدوٍّ يذكرنا بحجم المخاطر عندما تُترك زمام الأمور لقوى لا تعرف إلا لغة الامتلاك والهيمنة، وتذكّرنا، في الوقت ذاته، بأن الخيارات الأخرى ليست فقط ممكنة، بل هي ضرورة للبقاء الإنساني ذاته.

……

ملاحظة: هذه المادة الصحفية التحريرية تقدم تحليلاً نظرياً يستند إلى قراءة نقدية لأحداث ووقائع متداولة إعلامياً، من منظور مقارن بين نماذج حكم مختلفة. وهي لا تدعي الإحاطة بكل جوانب القضايا المذكورة، بل تفتح الباب للنقاش والبحث الأكاديمي والاستقصائي الأعمق. الأرقام والإحالات إلى شخصيات محددة تستند إلى ما أوردته التقارير الإعلامية والاستقصائية الرئيسية خلال السنوات الماضية.





الجزيرة الفاخرة والغابة الحديدية: سيرك الفضائح العالمي

(مقدمة على نغمات موسيقى السيرك)

سيداتي سادتي، أطفال العالم المكلومين، والمغفلين الذين يدفعون الضرائب! أهلاً بكم في أعظم عروض القرن: سيرك "النخبة العالمية" حيث الفيلة الجمهورية تتراقص مع حمير الاحتكار، والقردة التكنوقراطية تتأرجح على حبال الأسهم، والأسود الاستخباراتية تروّض جمهور المشاهدين بخدع بصرية مذهلة! المشهد الأول: "الجزيرة المملوكة"، حيث تتحول "المسؤولية الاجتماعية للشركات" إلى حفلات مسؤولة اجتماعياً... عن نفسها فقط!

حفلة التنوير على شاطئ الجريمة!

تخيلوا معي: رئيس سابق، يملأ الدنيا خطابات عن "كرامة الطفل" و"قدسية الأسرة"، يجد نفسه – مصادفة تماماً! – في جزيرة استوائية يعمل فيها نظام النقل الرئيسي من المطار إلى الفيلا هو... الفتيات القاصرات! يا له من "صدفة تاريخية"! والسيدة العظيمة، التي جعلت من "تمكين المرأة" شعاراً لها، تزور نفس الجزيرة مراراً. لعلها كانت تبحث عن أدلة لرسالة دكتوراه في "تمكين القاصرات من خدمة النخبة"! أما رجل الأعمال العبقري الذي يعدنا بمستعمرة على المريخ، فربما كان يجرب على الجزيرة نظام دعم الحياة... القائم على الاستغلال!

البيت الأبيض – متحف الشمع المتحرك!

في واشنطن، هناك مسرحية هزلية دورية اسمها "الانتخابات". يأتي ممثل، ويقسم على الإنجيل أنه سينظف المستنقع. ثم يكتشف أن المستنقع لديه جاكوزي، وخدمة غرف على مدار الساعة، وتذاكر مجانية إلى الجزيرة الاستوائية المذكورة! فينقلب إلى حارس للمستنقع، بل إلى "مدير منتجع المستنقع الفاخر"! والجميل أن الممثل الذي يليه، من الفريق "المعارض"، يفعل نفس الشيء! إنها لعبة "الكرسي الموسيقي" لكن على كراسي متحركة فاخرة، ومن يقع لا يخسر شيئاً، بل يربح عقداً تأجيرياً للجزيرة!

المفارقة العظيمة: نفس الشخصيات التي تنتقد بعضها البعض على الشاشات، تلتقي – مصادفة أيضاً! – في نفس الصالونات السرية. إنها "الرياضة الروحية" للنخبة: تتصارع أمام الكاميرات كأبطال المصارعة الحرة، ثم تتراجح معاً إلى غرفة الخلف لتقسيم الأرباح والضحايا!

فرسان الإستخبارات.. حراس السرقة!

لكن من يحمي هذا الكرنفال؟ فريق الأمن الخاص! وهم ليسوا شرطة عادية، بل "فرسان الظل" من أقوى أجهزة العالم. مهمتهم ليست منع الجريمة، بل منع تصويرها! دورهم الحقيقي: تحويل الجريمة إلى "مشروع سيادي سري"، وتحويل المجرم إلى "أصل استراتيجي"! تصوروا أن سارق بنك يصبح فجأة "مدير أصول سائلة غير تقليدية" تحت حماية جهاز الدولة! هذه هي "الترقية الاستخباراتية": تحويل الفضيحة إلى ملف، والملف إلى سلعة للمساومة، والسلعة إلى وسيلة ضغط!

التناقض الساحر: شوكولاتة الأطفال مقابل صواريخ الأطفال!

وهنا تأتي ذروة الكوميديا السوداء: تشاهد شخصية سياسية تذرف دموع التماسيح على الأطفال في خطاب مسائي، وفي الصباح تصادق على ميزانية أسلحة تُستخدم لتحويل أحياء بأكملها – مليئة بالأطفال – إلى ركام! إنه "مبدأ التعددية الوظيفية" في النخبوية: الأطفال الغربيون سلعة ترفيهية في السر، والأطفال الفلسطينيون أرقاماً في تقارير عسكرية علنية! نفس العقلية التجارية: في الحالة الأولى، الطفل هو "مصدر متعة خاصة"، وفي الثانية، هو "تكلفة تشغيلية" في مشروع استيطاني! يا للكفاءة الإدارية!

التكنوقراطيون.. عباقرة التجهيل!

ولا ننسى نجوم الصف الأول: أبطال وادي السيليكون! يبيعون لنا وهم "العالم الافتراضي الجميل" بينما يستمتعون – في العالم الحقيقي – بأبشع الممارسات! يعدوننا بالطاقة النظيفة بينما طاقاتهم الشخصية قذرة! يتكلمون عن "توصيل البشر" بينما يفصلون أنفسهم في جزر معزولة عن البشرية! يريدون إنقاذ الكوكب بينما يدمرون حياة أطفال عليه! إنها "المفارقة التكنوقراطية": كلما زادت تعقيداً، زادت ابتذالاً!

السيرك يحتاج جمهوراً جيداً!

فكيف استمر هذا السيرك؟ الجواب بسيط: لأنه يصرف الجمهور بعروض جانبية مذهلة! حرب ثقافية هنا، صراع هويات هناك، فضيحة تلفزيونية تالية. مهمتنا كجمهور أن ننتبه إلى المهرجين الرئيسيين في الخيمة الكبيرة، الذين يسرقون خلف الأضواء وأثناء أداء الحركات البهلوانية المثيرة.

العرض مستمر، سيداتي سادتي. التذكرة باهظة: كرامتنا، مستقبلنا، وطفولتنا. ولكن الخبر السار: بإمكاننا مغادرة هذا السيرك المريض. لا بالمقاطعة فحسب، بل ببناء مسارحنا الخاصة، حيث تكون الأضواء كاشفة لا مخادعة، ويكون البطولة للشرف لا للفساد، ويكون الثناء للبناء لا للدمار.

المخرج الوحيد من هذه الكوميديا التراجيدية هو رفض أن نكون مجرد جمهور مصفق، وأن نصبح نحن كتاب المسرحية الجديدة. مسرحية يكون عنوانها: الكرامة غير قابلة للتفاوض، والطفولة ليست سلعة، والسياسة ليست نادياً خاصاً للمفسدين.

(يسقط الستار على صوت ضحكات مجلجلة.. لكنها هذه المرة ضحكات الساخطين، لا ضحكات المستهترين).



#احمد_صالح_سلوم (هاشتاغ)       Ahmad_Saloum#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أوراق التمويه: استنبات الوعي الزائف في استعمار الأمم
- محمد حسنين هيكل في ظلال الغياب واستمرارية النماذج
- نزيف تحت الجلد: سيرة كتاب هز عروش الإمبراطوريات
- كتاب : - انفكاك العمالقة: النظام العالمي في زمن التحولات الج ...
- الجهاز الإعلامي كأداة طبقية: تحليل مايكل بارينتي ل -السلطة ا ...
- سيادة الطاقة كجوهر للسيادة الوطنية - إيران في مواجهة نموذج ا ...
- إيران ومعادلة السيادة في عصر التعددية القطبية
- خلاصة النقاشات التي بُني عليها كتاب (نزيف تحت الجلد ) -
- من نهاية التاريخ إلى نزيف تحت الجلد..دراسة مقارنة
- نزيف تحت الجلد ..تشريح النزيف الاستراتيجي للإمبراطورية الأمر ...
- نزيف تحت الجلد..تشريح النزيف الاستراتيجي للإمبراطورية الأمري ...
- نزيف تحت الجلد : تشريح النزيف الاستراتيجي للإمبراطورية الأمر ...
- صعود الشرق وانكفاء الغرب: حول اللحظة الانتقالية الدولية
- كتاب نزيف تحت الجلد : تشريح النزيف الاستراتيجي للإمبراطورية ...
- سادة الخريطة وعبيد الجغرافيا
- الجسران الجويان إلى طهران: جغرافية القوة ورهان الاستراتيجيات ...
- كتاب :نزيف تحت الجلد : تشريح النزيف الاستراتيجي للإمبراطورية ...
- غرينلاند والاقطاب على ضوء أطروحات سمير أمين : العبور نحو الش ...
- كتاب : ما بعد الغرب: القطب، المعادن، والنظام العالمي الجديد
- قراءة في تَشَكُّل نظام دولي جديد عبر بوابة غرينلاند


المزيد.....




- انتخابات نواب مصر.. تتبع وقائع شراء الأصوات
- تصريحات غوارديولا عن فلسطين تتجاوز حدود الملاعب.. وفريق من غ ...
- عملاء لإيران داخل تل أبيب.. قوات الأمن الإسرائيلية تلقي القب ...
- سياحة القتل عند حصار سراييفو.. إيطاليا تبدأ تحقيقاتها مع مسن ...
- ألمانيا: تعاون في مجال التسلح وسعي لزيادة إمدادات الغاز القط ...
- محادثات عُمان بين واشنطن وطهران: ماذا يريد ترامب.. إخضاع الن ...
- شركة روسية تبتكر -الحمام المسيّر- وتحلم بإعادة برمجة و-ترويس ...
- سوريون يتفاعلون بحنين مع إطلاق الهوية الجديدة لإذاعة دمشق
- -الشيف كيمو-.. وفاة الطاهي المغربي كمال اللعبي إثر نوبة قلبي ...
- -جمعة مسقط-.. مفاوضات تحت التهديد العسكري ورفض الشروط


المزيد.....

- حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف ... / رياض الشرايطي
- الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى ... / علي طبله
- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ... / علي طبله
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ... / علي طبله
- الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل ... / علي طبله
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر / محمد جعفر ال عيسى
- اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات، ... / رياض الشرايطي
- رواية / رانية مرجية
- ثوبها الأسود ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - احمد صالح سلوم - فضائح إبستين: جراح الطفولة في سرداب الأوليغارشية