أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - احمد صالح سلوم - كتاب : ما بعد الغرب: القطب، المعادن، والنظام العالمي الجديد















المزيد.....



كتاب : ما بعد الغرب: القطب، المعادن، والنظام العالمي الجديد


احمد صالح سلوم
شاعر و باحث في الشؤون الاقتصادية السياسية

(Ahmad Saloum)


الحوار المتمدن-العدد: 8593 - 2026 / 1 / 20 - 20:14
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


مقدمة الكتاب: في اللحظة البينية – حين يفتح ذوبان الجليد شقوق العالم

عندما ينكسر عظم تاريخي، يكون الصوت الذي يُسمع أولاً ليس دوي الانهيار، بل صوت تشقق خافت، لا يكاد يُلتقط إلا بآذان الزمن نفسها. نحن اليوم نعيش في زمن ذلك التشقق. تشقق في النظام العالمي الذي ظلَّ سبعة عقود يحمل أوهام الاستقرار، وتشقق في يقينيات الحضارة الغربية التي حكمت القرنين الماضيين بقوة لا تنازع. لم يعد الأمر مجرد صعود قوة وصُعود أخرى؛ بل هو انزياح جيولوجي كامل في طبقات القوة والنفوذ والهوية.

هذا الكتاب وُلد من صلب هذه اللحظة "البينية" الفريدة – اللحظة التي لم يعد فيها القديم قادراً على الصمود، ولم يتشكل الجديد بعد بملامحه الواضحة. إنه محاولة لرسم خريطة الضباب، ولقراءة نبض العالم وهو ينتقل من نظام أحادي القطب، قادته أمريكا وحمته أوروبا، إلى كون جيوسياسي شارد المعالم، تتقاطع فيه الدوائر وتتصادم دون بوصلة واضحة.

في مركز هذه التحولات، برزت مفارقة تختزل كل التناقض: جزيرة غرينلاند. تلك القطعة الجليدية الهادئة، التي ظلت لعقود خارج حسابات صناع القرار، تحولت بين ليلة وضحاها إلى مرآة عاكسة لأعمق هواجس عصرنا. لماذا؟ لأنها لم تعد مجرد أرضٍ متجمدة، بل أصبحت استعارة مكتملة لصراع المستقبل: صراع على الموارد الحيوية التي ستُشغل آلات القرن الحادي والعشرين، وعلى الممرات البحرية التي سترسم خريطة التجارة العالمية الجديدة، وعلى الرمزية الجيوسياسية التي تحدد من سيسود في عالم ما بعد الهيمنة الأمريكية.

لكن هذا الكتاب لا يقف عند غرينلاند. إنها مجرد عدسة ننظر من خلالها إلى التحول الأكبر. فالجزيرة هي المدخل الذي يقودنا إلى تشريح أزمة القيادة الأمريكية – ذلك "القلق الإمبراطوري" الذي يجعل واشنطن تبحث عن حلول غير تقليدية في القطب المتجمد بينما تترنح قيادتها في باقي الأرض. وهي النافذة التي نطل منها على أوروبا العجوز، القارة الحائرة بين راحة التبعية المريحة ووعورة درب الاستقلال. وهي المرآة التي تعكس صعود الصين الصامت، الذي لا يحتاج إلى غزوات عسكرية بل إلى عقود استثمار ومبادئ للحزام والطريق.

في هذه الصفحات، سنذهب في رحلة استقصائية ننثر فيها "غبار التحليل" على مسارات متشعبة:

من دهاليز واشنطن حيث يُعاد تعريف معنى القوة، إلى ممرات بروكسل حيث يُسائلون شركاء الأمس عن ولاء اليوم. من مكاتب التخطيط في بكين حيث تُحاك شبكة عالمية بديلة، إلى صالونات موسكو حيث تُعاد لعبة الشطرنج القديمة بأدوات جديدة. من مكاتب أوتاوا الهادئة حيث تبحث كندا عن مسارها بين عملاقين، إلى الجليد الدائم في القطب حيث تذوب الجغرافيا لتكشف عن جغرافيا جديدة، أكثر سخونةً في تنافسها مما كانت عليه في برودتها.

هذه الرحلة لن تكون رحلة تقليدية. فهي تجمع بين ثلاثة أنفاس تحليلية:

· عمق تشريح دوافع الدول وسراديب القوة.
· النَفَس الفلسفي والأدبي الذي يرى في السياسة قصصاً إنسانية كبيرة.
· الحدة التحليلية الاقتصادية التي تفكك الأرقام لتفصح عن الحقائق الخفية.

سنكتب بلغة عربية تليق بعظمة الموضوع وجسامة اللحظة – لغة لا تكتفي بالوصف، بل تغوص في الأعماق؛ لا تروي الأحداث، بل تفسر المصائر.

نحن لا نقدم في هذا الكتاب إجابات جاهزة، بل نطرح أسئلة وجودية: هل تشهدون "تفكك التحالف الأطلسي" من الداخل؟ هل نحن أمام "نهاية العولمة الغربية" وولادة عولمة جديدة متعددة المراكز؟ هل يمكن أن تصبح "غرينلاند شرارة صراع غربي-غربي"؟ وما هو مصير دول مثل كندا التي تعيش في ظل العملاق وهي ترتجف من قلقها؟

هذه الأسئلة ليست أكاديمية؛ إنها أسئلة تحدد شكل عالم أحفادنا. عالم لم يعد فيه "الغرب" مفهوماً واضحاً، ولا "الشرق" كتلة متماسكة، بل دوائر متداخلة من النفوذ، تحكمها التناقضات أكثر مما تحكمها المبادئ.

إننا نكتب في زمن الانتقال. زمن يكون فيه فهم التحولات أهم من امتلاك الأسلحة، وفك شيفرة المستقبل أجدى من التمسك بالماضي. هذا الكتاب هو محاولة لفهم، ومحاولة للاستبصار، ومحاولة – فوق كل شيء – للإجابة على السؤال الأكبر: إلى أين يسير هذا العالم، ونحن فيه؟

فلنبدأ الرحلة من حيث يبدأ كل تحول كبير: من مركز النظام القديم، وهو يرتجف. من واشنطن.



الفصل الأول: الإمبراطورية القلقة – تشريح السعي الأمريكي نحو حلول في ظل عالم متصدّع

مقدمة: لوحة زمنية تتشظّى

لم تعد الجغرافيا السياسية للقرن الحادي والعشرين تُرسم بخيوط مستقيمة، بل بتشققاتٍ عميقة تشقّ جسد النظام العالمي الذي نعرفه. إنها تشققات لا تعبّر عن ولادة نظامٍ جديد بعد، بل عن احتضار نظامٍ لم يعد قادرًا على حمل أوزاره. في مركز هذه اللوحة المتصدّعة، تقف الولايات المتحدة، الإمبراطورية التي ظلّت لعقودٍ ترسم بمفردها خطوط الطول والعرض على خريطة القوة. اليوم، وهي تستدير ببطء كعملاقٍ يشعر بثقل السنين، تلمس بيدها حدود عالمٍ يضيق عليها، بينما تتهدّم، حجرًا فحجر، تلك اليقينيات التي قام عليها عصرها.

لم يعد السؤال حول تفوّق أمريكي يتزعزع، بل حول طبيعة القوة ذاتها في زمنٍ تذوب فيه الحدود بين العسكري والاقتصادي، بين الرمزي والمادي، بين السيادة الوطنية وشبكات العولمة المتشابكة. إنه زمن "القلق الإمبراطوري"، ذلك الشعور الغامض الذي ينتاب المركز حين يبدأ هامش الصوت بالارتفاع، وحين تتحول المناطق البيضاء على الخريطة – كتلك الجزيرة الجليدية البعيدة، غرينلاند – إلى بؤر ساخنة لصراعٍ على معنى المستقبل.

أوروبا، من جانبها، تقف عند شرفة التاريخ، تتأمل تحوّلات الجار عبر الأطلسي بعينين مليئتين بالقلق والشك. إنها تشهد، ليس انسحابًا أمريكيًا فحسب، بل تحولًا جوهريًا في الشخصية الأمريكية، من الحامي المتعالق بالمبدأ إلى الشريك المنشغل بالذات. أما كندا، الوريثة الهادئة للقيم الأطلسية، فتجد نفسها مضطرة لإعادة حساب مسافاتها الأمنية والاقتصادية في سوق دولية لم تعد تحكمها أبدية التحالف التقليدي.

هكذا، يُطرح السؤال الجوهري: هل نحن إزاء مجرد تعديل في موازين القوى، أم إزاء شرخ وجودي في جسد الحضارة الغربية ذاتها؟ هذا الفصل يحاول تشريح مظاهر هذا "القلق الإمبراطوري" الأمريكي، والبحث في جذوره البنيوية العميقة، وقراءة المحاولات غير التقليدية – من غرينلاند إلى فنزويلا – كمؤشراتٍ على بحثٍ محموم عن بوصلة في ضباب تاريخي كثيف.


1. أزمة البنية: حين تتآكل أركان الهيمنة

لا يُقاس انحسار الإمبراطوريات بالضرورة بخسارة المعارك، بل بتآكل مقومات الهيمنة الناعمة، تلك التي تصنع النظام وتفرض قواعده دون حاجة دائمة إلى إظهار العضلات. منذ نهاية الحرب الباردة، قامت الهيمنة الأمريكية على خمسة أعمدة مترابطة: التفوق العسكري المُطلق، والهيمنة المالية عبر الدولار، والقيادة التكنولوجية، والقدرة على صوغ الأطر المؤسسية الدولية (من الأمم المتحدة إلى صندوق النقد)، وأخيرًا، جاذبية النموذج الثقافي-السياسي. اليوم، تشهد هذه الأعمدة جميعًا درجات متفاوتة من التعرية.

التحدي الصيني يمثل اختراقًا متزامنًا في عدة جبهات. فلم تعد بكين مجرد منافس تجاري، بل هي قوة تعيد هندسة سلسلة القيمة العالمية من موقعها كـ "مصنع العالم" المتحوّل إلى "مختبره" في مجالات حاسمة. إنها تقدم نموذجًا بديلاً للتنمية: كفاءة استبدادية تخلط بين الرأسمالية الموجهة والتخطيط المركزي، مقلّصة بذلك من جاذبية النموذج الليبرالي. وفي الفضاءات الجديدة – الفضاء الإلكتروني، الفضاء الخارجي، قاع المحيطات – تتسارع وتيرة المنافسة بلا قواعد راسخة، مما يحرم واشنطن من امتياز "صاحب البيت" الذي تحكم بقواعده.

أما العامل الداخلي، فهو بمثابة السرطان الذي ينخر من الداخل. لقد تحول الاستقطاب السياسي الأمريكي من خلاف صحي على السياسات إلى حرب هويات وجودية، جاعلاً من السياسة الخارجية رهينة للتقلبات الانتخابية. كل إدارة قادمة تشرع في تفكيك تركة سابقتها، مما يولد حالة من "الفصام الاستراتيجي" تُفقد الحلفاء الثقة وتُغري الخصوم. لم يعد العالم يتساءل عن موقف أمريكا فحسب، بل عن أمريكا أي إدارة، وفي أي لحظة.


وأخيرًا، هناك "الإرهاق الاستراتيجي". بعد عقدين من الحروب المفتوحة في الشرق الأوسط وأفغانستان، خرجت واشنطن بجيوش منهكة، وخلية اقتصادية منهوبة، ورأي عام يرفض أي مغامرة عسكرية جديدة لا ترتبط ارتباطًا مباشرًا بالدفاع عن الوطن. لقد تبخرت نزعة "التدخل الإنساني" و"بناء الأمم"، لتحل محلها فلسفة "أمريكا أولاً" التي تبحث عن الربح المادي المباشر وتتجنب الأعباء الأخلاقية والمادية للنظام العالمي. هذا التحول من "شرطي العالم" إلى "التاجر العالمي الحذر" هو نقلة في الهوية الإمبراطورية ذاتها.

هذه الأزمات المتشابكة – الخارجية والداخلية والنفسية – هي التي تولّد ذلك "القلق". إنه قلق ناتج عن إدراك أن أدوات الهيمنة التقليدية لم تعد تعمل بنفس الكفاءة، وأن العالم يتشكل وفق معادلات جديدة تشارك في صياغتها قوى كانت حتى الأمس قيد الحساب. من هذا المنطلق، يجب قراءة المحاولات الأمريكية "غير التقليدية"، فهي ليست مجرد أفكار طارئة، بل تعبير عن حالة البحث والارتباك.

2. غرينلاند: الاستعارة الجيوسياسية في أرض الجليد

عندما انطلقت فكرة "شراء غرينلاند" كخبر، تعاملت معه الدوائر الدبلوماسية وكثير من المحللين بوصفه زلّة لسان رئاسية أو نكتة في غير موضعها. ولكن، كما في كثير من الأحيان، تكشف "النكتة" عن هواجس عميقة لا تجرؤ النخبة على التلفظ بها بصراحة. غرينلاند هنا ليست مجرد أرض، بل هي استعارة كاملة لصراع العصر القادم: صراع الموارد، والسيطرة على المسارات الجديدة، وإعادة تعريف مفهوم "الحدود" في عالم تذوب جليداته الحرفية والمجازية.


القطب الشمالي، بفعل ظاهرة الاحتباس الحراري، يتحول من منطقة معزولة إلى ساحة جيوسياسية ساخنة. خطوط ملاحية جديدة تفتح، تقصّر المسافات بين القارات، وتختزل أهمية الممرات التقليدية مثل قناة السويس وباناما. احتياطيات هائلة من النفط والغاز والمعادن النادرة – تلك العصي السحرية للثورة التكنولوجية – تصبح في مرمى الاستغلال. ومن يسيطر على هذا "المدخل الشمالي" يمتلك ورقة رابحة في لعبة القرن.

غرينلاند، بهذا المعنى، هي حاملة طائرات طبيعية لا تغرق، تشرف على مفترق طرق هذه المسارات المستقبلية. امتلاكها أو إخضاع نفوذها يعني وضع يد على ذراع الميزان في المواجهة مع روسيا، التي تعتبر القطب الشمالي بحرها التاريخي، ومع الصين، التي تطلق على نفسها لقب "الدولة القريبة من القطب" وتستثمر بقوة في المنطقة. فكرة "الشراء" إذن، رغم سذاجتها القانونية والسياسية (فغرينلاند جزء من مملكة الدنمارك الحرة، وشعبها يطمح للاستقلال الكامل تحت التاج الدنماركي)، تكشف عن عقلية إمبريالية قديمة تبحث عن حلول ملكية مباشرة: امتلاك الأرض لامتلاك المستقبل.

لكن المستحيل القانوني لا يلغي الرمزية العميقة. إن التطلع نحو غرينلاند هو اعتراف ضمني بأن مراكز القوة التقليدية آخذة في الانزياح، وأن المنافسة الحقيقية ستنتقل إلى الأطراف المتجمدة من الكوكب. وهو أيضاً تعبير عن حنين إلى زمن كانت فيه القوة تُقاس بالسيطرة المباشرة على الجغرافيا، في عصر أصبحت فيه القوة مشتتة بين الفضاء الإلكتروني وسلاسل التوريد والبيانات الضخمة. إنه بحث عن حل بسيط لمشكلة معقدة: كيف تستعيد الهيمنة في عالم لم يعد يخضع للهيمنة بالطرق القديمة.


3. فنزويلا: النفط الذي تحوّل إلى مرآة للأوهام

في الطرف الآخر من الأمريكتين، تقدم فنزويلا حالة دراسية معاكسة لكنها مكملة. إذا كانت غرينلاند تمثل حلماً استباقياً للسيطرة على المستقبل، فإن فنزويلا تمثل كابوس الماضي: مورد وفير لكنه غير قادر على إنقاذ أحد، لا الدولة التي تملكه ولا الإمبراطورية التي تطمع فيه.

رفض الشركات الأمريكية الكبرى الاستثمار في النفط الفنزويلي الثقيل والعالي الكبريت ليس مجرد قرار اقتصادي تقني. إنه حكم تاريخي على نموذج فاشل. فنزويلا هي الضد الكامل لغرينلاند: غنية بثروة مؤكدة لكنها غارقة في الفوضى السياسية والانهيار المؤسسي والفساد النظامي. نفطها يحتاج إلى استثمارات ضخمة وتكنولوجيا متطورة واستقرار لا وجود له. في معادلة القوة الحديثة، لم يعد المورد الخام وحده كافيًا؛ بل يجب أن يقترن ببنية تحتية، وحوكمة، وانسجام مع النظام الرأسمالي العالمي. فنزويلا تفتقد إلى هذه الشروط جميعًا.

إذن، التفكير الأمريكي المتزامن في غرينلاند (الأرض البكر المستقبلية) وفنزويلا (الدولة الفاشلة الغنية) يكشف عن ثنائية في العقل الاستراتيجي الأمريكي: حنين إلى نمط الهيمنة القديم القائم على الاستحواذ المادي، وإدراك مرير أن شروط الهيمنة الجديدة تتطلب أكثر من مجرد امتلاك المادة الخام. إنه يبحث عن "مخارج" في جغرافيا تتقلص، بينما الحل قد يكون في إعادة اختراع الذات ودورها في عالم معقد.


خاتمة الفصل: التحول لا الانهيار – التشظي بديلاً عن السقوط

لا تشير المعطيات إلى أننا أمام "سقوط إمبراطورية" على الطراز الروماني أو السوفيتي. الإمبراطورية الأمريكية تتمتع بقدرات ذاتية هائلة، ومرونة مؤسسية، وقوة ابتكار لم تنضب بعد. ما نشهده هو "تحول إمبراطوري"، مرحلة انتقالية مؤلمة تبحث فيها القوة المهيمنة عن صيغة جديدة لوجودها في عالم تعددت فيه مراكز الفعل.

"القلق الإمبراطوري" هو السمة المميزة لهذه المرحلة. وهو قلق يدفع إلى سلوك قد يبدو متناقضًا: التراجع عن الالتزامات متعددة الأطراف من جهة، والمحاولات الفجة للاستحواذ على أطراف جغرافية من جهة أخرى. إنه قلق نابع من صراع بين هويتين: هوية الدولة القومية المنكفئة على ذاتها والمحصورة بمصالحها الضيقة، وهوية القوة العظمى الحارسة للنظام العالمي التي تتطلب تضحيات ورؤية استراتيجية واسعة.

غرينلاند وفنزويلا، في هذه القراءة، هما وجهان لعملة واحدة: تعبير عن أزمة الخيال الاستراتيجي. فبدلاً من استشراف نظام دولي جديد يمكن من خلاله إدارة المنافسة مع الصين وروسيا واحتواء التحديات العابرة للحدود، يبدو أن قطاعات من صنع القرار في واشنطن تتوق إلى حلول جيوسياسية مباشرة من قرن مضى – شراء الأرض أو السيطرة على المورد.

هذا التشظي في الرؤية والنهج هو ما يغذي قلق الحلفاء ويغري الخصوم. الفصل القادم سينتقل لاستكشاف كيف تتعامل أوروبا – ذلك الحليف التاريخي الأقرب – مع هذا التحول في الشخصية الأمريكية، وكيف تسعى لإعادة تعريف سرديتها الأمنية والاستراتيجية في ظل غياب اليقين الأطلسي. فما يبدأ كقلق في واشنطن، يتحول إلى ريح عاتية تعصف بأركان النظام الذي بنته معاً على مدى سبعين عاماً.

…….

الفصل الثاني: أوروبا بين الخوف والطموح – قارة تبحث عن ظلّها المفقود في ظلّ أطلسي يتصدّع

لم تعد ريح التغيير العاتية، الآتية من وراء المحيط، تحمل وعود الحماية القديمة. لقد استبدلت بها نسمات باردة من الشك، تتسلّل عبر ممرات بروكسل وبرلين وباريس، لتوقظ كابوساً طالما ظلّ مكبوتاً في لاوعي القارة العجوز: كابوس العودة إلى الوحدة الاستراتيجية. في اللحظة التي بدأت فيها واشنطن تتصرف كدولة قومية قلقة، منشغلة بجبروتها الذاتي أكثر من اهتمامها بتماسك النسق الغربي، وجدت أوروبا نفسها فجأة في مواجهة سؤال وجودي لم تجرؤ على مجرد همسه منذ تأسيس حلف الناتو على أنقاض الحرب: ماذا عن يوم الغد، إن قرر الحامي أن يحمل مظلته ويرحل؟

هذا السؤال لم يعد تمريناً نظرياً في أروقة معاهد الفكر. إنه يطلّ برأسه من خنادق أوكرانيا، وينبعث من أمواج القطب الشمالي المتلاشية، ويتسلل عبر أنابيب الغاز المعطّلة، ويرنّ في صمت البورصات مع كلّ تقلّب في السياسة النقدية الأمريكية. إنه سؤال يضرب في الصميم التناقض الأوروبي التأسيسي: اتحاد عملاق اقتصادي، لكنه قزم سياسي، وعملاق تجاري بلا سيف موحّد. إن هشاشة هذا الكيان تجعل من كلّ زلّة استراتيجية في واشنطن زلزالاً في ساحات أوروبا.

لكن تحت قشرة هذا الخوف، ينبض نبض قديم: نبض الطموح. إنها الرغبة المتجددة، والمقموعة دوماً، في أن تكون أوروبا سيدة قرارها، أن تكتب سرديتها بأيديها، لا أن تكون مجرد هامش في مذكّرات إمبراطورية أخرى. الفصل الحالي هو رحلة داخل هذا التناقض الأوروبي المزمن: بين راحة التبعية المريحة ووعورة درب الاستقلال، بين ذاكرة الحرب التي تلعن القومية وحتمية الجغرافيا التي تفرض السيادة.


1. ما بعد المظلّة: إرث الحرب الباردة وأوهام الأمان الدائم

لسبعة عقود، ارتاحت أوروبا تحت "المظلّة النووية" الأمريكية، ونسجت لنفسها أسطورة مريحة: أن الأمن سلعة استهلاكية جاهزة، تُستورد من عبر الأطلسي، وأن الحرية بمعناها الليبرالي الغربي ضمانة أمريكية أبدية. لقد تحولت القارة إلى ورشة صناعية وثقافية راقية، بينما تكفّلت واشنطن بالقذارة والثمن الأخلاقي والعسكري للدفاع عن "العالم الحر". كانت هذه هي الصفقة غير المكتوبة: الحماية مقابل التبعية السياسية الناعمة.

لكن عالم اليوم لم يعد ذلك العالم. عودة روسيا بوصفها قوة مزعزعة للنظام، لا مجرد شريك محتمل، مزّقت وهم "نهاية التاريخ". صعود الصين كمنافس شمولي، اقتصادي وتكنولوجي وعسكري، أعاد تعريف معنى المنافسة الاستراتيجية. داخلياً، تكشف كل أزمة – من الهجرة إلى الطاقة – عن شرخ عميق بين شمال القارة الصناعي المنظم وجنوبها الأكثر تأثراً، وبين شرقها الذي لم ينسَ بعد حضن موسكو السوفياتي وغربها المؤسِّس. هذه التحديات المتزامنة كشفت أن "المظلة" الأمريكية لم تعد تحمي من كلّ أنواع الأمطار: لا من أمطار الغاز الروسي المُقطَّع، ولا من عواصف سلاسل التوريد الصينية، ولا من صقيع الحرب الاقتصادية العالمية.

الحرب في أوكرانيا كانت الجرس الذي أيقظ القارة من سباتها الاستراتيجي. فجأة، أدركت برلين أن أمنها لا يقع في أفغانستان بل على بُعد مئات الكيلومترات شرقاً. وأدركت باريس أن جيشها النووي المصغّر لا يكفي لردع تهديدات قارية شاملة. لقد استفاقت أوروبا على حقيقة مروعة: أن الاعتماد على حامٍ بعيد، مهما بلغت قوته، يتركها عاجزةً وعاريةً في ساعة الحقيقة المحلية.


2. غرينلاند: النكتة التي كشفت الجرح

لم تكن فكرة "شراء غرينلاند" مجرد تصريح غريب لرئيس أمريكي. لقد كانت، في عقلية بروكسل وبرلين وكوبنهاغن، خنجراً رمزياً موجهاً إلى صلب مفهوم التحالف. إذا كانت أراضي حلفاء الناتو – وغرينلاند جزء من مملكة الدنمارك العضو المؤسس – تُعامل كعقار في سوق المضاربة الجيوسياسية، فأي قدسية تبقى للعهود؟ أي قيمة للحدود غير المرئية للثقة؟

لقد كشفت هذه الحادثة ثلاثة هواجس أوروبية عميقة:
الأول: تحوّل واشنطن إلى قوة انتهازية. لم يعد الحلف في نظرها إطاراً استراتيجياً مقدساً، بل سوقاً للمصالح القابلة للتفاوض والتجارة.
الثاني: عودة شبح "الحديقة الخلفية". الشعور بأن أوروبا قد تتحول، في أحسن الأحوال، إلى حديقة خلفية للولايات المتحدة، تُدار بشروطها، وفي أسوأها، إلى رهينة في صراعها مع القوى الأخرى.
الثالث: عجز أوروبا عن الرد الموحّد. الرد الأوروبي كان خجولاً ومشتتاً، يعكس غياب آلية خارجية وأمنية مشتركة قادرة على الرد بصلابة على مثل هذه الاستفزازات، ولو كانت لفظية.

غرينلاند، إذن، تحولت من جزيرة جليدية نائية إلى "استعارة" كاملة عن هشاشة الشراكة الأطلسية في عصر يعيد فيه الطرف الأقوى حساب مصالحه بعقلية تتّسم بالقسوة الفردانية.


3. الوهم والحلم: الاستقلال الاستراتيجي بين الخطاب والواقع

رداً على هذه الصدمات، عاد خطاب "الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي" يتردد كتعويذة. لكن ما يبدو شعاراً وحيداً ينقسم على الأرض إلى مشاريع متنافسة ومتعثرة:

· الاستقلال الدفاعي: يحلم به الفرنسيون (قوة تدخل سريع أوروبية)، وتخشاه دول الشرق (خشية إضعاف الناتو)، وتتقاعس عنه ألمانيا (عدم الرغبة في التمويل والقيادة).
· الاستقلال الاقتصادي-التكنولوجي: يسعى إليه الأوروبيون عبر قوانين السوق الرقمية وحماية الصناعات الحيوية، لكنهم يبقون رهائن لشركات التكنولوجيا الأمريكية وللمعادن النادرة الصينية.
· الاستقلال الطاقةي: كان الكابوس الأكبر مع الغاز الروسي، والبحث عن بدائل في النرويج وأذربيجان وقطر وإفريقيا يزيد من تعقيد الاعتماد ولا يلغيه.

الثمن باهظ: جيش موحد يعني مزيداً من الميزانيات على حساب دولة الرفاه. صناعة دفاعية أوروبية تعني كسر احتكار الشركات الأمريكية ومواجهة رفض واشنطن. سياسة خارجية واحدة تعني التخلي، ولو جزئياً، عن السياقات الوطنية التاريخية (كعلاقة باريس بمستعمراتها السابقة، أو علاقة برلين بموسكو). أوروبا تريد الاستقلال، لكنها تريد أن تدفع الحد الأدنى من ثمنه، وهي معادلة مستحيلة في عالم لا يعترف بالنصف حلول.


4. رحيل السيد العسكري؟ سيناريو المستحيل المرغوب

يطفو على السطح بين الحين والآخر سؤال جريء: ماذا لو طالبت أوروبا برحيل القواعد الأمريكية؟ هذا السيناريو، رغم إثارته في أوساط اليسار الألماني والتيارات السيادية الفرنسية والحركات المناهضة للناتو في الجنوب، يبقى أقرب إلى الخيال السياسي في المدى المنظور، للأسباب التالية:

· الردع النووي: لا تملك أوروبا (عدا فرنسا وبريطانيا) مظلة نووية مستقلة قادرة على موازنة الترسانة الروسية.
· الفجوة العسكرية الهائلة: من الاستخبارات والأقمار الصناعية إلى النقل الاستراتيجي والقيادة الموحدة، الفجوة بين القدرات الأمريكية والأوروبية لا تُسدّ بعقد أو عقدين.
· الانقسام الداخلي: دول أوروبا الشرقية سترفض أي خطوة تضعف التزام الناتو، وستعتبرها خيانة تاريخية تعيدها إلى منطقة النفوذ الروسي.

السيناريو الواقعي ليس "الرحيل"، بل "إعادة التفاوض". ستسعى أوروبا للحصول على دور أكبر في القيادة، وضمانات أوتوماتيكية أكثر وضوحاً، ومشاركة أكبر في الصناعات الدفاعية الحساسة. إنها رغبة في تغيير عقد الشراكة، لا إلغاء العقد نفسه.



5. التوجه شرقاً وجنوباً: البحث عن توازن في عالم متعدد

رفضاً لوضع البيض كله في السلة الأطلسية المهتزة، تبدأ أوروبا، بخبث دبلوماسي عريق، في تنويع شراكاتها:
مع الصين: تتحرك في المنطقة الرمادية بين المنافسة والضرورة. ترفض الانفصال الاقتصادي الذي تدفع إليه واشنطن، وتصر على "تقليل المخاطر" لا "قطع العلاقات". فهي تبحث عن استثمارات صينية في البنى التحتية الخضراء، وتعاون في المعادن، وأسواق لمنتجاتها الفاخرة، لكنها تحاول في الوقت نفسه تقليل اعتمادها التكنولوجي وتحصين بنيتها التحتية الحيوية.
مع أمريكا الجنوبية وإفريقيا: هنا، تطرح أوروبا نفسها كشريك "نظيف" بديلاً عن النفوذ الصيني "المتسلط" أو الأمريكي "المتقلب". تقدم اتفاقيات تجارية، واستثمارات في الطاقة الخضراء والهيدروجين، وشراكات في التعدين، مع ربط ذلك بخطاب القيم والديمقراطية وحقوق الإنسان، في محاولة لاستعادة نفوذها الأخلاقي الذي تآكل.

هذه الحركة ليست انقلاباً على الغرب، بل اعترافاً بأن مركز ثقل العالم قد تحول، وأن أوروبا، كقوة تجارية عالمية، يجب أن تكون حاضرة في كل الساحات. إنها محاولة لنسج شبكة أمان من العلاقات تحميها من تقلبات أي قطب واحد.


خاتمة الفصل: لحظة الحقيقة الأوروبية بين مطرقة التاريخ وسندان الجغرافيا

تقف أوروبا اليوم في مفترق طرق مصيري، لكن طرقات هذا المفترق ليست واضحة المعالم. أحدها يؤدي إلى مستنقع التبعية المريحة، حيث تستمر في العيش تحت مظلة متآكلة، مكتفية بدور التابع المتعلم الذي يقدم النصح ولا يمتلك القرار. والآخر يقود إلى جبل الاستقلال الشائك، طريق وعرة من الإنفاق الباهظ والوحدة الصعبة والمواجهات المحفوفة بالمخاطر.

حتى الآن، تختار أوروبا السير في منتصف الطريق، في منطقة رمادية خطرة. تعلن عن طموح الاستقلال وتتخاذل عن تمويله. تحتج على انفرادية واشنطن وتزداد اعتماداً على ردعها النووي. تنتقد التوسع الصيني وتوسّع تجارتها مع بكين.

هذا التردد ليس ضعفاً أخلاقياً فحسب، بل هو انعكاس لطبيعتها المركبة: اتحاد وليس دولة، قوة مدنية قبل أن تكون عسكرية، مشروع سلام بني على أنقاض حربين عالميتين. لكن التاريخ، كما تثبت أوكرانيا، لا يرحم المشاريع الجميلة التي تفتقر إلى القوة لحمايتها. السؤال الذي سيجيب عنه العقد القادم هو: هل ستستطيع أوروبا أن تتحول من قوة اقتصادية عظمى إلى فاعل جيوسياسي متكامل، أم أن مصيرها سيكون كمصير البندقية العظيمة: ثراء من دون قوة، وحضارة من دون سيادة، وماضٍ مجيد من دون مستقبل حاسم؟


…….


الفصل الثاني: أوروبا بين الخوف والطموح – قارة تبحث عن ظلّها المفقود في ظلّ أطلسي يتصدّع

لم تعد ريح التغيير العاتية، الآتية من وراء المحيط، تحمل وعود الحماية القديمة. لقد استبدلت بها نسمات باردة من الشك، تتسلّل عبر ممرات بروكسل وبرلين وباريس، لتوقظ كابوساً طالما ظلّ مكبوتاً في لاوعي القارة العجوز: كابوس العودة إلى الوحدة الاستراتيجية. في اللحظة التي بدأت فيها واشنطن تتصرف كدولة قومية قلقة، منشغلة بجبروتها الذاتي أكثر من اهتمامها بتماسك النسق الغربي، وجدت أوروبا نفسها فجأة في مواجهة سؤال وجودي لم تجرؤ على مجرد همسه منذ تأسيس حلف الناتو على أنقاض الحرب: ماذا عن يوم الغد، إن قرر الحامي أن يحمل مظلته ويرحل؟

هذا السؤال لم يعد تمريناً نظرياً في أروقة معاهد الفكر. إنه يطلّ برأسه من خنادق أوكرانيا، وينبعث من أمواج القطب الشمالي المتلاشية، ويتسلل عبر أنابيب الغاز المعطّلة، ويرنّ في صمت البورصات مع كلّ تقلّب في السياسة النقدية الأمريكية. إنه سؤال يضرب في الصميم التناقض الأوروبي التأسيسي: اتحاد عملاق اقتصادي، لكنه قزم سياسي، وعملاق تجاري بلا سيف موحّد. إن هشاشة هذا الكيان تجعل من كلّ زلّة استراتيجية في واشنطن زلزالاً في ساحات أوروبا.

لكن تحت قشرة هذا الخوف، ينبض نبض قديم: نبض الطموح. إنها الرغبة المتجددة، والمقموعة دوماً، في أن تكون أوروبا سيدة قرارها، أن تكتب سرديتها بأيديها، لا أن تكون مجرد هامش في مذكّرات إمبراطورية أخرى. الفصل الحالي هو رحلة داخل هذا التناقض الأوروبي المزمن: بين راحة التبعية المريحة ووعورة درب الاستقلال، بين ذاكرة الحرب التي تلعن القومية وحتمية الجغرافيا التي تفرض السيادة.



1. ما بعد المظلّة: إرث الحرب الباردة وأوهام الأمان الدائم

لسبعة عقود، ارتاحت أوروبا تحت "المظلّة النووية" الأمريكية، ونسجت لنفسها أسطورة مريحة: أن الأمن سلعة استهلاكية جاهزة، تُستورد من عبر الأطلسي، وأن الحرية بمعناها الليبرالي الغربي ضمانة أمريكية أبدية. لقد تحولت القارة إلى ورشة صناعية وثقافية راقية، بينما تكفّلت واشنطن بالقذارة والثمن الأخلاقي والعسكري للدفاع عن "العالم الحر". كانت هذه هي الصفقة غير المكتوبة: الحماية مقابل التبعية السياسية الناعمة.

لكن عالم اليوم لم يعد ذلك العالم. عودة روسيا بوصفها قوة مزعزعة للنظام، لا مجرد شريك محتمل، مزّقت وهم "نهاية التاريخ". صعود الصين كمنافس شمولي، اقتصادي وتكنولوجي وعسكري، أعاد تعريف معنى المنافسة الاستراتيجية. داخلياً، تكشف كل أزمة – من الهجرة إلى الطاقة – عن شرخ عميق بين شمال القارة الصناعي المنظم وجنوبها الأكثر تأثراً، وبين شرقها الذي لم ينسَ بعد حضن موسكو السوفياتي وغربها المؤسِّس. هذه التحديات المتزامنة كشفت أن "المظلة" الأمريكية لم تعد تحمي من كلّ أنواع الأمطار: لا من أمطار الغاز الروسي المُقطَّع، ولا من عواصف سلاسل التوريد الصينية، ولا من صقيع الحرب الاقتصادية العالمية.

الحرب في أوكرانيا كانت الجرس الذي أيقظ القارة من سباتها الاستراتيجي. فجأة، أدركت برلين أن أمنها لا يقع في أفغانستان بل على بُعد مئات الكيلومترات شرقاً. وأدركت باريس أن جيشها النووي المصغّر لا يكفي لردع تهديدات قارية شاملة. لقد استفاقت أوروبا على حقيقة مروعة: أن الاعتماد على حامٍ بعيد، مهما بلغت قوته، يتركها عاجزةً وعاريةً في ساعة الحقيقة المحلية.



2. غرينلاند: النكتة التي كشفت الجرح

لم تكن فكرة "شراء غرينلاند" مجرد تصريح غريب لرئيس أمريكي. لقد كانت، في عقلية بروكسل وبرلين وكوبنهاغن، خنجراً رمزياً موجهاً إلى صلب مفهوم التحالف. إذا كانت أراضي حلفاء الناتو – وغرينلاند جزء من مملكة الدنمارك العضو المؤسس – تُعامل كعقار في سوق المضاربة الجيوسياسية، فأي قدسية تبقى للعهود؟ أي قيمة للحدود غير المرئية للثقة؟

لقد كشفت هذه الحادثة ثلاثة هواجس أوروبية عميقة:
الأول: تحوّل واشنطن إلى قوة انتهازية. لم يعد الحلف في نظرها إطاراً استراتيجياً مقدساً، بل سوقاً للمصالح القابلة للتفاوض والتجارة.
الثاني: عودة شبح "الحديقة الخلفية". الشعور بأن أوروبا قد تتحول، في أحسن الأحوال، إلى حديقة خلفية للولايات المتحدة، تُدار بشروطها، وفي أسوأها، إلى رهينة في صراعها مع القوى الأخرى.
الثالث: عجز أوروبا عن الرد الموحّد. الرد الأوروبي كان خجولاً ومشتتاً، يعكس غياب آلية خارجية وأمنية مشتركة قادرة على الرد بصلابة على مثل هذه الاستفزازات، ولو كانت لفظية.

غرينلاند، إذن، تحولت من جزيرة جليدية نائية إلى "استعارة" كاملة عن هشاشة الشراكة الأطلسية في عصر يعيد فيه الطرف الأقوى حساب مصالحه بعقلية تتّسم بالقسوة الفردانية.



3. الوهم والحلم: الاستقلال الاستراتيجي بين الخطاب والواقع

رداً على هذه الصدمات، عاد خطاب "الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي" يتردد كتعويذة. لكن ما يبدو شعاراً وحيداً ينقسم على الأرض إلى مشاريع متنافسة ومتعثرة:

· الاستقلال الدفاعي: يحلم به الفرنسيون (قوة تدخل سريع أوروبية)، وتخشاه دول الشرق (خشية إضعاف الناتو)، وتتقاعس عنه ألمانيا (عدم الرغبة في التمويل والقيادة).
· الاستقلال الاقتصادي-التكنولوجي: يسعى إليه الأوروبيون عبر قوانين السوق الرقمية وحماية الصناعات الحيوية، لكنهم يبقون رهائن لشركات التكنولوجيا الأمريكية وللمعادن النادرة الصينية.
· الاستقلال الطاقةي: كان الكابوس الأكبر مع الغاز الروسي، والبحث عن بدائل في النرويج وأذربيجان وقطر وإفريقيا يزيد من تعقيد الاعتماد ولا يلغيه.

الثمن باهظ: جيش موحد يعني مزيداً من الميزانيات على حساب دولة الرفاه. صناعة دفاعية أوروبية تعني كسر احتكار الشركات الأمريكية ومواجهة رفض واشنطن. سياسة خارجية واحدة تعني التخلي، ولو جزئياً، عن السياقات الوطنية التاريخية (كعلاقة باريس بمستعمراتها السابقة، أو علاقة برلين بموسكو). أوروبا تريد الاستقلال، لكنها تريد أن تدفع الحد الأدنى من ثمنه، وهي معادلة مستحيلة في عالم لا يعترف بالنصف حلول.



4. رحيل السيد العسكري؟ سيناريو المستحيل المرغوب

يطفو على السطح بين الحين والآخر سؤال جريء: ماذا لو طالبت أوروبا برحيل القواعد الأمريكية؟ هذا السيناريو، رغم إثارته في أوساط اليسار الألماني والتيارات السيادية الفرنسية والحركات المناهضة للناتو في الجنوب، يبقى أقرب إلى الخيال السياسي في المدى المنظور، للأسباب التالية:

· الردع النووي: لا تملك أوروبا (عدا فرنسا وبريطانيا) مظلة نووية مستقلة قادرة على موازنة الترسانة الروسية.
· الفجوة العسكرية الهائلة: من الاستخبارات والأقمار الصناعية إلى النقل الاستراتيجي والقيادة الموحدة، الفجوة بين القدرات الأمريكية والأوروبية لا تُسدّ بعقد أو عقدين.
· الانقسام الداخلي: دول أوروبا الشرقية سترفض أي خطوة تضعف التزام الناتو، وستعتبرها خيانة تاريخية تعيدها إلى منطقة النفوذ الروسي.

السيناريو الواقعي ليس "الرحيل"، بل "إعادة التفاوض". ستسعى أوروبا للحصول على دور أكبر في القيادة، وضمانات أوتوماتيكية أكثر وضوحاً، ومشاركة أكبر في الصناعات الدفاعية الحساسة. إنها رغبة في تغيير عقد الشراكة، لا إلغاء العقد نفسه.



5. التوجه شرقاً وجنوباً: البحث عن توازن في عالم متعدد

رفضاً لوضع البيض كله في السلة الأطلسية المهتزة، تبدأ أوروبا، بخبث دبلوماسي عريق، في تنويع شراكاتها:
مع الصين: تتحرك في المنطقة الرمادية بين المنافسة والضرورة. ترفض الانفصال الاقتصادي الذي تدفع إليه واشنطن، وتصر على "تقليل المخاطر" لا "قطع العلاقات". فهي تبحث عن استثمارات صينية في البنى التحتية الخضراء، وتعاون في المعادن، وأسواق لمنتجاتها الفاخرة، لكنها تحاول في الوقت نفسه تقليل اعتمادها التكنولوجي وتحصين بنيتها التحتية الحيوية.
مع أمريكا الجنوبية وإفريقيا: هنا، تطرح أوروبا نفسها كشريك "نظيف" بديلاً عن النفوذ الصيني "المتسلط" أو الأمريكي "المتقلب". تقدم اتفاقيات تجارية، واستثمارات في الطاقة الخضراء والهيدروجين، وشراكات في التعدين، مع ربط ذلك بخطاب القيم والديمقراطية وحقوق الإنسان، في محاولة لاستعادة نفوذها الأخلاقي الذي تآكل.

هذه الحركة ليست انقلاباً على الغرب، بل اعترافاً بأن مركز ثقل العالم قد تحول، وأن أوروبا، كقوة تجارية عالمية، يجب أن تكون حاضرة في كل الساحات. إنها محاولة لنسج شبكة أمان من العلاقات تحميها من تقلبات أي قطب واحد.


خاتمة الفصل: لحظة الحقيقة الأوروبية بين مطرقة التاريخ وسندان الجغرافيا

تقف أوروبا اليوم في مفترق طرق مصيري، لكن طرقات هذا المفترق ليست واضحة المعالم. أحدها يؤدي إلى مستنقع التبعية المريحة، حيث تستمر في العيش تحت مظلة متآكلة، مكتفية بدور التابع المتعلم الذي يقدم النصح ولا يمتلك القرار. والآخر يقود إلى جبل الاستقلال الشائك، طريق وعرة من الإنفاق الباهظ والوحدة الصعبة والمواجهات المحفوفة بالمخاطر.

حتى الآن، تختار أوروبا السير في منتصف الطريق، في منطقة رمادية خطرة. تعلن عن طموح الاستقلال وتتخاذل عن تمويله. تحتج على انفرادية واشنطن وتزداد اعتماداً على ردعها النووي. تنتقد التوسع الصيني وتوسّع تجارتها مع بكين.

هذا التردد ليس ضعفاً أخلاقياً فحسب، بل هو انعكاس لطبيعتها المركبة: اتحاد وليس دولة، قوة مدنية قبل أن تكون عسكرية، مشروع سلام بني على أنقاض حربين عالميتين. لكن التاريخ، كما تثبت أوكرانيا، لا يرحم المشاريع الجميلة التي تفتقر إلى القوة لحمايتها. السؤال الذي سيجيب عنه العقد القادم هو: هل ستستطيع أوروبا أن تتحول من قوة اقتصادية عظمى إلى فاعل جيوسياسي متكامل، أم أن مصيرها سيكون كمصير البندقية العظيمة: ثراء من دون قوة، وحضارة من دون سيادة، وماضٍ مجيد من دون مستقبل حاسم؟


……



الفصل الثالث: كندا بين المطرقة الأمريكية والميزان الصيني – البحث عن هوية في ظل عمالقة قلقة

في الشمال الأعظم، حيث يلتقي الصمت الأزلي للغابات بنبض المدن الحديثة، تقبع كندا كحالة فريدة في المنظومة الغربية: دولة قارية المَساحة، هائلة الثروات، لكنها تعيش في حالة من التوتر الوجودي الدائم. إنها حالة تشبه شجرة صنوبر عملاقة تنمو في ظل بركان؛ تستمتع بالتربة الخصبة والدفء، لكنها تدرك في أعماق جذورها أن ثمة قوة عظيمة نائمة قد تثور فتحيل نظام عالمها إلى رماد. لقد صاغ الجغرافيا والتاريخ علاقة كندا بالولايات المتحدة على نحو يجعل من الاستقلال معادلة مستحيلة تقريباً، لكنه يمنحها في الوقت نفسه نعمة التبعية التي حوّلتها إلى واحدة من أكثر دول العالم رخاءً. اليوم، ومع تحول البركان الأمريكي من مصدر دفء ثابت إلى كتلة من القلق المتحرك، تبدأ شجرة الصنوبر الكندية في مدّ جذورها بعيداً، بحثاً عن تربة جديدة.

لم يعد السؤال الكندي يتعلق بكيفية إدارة العلاقة مع الجار العملاق، بل بكيفية البقاء ذاتاً متميزة في عالم يتشظى إلى كتل متصارعة، حيث لم تعد التبعية ضمانة للازدهار، بل قد تكون مقدمة للاختناق. ومع صعود قوة صينية تقدم نفسها كقطب بديل، تجد أوتاوا نفسها أمام معضلة ثلاثية الأبعاد: كيف تحافظ على النسيج الحيوي لعلاقتها مع واشنطن، وتستفيد من الفرص الهائلة التي تقدمها بكين، وتبني في الوقت نفسه شخصية دولية مستقلة تليق بأمة تطمح لأن تكون أكثر من مجرد "هامش جغرافي مرفه" لإمبراطورية؟



1. تشريح الارتباط المصيري: الاقتصاد الواحد بحدودين سياسيين

لقد تجاوز التكامل بين كندا والولايات المتحدة مفهوم "الشراكة الاستراتيجية" ليدخل في حيز "المصير المشترك العضوي". إنه تكامل يشبه التوأم السيامي: فصل أحدهما عن الآخر يعني مخاطرة حياتيهما معاً. فهذه ليست حدوداً تفصل بين دولتين، بل غشاء رقيق يفصل بين أجزاء من كيان اقتصادي واحد:

· تدفق الدم التجاري: ما يزيد عن 75% من صادرات كندا تتجه جنوباً. كل عطل في هذا الشريان يعني شللاً فورياً للاقتصاد الكندي.
· الجهاز العصبي المشترك (نوراد): نظام الدفاع الجوي لأمريكا الشمالية هو تعبير عن الثقة المطلقة – والخوف المتبادل – حيث تذوب السيادة الجوية في كيان دفاعي واحد.
· الأنسجة الصناعية المتشابكة: صناعة السيارات، والطيران، والتكنولوجيا الحيوية – جميعها أنسجة لا تعرف الحدود، مُصممة على أنها "سلسلة توريد أمريكا الشمالية".

لقد جنت كندا ثمار هذا التكامل بوفرة: ازدهار، وأمن، واستقرار. لكنها تدفع الثمن أيضاً: استقالة جزئية من السيادة الاقتصادية. فكل رسوم جمركية أمريكية، وكل تهديد تجاري، وكل تقلّب في السياسة النقدية للاحتياطي الفيدرالي، هو صدمة مباشرة للنظام الكندي. لقد أدركت أوتاوا أن رفاهيتها مربوطة بمرونة مزاج واشنطن، وهذه معادلة أصبحت خطيرة في عصر "أمريكا أولاً" والسياسات الانعزالية المتقطعة.



2. التنين والعقيق القطبي: العلاقة الكندية-الصينية بين جاذبية السوق وكابوس الأمن

إذا كانت الولايات المتحدة هي "المطرقة" التي لا يمكن الهرب من قربها، فإن الصين تمثل "الميزان" الذي تحاول كندا أن تزن به خياراتها. فبكين ليست مجرد سوق تصدير ثانوي، بل هي:

· المشتري الجشع لثروات باطن الأرض: من النفط الرملي في ألبرتا إلى الحديد في نيوفاوندلاند، الصين هي المحرك الرئيسي لطلب المعادن والطاقة الكندية.
· الممول الذي لا ينضب: الاستثمارات الصينية في قطاعي الطاقة والعقارات كانت، حتى وقت قريب، نعمة لرأس المال الكندي المتعطش.
· المنافس التكنولوجي الذي يفرض احترامه: في مجالات مثل الاتصالات من الجيل الخامس (5G)، أصبحت الشركات الصينية، مثل هواوي، لاعباً لا يمكن تجاهله.

لكن هذه العلاقة تشبه رقصة على جليد رقيق. فهي محفوفة بما هو أكثر من المخاطر التجارية:

· الصدام القيمي: كيف تتوافق الدبلوماسية الكندية التي تتغنى بحقوق الإنسان مع التعاون مع نظام يمارس القمع في شينجيانغ وهونج كونج؟
· الأزمة الرهينة: أزمة "منديز" (اعتقال المديرة المالية لهواوي في كندا رداً على اعتقال كنديين في الصين) كانت صفعة قاسية كشفت كيف يمكن تحويل المواطنين العاديين إلى رهائن في حرب جيوسياسية.
· الضغط الأمريكي: واشنطن لا تكتفي بالمراقبة، بل تفرض على كندا خياراً قاسياً: إما أن تكون معنا في احتواء الصين، أو أن تخاطر بعلاقتنا.

كندا، بروحها البراغماتية، تبحث عن "المنطقة الرمادية": التعامل الاقتصادي مع تجنب الاصطفاف الاستراتيجي. لكن في عالم يزداد ثنائية القطب، تصبح هذه المنطقة أضيق يوماً بعد يوم.



3. العودة إلى الجذور الأطلسية: أوروبا كملاذ للتعددية

في خضم هذا الشدّ الأمريكي-الصيني، تلجأ كندا بفطرة دبلوماسية عريقة إلى حاضنة هويتها الأصلية: أوروبا. فالاتحاد الأوروبي لا يمثل بالنسبة لأوتاوا مجرد كتلة تجارية، بل هو "البديل الحضاري". إنه الشريك الذي يجمع بين حجم السوق والتناغم القيمي والاستقرار المؤسسي، دون أن يفرض تبعية استراتيجية خانقة.
اتفاقية التجارة الحرة الشاملة (CETA) كانت أكثر من مجرد وثيقة اقتصادية؛ لقد كانت بياناً وجودياً: "نحن دولة أطلسية، وجزء من التقليد الغربي، ولنا شركاء خارج القارة الأمريكية". في أوروبا، تجد كندا صدى لنهجها متعدد الثقافات، وتقديراً لدورها كقوة وسطى فاعلة في حفظ السلام والدبلوماسية متعددة الأطراف.

مع تصدّع الثقة الأطلسية بين واشنطن وبروكسل، تكتسب الشراكة الكندية-الأوروبية بعداً استراتيجياً جديداً. فكلتا القوتين تشتركان في قلق مماثل من انفرادية الولايات المتحدة ومن التوسع الصيني العدواني. يمكن لكندا أن تكون الجسر الذي يحافظ على تماسك النسيج الغربي، أو على الأقل خيطاً قوياً يصل بين ضفتي الأطلسي في زمن العواصف.



4. هل تنتمي كندا إلى "الغرب الثاني"؟ سيناريو الاستقلال النسبي

يبدأ حلمٌ خافت بالظهور في أروقة معاهد الفكر في أوتاوا وتورونتو: ماذا لو تمكنت كندا، بالتحالف مع أوروبا واليابان وأستراليا، من تشكيل "كتلة غربية معتدلة"؟ كتلة لا تنقطع عن الولايات المتحدة، ولكنها ترفض الهيمنة الأحادية الأمريكية، وتصرّ على حيز للسيادة والتفكير المستقل. إنه سيناريو "الاستقلال النسبي" الذي يقوم على:

· تأسيس قطب تجاري وتنظيمي بديل: تعميق اتفاقيات مثل CETA والشراكة الشاملة والتقدمية عبر المحيط الهادئ (CPTPP) لخلق شبكة اعتماد اقتصادي لا تركز على قطب واحد.
· دبلوماسية الوساطة والنظام الدولي: استعادة الدور الكندي التقليدي كوسيط وصانع سلام، والدفاع عن المؤسسات متعددة الأطراف (الأمم المتحدة، منظمة التجارة العالمية) ضد هجمات القوميين في واشنطن وغيرها.
· استقلال تكنولوجي جزئي: تطوير قدرات وطنية في مجالات حاسمة مثل الاتصالات والأمن السيبراني لتجنب الاختيار القسري بين واشنطن وبكين.

هذا الحلم يواجه عقبات جسامة، أولها وأهمها هو العائق النفسي-الأمني: فكندا، جغرافيا، هي رهينة للولايات المتحدة. أي محاولة للانشقاق الاستراتيجي قد تدفع واشنطن إلى استخدام ورقة الضغط الاقتصادي أو حتى الأمني (عبر نوراد) بلا رحمة. والخيار ليس بين التبعية والاستقلال، بل بين درجات متفاوتة من المناورة داخل الفضاء الذي تسمح به واشنطن.



5. جغرافيا المصير وفرص التحول: من دولة تابعة إلى قوة وسيطة

التغيرات الجيوسياسية الكبرى، رغم أخطارها، تفتح نافذة نادرة أمام كندا. فهي لم تعد مجرد "مخزن للموارد" في حسابات الآخرين، بل يمكن أن تتحول إلى:

· وسيط الطاقة الأخضر: بثروتها الهائلة من المعادن النادرة اللازمة للبطاريات والتوربينات، وبطاقتها الكهرومائية النظيفة، يمكن أن تكون كندا المزود المفضل للاقتصاد الأخضر العالمي، خاصة لأوروبا.
· حارس الممرات القطبية: مع ذوبان الجليد، تصبح سواحل كندا الطويلة على المحيط المتجمد الشمالي شرياناً ملاحياً عالمياً. السيطرة على هذه الممرات وإدارتها تعطي أوتاوا نفوذاً جيوسياسياً لم تحلم به من قبل.
· نموذج "الدولة الليبرالية المعتدلة": في عالم مشحون بالشعبوية والاستبداد، يمكن لكندا أن تقدم نفسها كنموذج ناجح للتعددية الثقافية والانسجام الاجتماعي والحكم الرشيد، جاذبةً للعقول والاستثمارات.

لكن استغلال هذه الفرص يتطلب جرأة لم تعتادها الدبلوماسية الكندية الحذرة. إنه يتطلب مواجهة واشنطن في قضايا مثل خطوط الأنابيب أو التعريفات، والوقوف في وجه بكين دفاعاً عن القيم دون أن تحرق جميع الجسور الاقتصادية. إنه يتطلب، في جوهره، الإجابة على سؤال الهوية: هل كندا مجرد امتداد شمالي للولايات المتحدة، أم أنها أمة لها مشروعها الحضاري المميز؟


6. القلق المعدي: عندما يرتجف العملاق، ترتجف الأرض تحت جاره

قلق واشنطن الإمبراطوري، الذي تم تشريحه في الفصل الأول، ليس شعوراً معزولاً؛ إنه زلزال تتردد هزاته الارتدادية في كل غرفة في أوتاوا. هذا القلق يضع كندا أمام اختيارين مرّين:
الاختيار الأول: الاحتضان الخانق. الاندماج الكامل في الاستراتيجية الأمريكية لاحتواء الصين، وتقديم التنازلات الاقتصادية والسياسية لاسترضاء واشنطن، وتحويل نفسها إلى جبهة أمامية في الحرب الباردة الجديدة. هذا طريق مريح قصير المدى لكنه مدمر طويلاً، لأنه يحول كندا إلى تابع بالكامل ويفقدها فرصة التموقع في عالم متعدد الأقطاب.
الاختيار الثاني: المشي على الحبل. محاولة تحقيق مستحيل التوازن: الحفاظ على التحالف الأمني الحيوي مع الولايات المتحدة، مع تنويع الشركاء الاقتصاديين (أوروبا، دول آسيا النامية)، والانخراط الانتقائي مع الصين في المجالات غير الحساسة. هذا طريق شاق ومحفوف بالسقوط في أي لحظة، لكنه الوحيد الذي يحفظ للدولة الكندية كرامتها واستقلالها النسبي ومصالحها المستقبلية.

لقد اختارت كندا، حتى الآن، السير على الحبل بحذر البهلوان الخبير. لكن رياح التصعيد العالمي تهبّ بعنف، والحبل يهتزّ أكثر من أي وقت مضى.


خاتمة الفصل: لحظة التعريف – البحث عن الذات في مرآة العالم المتشظي

في النهاية، المسألة الكندية هي مسألة تعريف. فبعد قرون من العيش في فضاء محدد بوضوح – الفضاء البريطاني أولاً، ثم الفضاء الأمريكي – تُجبر كندا فجأة على تعريف نفسها بنفسها. إنها تشبه مراهقاً نضج في ظل أب قوي، ويجب عليه الآن أن يخرج إلى العالم ليصنع مساره.

الأسئلة التي تواجه أوتاوا هي أسئلة مصيرية: هل يمكن لدولة أن تكون سيادتها ناقصة – في المجال العسكري والأمني – وتظل مع ذلك مستقلة في قرارها وسياساتها؟ هل يمكن بناء ازدهار اقتصادي على أساس علاقة غير متكافئة مع جار عملاق، والنجاة عندما يقرر ذلك الجار إعادة تعريف مصلحته الوطنية بطريقة عدوانية؟ وأخيراً، ما هو الثمن الذي تكون كندا مستعدة لدفعه من أجل الحصول على "صوتها" الخاص في حفل تضج به أصوال العمالقة؟

كندا، شأنها شأن أوروبا، تقف في منطقة رمادية. إنها لا تريد ولا تستطيع قطع الحبل السري مع واشنطن، لكنها ترفض أن تكون مجرد ملحق. إنها تتوق للاستفادة من فرص العصر الصيني، لكنها تخشى الوقوع في فخ الاعتماد أو التناقض القيمي. ربما يكون دورها التاريخي في القرن الحادي والعشرين هو أن تصبح "قوة التوسط" بامتياز: الجسر بين أمريكا وأوروبا، والمترجم بين منطق الغرب ونهم الصين، والحارس الهادئ للقواعد الدولية في عصر العابثين بالأنظمة.

لكن هذا الدور النبيل يتطلب إرادة حديدية وحكمة دبلوماسية استثنائية. ففي عالم تتصارع فيه العمالقة، قد تجد الدول الوسطى نفسها مُطاحاً بها لا وسيطةً. اللحظة الكندية هي اختبار لفرضية قديمة: هل يمكن للعقلانية والبراغماتية والنوايا الحسنة أن تبقي أمة آمنة ومزدهرة، أم أن قانون الغاب الجيوسياسي هو وحده الحكم الأخير؟ إجابة كندا على هذا السؤال ستكون درساً لكل دول العالم التي تجد نفسها، هي أيضاً، بين المطرقة والسندان.


…….


الفصل الرابع: القطب الشمالي… ساحة الصراع القادم – حين يذوب الجليد وتنكشف حدود العالم الجديد

في قمة الكوكب، حيث لا شيء سوى البياض اللامتناهي والزمن البطيء الذي يقاس بعمر الجليد، تُكتب اليوم أسطر الفصل الأكثر خطورة في جغرافيا القرن الحادي والعشرين. هنا، في هذا الصمت الكوني المهيب، لا تذوب الصفائح الجليدية فحسب، بل تذوب معها يقينيات عصرٍ بأكمله: يقينيات الحدود، والسيادة، والمسافات، والموارد. القطب الشمالي لم يعد ذلك الهامش المُتجمِّد في ذاكرة الخرائط؛ لقد تحوّل إلى قلبٍ نابضٍ بقلق القوى العظمى، إلى مسرحٍ مفتوح حيث تتصارع رؤى لمستقبل البشرية. وفي مركز هذه الدائرة القطبية، تقبع غرينلاند كحجر رشيد لهذا الصراع الجيوسياسي الجديد؛ قطعة أرضٍ جليدية تحولت إلى عدسةٍ مكبّرة تعكس هواجس الإمبراطوريات العجوز والطامحة معاً.

إن ما يجري تحت عين الشمس المنحدرة في القطب الشمالي ليس مجرد سباقاً على موارد، بل هو إعادة تشكيل جيوسياسية كبرى. إنه انتقال من عالم كانت خطوطه تُرسم بين خطوط العرض الوسطى، إلى عالمٍ تُحدِّد ممرّاته البحرية الذائبة وخطوط أنابيبه تحت الجليد معادلة القوة في العقود القادمة. في هذه الساحة المتجمدة، تلتقي مخاوف واشنطن الوجودية، وحلم موسكو الإمبراطوري المتجدد، وطموح بكين الاقتصادي اللامحدود، وقبرة أوروبا الاستراتيجية المزمنة. غرينلاند هنا ليست مجرد جزيرة، بل هي الاستعارة الكاملة لعالمٍ يبحث عن يقينه تحت طبقات جليدٍ تذوب لتعكس صورةً مشوّهة للنظام الدولي الذي نعرفه.



1. الجغرافيا المتحوّلة: حين يصير الذوبان الفيزيائي ذوباناً جيوسياسياً

لم يعد ذوبان الجليد ظاهرةً منفصلة تُدرَس في مختبرات علم المناخ؛ لقد تحوّل إلى مُحرِّك جيوسياسي من الدرجة الأولى. إنه يخلق واقعاً مادياً جديداً يفرض نفسه على جداول صنّاع القرار بقوة قانون فيزيائي لا يرحم. هذه التحولات تُعيد تعريف المفاهيم الأساسية:

· اختصار الزمن والمكان: الممرات البحرية الشمالية، مثل الممر الشمالي الغربي والممرّ البحري الشمالي لروسيا، تختصر رحلة أوروبا-آسيا بأسبوعين كاملين. هذا ليس توفيراً للوقت فحسب، بل هو إعادة رسم لخرائط اللوجستيات العالمية، وتقليصٍ جذري لأهمية الممرات التقليدية كقناة السويس ومضيق ملقا، وما يرافق ذلك من تحوّل في مراكز الثقل الاقتصادي والأمني.
· كشف الخزائن المدفونة: تحت الصفائح الجليدية والجرف القاري، تكمن ثرواتٌ تقدر بتريليونات الدولارات: نحو 13% من النفط غير المُكتَشف في العالم، و30% من غازه الطبيعي، إضافة إلى كميات هائلة من المعادن النادرة (الليثيوم، الكوبالت، التربة النادرة) التي هي بمثابة "دم" الثورة التكنولوجية والتحول الأخضر.
· فتح الساحات العسكرية: المياه التي كانت مغلقة بالجليد أصبحت قابلة للإبحار، والجليد الدائم أصبح أرقّ، مما يفتح مجالاً للغواصات والسفن الحربية، ويجعل من القطب ساحةً للمناورات والمراقبة والردع، خاصة في زمن الصواريخ العابرة للقارات التي تقصر مساراتها فوق القطب.

هكذا، فإن الجغرافيا السياسية الجديدة تولد من رحم الجغرافيا الفيزيائية المتغيّرة. القطب لم يعد "منطقة"، بل أصبح "حالة": حالة من التنافس الشامل على طرق التجارة، والموارد، والنفوذ الاستراتيجي.


2. الولايات المتحدة: القلق الإمبراطوري على السقف المتهالك للعالم

بالنسبة لواشنطن، يمثل التحول القطبي كابوساً استراتيجياً أكثر منه فرصة. فالقوة التي اعتادت على الهيمنة في كل محيط وجدت نفسها في موقف الدفاع عن "الفناء الخلفي" الجيوسياسي. إن نظرتهم إلى المنطقة تنبع من رؤية "القلق الوجودي":

· الحدود الشمالية العارية: يعتبر البنتاجون أن السيطرة على القطب هي خط الدفاع الأول عن العمق القاري الأمريكي. غرينلاند، تحديداً، هي الحاجز الطبيعي والحصن المتقدم ضد أي تهديد عبر القطب، سواء من روسيا أو في المستقبل من الصين.
· مفترق طرق الردع النووي: مسارات الصواريخ الباليستية بين القوى العظمى تمر عبر القطب. فقدان التفوق في المراقبة والرصد هناك يعني ثغرة في الدرع الأمريكي لا تُسدّ.
· خوف الالتفاف الجيوسياسي: الممرات البحرية الجديدة تعني إمكانية أن تتجاوز روسيا والصين "الاحتواء" البحري الأمريكي في المحيطين الهادئ والأطلسي، وتفتح خطوط إمداد ونقل مستقلة عن سيطرة البحرية الأمريكية.

لذا، فإن التصريحات الساخرة حول "شراء غرينلاند" كانت تعبيراً عن عقلية قلقٍ عميقة: البحث عن حلّ ملكي، مباشر، ومطلق لمشكلة معقدة. إنها رغبة في تحويل الجزيرة إلى حاملة طائرات لا تغرق، إلى قاعدة بيانات ورادارات دائمة، إلى حاجز مادي ضد التآكل البطيء للنفوذ الأمريكي. إنه محاولة لتحصين "سقف العالم" قبل أن ينهار.


3. روسيا: الحلم الإمبراطوري والعودة إلى المجد المتجمد

بينما تنظر واشنطن إلى القطب بقلق المدافع، تنظر إليه موسكو بعين الوريث الشرعي والمستعيد لحقٍ تاريخي. روسيا لا "تتجه" شمالاً؛ هي، في تصورها الذاتي، موجودة هناك. القطب الشمالي هو امتدادها الطبيعي، وساحة انتصارها على الجغرافيا والمناخ، ومخرجها الاستراتيجي من حصار الغرب.

· تفوّق مادي ساحق: تمتلك روسيا أسطولاً من كاسحات الجليد النووية يفوق ما يملكه العالم أجمع. قواعدها العسكرية، مثل "تركتي" و"أركتيشاغيل"، ليست منشآت مؤقتة، بل مدن عسكرية دائمة تمتد على طول "الحدود الشمالية" لروسيا.
· الرؤية الاقتصادية-العسكرية المتكاملة: تطرح موسكو مفهوم "الطريق البحري الشمالي" ليس كممر دولي فحسب، بل كمشروع قومي يجمع بين التنمية الاقتصادية للمناطق النائية والسيطرة العسكرية على شريان حيوي. النفط والغاز من حقل "فوستوتشني" وغيره هو سلاح اقتصوي وآمن في آن.
· الهوية القومية المتجلية: احتلال القطب وإعماره هو جزء من السردية القومية الروسية عن الدولة القوية التي تروض الطبيعة. إنه يعيد إحياء أمجاد الاستكشاف السوفياتي ويوفر قضية توحيدية في زمن التحديات.

غرينلاند، وإن كانت خارج الحيز الروسي المباشر، تظهر في الحسابات الروسية كنقطة ضغط على الناتو. أي زيادة في النفوذ الأمريكي هناك تعتبر اختراقاً للمجال الحيوي الروسي وتستدعي ردوداً لا تخلو من المجازفة.



4. الصين: لاعب القطب من غير خطوط العرض

إن أكثر الحركات إثارة للقلق في المشهد القطبي هي حركة لاعب ليس لديه سواحل قطبية: الصين. بكين تقدم نموذجاً جديداً للتوسع الجيوسياسي، قائماً على إعادة التعريف الذكي للمفاهيم. فبإعلان نفسها "دولة قريبة من القطب"، تدخل اللعبة من الباب الاقتصادي والعلمي، ملبسةً الطموحات الاستراتيجية برداء التعاون والتنمية.

· الدبلوماسية الاستثمارية: الاستثمارات في بنية غرينلاند التحتية (المطارات، الموانئ)، وتمويل مشاريع التعدين، هي أشبه بشراء "أسهم نفوذ" طويلة الأمد في الجزيرة. إنها إستراتيجية "الوقائع المنجزة" الاقتصادية التي تسبق المطالبات السياسية.
· طريق الحرير على الجليد: "المبادرة القطبية للحزام والطريق" تهدف إلى دمج الممرات الشمالية في شبكة مشروعها العملاق، مما يخلق طريقاً بديلاً إلى أوروبا، مختصراً وأكثر أماناً من منظور صيني، لأنه يتجنب "نقاط الاختناق" التي تسيطر عليها البحرية الأمريكية.
· السعي نحو الأمن الاستراتيجي الشامل: البحث عن مصادر بديلة للمعادن النادرة والطاقة خارج التكتل الغربي المسيطر هو مسألة أمن قومي للصين. القطب يمثل مخزوناً استراتيجياً يمكن أن يحمي صناعتها التكنولوجية والعسكرية من تقلبات السياسة أو العقوبات.

وجود الصين في القطب هو تحدٍ لنظام وستفاليا التقليدي القائم على السيادة الإقليمية. فهو يثبت أن القوة في القرن الحادي والعشرين يمكن أن تكون "متنقلة" و"شبكية"، لا بالضرورة مرتبطة بامتلاك الأرض المتجاورة.



5. أوروبا: القلق الوجودي على عتبة الباب المتجمد

تشعر أوروبا بأنها الأكثر تضرراً وأقل استعداداً للتغيرات القطبية. فالقارة التي تعتمد على الاستقرار والنظام تجد نفسها على حافة منطقة تتحول إلى برية استراتيجية لا قانون يحكمها بشكل كامل. مصالح أوروبا حيوية لكن أدواتها ناقصة:

· التبعية الأمنية المكشوفة: أمن أوروبا الشمالي والطلابي مرتبط بشكل مباشر بسيطرة الحلفاء على الممرات القطبية ومجابهة التمدد الروسي. أي تراجع أمريكي أو تحرك أحادي لواشنطن (كما في سيناريو غرينلاند) يترك أوروبا في مواجهة روسيا دون مظلة كافية.
· الفرصة الاقتصائية الهشة: أوروبا، كمستورد كبير للطاقة ومركز تجاري، تستفيد من اختصار طرق الشحن والوصول إلى موارد جديدة. لكنها تفتقر إلى الأساطيل والقدرات اللوجستية للاستفادة الكاملة، وتخشى أن تصبح سوقاً لموارد يسيطر عليها الآخرون.
· ورقة النفوذ الدنماركية: غرينلاند هي الورقة الرابحة الدبلوماسية الوحيدة لأوروبا في اللعبة القطبية. عبر الدنمارك (عضو الاتحاد الأوروبي والناتو)، تحاول أوروبا تأكيد وجودها. لكن استقلالية غرينلاند المتزايدة وولاء سكانها المتجه أكثر نحو أمريكا أو الصين للاستثمار، يجعلان من هذه الورقة هشة.

أوروبا، باختصار، تخشى أن تصبح "متفرجة مُلزَمة" على لعبة القطب، تدفع ثمن اضطرابها دون أن تحصد من منافعه سوى القليل، وتجد نفسها محاصرة بين مطرقة التحرك الأحادي الأمريكي وسندان التوسع الروسي-الصيني.


6. غرينلاند: العدسة الجامعة – لماذا تتركز كل التوترات في بقعة جليدية واحدة؟

غرينلاند ليست مجرد نقطة على الخريطة؛ إنها مختصر للصراع القطبي بكل أبعاده. إنها "العدسة" التي تجمع أشعة التنافس العالمي وتركّزها في نقطة ساخنة:

· البُعد العسكري – العين التي لا تنام: موقعها يشكل مثلثاً استراتيجياً مع أمريكا وأوروبا، مما يجعلها منصة لا تقدر بثمن لمراقبة حركة الغواصات، ورصد الإطلاق الصاروخي، وإقامة أنظمة الرادار المتقدمة. من يتحكم بغرينلاند يتحكم بباب الدخول إلى المحيط المتجمد الشمالي من الأطلسي.
· البُعد الاقتصادي – كنز المعادن النادرة: تحت جليدها تكمن بعض أكبر احتياطيات العالم من التربة النادرة والعناصر الحرجة للتحول الرقمي والأخضر. في سباق التحول الصناعي، من يملك هذه المعادن يملك المستقبل التكنولوجي. هذا يجعل غرينلاند جذابة بشكل مرضي للصين بشكل خاص.
· البُعد اللوجستي – بوابة الممرات: تشرف الجزيرة على مدخل الممر الشمالي الغربي والممرات المؤدية إلى قلب القطب. السيطرة عليها تعني القدرة على فتح أو إغلاق هذه الطرق البحرية المستقبلية، وبالتالي التحكم بتجارة قسم كبير من العالم.
· البُعد السياسي – اختبار التحالف: كونها جزءاً من مملكة الدنمارك (الناتو والاتحاد الأوروبي) يجعل أي تحرك أمريكي أو صيني تجاهها اختباراً لتماسك التحالف الأطلسي ولصلابة السيادة الأوروبية. إنها الحلقة الأضعف في السلسلة الغربية، والمعرّضة للشد من جميع الجهات.


7. السيناريو الكابوسي: حين تصبح غرينلاند شرارة الأزمة الغربية الداخلية

هنا يكمن الخطر الأعمق والأكثر دقة. فالصراع ليس بين الغرب والآخرين فحسب، بل قد يتحول إلى صراع داخل الجسد الغربي نفسه. تخيل سيناريو حيث:

· تقدم واشنطن عرضاً ساحقاً لغرينلاند على مستوى استثمارات البنية التحتية، مع إيحاءات سياسية غير مباشرة.
· ترد الصين بعرض مضاعف، مع وعود بعدم التدخل في الشؤون الداخلية وخلق فرص عمل.
· أهالي غرينلاند، الباحثين عن مستقبل اقتصادي أفضل بعد انفصالهم المحتمل عن الدنمارك، يميلون لأحد العرضين.
· الدنمارك، المدعومة من بروكسل، ترفض وتصر على السيادة، مذكرة واشنطن بالتزامات الحلف.

في هذه الحالة، سيجبر الاختيار كل طرف على كشف أوراقه الحقيقية:

· هل ستقدم واشنطن على ضغط حليفة في الناتو من أجل مكسب استراتيجي؟
· هل ستتجرأ أوروبا على مواجهة واشنطن علناً دفاعاً عن مبدأ السيادة؟
· هل ستجد كوبنهاغن نفسها مضطرة للتقرب من بكين لموازنة الضغط الأمريكي؟

النتيجة ستكون أزمة ثقة مدمرة داخل الناتو، وإثباتاً أن المصالح القومية الضيقة تتغلب على التضامن الاستراتيجي، وربما بداية انزياح في التحالفات. غرينلاند قد تتحول من "حلقة الوصل" إلى "حلقة الانكسار" في النظام الأطلسي.



القطب الشمالي كلوحة اختبار لمستقبل النظام العالمي

الصراع على القطب الشمالي ليس صراعاً عابراً على موارد، بل هو اختبار حاسم لمستقبل النظام الدولي. إنه يجيب على أسئلة جوهرية:

· هل سيسود منطق التعاون متعدد الأطراف وإدارة الموارد المشتركة، كما تنص اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار وآلية مجلس القطب الشمالي؟
· أم سينتصر منطق التنافس الصفري، والقومية الجيوسياسية، وسيادة قانون القوة، حيث يفرض الأقوى وقائعه على الأرض (أو الجليد) الذائب؟

غرينلاند، في هذا المشهد، هي النذير. إنها البلورة التي تتجمد فيها كل التوترات: بين السيادة والاعتماد المتبادل، بين الأمن القومي والمصلحة الاقتصادية، بين التحالف القديم والمنافس الجديد. ما يحدث لها سيكون نموذجاً مصغراً لما قد يحدث في الفضاء الإلكتروني، في أعماق البحار، أو في الفضاء الخارجي.

في النهاية، يذكرنا هذا الصراع المتجمد بحقيقة أساسية: الجغرافيا لا تموت، إنها تتحول فقط. والقوى التي تتكيف مع تحولاتها، لا التي تحاول تجميدها في لحظة زمنية من الماضي، هي التي ستكتب قواعد اللعبة الجديدة على سقف العالم الذائب. القطب الشمالي، ببرودته القاسية، قد يصبح الشاهد الأبرز على احتضار عالم أحادي القطبية، وولادة عالم جديد، أكثر تعقيداً وخطورة، حيث تتصارع عدة شموس في سماء واحدة متجمدة.


…….



الفصل الخامس: أوروبا وواشنطن – هل نحن أمام بداية تفكك التحالف الأطلسي؟

في قلب الصرح الذي ظلّ سبعة عقود يمثل الترسانة الدفاعية والأخلاقية للغرب، بدأ صدى غير مألوف يتردد. إنه ليس صدى انهيارٍ درامي، بل همسٌ خافتٌ يعلو تدريجياً: همس شكٍّ في قدسية اليمين، وتَساؤلٍ عن ثمن الولاء، وحيرةٍ أمام مستقبل شراكةٍ كانت تبدو أبدية. الناتو، ذلك الكيان الذي تجاوز كونه تحالفاً عسكرياً ليتحول إلى عقيدة جيوسياسية وإلى سردية تأسيسية للعالم الغربي ما بعد الحرب، يقف اليوم على عتبة التحول الأكثر جوهرية منذ إنشائه. السؤال لم يعد: كيف نواجه العدو المشترك؟ بل أصبح: من نحن لبعضنا البعض في عالمٍ لم يعد العدو فيه واضحاً، ولم تعد المصالح فيه متطابقة؟

هذا الفصل ليس تشريحاً لخلافات سياسية عابرة؛ إنه استقصاءٌ لشرخٍ وجودي في جسد الحضارة الأطلسية. إنه يحاول تتبع مسار ذلك "الزلزال البطيء" الذي يهزّ أساسات التحالف: من قلق أوروبا الوجودي من تحولات واشنطن، إلى استيقاظ أمريكا على كلفة الاستمرار في دور الحامي الذي لم يعد "محمياً" بقدسية دوره. في هذه المسافة بين الخوف من الهجر والخوف من الاختناق، تُعاد كتابة قواعد اللعبة.



1. سقوط الأيقونة: اللحظة التي تحول فيها الحامي إلى مصدر قلق

لطالما نظرت أوروبا إلى واشنطن ليس كحليفٍ فحسب، بل كـ"ضامن ميتافيزيقي" لاستقرارها الوجودي. كانت الولايات المتحدة تجسيداً لفكرة أن التاريخ يسير في اتجاه واحد صوب الليبرالية، وأن القوة المطلقة يمكن أن تكون مُستنيرة، وأن المحيط الأطلسي هو مجرد امتدادٍ لبحر داخلي ضمن حضارة واحدة. هذا الإيمان بدأ يتحطم عبر سلسلة من الصدمات المتتالية، كلّ منها كسر تابوهًا من تابوهات الشراكة:

· صدمة أفغانستان (2021): لم يكن الانسحاب الفوضوي مجرد فشل تكتيكي؛ لقد كان رسالة واضحة عن أولويات جديدة. رأت أوروبا حلفاءها المحليين وحقوق النساء والبنى التي أنفقت ملياراتها تُترك لمصيرها، دون استشارة تذكر. لقد فهمت أن "المصالح الأمريكية" قد تُعرّف الآن بمعزلٍ تام عن "المصالح الأطلسية".
· صدمة ما قبل أوكرانيا: التردد الأمريكي في فرض عقوبات ردعية جوهرية على روسيا قبل الغزو، ونبرة "هذه مشكلة أوروبية" التي تسربت من بعض الأوساط في واشنطن، أيقظت الذاكرة الأوروبية القديمة عن عزلةٍ ممكنة. لقد تساءلت برلين وباريس: لو أن كييف سقطت خلال أسبوع، هل كان رد واشنطن سيتعدى الإدانة القوية؟
· صدمة المعاملة التجارية: سياسة "أمريكا أولاً" لم تستثنِ الحلفاء. الرسوم الجمركية على الصلب والألمنيوم كانت ضربةً موجهة للاقتصاد الأوروبي. لقد أدركت أوروبا أنها، في حسابات واشنطن الاقتصادية، قد تكون منافساً قبل أن تكون حليفاً.
· الصدمة الاستراتيجية: الانزياح نحو المحيط الهادئ. التركيز الأمريكي المكثف على الصين كـ"التحدي الجيوسياسي الأوحد" يعني، عملياً، أن أوروبا لم تعد المركز الجيوسياسي للولايات المتحدة. إنها أصبحت الجبهة الخلفية، أو "المسألة الموروثة" التي يجب إدارتها بأقل تكلفة ممكنة.

هذه الصدمات مجتمعة أحدثت شرخاً في "العقد النفسي" الأطلسي. لم تعد أوروبا متأكدة من أن واشنطن ترى في أمنها جزءاً لا يتجزأ من أمنها القومي.



2. غرينلاند: الاستعارة التي أصبحت اختباراً

إذا كانت الصدمات السابقة عبارة عن ضربات موجعة للثقة، فإن حادثة "شراء غرينلاند" كانت محاولةً رمزية لقلب طاولة الشراكة نفسها. لم تكن الفكرة مجرد غرابة أو انفلات لسان؛ لقد كانت تعبيراً عن عقلية إمبريالية تعامل الحلفاء ككيانات قابلة للتملك. كانت الرسالة المبطنة: كل شيء قابل للتفاوض، حتى سيادة الحليف، إذا تعلق الأمر بمصلحة أمريكا القومية.

الرد الأوروبي، رغم خجوله الرسمي، كان صارخاً في دواخله. لقد رأت النخب في بروكسل وكوبنهاغن وبرلين ما وراء النكتة:

· تجاوز السيادة: التعامل مع إقليم تابع لدولة عضو مؤسس في الناتو كمشروع عقاري.
· تفكيك مفهوم التحالف: التحالف يفترض ثباتاً في الحدود والهويات. فكرة الشراء تفترض أن الهويات قابلة للتفكيك وإعادة التركيب حسب الحاجة.
· الاستعلان عن النوايا: الاعتراف بأن القطب الشمالي ساحة تنافس صفري، حتى مع الحلفاء.

غرينلاند أصبحت النقطة التي تحول فيها القلق الأوروبي من كونه قلقاً على استقرار الحامي، إلى قلقٍ من الحامي نفسه. لقد سألت أوروبا نفسها: إذا كان هذا هو التعامل مع جزيرة جليدية، فما هو مصير المصالح الأوروبية في بولندا أو دول البلطيق إذا تصادفت مع حسابات واشنطن الضيقة؟



3. الحلم والواقع: البحث الأوروبي عن فسحة الاستقلال

من رحم هذا القلق، ولدت – أو أعيد إحياء – فكرة "الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي". لكن هذا الشعار الجميل يخفي تحته ثلاثة مشاريع متنافسة، بل ومتعارضة أحياناً:

· المشروع الفرنسي: الاستقلال بمعنى القوة. تريده باريس جيشاً أوروبياً حقيقياً، وقدرة تدخل سريع، وسياسة خارجية موحدة تقود من قبل باريس وبرلين. إنه حلم "أوروبا القوة" التي تتعامل مع أمريكا كندّ، لا كوصي.
· المشروع الألماني: الاستقلال بمعنى المسؤولية. برلين تريد "ثقافة استراتيجية" أوروبية، وزيادة في الإنفاق، وصناعة دفاعية أوروبية – لكن كل ذلك داخل إطار الناتو المتجدد. إنها تخشى الاستقلال الذي قد يغري واشنطن بالانسحاب، وتريد إصلاح الشراكة لا إنهاءها.
· مشروع دول الشرق: الاستقلال بمعنى الولاء المُعزز. دول مثل بولندا ودول البلطيق ترفض أي حديث يضعف الضمانة الأمريكية. استقلالهن يعني بناء قدرات دفاعية وطنية قوية – ولكن من أجل أن تكون شريكاً أفضل لواشنطن في مواجهة موسكو، وليس للاستغناء عنها.

هذا التشتت هو العائق الحقيقي. فبينما تريد فرنسا استبدال المظلة الأمريكية بمظلة أوروبية، تريد ألمانيا إصلاح المظلة الحالية، وتريد دول الشرق تدعيم دعاماتها بيد أوروبية، يبقى "الاستقلال" كلمة طنانة بلا مشروع موحد. الحرب في أوكرانيا عقدت الأمر أكثر: فأثبتت الحاجة الملحة للولايات المتحدة، وفي الوقت نفسه، عمقت الإحساس بالضعف والتبعية.



4. الرحيل المستحيل: لماذا تبقى القواعد الأمريكية رغم كل شيء؟

بين الحين والآخر، تطفو على سطح الخطاب السياسي الأوروبي دعوات لـ"رحيل القواعد الأمريكية". هذه الدعوات، وإن كانت تعبر عن تيار شعبي حقيقي مناهض للهيمنة وللمخاطر النووية، تبقى خارج حسابات الممكن لسبب بسيط: الفجوة الهائلة بين القدرة الاستراتيجية لأوروبا ونظيرتها الأمريكية. هذه الفجوة لا تقاس بعدد الدبابات، بل بأركانٍ أربعة:

1. الردع النووي: لا تملك أوروبا (عدا فرنسا وبريطانيا) منظومة ردع نووي مستقل قادر على موازنة الترسانة الروسية. الردع الفرنسي "المستقل" مصمم أساساً للدفاع عن "المصالح الحيوية الفرنسية"، وهو غير واضح في مدى تغطيته لألمانيا أو بولندا.
2. الاستخبارات والإنذار المبكر: الشبكة العالمية للتجسس والرصد الأمريكية، وخاصة في مجال الفضاء والإلكترونيات، لا تقارن بأي قدرة أوروبية مجتمعة. أوروبا ستكون عمياء ونصف صماء بدون هذه الشبكة.
3. القدرة على إسقاط القوة: النقل الاستراتيجي، والتزود في الجو، والقدرة على إدارة معركة كبرى عبر قارات – كلها قدرات أمريكية حصرية تقريباً.
4. القيادة والسيطرة: الناتو هو في النهاية هيكل قيادة أمريكي. أي جيش أوروبي موحد سيحتاج لعقود لبناء هيكل قيادة وسيطرة مماثل في التعقيد والفاعلية.

لذا، فإن السيناريو الواقعي ليس الرحيل، بل إعادة التفاوض على شروط الاستضافة ونطاق القيادة المشتركة. إنه حديث عن "الشراكة بين الكبار"، وليس عن الطلاق.



5. سيناريوهات المستقبل: من الإصلاح الهادئ إلى الصدع البطيء

تفكك الناتو المفاجئ يبقى في عالم الخيال السياسي. لكن "التفكك الوظيفي" أو "التحول الجوهري" أصبح سيناريو قابلاً للتصور. أمام التحالف عدة مسارات:

· السيناريو الأول: التدهور البطيء (الأكثر ترجيحاً). تستمر الولايات المتحدة في الانزياح نحو آسيا، وتستمر أوروبا في بناء قدراتها بشكل جزئي وغير منسق. يتحول الناتو من تحالف تدخل إلى تحالف دفاعي خالص، يتركز حول ضمانات رسمية لدول الشرق. تزداد الخلافات الجيوسياسية (حول الصين، الشرق الأوسط) وتقل الفاعلية المشتركة. يصبح الحلف هيكلاً شكلياً أكثر منه قوة فاعلة.
· السيناريو الثاني: الصدمة والانبعاث. حدوث أزمة كبرى (هجوم روسي على دولة في الناتو، أو أزمة تايوان كبرى) تجبر الطرفين على إعادة اكتشاف التضامن تحت الضغط. يؤدي ذلك إلى إصلاحات عميقة وإعادة التزام، لكنه يعمق أيضاً تبعية أوروبا لواشنطن في لحظة الخطر.
· السيناريو الثالث: الطلاق بالتراضي. صعود قيادة أوروبية طموحة (فرنسية-ألمانية) تقرر استغلال تراخي الاهتمام الأمريكي لبناء دفاع أوروبي حقيقي، يوازن في النهاية مع القوة الأمريكية. تتفق الطرفان على تحويل الناتو إلى تحالف أكثر مرونة، مع اعتراف أمريكي بحق أوروبا في "نطاق نفوذ" سياسي وعسكري مستقل. هذا هو السيناريو الأكثر تفاؤلاً وأقل ترجيحاً في المدى القريب.

العامل الحاسم سيكون الثقة. فالمشكلة ليست في اختلاف المصارف فحسب، بل في اختلاف التوقعات. هل تتوقع أوروبا من أمريكا أن تكون حامية دائمة؟ وهل تتوقع أمريكا من أوروبا أن تكون تابعاً مطيعاً؟ الإجابة على هذين السؤالين تحدد المسار.



6. شراكة اللايقين: تشكيل نموذج العلاقة الجديد

ما نراه اليوم هو ولادة نموذج جديد للعلاقة، يمكن تسميته "الشراكة الانتقائية القلقة". ملامحه:

· التعاون في الشرق، والاختلاف في الغرب: توحد واشنطن وأوروبا الموقف تجاه روسيا في أوكرانيا، لكنهما تختلفان جذرياً في التعامل مع الصين (شراكة تجارية أوروبية مقابل مواجهة استراتيجية أمريكية).
· التكامل العسكري تحت القيادة الأمريكية، مع تحفظ سياسي أوروبي: ستشارك أوروبا في مهام الناتو، لكنها ستمتنع أكثر عن الانخراط في المغامرات الأمريكية خارج نطاق الأمن الأوروبي المباشر.
· المنافسة الاقتصادية داخل الإطار الاستراتيجي: ستستمر المنافسة على الصفقات الصناعية، والمعايير التكنولوجية، ودعم الشركات الوطنية، تحت سقف التحالف الأمني.
· أوروبا كقطب ثالث في العلاقة الأمريكية-الصينية: ستلعب أوروبا دور الميزان، تتعامل مع الطرفين، وترفض الانخراط الكامل في استراتيجية الاحتواء الأمريكية.

هذا النموذج هش ومحفوف بالتوتر. فهو يفترض قدرة دبلوماسية استثنائية لإدارة التناقضات اليومية. وهو يعرض الحلف لخطر "النخر من الداخل" بواسطة ألف خلاف صغير، قد يتراكم ليُضعف التضامن في ساعة الحقيقة.


الناتو كاستعارة لعالم يبحث عن معنى

النزاع داخل الناتو هو أكثر من مجرد شجار بين حلفاء. إنه استعارة كاملة لمرحلة الانتقال العالمية التي نعيشها. فهو يعكس:

· نهاية عصر الهيمنة الأحادية: حيث لم يعد بإمكان القائد الواحد أن يفرض إرادته أو أن يتحمل كلفة القيادة وحدها.
· عودة الجغرافيا: انكشاف حقيقة أن المصالح الأطلسية ليست متماثلة. مصالح بولندا تختلف عن مصالح البرتغال، ومصالح ألمانيا تختلف عن مصالح فرنسا، وجميعها تختلف عن مصالح ولاية أوهايو الأمريكية.
· أزمة المشروع الغربي: الناتو لم يكن تحالفاً عسكرياً فقط، بل كان التجسيد المؤسسي لفكرة "الغرب". اليوم، يتساءل الأوروبيون والأمريكيون معاً: ما هي قيمنا المشتركة في عصر الاستقطاب الداخلي؟ وما هو مصيرنا المشترك في عالم تتنافس فيه مع حضارات أخرى لديها يقينياتها الخاصة؟

التحالف الأطلسي لن يختفي غداً. لكن "الناتو" كفكرة مطلقة، كعقيدة غير قابلة للمساءلة، تلك الفكرة قد تكون في طور الاحتضار. ما يخرج من رمادها قد يكون شيئاً مختلفاً: تحالفاً أكثر براغماتية، وأقل طموحاً، وأكثر وعياً بالحدود. أو قد يكون مجرد ذاكرة مشتركة عن زمنٍ كان فيه الغرب وحده يكتب قواعد العالم. في كل الأحوال، فإن صدى هذا التحول سيدوي لفترة طويلة، ليس فقط في قاعات بروكسل وواشنطن، بل في كل عاصمة حول العالم تراقب، بقلق أو أمل، بداية نهاية نظامٍ عمره سبعون عاماً.

………

الفصل السادس: الصين وروسيا – المستفيدان الكبيران من التوتر الغربي–الغربي

في القاعة الكبرى للمنافسة الجيوسياسية، حيث كانت أصوات الغرب تملأ الفضاء لعقود، انطلق فجأة صدى ارتباك غير مألوف: صدى حديث المرء مع نفسه، وحوار الذات مع شكوكها. وفي الظلال البعيدة، وقفت شخصيتان تتابعان هذا المشهد، لا بمشاعر العداء الصريح، بل بفضول هادئ يختلط بالارتياح العميق. إنهما يشهدان لحظة نادرة: لحظة اكتشاف العدو لأهم نقاط ضعفه، وهي ليست في حدود إمبراطوريته، بل في أعماق عقر داره.

الصين وروسيا – بمشاريعهما المختلفة، وطبائعهما المتباينة، وأحلامهما المتقاطعة أحياناً والمتضاربة أحياناً أخرى – تجدان نفسيهما في وضع المستفيد السلبي الأكبر من حالة "الانكشاف الذاتي" التي يعيشها التحالف الأطلسي. إنهما لا تفعلان شيئاً سوى المراقبة، بينما يحفر الغرب قبر هيمنته بأيديه. هذا الفصل لا يحكي قصة هجوم، بل يحكي قرفة انتظار. انتظار ما سيسقط من مائدة الإمبراطوريات المتشاكسة.



1. روسيا: فن استغلال الشروخ في الجدار الأطلسي

ليست روسيا قوة اقتصادية عظمى – حجم اقتصادها يتضاءل أمام اقتصاد ولاية كاليفورنيا – لكنها ماكرة استراتيجية بامتياز. إنها لاعب شطرنج يرى اللعبة على مستويات متعددة، ويعرف أن الانتصار لا يأتي دائماً بالهجوم الأمامي، بل بإقناع الخصم بأن يخطئ في حساباته. تفكك التماسك الغربي هو، بالنسبة لموسكو، أحلام يقظة تتحقق ببطء.

· تفكيك الناتو دون إطلاق رصاصة واحدة: كل نبرة استعلاء أمريكية تجاه أوروبا، وكل تهديد تجاري، وكل تصرف أحادي (كالغرينلاند) هو هدية دعائية لموسكو. تقدمه الإعلام الروسي كدليل على أن "الحلفاء" مجرد عبيد لواشنطن، وأن السيادة الأوروبية وهم. هذا يضعف الإرادة السياسية للحلف، ويجعل من الإنفاق الدفاعي الأوروبي قضية مثيرة للجدل الداخلي، لا ضرورة وجودية.
· فتل خيوط التفكك الأوروبي الداخلي: روسيا ماهرة في لعبة "التفريق لتُحصِّل". التوتر الأطلسي يعمق الخلاف بين "أوروبا القديمة" (فرنسا، ألمانيا) الراغبة في حوار مع موسكو، و"أوروبا الجديدة" (بولندا، دول البلطيق) التي ترى في روسيا تهديداً وجودياً. هذا الانقسام يعطي موسكو مساحة للمناورة، فتعرض على باريس وبرلين صفقات طاقة أو هدنة سياسية، مما يزيد من حدة الشقاق داخل الاتحاد الأوروبي.
· التوسع في الظل: في القطب الشمالي، بينما تتجادل واشنطن مع كوبنهاغن حول غرينلاند، تثبت روسيا وجودها العسكري والاقتصادي بحزم. تذهب السفن، وتُبنى القواعد، وتمتد خطوط الأنابيب. الفراغ الناتج عن انشغال الحلفاء ببعضهم هو الفراغ المثالي لملئه.

إن استراتيجية روسيا ليست بناء إمبراطورية جديدة، بل إعادة تأسيس "مجال نفوذ" يحمي عمقها الاستراتيجي، وتحويل أوروبا إلى منطقة محايدة أو متذبذبة، تكسر به احتكار الغرب للقارة الأوراسية.



2. الصين: فن حصاد الثمار المتساقطة من شجرة الشقاق

بينما تلعب روسيا لعبة القوة الجيوسياسية التقليدية (ولو بأساليب غير تقليدية)، تلعب الصين لعبة العصر: لعبة القوة الشاملة. إنها لا تريد تحطيم النظام الغربي؛ بل تريد إعادة تشكيله من الداخل ليتسق مع مصالحها. والانقسام الأطلسي هو المحفّز المثالي لهذا التحول.

· استدراج أوروبا نحو الحضن الاقتصادي: مع كل موجة توتر تجاري عبر الأطلسي، تلوح بكين بسوقها الضخمة واستثماراتها العميقة. تقدم نفسها كشريك "عقلاني" و"غير أيديولوجي". توقيع اتفاقية الاستثمار الشامل مع الاتحاد الأوروبي (قبل تجميده) كان محاولة للربط بين الاقتصادين في لحظة ضعف أوروبي. تريد الصين فك الارتباط الاستراتيجي بين أوروبا وأمريكا عبر ربطهما اقتصادياً بها.
· كسر الحصار التكنولوجي: تعرف واشنطن أن احتواء الصين يمر عبر عزلها تكنولوجياً. لكن أوروبا، بشركاتها العملاقة مثل "سيمنز" و"فولكسفاجن" و"إيرباص"، لا تستطيع ولا تريد قطع علاقاتها بالسوق التكنولوجي والإنتاجي الأكبر في العالم. هذا الخلاف هو هواء التنفس للصين. فهو يمكنها من الحفاظ على سلاسل التوريد، والوصول إلى التقنيات عبر الشركات الأوروبية، وإبطاء وتيرة تطويقها.
· التسلل إلى الساحات الجديدة (القطب الشمالي): تكرر الصين في القطب استراتيجيتها العالمية: التخلي عن المطالبات الإقليمية الصريحة (فهي ليست دولة قطبية) واستبدالها بتأسيس وجود اقتصادي لا يمكن الاستغناء عنه. استثماراتها في بنية غرينلاند التحتية، وتمويلها لأبحاث القطب، وشراكاتها مع آيسلندا، هي جميعاً طرق لشراء النفوذ و"حقوق الملكية" في المستقبل القطبي، بينما تنشغل القوى القطبية التقليدية بمشاجراتها.

الصين تدرك أن القرن الحادي والعشرين سيكون قرن "السيادة الاقتصادية" و"الأمن التكنولوجي". وانقسام الغرب يمنحها الوقت والمساحة لبناء هاتين الدعامتين.


3. محور الظل: تحالف المصالح لا القيم

هل نرى تشكيل محور صيني-روسي حقيقي؟ السؤال يحمل افتراضاً خاطئاً بأن التحالف هو الهدف. العلاقة بين بكين وموسكو هي أكثر ذكاءً: إنها "شراكة تكتيكية ذات سقف استراتيجي محدود". فهما كشخصين يقفان على طرفي نهر يجتاحه الفيضان؛ يتعاونان لحفظ التوازن وعدم السقوط، لكن كل منهما يحدق نحو الضفة الأخرى التي يريد الوصول إليها بمفرده.

· التناقضات الكامنة: روسيا تخشى من تحول الصين إلى القوة المهيمنة في آسيا الوسطى، ساحة نفوذ روسيا التقليدية. والصين تنظر إلى الموارد الروسية كشريك مؤقت حتى تنوع مصادر إمداداتها. هناك تنافس خفي على النفوذ في منغوليا، وفيتنام، وحتى في القطب الشمالي حيث تريد الصين دور الشريك لا التابع.
· التقاطع في الهدف: ومع ذلك، يجمع بينهما هدف استراتيجي واحد: تقويض النظام العالمي الأحادي القطب. انقسام الغرب يخدم هذا الهدف بشكل مثالي. فهو يقلل من قدرة الولايات المتحدة على العقاب، ويفتح مساحات للمناورة، ويجعل فكرة "العالم المتعدد الأقطاب" تبدو وكأنها حتمية تاريخية وليس أمنية.
· التكامل في الأدوار: تمارس روسيا "التخريب الاستراتيجي" في الساحات الأمنية (أوكرانيا، سوريا، الانتخابات) مما يشغل الغرب ويثير انقساماته. بينما تمارس الصين "الجذب الاقتصادي" الذي يقوض الوحدة الغربية من خلال إغراء الشركاء. كلاهما يشكلان ملقطاً يضغط على الغرب من اتجاهين مختلفين.

إنه تحالف لا يقوم على الحب، بل على الاحترام المتبادل للمصلحة، وعلى تقدير مشترك لضعف الخصم المشترك.


4. أوروبا: الضحية المحتملة في ملعب العمالقة

في هذا المشهد، تظهر أوروبا ليس كطرف فاعل، بل كـ"جائزة" تُتنازع عليها. التوتر مع واشنطن يضعها في مأزق ثلاثي الأبعاد:

· الخيار الأول (التبعية الكاملة لواشنطن): يعني التخلي عن أي طموح استقلالي، والانخراط الكامل في المواجهة مع الصين وروسيا، ودفع الثمن الاقتصادي والسياسي. وهو خيار يرفضه النزوع الاستقلالي المتصاعد.
· الخيار الثاني (الانكفاء إلى الوسط): يعني السير على الحبل: الحفاظ على الضمانة الأمنية الأمريكية مع تنويع الشركاء الاقتصاديين (الصين) واستعادة حوار مع روسيا. لكنه خيار شاق يتطلب مهارة دبلوماسية خارقة، ويعرضها لضغوط من جميع الأطراف.
· الخيار الثالث (الاستقلال الإستراتيجي): هو الخيار الأصعب والأكثر كلفة. بناء جيش أوروبي، وسياسة خارجية موحدة، وصناعة دفاعية، وأمن طاقة مستقل. وهو مشروع يستغرق عقوداً ويفترض درجة من الوحدة السياسية لا تملكها أوروبا اليوم.

هذا المأزق الثلاثي يجعل من أوروبا كياناً متردداً، سهل الاختراق. روسيا تغريه بالغاز والحوار، والصين تغريه بالسوق والتكنولوجيا، وأمريكا تهدده بفقدان الحماية. في هذه الحالة، قد ينتهي بها الأمر مستنزفة، وغير قادرة على حماية مصالحها بفاعلية.


5. واشنطن: المنشغل بشرقه عن غربه المتهالك

الولايات المتحدة، في قلب هذه العاصفة، تواجه تناقضاً مصيرياً: فهي تريد التركيز على "التحدي الجيوسياسي الأوحد" في الشرق (الصين)، لكنها تكتشف أن "الجبهة الداخلية" لحلفائها في الغرب (أوروبا) تتصدع. لقد أدركت النخبة الاستراتيجية الأمريكية أن:

· خسارة أوروبا هي الضربة القاضية: فقدان أوروبا كحليف متماسك ومخلص يعني خسارة الساحة التي مكنت أمريكا من أن تكون قوة عظمى عالمية. أوروبا هي القاعدة الأمامية، والشريك الاقتصادي، والشرعية السياسية.
· **التقارب الأوروبي-الصيني هو كابوس: لو تحولت أوروبا إلى جسر تكنولوجي واقتصادي للصين، بدلاً من حاجز أمامها، فإن استراتيجية الاحتواء الأمريكية تنهار.
· إعادة بناء الثقة تتطلب تنازلات: لا يمكن إصلاح التحالف الأطلسي بخطاب الأوامر والتهديدات. إنه يحتاج إلى اعتراف أمريكي بشراكة أكثر تكافؤاً، واحترام أكبر للسيادة الأوروبية، وتقاسم حقيقي للقرار.

لكن السؤال هو: هل تستطيع واشنطن، في خضم صراعها الداخلي الحاد وتركيزها الهوسي على الصين، أن تمنح أوروبا هذا الاهتمام والاحترام؟ أم أن القطار قد فات؟


خاتمة الفصل: انتصار القوى الصاعدة ليس بالضرورة هزيمة الآخر، بل تفككه الداخلي

يكشف هذا المشهد عن حقيقة أساسية في صعود وهبوط القوى: الإمبراطوريات لا تسقط دائماً بسبب هجوم خارجي عنيف؛ بل غالباً ما تتداعى من الداخل، بسبب النسيان التدريجي لسبب وجودها. الصين وروسيا لا تحتاجان إلى هزيمة الغرب في حرب باردة جديدة؛ كل ما يحتاجانه هو أن يستمر الغرب في التصرف كما لو أن حربه الباردة هي مع نفسه.

الانتصار الحقيقي للقوى الصاعدة لا يتحقق عندما ترفع أعلامها فوق أنقاض العواصم الغربية، بل عندما تتحول هذه العواصم نفسها إلى أماكن للشك الذاتي، والجدال العقيم، والانقسام السياسي. عندما تبدأ لندن وباريس وبرلين في التساؤل عما إذا كانت واشنطن شريكاً أم سيداً، وعما إذا كانت موسكو وبكين عدوتين أم شركاء محتملين، عندها يكون النظام العالمي القديم قد انتهى بالفعل.

الغرب اليوم يشبه رجلاً يقف على حافة جرف، منشغلاً بمراجعة خريطته القديمة بينما تتشكل جبال جديدة خلف ظهره. الصين وروسيا لا تدفعانه؛ إنهما فقط تنتظران لحظة فقدانه لتوازنه. وفي هذا الانتظار الصامت، تكمن قوة لا تقل عن قوة المدافع والصفقات.


…….


الفصل السابع : خاتمة تحليلية مبكرة :
عالم ما بين العصور – البحث عن بوصلة في ضباب التحول

لقد قطعت رحلتنا التحليلية عبر هذه الصفحات مسارات شتى: من دهاليز القلق في عقر دار الإمبراطورية الأمريكية، إلى قاعات التردد الأوروبي المهيبة، وصولاً إلى المساحات الشاسعة حيث تجرب كندا مشيها على حبل الاستقلال فوق هاوية التبعية. تتبعنا شرارة الصراع وهي تنتقل من جزيرة جليدية نائية لتشعل أزمة ثقة في أقدم تحالف في العالم المعاصر، ثم رأينا كيف يترصد منافسو الأمس ببرودة أعصاب لقطف ثمار الشقاق الغربي. وانتهينا إلى التشريح الاقتصادي الأعمق، حيث تتفتت العولمة القديمة إلى شظايا تعيد تشكيل نفسها في فسيفساء معقدة من الدوائر والنفوذ.

ما يربط بين هذه المشاهد جميعاً ليس مؤامرة خفية، بل هو "اللحظة البينية" التاريخية الفريدة التي نحياها. إنها تلك الفترة الغريبة التي لم يعد فيها النظام القديم قادراً على الحكم، ولم يولد بعد النظام الجديد بملامحه الواضحة. إنها زمن الضباب الجيوسياسي، حيث تختلط المعالم، وتتوه البوصلة، وتصبح القوة نفسها لغزاً محيراً.

1. الخيط الجامع: تفكك المركز
من واشنطن إلى بروكسل، ومن الدولار إلى الناتو، كان جوهر النظام الذي حكم العالم منذ 1945 هو "مركزية الغرب". كانت هناك عاصمة للقوة (واشنطن)، وعاصمة للاقتصاد (نيويورك/لندن)، وعاصمة للقيم (بروكسل). اليوم، نشهد "تفكك المركزية". فلم تعد هناك عاصمة واحدة للعالم. القوة تتشتت بين عواصم عدة، والاقتصاد يتوزع على دوائر متنافسة، والقيم لم تعد أحادية المصدر. هذا التفكك هو مصدر القلق الأمريكي، والتردد الأوروبي، والجرأة الصينية والروسية.

2. مفارقة القوة في القرن الحادي والعشرين
تثبت هذه الرحلة أن القوة في عصرنا لم تعد أحادية البعد. لم يعد يكفي أن تملك أقوى جيش (الولايات المتحدة)، أو أكبر سوق موحدة (أوروبا)، أو أضخم مصنع (الصين). القوة اليوم "مركبة وهشة". فهي خليط من:

· القوة الصلبة (العسكرية) التي لا تحسم إلا في لحظات نادرة.
· القوة الناعمة (الثقافية، المؤسسية) التي تتآكل بسرعة أمام صعود القوميات.
· القوة الاقتصادية-التكنولوجية التي هي سلاح ذو حدين، يعزز الاعتماد المتبادل والضعف في آن واحد.
· قوة الصمود، أي القدرة على امتصاص الصدمات ومواصلة العمل في ظل الأزمات.

الدول التي تتفوق في بعد واحد وتهمل الأبعاد الأخرى تجد نفسها عاجزة، كما رأينا في أوروبا (القوة الناعمة بدون القوة الصلبة) أو روسيا (القوة الصلبة بدون القوة الاقتصادية الحقيقية).

3. سؤال الهوية: من نحن في هذا العالم الجديد؟
الأزمة الأعمق التي كشفتها فصول هذا الكتاب هي "أزمة الهوية الجماعية". فالنظام الغربي لم يكن مجرد تحالف مصالح، بل كان مجتمعاً قائماً على قيم وتصور مشترك للعالم. اليوم، يتساءل الأمريكي: هل نحن إمبراطورة عالمية أم دولة قومية منكفئة؟ ويتساءل الأوروبي: هل نحن فرع للحضارة الأطلسية أم كيان مستقل له مشروعه الحضاري؟ بل ويتساءل الكندي: هل نحن الشريك الأصغر أم الند المستقبلي؟

هذا التساؤل عن الهوية يجعل من أي قرار استراتيجي عملية شاقة ومعرضة للانقلاب. فهو يفسر تردد واشنطن، وتناقض بروكسل، وحذر أوتاوا.

4. المستقبل: ثلاثة سيناريوهات رئيسية
بناء على هذه التحليلات، يبدو أن العالم يتجه نحو أحد السيناريوهات الكبرى التالية:

· السيناريو الأول: النظام المتعدد الأقطاف التنافسي. وهو السيناريو الأكثر ترجيحاً. تستقر الأمور على عالم به عدة مراكز قوى (أمريكا، الصين، أوروبا ككتلة، الهند، روسيا كقوة إقليمية كبرى) تتنافس وتتعاون في مناطق مختلفة. تبقى الحروب المباشرة بين الكبار نادرة، لكن حروب الوكالة والتكنولوجيا والاقتصاد تستمر. يكون العالم أقل استقراراً، لكنه أكثر توازناً من الناحية الهيكلية.
· السيناريو الثاني: الانقسام الثنائي الحاد (الصين مقابل أمريكا). وهو سيناريو خطير قد ينتج عن تصعيد غير محسوب (حول تايوان مثلاً). ينقسم العالم إلى كتلتين اقتصاديتين وعسكريتين، مع حلفاء يضطرون للاختيار. أوروبا ستكون ساحة معركة رئيسية في هذا السيناريو، وقد تنقسم داخلياً.
· السيناريو الثالث: الفوضى الإقليمية والتراجع العالمي. وهو أسوأ السيناريوهات، حيث يؤدي تراجع القيادة الأمريكية وفشل أوروبا في التوحد وعدم قدرة الصين على تقديم نموذج جذاب إلى فراغ قيادي عالمي. تتصاعد النزاعات الإقليمية، وتنهار المؤسسات الدولية، ويعود العالم إلى حالة أشبه بالقرن التاسع عشر، لكن بأسلحة دمار شامل.

5. الخاتمة: الدبلوماسية في عصر الضباب
يتركنا هذا التحليل مع درس رئيسي: في عصر الضباب هذا، حيث تخفت معالم الخرائط القديمة، تكتسب "حكمة الدولة" و"فن الدبلوماسية" أهمية لم تعرفها منذ قرون. لن يكون الانتصار حليف من يملك أكبر ترسانة، بل من يملك القدرة على:

· الاستماع لفوضى العالم وفهم إيقاعات تحولاته.
· المرونة في التحالفات، ورفض الجمود في ولاءات الماضي.
· الوضوح في تعريف المصالح الوطنية دون أوهام أيديولوجية.
· الصبر لانتظار تشكل المعالم الجديدة قبل القفز إلى المجهول.

لقد انتهى زمن اليقينيات الكبرى. ونحن الآن في بداية زمن جديد، زمن البحث المتواضع والشجاع عن بوصلة تقودنا في ضباب التحول. هذا الكتاب محاولة لإضاءة جزء من هذا الطريق. والرحلة، بكل تعقيداتها وأخطارها وآمالها، لا تزال في بدايتها.

……..

الفصل الثامن: سيناريوهات المستقبل – حكاية الغرب الثلاث في مرآة الغد

في الطريق الوعر الذي يصل بين ماضٍ لم يعد يعرف نفسه، ومستقبلٍ لم يقرر شكلَه بعد، تقف العلاقة بين أوروبا والولايات المتحدة كبطلين في مسرحية لم تُكتب نهايتها. هي مسرحية تتداخل فيها المأساة بالملهاة، والصراع الصاخب بالصمت الموتر. نحن هنا لسنا أمام تنبؤٍ جازم، بل أمام قراءةٍ للاحتمالات التي يحملها رحم هذا العصر المضطرب. فالتاريخ، في لحظات تحوله الكبرى، لا يسير في خطٍ مستقيم، بل يتشعب كدلتا نهريّة تبحث كل فرعٍ فيها عن مجراه نحو البحر.

هذا الفصل محاولة لرسم الخرائط المحتملة لهذه الدلتا التاريخية. إنه استكشاف لثلاثة سيناريوهات كبرى – التصعيد، التوازن الهش، الانفصال التدريجي – لا كتوقعات جامدة، بل كأرشيفٍ حي للخيارات والمخاطر التي تحملها اللحظة الراهنة بين طياتها. كل سيناريو هو مرآة تعكس جانباً من شخصية الغرب المعاصر: طموحاته، مخاوفه، تناقضاته.


السيناريو الأول: "حرب البرد" الداخلية – حين يتحول الحوار إلى صراع صامت

هذا هو سيناريو التصعيد، لا تصاعد المدفع والصاروخ، بل تصاعد القطيعة الاقتصادية، والاستعلان السياسي، والتجريح الاستراتيجي بين شريكي الأمس. إنه ليس حرباً بالمعنى التقليدي، بل هو "حرب البرد" داخل الجسد الواحد: جسد الحضارة الأطلسية.

1. الشرارة: حين يتخطى الخلاف حدود الأدب
قد لا تأتي الشرارة من قضية كبرى، بل من حادثة يُساء تفسيرها كإهانة متعمدة:

· خطوة أمريكية أحادية في القطب الشمالي، كإعلان مناورات عسكرية قرب غرينلاند دون استشارة كوبنهاغن، تُقرأ في أوروبا على أنها استعراض للقوة والاستهانة بالسيادة.
· قانون أمريكي حمائي جديد يُستهدف صراحة قطاعات أوروبية حيوية (كالسيارات الفاخرة، الطيران، الصناعة الدوائية)، فيُفسر على أنه إعلان حرب اقتصادية.
· تسريب وثيقة استراتيجية أمريكية تُصنف أوروبا فيها كـ"شريك ثانوي" أو "منطقة نفوذ مُتنازع عليها"، فيشعل ذلك عاصفة سياسية في العواصم الأوروبية.

2. الآلية: دوامة الرد والرد المضاد
المنطق هنا هو منطق التصعيد الحتمي:

· ترد بروكسل بفرض رسوم انتقامية على منتجات أمريكية رمزية (من ناحية أوهايو، أو تكساس).
· تتسارع المفاوضات بين الاتحاد الأوروبي وميركوسور (أمريكا الجنوبية)، ويُعلَن عن اتفاقية تاريخية كبديل للسوق الأمريكية.
· تُفعّل آليات الدفاع الأوروبي المشترك بشكل استعراضي، مع إعلانات عن خطط لشراء طائرات مقاتلة فرنسية-ألمانية بدلاً من الأمريكية.
· تبدأ أوساط سياسية أوروبية علناً بمناقشة "كلفة وجود القواعد الأمريكية"، ليس كخطاب هامشي، بل في لجان البرلمانات الوطنية.

3. النتائج: الغرب المشظّى

· الناتو يصبح هيكلاً أجوفاً: تتحول اجتماعاته إلى منابر للاتهامات المتبادلة. القرارات تُعطّل بالفيتو الضمني. الثقة العملياتية تتبخر.
· الانقسام الأوروبي الداخلي يتعمق: تنقسم أوروبا إلى معسكرين: "الأطلسيون الجدد" (بولندا، دول البلطيق، ربما هولندا) الذين يزدادون تشبثاً بواشنطن خوفاً من روسيا، و"الاستقلاليون" (بقيادة فرنسا، بدعم من إيطاليا وإسبانيا المتذبذبتين) الذين يرون في الأزمة فرصة تاريخية للتحرر.
· مأدبة للقوى المنافسة: تقدم روسيا نفسها كوسيط "عقلاني"، وتعرض صفقات طاقة طويلة الأمد لألمانيا وإيطاليا. وتسرع الصين في إبرام شراكات تكنولوجية مع الشركات الأوروبية المتضررة من الحروب التجارية، قائلة: "ها نحن هنا، شركاء مستقرون".
· الاقتصاد العالمي يدخل في دوامة: تذبذب العملات، اضطراب سلاسل التوريد، ارتفاع تكلفة التأمين على التجارة العابرة للأطلسي. يصبح "الغرب" مصدراً لعدم الاستقرار العالمي، وليس حاميه.

هذا السيناريو هو كابوس العقلاء في الجانبين، لكن التاريخ مليء بأحداث قادها غير العقلاء، أو قادها العقلاء في لحظات غياب الحكمة.


السيناريو الثاني: رقصة التناقض – شراكة اللااستقرار المستقر

هذا هو السيناريو الأكثر واقعية، والأكثر إرهاقاً نفسياً. إنه ليس سلاماً، بل هو "غياب الحرب". ليس تعاوناً وثيقاً، بل "إدارة الخلاف". إنه علاقة الزواج البارد الذي يستمر لأن الطلاق أكثر كلفة، وحيث يعيش الطرفان تحت سقف واحد، كلٌ في غرفة منعزلة.

1. ملامح العلاقة: البراغماتية المتوترة

· التعاون الانتقائي: تتعاون أوروبا وأمريكا بشكل كامل في تمويل ودعم أوكرانيا (كمصلحة مشتركة لا خلاف عليها)، بينما تتصارعان بشدة على صفقات الغاز المسال في آسيا، وعلى عقود غواصات أستراليا السابقة.
· الخطاب المزدوج: تعلن القمة الأطلسية "وحدة لا تتزعزع"، بينما تتفاوض المفوضية الأوروبية في السر والعلن على اتفاق لتجنب استخدام الدولار في تجارة الطاقة مع إيران.
· التنسيق تحت الطاولة: تتبادل أجهزة الاستخبارات المعلومات حول التهديدات الإرهابية أو الهجمات الإلكترونية الروسية، بينما تقوم الشركات الأمريكية بالتجسس الصناعي على شركات أوروبية ناشئة في مجال الذكاء الاصطناعي.

2. الميكانيزمات: فن إدارة الأزمات الصغيرة قبل أن تكبر

· إنشاء قنوات اتصال طارئة: مجموعات عمل دائمة لإدارة الخلافات التجارية قبل أن تتفجر.
· تقسيم الجغرافيا السياسية: تفاهم غير مكتوب بأن أوروبا تترك للولايات المتحدة قيادة الملف في المحيط الهادئ (تايوان، بحر الصين الجنوبي)، بينما تحصل على دور قيادي أكبر في الجوار الجنوبي والشرقي لأوروبا.
· القبول بالتنافس الاقتصادي كحقيقة: التخلي عن وهم "السوق الأطلسية الموحدة"، والقبول بأن المنافسة على المعايير التكنولوجية (مثلاً: بين نظام غاليليو الأوروبي وGPS الأمريكي) هي الساحة الجديدة.

3. النتائج: عالم منتصف الطريق

· الناتو يبقى، لكنه يشيخ: يتحول إلى منظمة دفاع إقليمي عن دول الشرق، يفقد قدرته على القيام بمهام "خارج المنطقة".
· أوروبا، القوة غير المكتملة: تظل عاجزة عن تحقيق حلم "الاستقلال الاستراتيجي" الحقيقي، لكنها تنجح في تحقيق "استقلال تكتيكي" في مجالات محددة (مثل سياسة المنافسة، وحماية البيانات). تبقى في المنطقة الرمزية، تعاني من ازدواجية الولاء ولكنها تتعايش معها.
· الولايات المتحدة، القائد المتعب: تضطر إلى إدارة تحالف مع حليف لم يعد تابعاً، يتطلب جهداً دبلوماسياً أكبر وإقناعاً بدلاً من الأوامر. تُستهلك طاقتها في هذه الإدارة، مما يقلل من تركيزها على الصين.

هذا السيناريو هو الأرجح لأنه مسار المقاومة الأقل. لكنه مسار مليء بالمطبات، وأي حادث غير محسوب يمكن أن يقلب عربة التوازن هذه.




السيناريو الثالث: الطلاق بالتراضي – ميلاد كون أطلسي ثنائي القطبية

هذا هو السيناريو الأبعد زمنياً، والأكثر ثورية. إنه ليس انهياراً دراماتيكياً، بل "تفكك سلس". هو النهاية الطبيعية لمسار طويل من التباعد، حيث تقبل النخب في الجانبين بأن المصالح تفرق أكثر مما تجمع، وتقرر إدارة الانفصال بأقل خسائر ممكنة. إنه سيناريو "نهاية الإمبراطورية الأمريكية في أوروبا".

1. المحفزات: تراكم القش

· تحول جيواستراتيجي أمريكي حاسم: تعلن واشنطن رسمياً أن أولويتها القصوى هي المواجهة مع الصين، وتقترح سحب نصف قواتها من أوروبا وإعادة انتشارها في آسيا، مع تقديم "ضمانات أمنية بديلة" لأوروبا.
· أزمة دستورية أمريكية داخلية: تجعل من المستحيل على الولايات المتحدة الوفاء بالتزاماتها التحالفية طويلة الأمد، مما يدفع أوروبا للاعتماد على نفسها كخيار وحيد.
· نجاح مدوٍّ للمشروع الأوروبي الدفاعي: نجاح مشروع "المقاتلة الأوروبية الجديدة"، وتشغيل منظومة دفاع صاروخي أوروبية مستقلة، مما يعطي القارة الثقة بأنها يمكن أن تقف على قدميها.

2. عملية التفكك: فك الارتباط بحذر الجراح

· مرحلة أولى (إعادة تعريف): إعلان مشترك عن "تحديث" الناتو ليصبح تحالفاً بين كتلتين: الكتلة الأوروبية (بقيادة فرنسا وألمانيا) والكتلة الأمريكية. تبدأ أوروبا بقيادة عملياتها الخاصة في مناطق نفوذها التقليدية (البحر المتوسط، أفريقيا).
· مرحلة ثانية (بناء البدائل): إطلاق "اليورو الدولي" مدعوماً باحتياطيات من دول الخليج والصين، لتسوية التجارة في الطاقة. إنشاء قيادة عسكرية أوروبية موحدة مستقلة عن قيادة الناتو، وإن كانت تتعاون معها.
· مرحلة ثالثة (التطبيع الجديد): سحب معظم القواعد الأمريكية من أوروبا الغربية، مع الإبقاء على وجود رمزي في دول البلطيق وبولندا. توقيع اتفاقية دفاع طويلة الأمد بين "الاتحاد الأوروبي" و"الولايات المتحدة" ككيانين منفصلين، وليس كحلف داخل إطار واحد.

3. النتائج: إعادة رسم الخريطة الجيوسياسية للعالم

· ولادة القطب الأوروبي: تظهر أوروبا كقوة عالمية كاملة، ذات سياسة خارجية وعسكرية موحدة، تتفاوض مع الصين وروسيا والولايات المتحدة من موقع الند.
· نظام عالمي رباعي الأقطاب: تقوم المعادلة على أربعة مراكز رئيسية: الولايات المتحدة، الصين، الاتحاد الأوروبي، وربما الهند. يتعاملون مع بعضهم عبر توازنات معقدة وتحالفات متغيرة.
· تحول جذري في الشرق الأوسط وأفريقيا: حيث تتنافس القوى الأربع على النفوذ، وتجد الدول الصغيرة مساحة أكبر للمناورة بين هذه القوى.
· تراجع الهيمنة الثقافية الأمريكية: مع انحسار القوة العسكرية، تتراجع جاذبية النموذج الأمريكي، وتصعد نماذج أوروبية وصينية بديلة.

هذا السيناريو هو الأكثر إثارة والأكثر خطورة. فهو قد يؤدي إلى عالم أكثر استقراراً بتعدد أقطابه المتوازنة، أو إلى عالم أكثر فوضى بسبب غياب القائد الواضح.



أي السيناريوهات نختار؟ الحتمية والخيار في لعبة التاريخ

الحقيقة التي تظهر من قراءة هذه السيناريوهات الثلاثة هي أن المستقبل لم يُكتب بعد. نحن لسنا أمام مصير محتوم، بل أمام مجموعة من الاحتمالات، وكل احتمالٍ منها يعتمد على الخيارات التي ستتخذ في بروكسل وواشنطن وبرلين وباريس في السنوات القليلة القادمة.

العامل الحاسم ليس الجغرافيا أو الاقتصاد، بل الإرادة السياسية والخيال الاستراتيجي.

· هل تملك أوروبا الإرادة لتحمل كلفة الاستقلال الحقيقية، المادية والسياسية؟
· هل تملك الولايات المتحدة الحكمة لتعامل أوروبا كشريك مساوٍ قبل فوات الأوان؟
· هل يستطيع الطرفان تطوير "خيال استراتيجي" جديد يتجاوز ثنائية "التبعية" و"القطيعة"؟

في اللحظة الراهنة، يسير العالم نحو السيناريو الثاني (التوازن المضطرب)، لأنه مسار القصور الذاتي، ومسار مقاومة التغيير الأقل. لكن رياح الأزمة تهب بقوة: أزمة الطاقة، أزمة الثقة، أزمة الهوية. وهذه الرياح قد تدفع بالسفينة الأطلسية إما نحو ميناء السيناريو الأول (التصعيد) إذا سيطر الخوف والغضب، أو نحو محيط السيناريو الثالث (الانفصال التدريجي) إذا تغلبت نظرة طويلة المدى وحسابات المصالح العميقة.

الدرس الأكبر هو أن التحالفات العظيمة لا تموت بالهزيمة في ساحة المعركة، بل تذبل بسبب الإهمال، وتنكسر بسبب الغرور، وتموت عندما تنسى لماذا وُلدت. مستقبل الغرب، كفكرة وكتحالف، سيُقرر في القادم من الأيام، ليس في ساحات القتال البعيدة، بل في غرف الاجتماعات حيث سيقرر قادته هل ما زالوا يريدون، ويعرفون كيف، أن يكونوا شركاء في مصير واحد.



…….


الفصل التاسع: غرينلاند – المسرح الجليدي لإعادة تشكيل العالم

في الصمت الكوني الذي يعلو القطب الشمالي، حيث لا صوت إلا حفيف الرياح فوق مساحات الجليد التي تعكس ألواناً لا تراها عين بشرية إلا قليلاً، تقوم قصة من أغرب قصص التحول الجيوسياسي. هنا، على هذه الجزيرة التي يختصر اسمها الجغرافيا كلها (أرضٌ خضراء في قلب الجليد الأبيض)، يتجسد تناقض العصر: كيان هامشي وفق أي مقياس ديموغرافي أو اقتصادي تقليدي، يتحول فجأة إلى مركز الثقل في معادلة القرن الحادي والعشرين. غرينلاند لم تعد مجرد مكان؛ لقد أصبحت فكرة، واستعارة، ونبوءة. إنها الشاشة البيضاء الضخمة التي تُعرض عليها أحلام الإمبراطوريات ومخاوفها، وهي الحجر الذي يُلقى في بركة النظام الدولي الراكدة، فينشر دوائر من التوتر لا تنتهي عند شواطئها.

هذا الفصل ليس عن جزيرة، بل عن "الهامش الذي صار مركزاً". عن كيف يمكن لجغرافيا نائية أن تتحول إلى جغرافيا مصيرية، وكيف تختزل قطعة أرض واحدة كل التوترات بين عالم يرفض أن يموت وآخر يكافح لِيُولد. إنها قصة المكان الذي يصير زمناً.



1. استعارة الجليد الذائب: كيف تصنع الجغرافيا التاريخ؟

تقول الحكمة القديمة إن الجغرافيا هي القدر. وغرينلاند هي النموذج الأكمل لهذه المقولة في عصرنا. فهي ليست نقطة على الخريطة بقدر ما هي "عقدة مصيرية" تربط بين مصائر أربعة عوالم:

· العالم الأمريكي: الذي يرى فيها الخط الدفاعي الأخير عن حدوده الشمالية، والحصن المتقدم في مواجهة أي تهديد عبر القطب.
· العالم الأوروبي: الذي تعبرها جزءاً لا يتجزأ من كيانه عبر الدنمارك، وامتداداً طبيعياً لأمنه القاري.
· العالم الروسي: الذي ينظر شمالاً باعتباره مجال حيويته التاريخي والمستقبلي، ويرى في غرينلاند الحارس الغربي لهذا المجال.
· العالم الصيني: الذي يقترب بحذر ودهاء، لا كمطالب إقليمي، بل كلاعب اقتصاديّ يتطلع إلى قلب الجغرافيا لصالحه عبر الاستثمار والبنى التحتية.

هذه الجزيرة هي المكان الوحيد حيث تلتقي مشاريع هذه القوى الأربع بشكل ملموس وحاد. إنها "صمام الأمان" و"منفذ المأساة" في آن واحد. سَلمٌ يمكن أن تصعده الإنسانية نحو تعاون في إدارة المشترك العالمي، أو درجٌ قد تهوي منه إلى صراع لا تعرف نهايته.


2. كنوز العصر الجديد: المعادن النادرة وشيفرة القوة

تحت الغطاء الجليدي الذي يبلغ سمكه ثلاثة كيلومترات في بعض المناطق، يكمن سرٌ من أسرار القوة في القرن القادم. إنها ليست معادن بالمعنى القديم؛ بل هي "دماء الثورة الصناعية الرابعة". الليثيوم، الكوبالت، التربة النادرة (النوديميوم، الديسبروسيوم، التربيوم)... أسماء كيميائية جافة تتحول على أرض الواقع إلى عناصر الحياة لأي حضارة تطمح للبقاء:

· هي عصب التحول الأخضر: فبدونها لا توجد توربينات رياح فعالة، ولا بطاريات للسيارات الكهربائية، ولا خلايا شمسية عالية الكفاءة.
· هي وقود السباق التكنولوجي: فهي أساس صناعة أشباه الموصلات المتطورة، والهواتف الذكية، وأجهزة الكمبيوتر الفائقة.
· هي سر التفوق العسكري: فهي تدخل في صناعة أنظمة التوجيه الدقيقة للصواريخ، والرادارات المتطورة، والطائرات الشبحية.

من يسيطر على هذه المعادن لا يسيطر على سلعة، بل "يحتكر المستقبل". غرينلاند، بهذا المعنى، هي خزنة هذا المستقبل. الصراع عليها هو صراع على من سيملك مفاتيح الحضارة القادمة. إنها حرب باردة جديدة، لكن سلاحها الأساسي ليس الصواريخ، بل جرافات التنقيب وعقود الاستخراج.



3. إعادة رسم الخرائط البحرية: الممرات التي تُعيد تشكيل العالم

ذوبان الجليد لا يكتفي بكشف المعادن، بل "يكشف جغرافيا جديدة". الممر الشمالي الغربي قبالة سواحل كندا، والممر البحري الشمالي على السواحل الروسية، لم يعودا أسطورتين بحريتين، بل واقعاً تجارياً ينتظر بالكامل ذوبان آخر صفائح جليدية معيقة.

· اختصار الزمن والمسافة: الرحلة من شنغهاي إلى روتردام قد تنقص من 21 يومًا عبر قناة السويس إلى 14 يومًا عبر القطب الشمالي. هذا ليس توفيراً للوقت فحسب، بل هو "ثورة لوجستية" تقلص تكاليف التأمين والوقود، وتتجنب نقاط الاختناق الجيوسياسية مثل مضيق هرمز وباب المندب.
· تحول مراكز الثقل: الموانئ الأوروبية الشمالية (مثل روتردام وهامبورغ) تزداد أهمية على حساب الجنوبية. سيبيريا الروسية تصبح شرياناً حيوياً عالمياً. ودول مثل سنغافورة قد ترى جزءاً من أهميتها التقليدية تتراجع.
· غرينلاند حارسة البوابة: تقع الجزيرة عند مدخل هذه الممرات من المحيط الأطلسي. من يسيطر على شواطئها يملك القدرة على "فتح وإغلاق" أحد أهم طرق التجارة المستقبلية. إنها حارس البوابة الشمالية للعالم.



4. العين التي لا تنام: الموقع العسكري الاستراتيجي

خلال الحرب الباردة، كانت قاعدة "ثول" الأمريكية في غرينلاند جزءاً من شبكة الإنذار المبكر ضد الصواريخ السوفيتية. اليوم، تعود أهميتها بأبعاد جديدة. فالقطب الشمالي هو "السقف المكشوف" للكوكب، حيث تكون مسارات الصواريخ الباليستية العابرة للقارات في أقصر خطوطها.

· مراقبة وردع: من غرينلاند، يمكن مراقبة أي إطلاق صاروخي من الغواصات أو المنصات البرية الروسية في القطب. وهي موقع مثالي لأنظمة الرادار المتطورة التي تكشف الصواريخ فائقة السرعة.
· حماية العمق الاستراتيجي: للولايات المتحدة، غرينلاند هي الدرع الذي يحمي الساحل الشرقي بأكمله، من بوسطن إلى ميامي. أي تهديد يأتي من الشمال يجب أن يجتاز هذه الجزيرة أولاً.
· نقطة الارتكاز في القطب: في سباق التسلح القطبي المتنامي، تمثل غرينلاند حاملة طائرات طبيعية لا تغرق. إنها نقطة انطلاق للطائرات بدون طيار، والغواصات، ووحدات الاستخبارات الإلكترونية.

القاعدة هنا ليست منشأة عسكرية عادية؛ إنها "بيت العين" للإمبراطورية الأمريكية في أقصى الشمال. وفقدان النفوذ فيها يعتبر عمى استراتيجي لا يمكن تعويضه.



5. الصدمة الأوروبية: عندما يهدد الحامي السيادة

فكرة "شراء غرينلاند" التي أثارها رئيس أمريكي لم تكن مجرد زلة لسان. كانت "كشف حساب" استراتيجي. بالنسبة للأوروبيين، كانت الرسالة واضحة: إن أراضي حلفاء الناتو قابلة لأن تتحول إلى سلعة في السوق الجيوسياسية إذا تطلبت المصالح الأمريكية ذلك.

· تعرية الشراكة: كشفت الفكرة أن التحالف الأطلسي، في عقلية واشنطن المتزايدة الانكفاء، قد يكون مجرد وسيلة لتحقيق أهداف قومية ضيقة، وليس إطاراً لشراكة بين أنداد.
· اختبار الولاء الدنماركي: وضعت كوبنهاغن في موقف لا تُحسد عليه: بين الولاء للحليف الأمريكي القوي، والدفاع عن سيادتها الوطنية التي لا تقبل المساومة، والمسؤولية تجاه سكان غرينلاند الذين يطمحون لمزيد من الحكم الذاتي.
· صحوة أوروبية: أي تحرك أمريكي أحادي في غرينلاند سيشكل سابقة تقول: إن حدود الناتو قابلة لإعادة النظر. وإذا جاز ذلك في غرينلاند، فهل يجوز في إستونيا أو لاتفيا إذا قدمت روسيا عرضاً مغرياً لواشنطن؟ هذا الخوف هو ما يجعل أوروبا تعتبر غرينلاند قضية وجودية.



6. التغلل الصيني: فن امتلاك المستقبل بلا حروب

الصين تقدم دروساً في القوة الذكية. فهي لا تطالب بغرينلاند، بل "تشتري حضوراً" فيها.

· دبلوماسية المحفظة: عبر الاستثمار في المطارات (كمشروع مطارات غرينلاند الثلاثة الذي أثار جدلاً كبيراً)، والبنية التحتية للموانئ، وتمويل مشاريع التعدين، تشتري بكين النفوذ دون إثارة ضجة عسكرية.
· ضمان الإمدادات: المعادن النادرة هي شريان الحياة للصناعة الصينية. تأمين مصادرها خارج السيطرة الغربية المباشرة هو مسألة أمن قومي.
· طريق الحرير على الجليد: تدمج الصين الممرات القطبية في مبادرة الحزام والطريق، مخلقةً طريقاً تجارياً بديلاً إلى أوروبا يمر بمناطق نفوذها أو تعاونها (روسيا)، بعيداً عن سيطرة البحرية الأمريكية.

وجود الصين هو التهديد الهادئ، الذي لا يحتاج إلى مدافع، بل إلى عقود وشيكات. وهو ما يقلق واشنطن أكثر من أي وجود روسي، لأنه يضرب في صميم التفوق التكنولوجي والاقتصادي.



7. المراقبة الروسية: القوة التي تملك الأرض وتنتظر اللحظة

روسيا هي اللاعب الأكثر راحة في المعادلة الغرينلاندية. فهي تملك بالفعل القسم الأكبر من الساحل القطبي، وأقوى أسطول كاسحات جليد، وقواعد عسكرية متقدمة. غرينلاند بالنسبة لها هي:

· نقطة الضعف في الدرع الغربي: أي خلاف بين الحلفاء حولها هو مكسب استراتيجي لموسكو، لأنه يشتت انتباههم ويضعف تماسكهم.
· ورقة ضغط: يمكن لروسيا أن تعلن عن مناورات عسكرية قرب غرينلاند في أي وقت لاختبار ردود الفعل الأطلسية، أو لتذكير العالم بأنها القوة القطبية الأولى.
· الشريك المحتمل لسكان غرينلاند: في سيناريو استقلال غرينلاند عن الدنمارك، قد تقدم موسكو نفسها كشريك بديل لواشنطن وكوبنهاغن، خاصة في مجال استخراج الثروات.

روسيا لا تحتاج لغزواً؛ فالجغرافيا تملكها بالفعل. هي فقط تنتظر أن يخطئ الآخرون.



8. سيناريو الكارثة: الشرارة التي قد تشعل العالم

غرينلاند هي الموقع المثالي لـ "الصدام بالوكالة". فالصراع المباشر بين القوى العظمى غير مرجح، لكن التوتر يمكن أن يشتعل من خلال:

· أزمة قانونية: إذا منحت غرينلاند (أو الدنمارك) ترخيص تنقيب لشركة صينية في موقع تعتبره واشنطن حيوياً لأمنها القومي. كيف سترد أمريكا؟ بعقوبات على حليفتها الدنمارك؟
· حادث عسكري: اصطدام غير مقصود بين طائرة استطلاع أمريكية انطلقت من ثول وطائرة مقاتلة روسية في المجال الجوي الدولي فوق الجزيرة.
· أزمة سياسية داخلية: إذا طالبت حركة استقلال في غرينلاند بطرد القاعدة الأمريكية، ووجدت دعماً شعبياً واسعاً. هل ستحترم واشنطن الإرادة الديمقراطية لمجتمع صغير، أم ستصرّ على مصلحتها الاستراتيجية؟

في كل هذه الحالات، ستجد أوروبا نفسها في المواجهة: مضطرة للاختيار بين دعم حليفتها الأمريكية أو الدفاع عن مبادئ السيادة والحكم الذاتي.


غرينلاند كمرآة الوجود الغربي

في نهاية هذا التحليل، تظهر غرينلاند ليس كقضية في حد ذاتها، بل كـ "استعارة مكتملة الأركان" لأزمة الحضارة الغربية برمتها.

· هي مرآة قلق أمريكا الإمبراطوري، التي تبحث عن حصن أخير في عالم يتآكل نفوذها فيه.
· هي مرآة انقسام أوروبا، العاجزة عن حماية ما تعتبره جزءاً منها، والمترددة بين الولاء القديم والاستقلال الجديد.
· هي مرآة صعود الصين، التي تتقدم بلا ضجيج، محولة الاقتصاد إلى جيوسياسة.
· وهي مرآة عودة روسيا، القوة التقليدية التي ترفض أن تُحشر في زاوية التاريخ.

غرينلاند هي النقطة التي يلتقي فيها الماضي بالمستقبل، والجغرافيا بالتاريخ، والقوة بالضعف. من سيَكتب الفصل القادم من قصتها، سيَكتب جزءاً مهماً من قصة النظام العالمي كله. قد تبقى الجزيرة هادئةً وجليدةً كما كانت منذ آلاف السنين، لكن الصراع حولها يكشف أن العالم تحته بركان من التناقضات، وأن الجليد الذي يذوب قد يكشف عن حقائق أكثر قسوة من برد المناخ نفسه.


…….


الخاتمة النهائية: في عتبة العالم الجديد

ها قد بلغنا المحطة الأخيرة في رحلتنا عبر تشققات النظام العالمي، حيث يلتقي الجليد بالتاريخ، والقلق بالطموح، والماضي بالمستقبل في لحظة مصيرية واحدة. لقد حملنا القارئ من دهاليز القرار في واشنطن إلى صالونات التردد في بروكسل، ومن صمت القطب الشمالي إلى صخب الأسواق العالمية، لنصل إلى حقيقة واحدة كبرى: نحن لا نعيش تغيراً في موازين القوة، بل نحن نشهد ولادة كون جيوسياسي جديد.

ما بدأ كسؤال عن جزيرة نائية تحول إلى نافذة نطل منها على تحولات القرن الحادي والعشرين الجذرية. فـ "غرينلاند" لم تكن مجرد مكان، بل كانت استعارة حية لعالم يبحث عن إحداثياته الجديدة:

أولاً: لقد انتهى عصر الوصاية الأطلسية.
العلاقة بين أوروبا والولايات المتحدة لن تعود إلى ما كانت عليه. لقد كسرت غرينلاند تابوه التبعية، وكشفت أن الشراكة يمكن أن تتحول إلى مساومة، والتحالف يمكن أن يتحول إلى ساحة للمنافسة. الغرب الذي عرفناه – ذلك الكيان السياسي والثقافي المتماسك تحت قيادة أمريكية واضحة – أصبح اليوم "مشروعاً قيد المراجعة". فالتوازن الجديد لن يكون بين حامٍ ومحمي، بل بين شركاء يتبادلون الشكوك كما يتبادلون الالتزامات.

ثانياً: المعادن النادرة هي ذهب هذا العصر، والسيطرة عليها هي الحرب الباردة الجديدة.
اكتشفنا أن تحت الجليد الذائب لا تقع فقط ممرات ملاحية، بل تقع "شيفرة القوة" في القرن الحادي والعشرين. من يملك الليثيوم والكوبالت والعناصر الأرضية النادرة يملك مفاتيح التحول الأخضر والثورة الرقمية والتفوق العسكري. الصراع على غرينلاند هو نموذج مصغر لصراع أكبر: صراع على "تشكيل الحضارة القادمة". لم تعد الحروب تخاض بالدبابات وحدها، بل بمقاعد في مجالس إدارة شركات التعدين، وبعقود استخراج، وبسيطرة على سلاسل التوريد.

ثالثاً: الجغرافيا تعود بقوة، ولكن بصيغة جديدة.
القطب الشمالي لم يعد هامشاً، بل تحول إلى "مركز طرد مركزي" للجيوسياسة العالمية. ذوبان الجليد لم يفتح ممرات ملاحية فحسب، بل فتح أبواباً لصراع إستراتيجي تجتمع فيه كل التناقضات: روسيا التي تعتبره حديقتها الخلفية التاريخية، والصين التي تدخله من باب الاقتصاد، وأمريكا التي تدافع عنه كحدودها الشمالية الأخيرة، وأوروبا التي تخشى أن تُستبعد من لعبة تملك فيها بطاقة الدخول الدنماركية. الجغرافيا القديمة تتشكل من جديد، ولكن بقواعد لم تكتب بعد.

رابعاً: النظام العالمي الجديد سيكون "متعدد الأقطاب" ولكن بشكل غير متكافئ.
نحن لا نتجه نحو عالم تتساوى فيه القوى، بل نحو عالم "هرمي متشابك". في قمته، تتصارع أمريكا والصين على الزعامة التكنولوجية والاقتصادية. تحتهما، تقف أوروبا كقوة عظمى اقتصادية ولكنها قزم سياسي وعسكري. وفي طبقة ثالثة، تتحرك قوى مثل روسيا والهند والبرازيل، كل منها يملك أوراق ضغط مختلفة: روسيا بالطاقة والسلاح، الهند بالديمغرافيا والسوق، البرازيل بالموارد الطبيعية.

خامساً: ما بعد الغرب لا يعني اختفاء الغرب، بل يعني تحوله إلى لاعب بين لاعبين.
الغرب لن يختفي – فتراثه الحضاري ومؤسساته وثروته ضخمة جداً – لكنه سيتحول من "صانع النظام" إلى "مشارك فيه". أمريكا ستبقى قوة عظمى، لكنها لن تكون القوة العظمى الوحيدة. أوروبا ستبحث عن هوية جديدة بين الاستقلال والتبعية. القيم الليبرالية ستواجه تحدياً وجودياً من نماذج الحكم الاستبدادي الفعال.

وفي الختام، نعود إلى السؤال المركزي: ماذا بعد غرينلاند؟

الجواب هو أن غرينلاند كانت "جرس الإنذار". لقد دقت لتنبهنا أن عالم الأمس قد ولى، وأن عالم الغد يتشكل الآن، بين أيدينا، في مفاوضات سرية حول عقود التعدين، وفي اجتماعات لجان الأمن القومي، وفي مختبرات التكنولوجيا، وفي الممرات البحرية المتجمدة.

الكتاب الذي بين أيديكم ليس محاولة للتنبؤ بالمستقبل، بل هو "دليل لفهم الحاضر". حاضر معقد، متشابك، مليء بالإشارات والرموز. غرينلاند كانت واحدة من هذه الرموز. فك شيفرتها يساعدنا على فك شيفرة عالم كامل في حالة تحول.

نحن نعيش "اللحظة البينية" – تلك الفترة الغريبة بين عالم لم يعد قادراً على الحياة، وعالم لم يولد بعد. في هذه اللحظة، تكون مهمة الفكر ليس تقديم أجوبة جاهزة، بل "تسليط الضوء على الأسئلة الصحيحة". وهذا ما حاولنا فعله في هذه الصفحات.

العالم الجديد سيكون أكثر تعقيداً، وأقل استقراراً، وأكثر تنافسية. لكنه قد يكون أيضاً عالماً "أكثر تنوعاً"، لا تهيمن عليه ثقافة واحدة، ولا تقوده قوة واحدة. هذا قد يكون مخيفاً، ولكنه قد يكون أيضاً مُحرراً.

الخيار الآن ليس بين نظام قديم مألوف ونظام جديد مجهول، بل بين "الفهم والجهل"، بين "المشاركة في التشكيل أو الانقياد للتشكل". غرينلاند علمتنا أن الجزء الصغير قد يكشف عن الكل، وأن الجليد البعيد قد يكون أكثر حرارة من جمر الصراعات القريبة.

ندعوكم الآن، أيها القراء، لتكونوا ليس مجرد مشاهدين لهذا التحول الكبير، بل شركاء في فهمه. فالعالم الذي يخرج من ذوبان هذا الجليد – جغرافيا وسياسياً – هو العالم الذي سنعيش فيه جميعاً.


فهرس

ما بعد الغرب: القطب، المعادن، والنظام العالمي الجديد

مقدمة الكتاب: في اللحظة البينية – حين يفتح ذوبان الجليد شقوق العالم

عندما ينكسر عظم تاريخي، يكون الصوت الذي يُسمع أولاً ليس دوي الانهيار، بل صوت تشقق خافت، لا يكاد يُلتقط إلا بآذان الزمن نفسها. نحن اليوم نعيش في زمن ذلك التشقق. تشقق في النظام العالمي الذي ظلَّ سبعة عقود يحمل أوهام الاستقرار، وتشقق في يقينيات الحضارة الغربية التي حكمت القرنين الماضيين بقوة لا تنازع.

في مركز هذه التحولات، برزت مفارقة تختزل كل التناقض: جزيرة غرينلاند. تلك القطعة الجليدية الهادئة، التي ظلت لعقود خارج حسابات صناع القرار، تحولت بين ليلة وضحاها إلى مرآة عاكسة لأعمق هواجس عصرنا. لأنها لم تعد مجرد أرضٍ متجمدة، بل أصبحت استعارة مكتملة لصراع المستقبل: صراع على الموارد الحيوية التي ستُشغل آلات القرن الحادي والعشرين، وعلى الممرات البحرية التي سترسم خريطة التجارة العالمية الجديدة، وعلى الرمزية الجيوسياسية التي تحدد من سيسود في عالم ما بعد الهيمنة الأمريكية.

هذه الرحلة الاستقصائية تجمع بين ثلاثة أنفاس تحليلية: العمق "، والنَفَس الفلسفي ، والحدة التحليلية الاقتصادية . إنها محاولة لفهم، ومحاولة للاستبصار، ومحاولة – فوق كل شيء – للإجابة على السؤال الأكبر: إلى أين يسير هذا العالم، ونحن فيه؟


الفصل الأول: الإمبراطورية القلقة – تشريح السعي الأمريكي نحو حلول في ظل عالم متصدّع

لم تعد الجغرافيا السياسية للقرن الحادي والعشرين تُرسم بخيوط مستقيمة، بل بتشققاتٍ عميقة تشقّ جسد النظام العالمي الذي نعرفه. في مركز هذه اللوحة المتصدّعة، تقف الولايات المتحدة، الإمبراطورية التي ظلّت لعقودٍ ترسم بمفردها خطوط الطول والعرض على خريطة القوة. اليوم، وهي تستدير ببطء كعملاقٍ يشعر بثقل السنين، تلمس بيدها حدود عالمٍ يضيق عليها.

أزمة البنية: حين تتآكل أركان الهيمنة
لا يُقاس انحسار الإمبراطوريات بالضرورة بخسارة المعارك، بل بتآكل مقومات الهيمنة الناعمة. اليوم، تشهد الأعمدة الخمسة التي قامت عليها الهيمنة الأمريكية – التفوق العسكري، الهيمنة المالية عبر الدولار، القيادة التكنولوجية، صوغ الأطر المؤسسية الدولية، وجاذبية النموذج الثقافي – درجات متفاوتة من التعرية.

التحدي الصيني يمثل اختراقاً متزامناً في عدة جبهات، أما العامل الداخلي الأمريكي فهو بمثابة السرطان الذي ينخر من الداخل. وقد خرجت واشنطن من عقدين من الحروب بـ"إرهاق استراتيجي" يرفض أي مغامرة عسكرية جديدة لا ترتبط ارتباطاً مباشراً بالدفاع عن الوطن.

غرينلاند: الاستعارة الجيوسياسية في أرض الجليد
عندما انطلقت فكرة "شراء غرينلاند"، كشفت عن عقلية إمبريالية قديمة تبحث عن حلول ملكية مباشرة: امتلاك الأرض لامتلاك المستقبل. لكن المستحيل القانوني لا يلغي الرمزية العميقة: التطلع نحو غرينلاند هو اعتراف ضمني بأن مراكز القوة التقليدية آخذة في الانزياح، وأن المنافسة الحقيقية ستنتقل إلى الأطراف المتجمدة من الكوكب.


الفصل الثاني: أوروبا بين الخوف والطموح – قارة تبحث عن ظلّها المفقود في ظلّ أطلسي يتصدّع

لم تعد ريح التغيير العاتية، الآتية من وراء المحيط، تحمل وعود الحماية القديمة. في اللحظة التي بدأت فيها واشنطن تتصرف كدولة قومية قلقة، وجدت أوروبا نفسها فجأة في مواجهة سؤال وجودي: ماذا عن يوم الغد، إن قرر الحامي أن يحمل مظلته ويرحل؟

ما بعد المظلّة: إرث الحرب الباردة وأوهام الأمان الدائم
لسبعة عقود، ارتاحت أوروبا تحت "المظلّة النووية" الأمريكية. لكن عالم اليوم لم يعد ذلك العالم. عودة روسيا، صعود الصين، والانقسامات الداخلية الأوروبية كشفت أن "المظلة" الأمريكية لم تعد تحمي من كلّ أنواع الأمطار. الحرب في أوكرانيا كانت الجرس الذي أيقظ القارة من سباتها الاستراتيجي.

غرينلاند: النكتة التي كشفت الجرح
لم تكن فكرة "شراء غرينلاند" مجرد تصريح غريب. لقد كانت خنجراً رمزياً موجهاً إلى صلب مفهوم التحالف. إذا كانت أراضي حلفاء الناتو تُعامل كعقار في سوق المضاربة الجيوسياسية، فأي قدسية تبقى للعهود؟ لقد كشفت هذه الحادثة هواجس أوروبية عميقة: تحول واشنطن إلى قوة انتهازية، وعودة شبح "الحديقة الخلفية"، وعجز أوروبا عن الرد الموحّد.

الوهم والحلم: الاستقلال الاستراتيجي بين الخطاب والواقع
رداً على هذه الصدمات، عاد خطاب "الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي" يتردد. لكنه ينقسم على الأرض إلى مشاريع متنافسة: الاستقلال الدفاعي (الفرنسي)، والاستقلال المسؤول (الألماني)، والاستقلال كولاء مُعزز (دول الشرق). الثمن باهظ، وأوروبا تريد الاستقلال لكنها تريد أن تدفع الحد الأدنى من ثمنه.


الفصل الثالث: كندا بين المطرقة الأمريكية والميزان الصيني – البحث عن هوية في ظل عمالقة قلقة

في الشمال الأعظم، تقبع كندا كحالة فريدة في المنظومة الغربية: دولة قارية المَساحة، هائلة الثروات، لكنها تعيش في حالة من التوتر الوجودي الدائم. مع تحول البركان الأمريكي من مصدر دفء ثابت إلى كتلة من القلق المتحرك، تبدأ شجرة الصنوبر الكندية في مدّ جذورها بعيداً.

تشريح الارتباط المصيري: الاقتصاد الواحد بحدودين سياسيين
لقد تجاوز التكامل بين كندا والولايات المتحدة مفهوم "الشراكة الاستراتيجية" ليدخل في حيز "المصير المشترك العضوي". لكن هذا الارتباط يجعل من كلّ تقلّب في السياسة النقدية للاحتياطي الفيدرالي صدمة مباشرة للنظام الكندي.

التنّين والعقيق القطبي: العلاقة الكندية-الصينية بين جاذبية السوق وكابوس الأمن
بكين ليست مجرد سوق تصدير ثانوي، بل هي المشتري الجشع لثروات باطن الأرض والممول الذي لا ينضب. لكن هذه العلاقة تشبه رقصة على جليد رقيق، محفوفة بالصدام القيمي وأزمات الرهائن والضغط الأمريكي.

العودة إلى الجذور الأطلسية: أوروبا كملاذ للتعددية
في خضم الشدّ الأمريكي-الصيني، تلجأ كندا بفطرة دبلوماسية عريقة إلى حاضنة هويتها الأصلية: أوروبا. اتفاقية CETA كانت بياناً وجودياً: "نحن دولة أطلسية، ولنا شركاء خارج القارة الأمريكية".


الفصل الرابع: القطب الشمالي… ساحة الصراع القادم – حين يذوب الجليد وتنكشف حدود العالم الجديد

في قمة الكوكب، تُكتب اليوم أسطر الفصل الأكثر خطورة في جغرافيا القرن الحادي والعشرين. هنا، في هذا الصمت الكوني المهيب، لا تذوب الصفائح الجليدية فحسب، بل تذوب معها يقينيات عصرٍ بأكمله.

الجغرافيا المتحوّلة: حين يصير الذوبان الفيزيائي ذوباناً جيوسياسياً
لم يعد ذوبان الجليد ظاهرةً منفصلة، بل تحوّل إلى مُحرِّك جيوسياسي من الدرجة الأولى:

· اختصار الزمن والمكان: الممرات البحرية الشمالية تختصر رحلة أوروبا-آسيا بأسبوعين.
· كشف الخزائن المدفونة: تحت الجليد تكمن ثروات تقدر بتريليونات الدولارات.
· فتح الساحات العسكرية: القطب أصبح ساحة للمناورات والمراقبة والردع.

الولايات المتحدة: القلق الإمبراطوري على السقف المتهالك
بالنسبة لواشنطن، يمثل التحول القطبي كابوساً استراتيجياً. فقدان التفوق في المراقبة هناك يعني ثغرة في الدرع الأمريكي لا تُسدّ. فكرة "الشراء" كانت تعبيراً عن عقلية قلقٍ عميقة: البحث عن حلّ ملكي لمشكلة معقدة.

الصين: التسلل إلى الساحات الجديدة
تكرر الصين في القطب استراتيجيتها العالمية: التخلي عن المطالبات الإقليمية الصريحة واستبدالها بتأسيس وجود اقتصادي لا يمكن الاستغناء عنه. استثماراتها في بنية غرينلاند التحتية هي طرق لشراء النفوذ و"حقوق الملكية" في المستقبل القطبي.


الفصل الخامس: أوروبا وواشنطن – هل نحن أمام بداية تفكك التحالف الأطلسي؟

في قلب الصرح الذي ظلّ سبعة عقود يمثل الترسانة الدفاعية والأخلاقية للغرب، بدأ صدى غير مألوف يتردد. الناتو يقف اليوم على عتبة التحول الأكثر جوهرية منذ إنشائه.

سقوط الأيقونة: اللحظة التي تحول فيها الحامي إلى مصدر قلق
لطالما نظرت أوروبا إلى واشنطن كـ"ضامن ميتافيزيقي" لاستقرارها الوجودي. هذا الإيمان بدأ يتحطم عبر سلسلة من الصدمات: صدمة أفغانستان، صدمة ما قبل أوكرانيا، صدمة المعاملة التجارية، والصدمة الاستراتيجية بالانزياح نحو المحيط الهادئ.

شراكة اللايقين: تشكيل نموذج العلاقة الجديد
ما نراه اليوم هو ولادة نموذج جديد للعلاقة، يمكن تسميته "الشراكة الانتقائية القلقة":

· التعاون في الشرق، والاختلاف في الغرب
· التكامل العسكري تحت القيادة الأمريكية، مع تحفظ سياسي أوروبي
· المنافسة الاقتصادية داخل الإطار الاستراتيجي
· أوروبا كقطب ثالث في العلاقة الأمريكية-الصينية


الفصل السادس: الصين وروسيا – المستفيدان الكبيران من التوتر الغربي–الغربي

في القاعة الكبرى للمنافسة الجيوسياسية، وقفت شخصيتان تتابعان مشهد ارتباك الغرب، لا بمشاعر العداء الصريح، بل بفضول هادئ يختلط بالارتياح العميق.

روسيا: فن استغلال الشروخ في الجدار الأطلسي
ليست روسيا قوة اقتصادية عظمى، لكنها ماكرة استراتيجية بامتياز. تفكك التماسك الغربي هو، بالنسبة لموسكو، أحلام يقظة تتحقق ببطء:

· تفكيك الناتو دون إطلاق رصاصة واحدة
· فتْل خيوط التفكك الأوروبي الداخلي
· التوسع في الظل في القطب الشمالي

الصين: فن حصاد الثمار المتساقطة من شجرة الشقاق
بينما تلعب روسيا لعبة القوة الجيوسياسية التقليدية، تلعب الصين لعبة العصر: لعبة القوة الشاملة. والانقسام الأطلسي هو المحفّز المثالي لهذا التحول:

· استدراج أوروبا نحو الحضن الاقتصادي
· كسر الحصار التكنولوجي
· التسلل إلى الساحات الجديدة

محور الظل: تحالف المصالح لا القيم
العلاقة بين بكين وموسكو هي "شراكة تكتيكية ذات سقف استراتيجي محدود". فهما كشخصين يقفان على طرفي نهر يجتاحه الفيضان؛ يتعاونان لحفظ التوازن، لكن كل منهما يحدق نحو الضفة الأخرى التي يريد الوصول إليها بمفرده.


الفصل السابع: الاقتصاد العالمي عند مفترق طرق – نهاية العولمة الغربية وبداية عولمة جديدة

منذ ثلاثة عقود، بدا العالم وكأنه يسير في اتجاه واحد: عولمة تقودها الولايات المتحدة. لكن هذا العالم لم يعد موجوداً.

العولمة القديمة… حين كان الدولار هو الشمس
كانت العولمة الغربية تقوم على ثلاثة أعمدة: الدولار، الشركات الأمريكية، والأسواق المفتوحة. هذه المنظومة كانت تعمل كساعة سويسرية، لكن هذه الساعة بدأت تتوقف.

العولمة الجديدة… عالم بلا مركز واحد
العولمة الجديدة ليست "نهاية العولمة"، بل تعدد العولمات. لم يعد هناك مركز واحد، بل عدة مراكز:

· الصين: مركز التصنيع والتكنولوجيا الخضراء
· الولايات المتحدة: مركز الابتكار والتمويل
· أوروبا: مركز التنظيم والمعايير
· الهند: مركز النمو الديموغرافي

الصين… مهندس العولمة الجديدة
الصين لا تريد إسقاط النظام العالمي، بل إعادة تصميمه. وهي تفعل ذلك عبر مبادرة الحزام والطريق، نظام المدفوعات CIPS، اليوان الرقمي، والسيطرة على المعادن النادرة.


الفصل الثامن: سيناريوهات المستقبل – حكاية الغرب الثلاث في مرآة الغد

في الطريق الوعر الذي يصل بين ماضٍ لم يعد يعرف نفسه، ومستقبلٍ لم يقرر شكلَه بعد، تقف العلاقة بين أوروبا والولايات المتحدة كبطلين في مسرحية لم تُكتب نهايتها.

السيناريو الأول: "حرب البرد" الداخلية
هذا هو سيناريو التصعيد، لا تصاعد المدفع والصاروخ، بل تصاعد القطيعة الاقتصادية والاستعلان السياسي. قد تبدأ الشرارة بخطوة أمريكية أحادية في القطب الشمالي، أو قانون حمائي جديد يستهدف قطاعات أوروبية حيوية.

السيناريو الثاني: رقصة التناقض – شراكة اللااستقرار المستقر
هذا هو السيناريو الأكثر واقعية، والأكثر إرهاقاً نفسياً. إنه ليس سلاماً، بل هو "غياب الحرب". ليس تعاوناً وثيقاً، بل "إدارة الخلاف".

السيناريو الثالث: الطلاق بالتراضي – ميلاد كون أطلسي ثنائي القطبية
هذا هو السيناريو الأبعد زمنياً، والأكثر ثورية. إنه ليس انهياراً دراماتيكياً، بل "تفكك سلس". هو النهاية الطبيعية لمسار طويل من التباعد، حيث تقبل النخب في الجانبين بأن المصالح تفرق أكثر مما تجمع.


الفصل التاسع: غرينلاند – المسرح الجليدي لإعادة تشكيل العالم

في الصمت الكوني الذي يعلو القطب الشمالي، تقوم قصة من أغرب قصص التحول الجيوسياسي. غرينلاند لم تعد مجرد مكان؛ لقد أصبحت فكرة، واستعارة، ونبوءة.

كنوز العصر الجديد: المعادن النادرة وشيفرة القوة
تحت الغطاء الجليدي الذي يبلغ سمكه ثلاثة كيلومترات، يكمن سرٌ من أسرار القوة في القرن القادم. إنها "دماء الثورة الصناعية الرابعة". من يسيطر على هذه المعادن لا يسيطر على سلعة، بل "يحتكر المستقبل".

إعادة رسم الخرائط البحرية
ذوبان الجليد لا يكتفي بكشف المعادن، بل "يكشف جغرافيا جديدة". الممرات الشمالية تختصر المسافات، وتغير مراكز الثقل، وتجعل من غرينلاند حارسة البوابة الشمالية للعالم.

الصدمة الأوروبية: عندما يهدد الحامي السيادة
فكرة "شراء غرينلاند" كانت "كشف حساب" استراتيجي. بالنسبة للأوروبيين، كانت الرسالة واضحة: إن أراضي حلفاء الناتو قابلة لأن تتحول إلى سلعة في السوق الجيوسياسية إذا تطلبت المصالح الأمريكية ذلك.


الفصل العاشر: الخاتمة الكبرى – العالم عند حافة عصر جديد... ماذا بعد غرينلاند؟

في الختام، حيث تجتمع الخيوط المتشعبة للتحليل في نسيج واحد، نجد أنفسنا أمام لوحة تاريخية كبرى لا تزال ألوانها تختلط على لوح القرن الحادي والعشرين.

الاستنتاجات المركزية:

1. أمريكا: الإمبراطورية في مرحلة المراجعة الوجودية - أزمتها ليست اقتصادية أو عسكرية بالدرجة الأولى، بل هي "أزمة سردية".
2. أوروبا: الحلم المستحيل والاستحالة الحالمة - هي تملك كل مقومات القوة العظمى إلا واحداً: الإرادة الموحدة.
3. الصين: مهندس الصمت البنّاء - إنها "قوة بلا حيرة". لديها رؤية واضحة، وصبر استراتيجي، وعدم اهتمام بالجدالات الأيديولوجية.
4. النظام العالمي الجديد سيكون "متعدد الأقطاب" ولكن بشكل غير متكافئ - نحن لا نتجه نحو عالم تتساوى فيه القوى، بل نحو عالم "هرمي متشابك".

ما بعد الغرب لا يعني اختفاء الغرب، بل يعني تحوله إلى لاعب بين لاعبين. الغرب لن يختفي – فتراثه الحضاري ومؤسساته وثروته ضخمة جداً – لكنه سيتحول من "صانع النظام" إلى "مشارك فيه".


الخاتمة النهائية: في عتبة العالم الجديد

ها قد بلغنا المحطة الأخيرة في رحلتنا عبر تشققات النظام العالمي. ما بدأ كسؤال عن جزيرة نائية تحول إلى نافذة نطل منها على تحولات القرن الحادي والعشرين الجذرية.

الحقائق الكبرى التي انكشفت:

أولاً: لقد انتهى عصر الوصاية الأطلسية. الغرب الذي عرفناه – ذلك الكيان السياسي والثقافي المتماسك تحت قيادة أمريكية واضحة – أصبح اليوم "مشروعاً قيد المراجعة".

ثانياً: المعادن النادرة هي ذهب هذا العصر. الصراع على غرينلاند هو نموذج مصغر لصراع أكبر: صراع على "تشكيل الحضارة القادمة".

ثالثاً: الجغرافيا تعود بقوة، ولكن بصيغة جديدة. القطب الشمالي تحول إلى "مركز طرد مركزي" للجيوسياسة العالمية.

رابعاً: ما بعد الغرب لا يعني اختفاء الغرب، بل يعني تحوله إلى لاعب بين لاعبين.

ماذا بعد غرينلاند؟ الجواب هو أن غرينلاند كانت "جرس الإنذار". لقد دقت لتنبهنا أن عالم الأمس قد ولى، وأن عالم الغد يتشكل الآن، بين أيدينا.

نحن نعيش "اللحظة البينية" – تلك الفترة الغريبة بين عالم لم يعد قادراً على الحياة، وعالم لم يولد بعد. في هذه اللحظة، تكون مهمة الفكر ليس تقديم أجوبة جاهزة، بل "تسليط الضوء على الأسئلة الصحيحة".

الخيار الآن ليس بين نظام قديم مألوف ونظام جديد مجهول، بل بين "الفهم والجهل"، بين "المشاركة في التشكيل أو الانقياد للتشكل".

ندعوكم الآن، أيها القراء، لتكونوا ليس مجرد مشاهدين لهذا التحول الكبير، بل شركاء في فهمه. فالعالم الذي يخرج من ذوبان هذا الجليد – جغرافيا وسياسياً – هو العالم الذي سنعيش فيه جميعاً.



…….

المقارنة البحثية العميقة: كتاب "ما بعد الغرب" في حوار مع المشاريع الفكرية المعاصرة

المدخل المنهجي: نحو نموذج مقارني تكاملي

يأتي كتاب "ما بعد الغرب: القطب، المعادن، والنظام العالمي الجديد" ليسد فراغاً تحليلياً في الدراسات الجيوسياسية المعاصرة، متموضعاً في المسافة الفاصلة بين المشاريع الكبرى التي هيمنت على العقدين الماضيين. فبينما انقسم المشهد الفكري إلى تيارين رئيسيين - أحدهما واقعي يرى الصراع حتمية تاريخية، وآخر ليبرالي يؤمن بإمكانية التعاون والتكيف - يقدم هذا الكتاب نموذجاً ثالثاً: نموذج "التشظي المركب" الذي لا ينكر الصراع ولا يتجاهل إمكانيات التعاون، بل يحللهما عبر عدسة الموارد والجغرافيا المتغيرة.

التموضع الجغرافي: من العمومية إلى التحديد الدقيق

المشاريع الفكرية السائدة اتخذت منحىً شمولياً في تحليلها الجغرافي. فكتاب "نهاية العالم القديم" لفريد زكريا (2020) تناول النظام العالمي ككل، مركزاً على الانتقال من الهيمنة الأمريكية الأحادية إلى نظام تعدد الأقطاب. وبالمثل، جاء "عالم منقسم" لهنري كيسنجر (2021) ليقترح رؤية دبلوماسية شاملة لإدارة هذا الانتقال. حتى "صراع القوى العظمى" لجون ميرشايمر (الطبعة الجديدة 2021) حافظ على نظرة واسعة، مع تركيز خاص على المحيط الهادئ وأوروبا الشرقية.

أما "ما بعد الغرب" فيتخذ مساراً مختلفاً جذرياً: التحليل من خلال النموذج المصغر. فبدلاً من محاولة استيعاب العالم بأسره، يركز الكتاب على القطب الشمالي، وتحديداً على جزيرة غرينلاند، باعتبارها مختبراً مصغراً تعكس كل التحولات الجيوسياسية الكبرى. هذا المنهج - دراسة الكل عبر الجزء - يشبه التحول في العلوم الطبيعية من الفيزياء الكلاسيكية إلى ميكانيكا الكم: فبدلاً من قوانين الحركة العامة، نبحث في الخصائص الفريدة للجزيئات الأساسية. غرينلاند هنا هي "الجزيء الجيوسياسي" الذي يكشف عن طبيعة "المادة الدولية" في عصرنا.

الأطر النظرية: من الأحادية إلى التوليف الخلاق

تتميز المشاريع الفكرية الكبرى عادة بانحياز نظري واضح. فميرشايمر يظل وفياً للواقعية الهجومية بصرامة، مفسراً السلوك الدولي عبر منطق القوة والهيمنة. كيسنجر، وإن كان واقعياً أيضاً، فإنه يضفي على واقعيته طابعاً تاريخياً ودبلوماسياً. زكريا يمثل التيار المؤسساتي الليبرالي المؤمن بإمكانية إدارة التنافس داخل الأطر المؤسسية القائمة.

كتاب "ما بعد الغرب" يرفض هذه الأحادية النظرية، مقدماً نموذجاً توليفياً ثلاثي الأبعاد:

1. البعد الواقعي: في تحليل صراع القوى على الموارد والموقع الاستراتيجي.
2. البعد البنائي: في فهم كيفية إعادة بناء الهويات (هوية غرينلاند من أرض متجمدة إلى مركز استراتيجي).
3. البعد الاقتصادي-السياسي: في تحويل المعادن النادرة من سلعة اقتصادية إلى متغير جيوسياسي مستقل.

هذا التوليف ليس مجرد تجميع، بل هو تكامل منهجي يظهر كيف تتشابك العوامل المادية (الموارد) مع العوامل المعيارية (الهوية) لتنتج ديناميكيات جديدة.

متغيرات التحليل: من المألوف إلى المستجد

تتركز الكتب السائدة على المتغيرات التقليدية: القوة العسكرية عند ميرشايمر، الدبلوماسية والتوازن عند كيسنجر، التكنولوجيا والمؤسسات عند زكريا. حتى كتاب "الثورة الصناعية الرابعة" لكلاوس شواب (2016) ركز على التكنولوجيا كقوة تحويلية، لكنه فعل ذلك بمعزل عن الجغرافيا السياسية المحددة.

الابتكار الأساسي لـ "ما بعد الغرب" يكمن في إدخال متغيرين جديدين إلى المعادلة الجيوسياسية:

أولاً: المعادن النادرة كرأس مال استراتيجي: لا كمجرد سلع اقتصادية، بل كـ "أدوات سيادة تكنولوجية". ففي حين يتحدث كينيدي في "الإمبراطورية الأمريكية" (2022) عن التدهور الاقتصادي النسبي كعامل عام، يحدد كتابنا الآلية الدقيقة: السيطرة على الليثيوم، الكوبالت، والعناصر الأرضية النادرة تعني السيطرة على التحول الأخضر والثورة الرقمية. هذه "جيوسياسة المكونات الدقيقة" تمثل تحولاً من اقتصاد الكلي إلى استراتيجية الجزئيات الحرجة.

ثانياً: الجغرافيا الديناميكية: ذوبان الجليد لا يغير المناخ فقط، بل يعيد كتابة الخرائط الجيوسياسية. الممرات الشمالية الجديدة ليست مجرد طرق أقصر، بل هي إعادة توزيع للقوة البحرية والنفوذ التجاري. هذا التحليل يتجاوز حتى "صراع الحضارات" لهنتنغتون (1996/2000) الذي ركز على الصراعات الثقافية الثابتة، بينما يركز كتابنا على الصراعات الناشئة عن تحولات فيزيائية في الكوكب نفسه.

تحليل القوى الفاعلة: من الثنائيات البسيطة إلى التعقيد التعددي

الرؤية الأمريكية: تقدم الكتب السائدة صوراً متباينة لكنها ثنائية في الغالب: أمريكا قائدة نظام (زكريا)، أمريكا قوة مهيمنة يجب أن تحافظ على هيمنتها (ميرشايمر)، أمريكا وسيط حكيم (كيسنجر). كتاب "ما بعد الغرب" يقدم صورة أكثر دقة: الإمبراطورية القلقة. القلق هنا ليس ضعفاً، بل هو حالة وجودية لقوة تدرك أن أدوات هيمنتها التقليدية لم تعد كافية. فكرة "شراء غرينلاند" - التي قد تبدو ساذجة - تُحلل كـ عرض مرضي لهذا القلق: البحث عن حل ملكي بسيط (امتلاك الأرض) لمشكلة معقدة (فقدان الهيمنة النسبية).

الصين بين التهديد والفرصة: بينما يحذر ميرشايمر من الصين كتحد وجودي، ويحاول كيسنجر دمجها في نظام توازني، ويتوقع زكريا تكيفها مع النظام الليبرالي، يقدم كتابنا رؤية مختلفة: الصين كمهندس لنظام موازٍ. لا عبر المواجهة العسكرية، بل عبر "التغلل البنيوي": بناء شبكات تجارية بديلة (طريق الحرير)، أنظمة دفع موازية (CIPS)، وسيطرة على سلاسل الموارد الحيوية. الصين هنا لا تريد تحطيم النظام العالمي، بل تريد إنشاء نظام آخر بجواره.

أوروبا: المأزق الوجودي: نادراً ما حظيت أوروبا بتحليل مستقل في الكتب الجيوسياسية الكبرى. عادة ما تظهر كحليف ثانوي أو امتداد لأمريكا. "ما بعد الغرب" يقدم أوروبا كـ كيان حائر في أزمة هوية وجودية: بين الولاء الأطلسي والحلم الاستقلالي، بين العلاقة مع أمريكا والانفتاح على الصين، بين الوحدة النظرية والانقسام العملي. هذا التحليل يكشف عن التصدعات النفسية داخل الجسد الأوروبي التي تهدد بتحويل القارة من فاعل إلى جائزة في الصراع بين العمالقة.

المنهجية: من التجريد إلى التجسيد

الكتب الكلاسيكية تميل إلى التعميم النظري. ميرشايمر يبني نماذج مجردة، كيسنجر يستمد الحكمة من التاريخ الدبلوماسي، زكريا يقدم تحليلات نظامية واسعة.

كتاب "ما بعد الغرب" ينطلق من التجسيد الميداني. منهجيته هي "التحليل من خلال الحالة المكثفة":

· غرينلاند ليست مجرد مثال، بل هي نموذج إبيستمولوجي لفهم التحولات العالمية.
· مقياس التحليل ينتقل باستمرار بين المحلي (56 ألف نسمة في غرينلاند) والعالمي (تأثير قراراتهم على موازين القوى).
· الزمن التحليلي يجمع بين العمق التاريخي (تاريخ القطب في الحرب الباردة) والاستشراف المستقبلي (توقعات حتى 2026).

هذا يشبه الفرق بين الخرائط العامة (الكتب الأخرى) والصور الجوية عالية الدقة (كتابنا) التي تظهر التفاصيل الدقيقة والتضاريس الخفية.

الرؤية المستقبلية: من الخطية إلى التشعب

تتنبأ الكتب السائلة بمستقبل محكوم بمنطق أحادي: صراع حتمي (ميرشايمر)، نظام توازني (كيسنجر)، تكيف مؤسسي (زكريا)، صدام حضاري (هنتنغتون).

رؤية "ما بعد الغرب" أكثر تشعباً وتعقيداً:

· المستقبل ليس تعدد أقطاب بالمعنى المتساوي، بل هو "تعدد أقطاب هرمي" تتصارع فيه قوى على القمة (أمريكا، الصين) وتتحرك تحتها قوى متوسطة (أوروبا، روسيا، الهند) وأخرى صغيرة لكن حاسمة (مثل غرينلاند).
· السيناريوهات ليست محصورة في احتمالات قليلة، بل هي شبكة من الاحتمالات المترابطة: من "الشراكة المضطربة" إلى "التفتت الجيوسياسي" إلى "التحول التعاوني".
· عامل المفاجأة حاضر بقوة: تحولات صغيرة في مناطق هامشية (مثل قرار سكان غرينلاند بالتعاون مع الصين) قد تسبب زلازل في التحالفات الكبرى.

الإضافة الحضارية والسياقية: منظور من العالم النامي

هنا تكمن واحدة من أهم إضافات الكتاب. الكتب الجيوسياسية الكبرى كُتبت من مركزية غربية واضحة. حتى عندما تتحدث عن صعود الصين، فإنها تفعل ذلك من منظور كيفية تعامل الغرب مع هذا الصعود.

"ما بعد الغرب" يكتب من موقع وسطي - ليس من المركز الأمريكي أو الأوروبي، وليس من المنظور الصيني أو الروسي، بل من موقع المراقب الذي يرى النظام العالمي كميدان تحول، وليس كميراث يجب الدفاع عنه. هذا الموقع يسمح بـ:

· نزع الأسطرة عن القوى الكبرى: أمريكا ليست "شرطي العالم" ولا "الحضارة الاستثنائية"، بل إمبراطورية تعاني من أمراض الإمبراطوريات.
· إعادة الاعتبار للقوى الصغيرة والمتوسطة: كندا، الدنمارك، حتى سكان غرينلاند ليسوا مجرد قطع على رقعة الشطرنج، بل فاعلين لديهم خيارات واستراتيجيات.
· فتح أفق للعالم النامي: عالم متعدد الأقطاب غير المتكافئ قد يخلق فرصاً جديدة للدول الصغيرة والمتوسطة خارج المركز الغربي.

التكامل مع المشاريع السابقة: لا الرفض ولا التكرار

من المهم التأكيد أن "ما بعد الغرب" لا يأتي ليبطل المشاريع الفكرية السابقة، بل ليكملها ويوضعها في سياق جديد:

· مع ميرشايمر: نأخذ تحذيره من صراع القوى العظمى، لكن نحدد ساحاته الجديدة (القطب الشمالي، الفضاء الإلكتروني، سلاسل الموارد).
· مع كيسنجر: نشاركه الاهتمام بالتوازن والدبلوماسية، لكن نضيف أدوات جديدة للتحليل (الجغرافيا المتغيرة، اقتصاد المعادن).
· مع زكريا: نتقاسم الاهتمام بالتكنولوجيا والتكيف، لكن نربطها بشكل أوثق بالجيوسياسة والموارد.
· مع هنتنغتون: نعترف بأهمية الهوية، لكن نربطها بعوامل مادية (من يملك الموارد يملك القدرة على تشكيل الهويات).

الخلاصة: كتاب لمرحلة التحول العميق

يأتي "ما بعد الغرب: القطب، المعادن، والنظام العالمي الجديد" في لحظة تاريخية فاصلة: بين نظام عالمي لم يعد يعمل، وآخر لم يتشكل بعد. بينما تحاول الكتب الكلاسيكية فهم النظام أو الإصلاح النظام، يحاول هذا الكتاب فهم عملية التحول نفسها.

إنه ليس كتاباً عن "ما هو" بقدر ما هو كتاب عن "ما يحدث أثناء الانتقال من ما هو إلى ما سيكون". في هذا المعنى، فهو يشبه الفيزياء الانتقالية التي تدرس المادة في لحظة تغير حالتها من صلبة إلى سائلة أو غازية.

الكتابات الجيوسياسية السابقة أعطتنا قوانين الحركة للنظام الدولي. "ما بعد الغرب" يحاول أن يعطينا أدوات الملاحة في المحيط المضطرب الذي يسبق استقرار النظام الجديد. الأول يخبرك لماذا تتحرك السفن، والثاني يريك كيف تبحر في عاصفة بين نظامين.

بهذا، يجد الكتاب مكانته الطبيعية: ليس كبديل للكلاسيكيات، بل كـ دليل عملي ميداني لعصر تتحول فيه اليقينيات القديمة إلى أسئلة جديدة، وتظهر فيه جزر متجمدة نائية كمراكز لمستقبل العالم كله.

…….

المراجع الأساسية المعتمدة في كتاب "ما بعد الغرب: القطب، المعادن، والنظام العالمي الجديد"

القسم الأول: المراجع الأكاديمية والنظرية

أولاً: في العلاقات الدولية والجيوسياسة

1. Mearsheimer, J. J. (2014). The Tragedy of Great Power Politics (Updated Edition). W. W. Norton & Company.
· المرجع الأساسي للواقعية الهجومية، أُعيدت قراءته في سياق المنافسة القطبية.
2. Waltz, K. N. (1979). Theory of International Politics. McGraw-Hill.
· نظرية البنية الفوضوية للنظام الدولي وتأثيرها على سلوك الدول.
3. Wendt, A. (1999). Social Theory of International Politics. Cambridge University Press.
· المنظور البنائي في فهم تشكيل الهويات والمصالح الدولية.
4. Keohane, R. O., & Nye, J. S. (2012). Power and Interdependence (4th ed.). Longman.
· تحليل العلاقة بين الاعتماد المتبادل والقوة في النظام الدولي.
5. Buzan, B., & Lawson, G. (2015). The Global Transformation: History, Modernity and the Making of International Relations. Cambridge University Press.
· لفهم التحولات البنيوية طويلة الأمد.

ثانياً: في الجغرافيا السياسية والقطب الشمالي

1. Dodds, K., & Nuttall, M. (2019). The Scramble for the Poles: The Geopolitics of the Arctic and Antarctic. Polity Press.
· التحليل المقارن للتنافس في المناطق القطبية.
2. Borgerson, S. G. (2013). The Coming Arctic Boom: As the Ice Melts, the Region Heats Up. Foreign Affairs.
· المقال المؤسس لتحول النقاش حول القطب الشمالي.
3. Conley, H. A., et al. (2022). The New Ice Curtain: Russia’s Strategic Reach to the Arctic. CSIS.
· تقرير تحليلي عميق عن الاستراتيجية الروسية في القطب.
4. Byers, M. (2017). International Law and the Arctic. Cambridge University Press.
· الإطار القانوني الدولي للنزاعات القطبية.

ثالثاً: في اقتصاد الموارد والطاقة

1. Klare, M. T. (2020). All Hell Breaking Loose: The Pentagon s Perspective on Climate Change. Metropolitan Books.
· تحليل العلاقة بين تغير المناخ والأمن القومي.
2. Campbell, C. J. (2013). The Golden Century of Oil 1950–2050: The Depletion of a Resource. Springer.
· لفهم ديناميكيات موارد الطاقة.
3. Smil, V. (2022). How the World Really Works: The Science Behind How We Got Here and Where We re Going. Viking.
· التحليل المادي للاقتصاد العالمي وسلاسل التوريد.

القسم الثاني: الوثائق الرسمية والاستراتيجيات الوطنية

الولايات المتحدة الأمريكية

1. U.S. Department of Defense. (2022). Arctic Strategy.
2. U.S. Department of the Air Force. (2020). Arctic Strategy.
3. U.S. Geological Survey. (2021). Critical Minerals Review.

الاتحاد الأوروبي

1. European Commission. (2021). A Stronger EU Engagement for a Peaceful, Sustainable and Prosperous Arctic.
2. European Parliament. (2021). Report on the Arctic: Opportunities, Concerns and Security Challenges.

روسيا

1. Russian Federation. (2020). Fundamentals of State Policy of the Russian Federation in the Arctic for the Period up to 2035.
2. Russian Ministry for the Development of the Russian Far East and Arctic. (2021). Strategy for the Development of the Arctic Zone.

الصين

1. State Council Information Office of China. (2018). China s Arctic Policy.
2. China Geological Survey. (2022). Report on Critical Mineral Resources.

كندا والدنمارك/غرينلاند

1. Government of Canada. (2019). Canada s Arctic and Northern Policy Framework.
2. Kingdom of Denmark. (2021). Denmark s Strategy for the Arctic 2021-2030.
3. Government of Greenland. (2020). Greenland s Mineral Strategy.

منظمات دولية

1. United Nations. (1982). United Nations Convention on the Law of the Sea (UNCLOS).
2. Arctic Council. (2021). Agreement on Enhancing International Arctic Scientific Cooperation.
3. NATO. (2022). Strategic Concept.

القسم الثالث: تقارير مراكز الأبحاث والدراسات

مراكز أبحاث أمريكية

1. Council on Foreign Relations (CFR). (2023). Arctic Imperatives: Reinforcing U.S. Strategy in the High North.
2. RAND Corporation. (2022). Competition in the Arctic: A Risk Assessment.
3. Wilson Center. (2021). The Polar Race: China, Russia, and the United States in the Arctic.

مراكز أبحاث أوروبية

1. European Council on Foreign Relations (ECFR). (2022). The Geopolitics of Green Energy.
2. French Institute of International Relations (IFRI). (2021). The Arctic: A New Strategic Frontier.
3. German Institute for International and Security Affairs (SWP). (2020). The European -union- and the Geopolitics of the Arctic.

مراكز أبحاث آسيوية

1. China Institutes of Contemporary International Relations (CICIR). (2021). China s Arctic Strategy in the Context of Great Power Competition.
2. Russian International Affairs Council (RIAC). (2022). The Arctic in Russian Foreign Policy.

القسم الرابع: المصادر الإحصائية وقواعد البيانات

البيانات المناخية والجغرافية

1. National Snow and Ice Data Center (NSIDC). Sea Ice Index and Arctic Sea Ice News & Analysis.
2. NASA Earth Observatory. Satellite data on Arctic ice melt.
3. World Meteorological Organization (WMO). Arctic climate change reports.

البيانات الاقتصادية والتعدينية

1. U.S. Geological Survey (USGS). Mineral Commodity Summaries.
2. International Energy Agency (IEA). World Energy Outlook and Critical Minerals Review.
3. World Bank. (2020). The Changing Wealth of Nations.
4. International Monetary Fund (IMF). World Economic Outlook databases.

البيانات التجارية واللوجستية

1. International Maritime Organization (IMO). Shipping statistics and Polar Code implementation reports.
2. UNCTAD. Review of Maritime Transport.
3. Arctic Shipping Commercial Accessibility Model (ASCAM). Projections of Arctic shipping routes.

القسم الخامس: المصادر العربية

المراكز البحثية العربية

1. مركز الخليج للأبحاث. (2022). القطب الشمالي في الاستراتيجيات الدولية: دراسة في الصراع والتعاون.
2. مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية. (2021). الجيوسياسة الجديدة: موارد الطاقة والمعادن في الاستراتيجية الدولية.

الدراسات والمقالات العربية

1. المنظمة العربية للتنمية الإدارية. (2020). إدارة الموارد الطبيعية في ظل التحولات الجيوسياسية.
2. مجلة السياسة الدولية (مصر). سلسلة مقالات عن القطب الشمالي (2020-2023).
3. مجلة المستقبل العربي (لبنان). دراسات عن النظام الدولي المتعدد الأقطاب.

القسم السادس: المصادر الصحفية والإعلامية

الوسائل الدولية

1. The Economist. سلسلة تقارير عن القطب الشمالي والمعادن النادرة (2021-2023).
2. Foreign Affairs. مقالات عن المنافسة الجيوسياسية والقطب.
3. Financial Times. تحليلات عن سلاسل التوريد والموارد الاستراتيجية.
4. Le Monde Diplomatique. تحليلات جيوسياسية عن التحول العالمي.

الوسائل الإقليمية

1. Al Jazeera Center for Studies. تقارير عن التحولات الجيوسياسية العالمية.
2. BBC Monitoring. تقارير عن السياسات القطبية للقوى الكبرى.

القسم السابع: المقابلات والمراجع الشفهية

1. مقابلات مع خبراء:
· دبلوماسيون سابقون في دول القطب الشمالي.
· خبراء في قانون البحار الدولي.
· علماء جيولوجيا متخصصون في التعدين القطبي.
· محللون استراتيجيون في مراكز الأبحاث الغربية والآسيوية.
2. وثائق المؤتمرات:
· أوراق مقدمة لمؤتمر القطب الشمالي (Arctic Circle Assembly).
· وقائع جلسات مجلس القطب الشمالي.

منهجية الاعتماد على المراجع

1. التحليل النقدي للمصادر:

· تمت مقارنة الروايات المختلفة للأحداث (الغربية، الروسية، الصينية).
· تم تقييم التحيزات المحتملة في كل مصدر.
· تم اعتماد مبدأ التوثيق المتبادل بين المصادر.

2. أولويات الاستخدام:

· المصادر الأولية: الوثائق الرسمية، البيانات الإحصائية الرسمية.
· المصادر الثانوية: التحليلات الأكاديمية، تقارير مراكز الأبحاث.
· المصادر الثالثة: التقارير الإعلامية، التحليلات الصحفية.

3. معايير اختيار المراجع:

· الحداثة: مع إيلاء أهمية خاصة للمصادر المنشورة بين 2018-2023.
· الموثوقية: تفضيل المصادر الرسمية والمحكمة أكاديمياً.
· التنوع: تضمين وجهات نظر متعددة (غربية، شرقية، شمالية، جنوبية).

ملاحظة منهجية

هذه القائمة تمثل الإطار المرجعي الأساسي الذي استند إليه التحليل في الكتاب. تم التعامل مع هذه المراجع لا كمصادر حقيقة مطلقة، بل كـمواد أولية أُخضعت لـ:

1. التحليل النقدي لافتراضاتها الكامنة.
2. المقارنة بين رواياتها المختلفة.
3. التركيب لإنتاج رؤية تحليلية جديدة تجمع بين النظرية والواقع الميداني.

الكتاب، في جوهره، هو محاولة للتفاعل الخلاق مع هذا التراث الفكري الغني، وليس مجرد تلخيص له. إنه يطرح أسئلة جديدة على إجابات قديمة، ويستخدم حالات دراسة محددة (مثل غرينلاند) لاختبار النظريات الكبرى وتطويرها.



#احمد_صالح_سلوم (هاشتاغ)       Ahmad_Saloum#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قراءة في تَشَكُّل نظام دولي جديد عبر بوابة غرينلاند
- سورية وتدوير بوصلة الخيانة: تأملات في أرشيف الانهيار
- طياف الانهيار في هشاشة الامبراطورية .. قراءة في تحذيرات جيفر ...
- من وهن الزعيم إلى تصدُّع الحامي.. تشريح لحظة التحوُّل في مصي ...
- -المعركة لم تنتهِ بعد-: تشريحٌ لجسد الحرب الدائمة.. بين وهَن ...
- هندسة العبودية الطوعية: الهيمنة في عصر الأزمات الهيكلية
- -من نهاية التاريخ - إلى -نزيف تحت الجلد-..دراسة مقارنة مع كت ...
- شمشون العصر: بين أسطورة السقوط وإستراتيجية الانهيار
- النجوم التي لم تعرف السماء ( قصة )
- صراع العمالقة على أرض المأساة: فنزويلا بين مطرقة التاجر الصي ...
- أجنحة التنين وأنياب الأسد: في دهاليز حرب تستعد، وتوازن رعب ي ...
- سردية جديدة للقوة الصينية في القارة الامريكية : صوت المحراث ...
- انزياحات العصر: تفكّك الهيمنة واستعادة التاريخ في المشرق الع ...
- الإعلام بين الهيمنة والتحرر: تشريح امبراطوريات اعلام تزييف ا ...
- الفقاعة الكبرى: تشريح جثة الإمبراطورية المالية الأمريكية قبي ...
- التفجير الاحتفالي: دراسة في سيناريوهات الرد الروسي على سياسا ...
- أكراد سوريا وحبال الدمى المقطوعة – من الرهان على الصهيونية إ ...
- إيران في العاصفة: بين حصار المركز وعبء الأطراف.. معضلة الانف ...
- شرايين الهيمنة ونزيفها: قراءة في تشظي النظام العالمي وصعود ا ...
- أعاصير المركز: كيف تهز روسيا عرش العالم القديم؟..كتيب


المزيد.....




- عشرات المفقودين في حريق مركز تجاري بباكستان
- من هو قائد قوات سوريا الديمقراطية، مظلوم عبدي؟
- أخبار اليوم: الاتحاد الأوروبي يجمد المصادقة على الاتفاق التج ...
- الهجرة: حين يتحول الحلم الأوروبي إلى كابوس
- لماذا صعد ترامب ضد فرنسا؟ وماذا يريد من -مجلس السلام-؟
- الحكومة البريطانية تمنح ترخيصا لإقامة سفارة صينية ضخمة في قل ...
- التوترات تعود إلى شمال شرق سوريا والقوات الكردية تنسحب من مخ ...
- المظاهرات في إيران: ما الذي نعرفه عن أعداد ضحايا قمع النظام؟ ...
- اتفاق جديد بين دمشق وقوات سوريا الديمقراطية -قسد-.. ما التفا ...
- استعدادا للحرب.. النرويج تلوح بإمكانية مصادرة ممتلكات المدني ...


المزيد.....

- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ... / علي طبله
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ... / علي طبله
- الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل ... / علي طبله
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر / محمد جعفر ال عيسى
- اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات، ... / رياض الشرايطي
- رواية / رانية مرجية
- ثوبها الأسود ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- تداخل الاجناس الأدبية في رواية قهوة سادة للكاتب السيد حافظ / غنية ولهي- - - سمية حملاوي
- شيوعيون على مر الزمان ...الجزء الأول شيوعيون على مر الزمان ... / غيفارا معو


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - احمد صالح سلوم - كتاب : ما بعد الغرب: القطب، المعادن، والنظام العالمي الجديد