|
|
أعاصير المركز: كيف تهز روسيا عرش العالم القديم؟..كتيب
احمد صالح سلوم
شاعر و باحث في الشؤون الاقتصادية السياسية
(Ahmad Saloum)
الحوار المتمدن-العدد: 8579 - 2026 / 1 / 6 - 10:25
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
مقدمة: في قلب العاصفة.. البحث عن بوصلة لفهم عالم ينهار ويُعاد تشكيله
نحن نعيش لحظة تاريخية حاسمة، حيث تتساقط الثوابت الجيوسياسية التي حكمت العالم لثلاثة عقود بسرعة مذهلة. المشهد الذي نراه اليوم – صراع ضخم على الأراضي الأوروبية، تحالفات تتشقق وتتكون من جديد، أزمات اقتصادية عالمية متلاحقة، وصراع صامت على التقنية والطاقة والمستقبل – لا يمكن فهمه ببساطة من خلال قراءة عناوين الأخبار اليومية أو التفسيرات السطحية للصراع بين "الديمقراطيات" و"الاستبدادات". هذه اللغة نفسها جزء من المعركة.
لفهم العمق الاستراتيجي لما يحدث، خاصة في قلب العاصفة المتمركزة حول الدور الروسي، يجب علينا النزول إلى مستوى أعمق: مستوى البنى الاقتصادية العالمية، وقوانين حركة رأس المال الدولي، والمعركة التاريخية المتجددة بين مراكز الهيمنة والأطراف التي تسعى للانفكاك والتحرر. نحن نشهد ليس مجرد حرب إقليمية، بل أعراض الولادة العسيرة لنظام عالمي جديد، تتقاطع فيها مصالح قوى قديمة تحاول الحفاظ على امتيازاتها مع طموحات قوى صاعدة ترفض استمرار وضع التبعية.
هذه المادة التحليلية تسعى لتقديم عدسة قراءة مختلفة. عدسة ترى في الأحداث الجارية التجلي الأوضح للأزمات الهيكلية التي ينوء بها النظام العالمي الحالي. سنحلل، عبر الصفحات التالية، الموقف الروسي ليس كظاهرة معزولة، بل كتجسيد لقوة "شبه طرفية" كبرى نفذ صبرها من محاولات إخضاعها وإعادة تدجينها داخل ترتيب يخدم مصالح المركز المهيمن تاريخياً. كما سنفحص الاستجابات الغربية بوصفها ردود فعل لنظام هيمنة يدرك أن أدواته التقليدية لم تعد ناجعة كما كانت، وأنه يواجه تحديات وجودية متزامنة على جبهات متعددة.
الإطار النظري: مفاتيح القراءة في زمن التحولات الكبرى
لفك شفرة التعقيد الحالي، نحتاج إلى مجموعة من الأدوات التحليلية التي تتجاوز السرديات السياسية المباشرة وتتعمق في المحددات الاقتصادية والهيكلية للصراع. هذه الأدوات، المستمدة من تقاليد نقدية في الاقتصاد السياسي الدولي، تقدم منظوراً قادراً على ربط الحرب في أوكرانيا بأزمة الطاقة في أوروبا، وبالصعود التكنولوجي الآسيوي، وبالانهيار المتزايد لثنائية الحزبية في الغرب نفسه.
1. المركز، الأطراف، وشبه الأطراف: الخريطة الحقيقية للقوة العالمية
النظام العالمي لا يتشكل من دول متساوية تتفاعل بحرية، بل هو بناء هرمي تقطنه ثلاث فئات:
· المركز: يتركز فيه القرار المالي (السيطرة على العملات الدولية وقنوات الاستثمار)، والتكنولوجيا المتقدمة، والقدرة الإعلامية والثقافية على صياغة السرديات المسيطرة. دوره هو استخلاص الفائض الاقتصادي من بقية العالم عبر آليات التجارة والتمويل والمعايير. · الأطراف: تشكل المصدر الأساسي للمواد الخام والعمالة الرخيصة والأسواق المُستهلكة. علاقتها بالمركز علاقة تبعية هيكلية، حيث تُصدر القيمة وتستورد السلع المصنعة والديون. · شبه الأطراف: هي المنطقة الأكثر حركية وإستراتيجية. تضم دولاً تمتلك قاعدة صناعية وتكنولوجية وعسكرية مؤثرة، وتسعى للانفكاك الجزئي من التبعية والتحول نحو مركز جديد، أو على الأقل تأمين استقلالية قرارها. هنا تكمن مفارقة الموقف الروسي الحالي: فهي قوة عظمى في الموارد والترسانة العسكرية، ولكنها ظلت في المنظور الاقتصادي الغربي "طرفاً" يُفترض أن يزود المركز بالطاقة والمواد الخام مقابل السلع التكنولوجية. رفضها لهذا الدور هو محرك الصراع الرئيسي.
2. أزمة الهيمنة والنظام الأحادي القطبي: عندما تضعف أدوات السيطرة
تمر الرأسمالية العالمية، في مرحلتها الاحتكارية المالية المهيمنة، بأزمة هيكلية متعددة الأوجه:
· التراكم عن طريق النهب: لم يعد النمو في المركز يعتمد فقط على الاستغلال الكلاسيكي، بل بشكل متزايد على آليات مالية معقدة (ديون، مشتقات، تقلبات أسواق) وعلى السيطرة المباشرة على الموارد الاستراتيجية (طاقة، معادن نادرة، طرق تجارية). الحرب أصبحت أداة اقتصادية لخلق مناطق نفوذ وفرض العقود. · تحدي القطب الواحد: يصطدم المشروع الأحادي القطبي بحقيقة جغرافية سياسية جديدة: ظهور مراكز اقتصادية وتكنولوجية بديلة ترفض الانصياع الكامل. هذا لا يقسم العالم إلى معسكرين متجانسين، بل يخلق فضاءات متعددة للسيادة، حيث تبحث الدول عن شراكات مرنة تحمي مصالحها خارج الهيكل الغربي التقليدي. · استنزاف الحروب بالوكالة: إدارة الهيمنة عبر صراعات بعيدة (الشرق الأوسط، أوكرانيا) تهدف لإضعاف الخصوم بتكلفة بشرية ومادية يدفعها "الطرف" المحلي وحلفاؤه الإقليميون. لكن هذه الاستراتيجية تحمل بذور إضعاف المركز نفسه، فهي تستنزف مخزونه السياسي والأخلاقي، وتعمق الانقسامات داخله، وتبعثر موارده بعيداً عن جبهة التحدي الاستراتيجي الرئيسية.
3. فك الارتباط والبحث عن السيادة: طريق الخلاص من التبعية
هذا هو الرد الاستراتيجي الذي تتبناه قوى "شبه الطرفية" لمواجهة الهيمنة. وهو ليس انعزالاً، بل عملية إعادة بناء علاقات القوة:
· التصنيع السيادي: بناء قدرات صناعية وتكنولوجية ذاتية في المجالات الحيوية (الدفاع، الطاقة، الغذاء، الرقائق) لتقليل الاعتماد على الاستيراد. · التعاون الأفقي (جنوب-جنوب): تشكيل تحالفات وتنظيمات تجارية ومالية ومؤسسية خارج هيكل المؤسسات الغربية (البريكس، مبادرات الحزام والطريق، تسوية بالعملات المحلية). · السيادة الثقافية والإعلامية: تطوير آليات إعلامية ومعرفية مستقلة لمواجهة السردية الأحادية ونشر رواية بديلة للأحداث.
4. التصدعات داخل المركز: الغموض الاستراتيجي كأداة وكمؤشر أزمة
لا يستجيب العالم المهيمن للتحولات كتلة صلبة واحدة. داخل المركز نفسه، تنشأ تصدعات عميقة تعكس ترتيباً مختلفاً للأولويات والمخاطر:
· الرؤية الأطلسية التقليدية: تسعى للحفاظ على وحدة الغرب ككتلة جيوسياسية، وترى في إضعاف القوة "شبه الطرفية" المتمردة (روسيا) أولوية قصوى لحفظ النظام القائم، حتى لو كان الثمن حرباً طويلة ومكلفة. · الرؤية البراغماتية الإقليمية: تنظر إلى الموارد كمية محدودة، وترى أن المواجهة الحتمية هي مع القوة الصاعدة التي تهدد التفوق التكنولوجي والاقتصادي على المدى الطويل (في آسيا). من هذا المنظور، فإن الصراع في أوروبا هو مشتت خطير للجهود والموارد، وقد يؤدي إلى إضعاف المكونات الأوروبية التابعة للمركز دون تحقيق نصر حاسم. يعكس "الغموض الاستراتيجي" لهذه الرؤية رغبة في عدم الالتزام الكامل بصراعات تُرى على أنها ثانوية، والحفاظ على حرية المناورة للتركيز على الجبهة التي تُعتبر مصيرية.
هذه الأدوات النظرية ليست مجرد مصطلحات أكاديمية، بل هي مشاعل نوجهها نحو واقع معقد. في الأقسام التالية، سنستخدمها لتفكيك المشروع الروسي للسيادة، وفحص آليات الحرب الاقتصادية الغربية، وقراءة الانقسامات داخل التحالف المهيمن، واستشراف ملامح النظام العالمي الذي يولد من رحم هذه الأزمة الكبرى.
تحليل الموقف الروسي الحالي: معركة السيادة في نظام عالمي مضطرب
الجزء الأول: روسيا كدولة شبه طرفية ومشروع السيادة الوطنية
1.1 من الانهيار إلى إعادة البناء: مسار روسيا التاريخي
عقب انهيار الاتحاد السوفيتي، خضعت روسيا لتجربة استثنائية في محاولة للاندماج في النظام العالمي الغربي المهيمن. خلال تسعينيات القرن العشرين، أظهرت المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية الروسية سمات نموذجية لدولة "طرفية" في النظام العالمي: خصخصة هائلة للموارد الوطنية لصالح النخب المحلية ورأس المال الدولي، تدهور الصناعة التحويلية، اعتماد متزايد على تصدير المواد الخام (خاصة الطاقة والمعادن)، وتآكل السيادة الاقتصادية والسياسية.
لكن بداية الألفية الجديدة شهدت تحولاً تدريجياً نحو نموذج "شبه الطرفية" المستعدة للمواجهة. وفقاً لبيانات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، ارتفعت حصة الصناعة في الناتج المحلي الإجمالي الروسي من 31% عام 1999 إلى حوالي 35% عام 2022، بينما انخفضت حصة الخدمات المالية والتجارية من 50% إلى 45% في نفس الفترة. هذا التحول، وإن كان محدوداً، يشير إلى استراتيجية واعية لإعادة بناء القدرات الإنتاجية الوطنية.
1.2 السيادة الاقتصادية: من الاعتماد على الطاقة إلى التنويع الاستراتيجي
يشكل مشروع "السيادة الاقتصادية" جوهر الاستراتيجية الروسية الحالية. بعد عقود من الاعتماد على عائدات الطاقة كعمود فقري للاقتصاد (شكلت 45% من إيرادات الموازنة الاتحادية عام 2021)، بدأت روسيا في تنفيذ برنامج طموح للتقليل من هذا الاعتماد، وزيادة الإنتاج المحلي للسلع والخدمات ذات القيمة المضافة العالية.
الجدول 1: تطور هيكل الصادرات الروسية 2010-2023 (%)
فئة الصادرات 2010 2015 2020 2023 النفط والغاز 68.2 62.1 49.8 52.3 المعادن والخامات 12.4 13.8 15.2 17.1 المنتجات الكيماوية 6.1 7.2 8.9 9.8 الآلات والمعدات 4.8 5.9 7.4 6.5 السلع الزراعية 2.1 4.2 7.8 9.5 أخرى 6.4 6.8 10.9 4.8
المصدر: البنك المركزي الروسي، هيئة الجمارك الفيدرالية
يظهر الجدول تحولاً بطيئاً لكنه ملحوظ نحو تنويع الصادرات، حيث انخفضت حصة النفط والغاز من 68.2% إلى 52.3%، وزادت حصة المنتجات الكيماوية والسلع الزراعية بشكل كبير. يشير هذا إلى نجاح جزئي في استراتيجية "استبدال الواردات" التي تبنتها موسكو بعد العقوبات الغربية عام 2014، حيث ارتفعت نسبة الاكتفاء الذاتي في قطاعات مثل الزراعة من 60% عام 2010 إلى حوالي 85% عام 2023.
1.3 السيادة التكنولوجية: معركة الابتكار في زمن العقوبات
واجهت روسيا تحدياً وجودياً في مجال التكنولوجيا بعد فرض العقوبات الغربية التي قطعت وصولها إلى التقنيات المتقدمة في أشباه الموصلات والبرمجيات وأنظمة الاتصالات. رداً على ذلك، أطلقت الحكومة الروسية برنامج "السيادة التكنولوجية" الذي يهدف إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي في 12 قطاعاً استراتيجياً بحلول 2030، بما في ذلك التقنيات الدقيقة، والذكاء الاصطناعي، والأدوية، والمواد الجديدة.
رغم الصعوبات الهائلة، حققت روسيا تقدماً ملحوظاً في بعض المجالات:
· البرمجيات: ازدهار صناعة البرمجيات المحلية، حيث زادت حصة البرمجيات الروسية في المشتريات الحكومية من 35% عام 2019 إلى 85% عام 2023. · التقنيات الدفاعية: الحفاظ على قدرات بحث وتطوير مستقلة في مجال الأسلحة المتطورة (أنظمة الدفاع الجوي، الصواريخ الفرط صوتية). · الطاقة النووية: ريادة عالمية في تصميم وبناء محطات الطاقة النووية الصغيرة والمتنقلة.
ومع ذلك، لا تزال روسيا تواجه فجوة تقنية كبيرة في مجال أشباه الموصلات المتقدمة، حيث تعتمد بشكل كبير على التصميم الأجنبي والتصنيع غير المباشر عبر دول ثالثة.
الجزء الثاني: حرب أوكرانيا كصراع جيوسياسي على حدود النظام العالمي
2.1 الصراع كحرب بالوكالة: قراءة في الأبعاد الهيكلية
يمكن تحليل الصراع في أوكرانيا من خلال منظور يتجاوز العوامل الإقليمية المباشرة ليكشف عن الصدام بين منطقين جيوسياسيين متعارضين:
· منطق التوسع المؤسسي للنظام الغربي: يمثل محاولة لتوسيع نطاق المؤسسات والقواعد والقيم الغربية (الناتو، الاتحاد الأوروبي) إلى المناطق الحدودية التي تعتبرها روسيا مجالها الحيوي التقليدي. · منطق السيادة والحيز الاستراتيجي: يمثل دفاعاً روسياً عن مفهوم "المجال الحيوي" كشرط أساسي للأمن القومي والسيادة الحقيقية.
في هذا الإطار، تظهر أوكرانيا كـ"دولة حدودية" في النظام العالمي، تخضع لتنافس مركزي بين قوتين. البيانات التاريخية تظهر أنه منذ 1991، تلقى القطاع الأمني الأوكراني أكثر من 5 مليارات دولار من المساعدات الأمريكية المباشرة، وزاد عدد التدريبات العسكرية المشتركة مع الناتو من 5 في عام 2014 إلى أكثر من 20 سنوياً قبل فبراير 2022.
2.2 الحرب الاقتصادية: آليات العقوبات وحدود التأثير
شكلت العقوبات الغربية غير المسبوقة اختباراً حاسماً لمتانة الاقتصاد الروسي وقدرته على "فك الارتباط" القسري عن النظام المالي العالمي المهيمن. رغم التحديات الجسيمة، أظهر الاقتصاد الروسي مرونة تفوق التوقعات:
الجدول 2: مؤشرات الأداء الاقتصادي الروسي قبل وبعد العقوبات (2021-2023)
المؤشر الاقتصادي 2021 2022 2023 الناتج المحلي الإجمالي (نمو % سنوي) 5.6 -2.1 2.8 التضخم (نهاية العام %) 8.4 11.9 7.4 معدل البطالة (%) 4.8 3.9 3.2 احتياطيات النقد الأجنبي (مليار دولار) 630.6 582.4 590.1 الفائض في الحساب الجاري (مليار دولار) 120.3 233.0 185.0 سعر صرف الروبل (للدولار، نهاية العام) 74.3 70.2 88.5
المصادر: البنك المركزي الروسي، وزارة التنمية الاقتصادية
تكشف هذه الأرقام عن عدة ظواهر مهمة:
1. التكيف السريع: رغم الصدمة الأولية عام 2022، عاد الاقتصاد للنمو في 2023 بفضل زيادة الإنفاق العسكري والسياسات النقدية والمالية التكيفية. 2. تحولات هيكلية: انخفاض العجز المالي وتحسن الحساب الجاري بسبب ارتفاع أسعار الطاقة وتخفيض الواردات. 3. المرونة الاجتماعية: انخفاض معدل البطالة رغم الحرب يثير تساؤلات حول فعالية العقوبات في إثارة الاستياء الشعبي.
2.3 إعادة التوجه الجيوسياسي: من أوروبا إلى آسيا وأفريقيا
أجبرت العقوبات والحرب روسيا على تسريع تحولها الجيوسياسي بعيداً عن أوروبا نحو شركاء جدد. تشير بيانات التجارة لعام 2023 إلى تحول تاريخي:
· انخفضت حصة الاتحاد الأوروبي من التجارة الخارجية الروسية من 42% عام 2021 إلى حوالي 22% عام 2023. · ارتفعت حصة الصين من 18% إلى 32%، وأصبحت الشريك التجاري الأول لروسيا. · تضاعفت التجارة مع الهند ثلاث مرات، وارتفعت مع تركيا بنسبة 85%. · زادت التجارة مع أفريقيا بنسبة 35%، وخاصة في مجالات الغذاء والأسمحة والسلاح.
هذا التحول ليس مجرد تغيير في الشركاء التجاريين، بل يمثل إعادة هيكلة استراتيجية للعلاقات الاقتصادية الدولية تقوم على:
· التسوية بالعملات المحلية: تجاوز الدولار في أكثر من 75% من التجارة مع الصين، و60% مع الهند. · بناء أنظمة دفع بديلة: استخدام النظام المالي الروسي SPFS والتكامل مع النظام الصيني CIPS. · تشكيل تحالفات جديدة: تعميق التعامل مع منظمة شنغهاي للتعاون، ومجموعة البريكس، والاتحاد الاقتصادي الأوراسي.
الجزء الثالث: الداخل الروسي: القدرة على التحمل وإدارة الأزمات
3.1 العقد الاجتماعي الجديد: الأمن مقابل الرخاء
نجحت القيادة الروسية في صياغة "عقد اجتماعي" جديد يقوم على مبادئ مختلفة عن تلك التي سادت في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين. إذا كان العقد السابق يقوم على "الرخاء الاقتصادي مقابل الحياد السياسي"، فإن العقد الحالي يقوم على "الأمن القومي والسيادة مقابل الصعوبات الاقتصادية".
بيانات استطلاعات الرأي من مركز ليفادا الروسي (رغم محدودية موثوقيتها في ظل ظروف الحرب) تشير إلى:
· دعم مستقر للعملية العسكرية الخاصة بنسبة 70-75% (مع تباينات إقليمية كبيرة). · أولوية "استعادة الأراضي التاريخية" و"حماية السكان الناطقين بالروسية" على الاعتبارات الاقتصادية لدى شريحة كبيرة من السكان. · ارتفاع الثقة في المؤسسة العسكرية إلى 65% مقابل 45% للمؤسسات المدنية.
3.2 إدارة الاقتصاد في زمن الحرب: نموذج "الاقتصاد المتحرك"
طورت روسيا ما يمكن تسميته "الاقتصاد المتحرك" - نموذج هجين يجمع بين عناصر السوق وآليات التوجيه المركزي في القطاعات الاستراتيجية. ملامح هذا النموذج:
· المرونة التشريعية: تبني قوانين سريعة للتكيف مع الظروف المتغيرة (تسهيل إجراءات الاستيراد، تخفيض الضرائب على الصناعات الدفاعية). · إعادة توزيع الموارد: توجيه 40% من الإنفاق الحكومي نحو المجمع الصناعي العسكري والقطاعات المرتبطة به. · دعم القطاع الخاص المرتبط بالدولة: منح عقود ضخمة لشركات القطاع الخاص في مجالات التصنيع والخدمات اللوجستية.
3.3 التحديات الداخلية البنيوية
رغم المرونة الظاهرة، تواجه روسيا تحديات بنيوية عميقة:
· هجرة العقول: هجرة ما بين 500,000 إلى 1 مليون شخص من الفئات المتعلمة والمهنية منذ فبراير 2022، مما يهدد القدرة الابتكارية على المدى المتوسط. · التفاوت الإقليمي: تركيز التنمية الاقتصادية في مراكز حضرية كبيرة (موسكو، سانت بطرسبرغ، قازان) على حساب المناطق الأخرى. · شيخوخة السكان: متوسط العمر المتوقع للرجال لا يزال أقل من 70 عاماً، ومعدل المواليد منخفض (1.5 طفل للمرأة). · الفساد الهيكلي: استمرار مشاكل الفساد في الإدارة المحلية وقطاعات الخدمات، مما يقلل من فعالية السياسات الحكومية.
الجزء الرابع: روسيا في النظام العالمي المتعدد الأقطاب الناشئ
4.1 روسيا ومستقبل النظام العالمي: نحو تعددية قطبية غير ليبرالية
تتبنى روسيا رؤية واضحة للنظام العالمي المستقبلي، تختلف جوهرياً عن النموذج الليبرالي الغربي. تعتمد هذه الرؤية على مبادئ:
· التعددية القطبية: رفض هيمنة قطب واحد، والدعوة لنظام متوازن تضطلع فيه عدة مراكز قوى (الولايات المتحدة، الصين، الاتحاد الأوروبي، روسيا، الهند، وغيرها) بتقاسم المسؤولية. · احترام السيادة المطلقة: الدفاع عن مفهوم ويستفالي متطرف للسيادة، يعترف بحق الدول في اختيار أنظمتها السياسية ومسار تطورها دون تدخل خارجي. · التعاون المرن: تفضيل التحالفات المرنة القائمة على المصالح المحددة على التحالفات الأيديولوجية الصارمة طويلة الأمد.
4.2 التحالفات الجديدة: البريكس، ومنظمة شنغهاي، والجنوب العالمي
أصبحت روسيا لاعباً رئيسياً في مؤسسات العالم غير الغربي. في مجموعة البريكس، لعبت موسكو دوراً محورياً في:
· دفع مشروع إنشاء عملة احتياطية بديلة تستند إلى سلة من عملات البريكس. · التوسيع التاريخي للمجموعة عام 2023 ليشمل إيران، السعودية، الإمارات، مصر، إثيوبيا، والأرجنتين. · إنشاء نظام دفع وتسوية مالي بديل يقلل الاعتماد على سويفت.
في منظمة شنغهاي للتعاون، تعمل روسيا على تعزيز التعاون الأمني والاقتصادي في آسيا الوسطى، كمنطقة نفوذ تقليدية تتنافس عليها مع الصين والغرب.
4.3 المواجهة مع الغرب: حدود القوة وأفاق التسوية
المواجهة بين روسيا والغرب تجاوزت مرحلة الأزمة العابرة إلى حالة من الصراع الهيكلي طويل الأمد الذي قد يستمر لعقد أو أكثر. ملامح هذا الصراع:
· طابعه الوجودي: بالنسبة للغرب، يتعلق بشرعية النظام الدولي القائم؛ بالنسبة لروسيا، يتعلق بالحق في السيادة وتحديد المصير. · تعدد جبهاته: يمتد من ساحة المعركة في أوكرانيا، إلى الحرب الاقتصادية، والصراع المعلوماتي، والتنافس على النفوذ في الجنوب العالمي. · عدم التماثل: روسيا تكافح من موقع المدافع عن الوضع الراهن في جوارها المباشر، بينما يسعى الغرب لتغيير الوضع القائم.
سيناريوهات التطور المحتملة تشمل:
1. التجميد: تجميد الصراع عند خطوط تماس مستقرة نسبياً، مع استمرار التوتر منخفض الحدة لعقود (نموذج كوريا). 2. التوسع: توسيع الصراع إلى مناطق أخرى (البلقان، القوقاز، البلطيق). 3. التسوية التدريجية: تسوية طويلة الأمد تعترف بمصالح أمنية متبادلة، ولكنها تتطلب تحولات سياسية كبيرة في كلا الجانبين.
روسيا كمختبر للتغيرات العالمية
تمثل التجربة الروسية الحالية مختبراً حياً لتحولات عميقة يشهدها النظام العالمي:
أولاً، تثبت أن قدرة المركز التقليدي على فرض إرادته على قوة شبه طرفية كبرى باتت محدودة. العقوبات، رغم تأثيرها، لم تحقق الهدف الأساسي من تغيير السلوك الروسي، بل سرعت من تحولات كانت بطيئة (نزع الدولرة، إعادة التوجيه شرقاً).
ثانياً، تكشف عن حدود العولمة الليبرالية كمشروع شامل. فشل الاعتماد الاقتصادي المتبادل في منع الصراع، بل تحول إلى سلاح في حينه.
ثالثاً، تظهر ولادة نظام مالي وتجاري موازٍ، وإن كان لا يزال أصغر وأقل تطوراً من النظام الغربي التقليدي.
رابعاً، تؤكد حتمية إعادة تعريف مفهوم السيادة في القرن الحادي والعشرين، حيث لم تعد السيادة السياسية كافية دون سيادة اقتصادية وتكنولوجية وثقافية.
الدرس الأعمق الذي تقدمه الحالة الروسية هو أن العالم يتحول من نظام هرمي مركز إلى شبكة معقدة من العلاقات المتداخلة والمتنافسة، حيث تتعايش منطقان: منطق القطبية المتعددة القائمة على توازن القوى، ومنطق الاعتماد المتبادل القائم على المصالح الاقتصادية المشتركة. مستقبل النظام الدولي سيتحدد بقدرة الفاعلين الرئيسيين على إدارة هذا التعايض الإشكالي دون الانزلاق إلى صراع شامل.
روسيا، بقدرتها على التحمل، ومرونتها، وإصرارها على الدفاع عن مفهوم سيادي للحيز الاستراتيجي، تدفع العالم نحو هذا المستقبل المضطرب وغير المؤكد، حيث تتداخل فيه عناصر النظام والفوضى، والتعاون والصراع، بطريقة لم يشهدها العالم منذ نهاية الحرب الباردة.
هذا التحليل يستند إلى البيانات المتاحة حتى أوائل 2024، ويتطلب تحديثاً مستمراً مع تطور الأحداث. وهو يمثل محاولة لفهم التحولات الهيكلية بعيدة المدى، وليس مجرد رصد للتطورات اليومية العابرة.
تحليل الاستراتيجيات الغربية ووجهات النظر الداخلية
استجابة المركز المهيمن لتحدي السيادة الروسية
1. مقدمة: أزمة استراتيجية في عالم متحول
يواجه الغرب، بقيادة الولايات المتحدة، لحظة تحول جيوسياسي تاريخية حيث تختبر أدوات هيمنته التقليدية حدود فعاليتها. يُعد الرد الغربي على التحدي الروسي نموذجاً مصغراً لأزمة أوسع لنظام عالمي أحادي القطبية تتصدع أركانه. هذا القسم يحلل الاستجابات الغربية المتعددة المستويات، ويكشف عن التوترات الداخلية التي تعكس تصدعاً في الرؤية الاستراتيجية الموحدة.
2. الإطار المفاهيمي: رد فعل المركز على تحديات شبه الأطراف
يتمحور الرد الغربي حول ثلاثة محاور استراتيجية مترابطة تشكل دائرة ردود الفعل:
· المحور العسكري-الأمني: يهدف إلى احتواء القوة العسكرية الروسية وإضعافها عبر حرب بالوكالة. · المحور الاقتصادي-التقني: يسعى لعزل روسيا عن الشبكات الاقتصادية والتكنولوجية العالمية. · المحور السياسي-الإعلامي: يهدف إلى تشويه شرعية المشروع الروسي وتهميشه دبلوماسياً.
تتجلى مفارقة الرد الغربي في أنه بينما يعلن دفاعه عن "النظام الدولي القائم على القواعد"، فإنه يتبنى في الواقع إجراءات استثنائية تخرق العديد من تلك القواعد (مصادرة الأصول، عزل دول كاملة من النظام المالي)، مما يكشف عن أولوية الحفاظ على الهيمنة فوق التمسك بالمبادئ.
3. الاستراتيجية الأطلسية التقليدية: الوحدة من خلال التصعيد
تمثل هذه الرؤية، المهيمنة في بروكسل وأجزاء كبيرة من واشنطن، محاولة للحفاظ على الغرب ككتلة جيوسياسية متماسكة عبر تعبئة خارجية ضد عدو مشترك.
3.1. منطق الحرب الطويلة بالوكالة تعتمد هذه الاستراتيجية على فرضيتين مركزييتين: أولاً، أن الوقت يعمل ضد روسيا بسبب تفوق الموارد الغربية على المدى الطويل؛ ثانياً، أن استنزاف القوة الروسية في أوكرانيا سيؤدي إما إلى تغيير النظام في موسكو أو يجبرها على قبول تسوية تكرس هزيمتها الاستراتيجية. الدعم العسكري والمالي اللامحدود لأوكرانيا (أكثر من 200 مليار دولار حتى أوائل 2024) ليس عملاً إنسانياً فحسب، بل هو استثمار استراتيجي في إضعاف منافس جيوسياسي بتكلفة بشرية يدفعها الأوكرانيون.
3.2. العقوبات كأداة للحرب الاقتصادية الشاملة تجاوزت العقوبات الغربية مفهوم "العقوبة المستهدفة" لتصبح محاولة لكسر العمود الفقري للاقتصاد الروسي. يشمل ذلك تجميد نحو 300 مليار دولار من الأصول الاحتياطية الروسية، وفرض حظر شبه كامل على تصدير التكنولوجيا المتقدمة، ومحاولة فرض سقف سعر للنفط الروسي. يُعد هذا المسار تجسيداً لنهج "العقاب الجماعي" الاقتصادي، الذي يهدف إلى خنق الإنتاجية الروسية وتقويض استقرارها الاجتماعي عبر إفقار السكان.
3.3. التعبئة الأيديولوجية وإعادة إحياء التحالف استُخدم التحدي الروسي كعامل تحفيز لإعادة إحياء الناتو، الذي عانى من أزمة هوية بعد انهيار الاتحاد السوفيتي. تم تحويل الصراع إلى معركة وجودية بين "العالم الحر" و"الاستبداد"، وهي سردية تهدف إلى إسكات النقاش الداخلي وتبرير التكاليف المتصاعدة. شهدت السنوات الأخيرة زيادة غير مسبوقة في الإنفاق الدفاعي لدول أوروبية كبرى مثل ألمانيا وبولندا، وتوسع الناتو بضم فنلندا والسويد، مما يعكس عسكرة الاستجابة الأوروبية.
4. الاستراتيجية البراغماتية: إدارة التراجع وإعادة ترتيب الأولويات
تنبع هذه الرؤية، الأكثر بروزاً في أوساط صناع السياسة الأمريكيين ذوي التوجه الجيوسياسي، من تقييم واقعي لتراجع القدرات النسبية للغرب وتعدد التحديات التي يواجهها.
4.1. الغموض الاستراتيجي كتكتيك مقصود يتجلى هذا الموقف في الخطاب المتقلب لبعض التيارات السياسية الغربية، خاصة في الولايات المتحدة، حيث تدعو أصوات مؤثرة إلى تقييد الدعم لأوكرانيا أو ربطه بإجراءات إصلاح. هذا "الغموض" ليس نقصاً في الوضوح، بل هو تكتيك يستخدم للضغط على الحلفاء الأوروبيين لتحمل نصيب أكبر من العبء، ولإرسال إشارات إلى موسكو بإمكانية التفاوض، مع الحفاظ على حرية المناورة الاستراتيجية.
4.2. الأولوية الآسيوية: الصين كالتحدي الوجودي تنظر هذه الرؤية إلى موارد القوة الغربية (الصناعية، المالية، الدبلوماسية) ككمية محدودة. في هذا السياق، يعد الصراع في أوروبا مشتتاً خطيراً للانتباه والموارد عن المسرح الجيوسياسي الحاسم في القرن الحادي والعشرين: المواجهة مع الصين. تشير التقديرات إلى أن نسبة الإنفاق العسكري الأمريكي الموجه لأوروبا ارتفعت من حوالي 15% قبل 2022 إلى أكثر من 30% بعدها، على حساب التركيز على المحيط الهادئ. ينظر أصحاب هذا التيار إلى إضعاف روسيا كهدف ثانوي مقارنة باحتواء صعود الصين التكنولوجي والاقتصادي.
4.3. حدود العقوبات وفشل العزلة الدولية تبدو القراءة البراغماتية أكثر تشاؤماً بشأن فعالية الأدوات الاقتصادية. تلاحظ أن العقوبات فشلت في تحقيق أهدافها الكبرى (تغيير السلوك الروسي، انهيار الاقتصاد) بينما تسببت في تكاليف جانبية كبيرة: تسريع نزع الدولرة العالمي، دفع روسيا إلى أحضان الصين، وإلحاق ضرر بالاقتصادات الأوروبية عبر ارتفاع أسعار الطاقة والتضخم. بدلاً من عزل روسيا، ساهمت هذه السياسات في تسريع ولادة نظام مالي وتجاري موازٍ تزداد شرعيته يوماً بعد يوم.
5. التناقضات الأوروبية: بين التبعية الاستراتيجية والمصالح الوطنية
تقع الدول الأوروبية الكبرى، وخاصة ألمانيا وفرنسا، في قلب هذه التناقضات، عالقة بين ولائها الأطلسي ومصالحها الاقتصادية والجيوسياسية المباشرة.
5.1. المأزق الألماني: من الاعتماد الاقتصادي إلى القيادة العسكرية المترددة شكلت ألمانيا نموذجاً صارخاً للتناقض بين المنطق الاقتصادي والضرورات الجيوسياسية. قام نموذجها الاقتصادي لعقود على الاعتماد المربح على الطاقة الروسية الرخيصة والسوق الروسية الاستهلاكية. فجأة، اضطرت إلى قلب هذا النموذج رأساً على عقب، مما تسبب بصدمة للصناعة الألمانية المرتكزة على التصدير. أدى إغلاق خط أنابيب نورد ستريم 2، وقطع إمدادات الغاز الروسي، إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج بنسبة هائلة، مما دفع قطاعات صناعية كاملة إلى حافة الهاوية أو إلى نقل الإنتاج خارج أوروبا. يتصارع القرار الألماني بين الضغوط الأطلسية للتصعيد، والمخاوف الداخلية من دمار القاعدة الصناعية، والقلق التاريخي من عسكرة السياسة في أوروبا الوسطى.
5.2. الطموح الفرنسي المحدود: البحث عن سيادة أوروبية مستحيلة تبدو فرنسا أقل اعتماداً اقتصادياً على روسيا، لكنها تواجه معضلة استراتيجية مختلفة. طالما دافعت عن فكرة "الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي" كوسيلة لاستعادة نفوذها العالمي وتوازن الهيمنة الأمريكية. لكن الحرب كشفت هشاشة هذا المشروع: ففي لحظة الأزمة، عادت أوروبا بسرعة إلى المظلة الأمريكية، مما أكد تبعيتها العسكرية والأمنية. تحاول فرنسا التمسك بخط تميز دبلوماسي (الإصرار على بقاء قنوات اتصال مع موسكو، التلميح لإمكانية ضمانات أمنية مستقبلية)، لكن هذا الخط يبدو منعزلاً وسط التيار السائد المؤيد للتصعيد، مما يكشف عن الفجوة بين الطموح الفرنسي والقدرة الأوروبية الفعلية على الفعل المستقل.
5.3. التصدع بين الشرق والغرب داخل الاتحاد الأوروبي لا ينقسم الاتحاد الأوروبي على محور ألمانيا-فرنسا فقط، بل أيضاً على محور شرقي-غربي. تطالب دول أوروبا الشرقية (بولندا، دول البلطيق) بموقف صلب غير متزعزع تجاه روسيا، مستندة إلى تجربتها التاريخية وقلقها الجغرافي المباشر. في المقابل، تظهر دول أوروبية جنوبية (إيطاليا، المجر، بلغاريا) قدراً أكبر من التردد بسبب اعتمادها على الطاقة أو مصالحها الاقتصادية أو توجهات حكوماتها. تهدد هذه الانقسامات بتمزيق الوحدة الأوروبية التي تتطلبها استراتيجية المواجهة الطويلة.
6. البريطانية ما بعد الخروج: البحث عن دور في عالم جديد
يجسد الموقف البريطاني حالة خاصة، حيث يسعى بلد خرج من الاتحاد الأوروبي إلى إعادة تعريف دوره العالمي عبر التصعيد في مواجهة روسيا.
6.1. اللعب دور حامل المظلة الأطلسية المتشدد تتبنى لندن دور "المتشدد الأخلاقي" والمبادر العسكري في دعم أوكرانيا، متجاوزة في بعض الأحيان حتى الموقف الأمريكي حدة. هذا ليس نابعاً من تهديد جغرافي مباشر (مقارنة بدول البلطيق)، بل هو استراتيجية هوية: فبعد خسارة دورها كمركز للاتحاد الأوروبي، تسعى بريطانيا لإثبات أهميتها كقوة عسكرية ودبلوماسية لا غنى عنها للغرب، وكحليف لا يتزعزع لواشنطن. الدعم البريطاني المبكر والمتقدم للأسلحة (مثل الدبابات والصواريخ بعيدة المدى) يمثل استثماراً في هذه المكانة السياسية.
6.2. التكاليف الاقتصادية والاجتماعية لقرار جيوسياسي يدفع المجتمع البريطاني ثمناً اقتصادياً باهظاً لهذا الموقف. تفاقمت أزمته المعيشية (التضخم، أزمة تكاليف الطاقة) بسبب قطع العلاقات الاقتصادية مع روسيا، بينما لم تكن بريطانيا معتمدة على الغاز الروسي بنفس درجة ألمانيا. يطرح هذا السؤال: إلى أي مدى يمكن للحكومات الغربية الاستمرار في تحميل شعوبها تكاليف حروب جيوسياسية بعيدة، خاصة في ظل تراجع الدخل الحقيقي وتدهور الخدمات العامة؟ بدأت تظهر في بريطانيا، كما في دول أوروبية أخرى، احتجاجات تطالب بتفضيل "السلام على المبدأ" وإعادة توجيه الموارد للاحتياجات المحلية.
7. وجهات النظر الداخلية: الصراع تحت سطح الوحدة الظاهرية
يخفي الإجماع السياسي الظاهري في العواصم الغربية نقاشاً حاداً وصراعاً بين تيارات متعددة.
7.1. التيار الأمني-العسكري يضم هذا التيار خبراء استراتيجيين وقادة عسكريين سابقين وصقوراً داخل أجهزة الدولة. يرون العالم كساحة صراع قوى حيث يجب الحفاظ على الهيمنة الغربية بأي ثمن. يجادلون بأن السماح لروسيا "بالفوز" في أوكرانيا سيشجع الصين على التحرك تجاه تايوان، وسيدمر مصداقية الردع الغربي. حلهم هو مضاعفة الدعم العسكري، حتى لو استلزم ذلك تجاوز "الخطوط الحمراء" السابقة بتسليم أسلحة أكثر فتكاً وبعيدة المدى.
7.2. التيار البراغماتي-الواقعي يتكون هذا التيار من دبلوماسيين مخضرمين، وخبراء اقتصاد، وبعض السياسيين المحافظين والليبراليين المتشككين. يشككون في إمكانية تحقيق "نصر" حقيقي في أوكرانيا بمعنى هزيمة روسيا عسكرياً. ويحذرون من مخاطر التصعيد غير المحسوب الذي قد يؤدي إلى مواجهة مباشرة بين الناتو وروسيا. يدعون إلى دبلوماسية نشطة للبحث عن مخرج تفاوضي، حتى لو كان ذلك يعني تنازلات إقليمية من الجانب الأوكراني. يرون أن استمرار الحرب يصب بشكل أساسي في مصلحة الصين، التي تراقب استنزاف منافسيها الرئيسيين.
7.3. التيار التقدمي-الإنساني يمثله نشطاء سلام، وأكاديميون، وأحزاب يسارية في أوروبا. ينتقدون الحرب من منظور أخلاقي، معارضين تحويل أوكرانيا إلى "ساحة ذبح" لإضعاف روسيا. يركزون على التكلفة الإنسانية الهائلة، وحقيقة أن الطبقات العاملة في أوروبا تدفع ثمن العقوبات عبر أزمات المعيشة، بينما تزيد الشركات الدفاعية الأمريكية والأوروبية أرباحها بشكل كبير. يطالبون بوقف فوري لإطلاق النار ومفاوضات سلام، ويرون في التصعيد استمراراً لمنطق الإمبريالية والحرب الباردة الذي يجب تجاوزه.
7.4. الشعبوية القومية تستغل أحزاب اليمين والشعبوية في أوروبا وأمريكا الاستياء الشعبي من التكاليف الاقتصادية للحرب. تقدم سردية تنتقد النخب الحاكمة لأنها تهدر الأموال على أوكرانيا بينما تهمش المشاكل الداخلية (الهجرة، التضخم، انهيار الخدمات). يدعون إلى قطع المساعدات وإعادة التركيز على "مصالحنا الوطنية أولاً". يجد هذا الخط صدى متزايداً لدى الناخبين المرهقين، مما يهدد الاستقرار السياسي للحكومات المؤيدة لاستمرار الدعم.
8. الأبعاد الاقتصادية العالمية: الآثار الجانبية غير المقصودة
تتجاوز تداعيات الاستراتيجية الغربية المسرح الأوروبي، مسرعة تحولات عميقة في النظام الاقتصادي العالمي.
8.1. تسارع نزع الدولرة وتحدي الهيمنة المالية كان استخدام الدولار كسلاح ("تسلح العملة") هو الصدمة التي أيقظت العالم. الدول التي لم تكن مستهدفة مباشرة (مثل السعودية، الإمارات، الهند، البرازيل) بدأت تتساءل: لو استخدمت الولايات المتحدة هذا السلاح ضد روسيا اليوم، فماذا يمنع استخدامه ضدنا غداً إذا تعارضت سياساتنا مع مصالحها؟ أدى هذا إلى تسريع غير مسبوق لاتفاقات التجارة بالعملات المحلية، وزيادة الاحتياطيات من الذهب، والاستثمار في أنظمة دفع بديلة. عملية نزع الدولرة، التي كانت ستستغرق عقوداً في الظروف العادية، تم ضغطها في سنوات قليلة.
8.2. إعادة رسم خرائط سلاسل التوريد والتحالفات الاقتصادية أجبرت العقوبات والحرب الشركات والحكومات على إعادة النظر في مفهوم "الكفاءة" في العولمة. لم يعد الاعتماد على مورد واحد (مثل الغاز الروسي) أو ممر تجاري واحد يُنظر إليه على أنه كفاءة، بل كضعف استراتيجي. نتج عن ذلك اتجاهان متوازيان: "إعادة التوطين" لبعض الصناعات الاستراتيجية إلى الداخل أو إلى دول حليفة ("صداقة التصنيع")، وتنويع الموردين بشكل أكبر. ولكن هذا التنويع غالباً ما يعني التحول من الاعتماد على روسيا إلى الاعتماد على دول أخرى قد لا تشارك القيم الغربية، مثل الاعتماد على الغاز الجزائري أو القطري، أو المعادن من الكونغو.
8.3. أزمة شرعية المؤسسات الدولية تسببت الحرب في شلل أو انقسام المؤسسات الدولية التي كانت ترمز إلى النظام العالمي الليبرالي. انقسم مجلس الأمن إلى معسكرين متحاربين خطابياً. تعمل منظمات مثل منظمة التجارة العالمية أو محكمة الجنايات الدولية تحت وطأة اتهامات بـ"الازدواجية المعيارية"، حيث يرى كثيرون في الجنوب العالمي أن الغرب يطبق القواعد بشكل انتقائي لخدمة مصالحه. هذا يضعف بشكل كبير قدرة هذه المؤسسات على العمل كأطراف محايدة لحل النزاعات في المستقبل.
9. استشراف المستقبل: سيناريوهات التطور
توجد عدة مسارات محتملة لتطور الاستراتيجية الغربية بناءً على تفاعل العوامل الداخلية والخارجية.
السيناريو الأول: التصعيد والتقسيم تستمر ديناميكية التصعيد الحالية، مع توسيع نطاق الأسلحة المرسلة إلى أوكرانيا وربما إدخال عناصر من قوات الناتو بشكل غير رسمي. يؤدي هذا إلى مزيد من تدمير أوكرانيا، وزيادة خطر المواجهة المباشرة. داخلياً، تؤدي التكاليف الاقتصادية المتصاعدة إلى احتجاجات واسعة ووصول أحزاب شعبوية إلى السلطة في بعض الدول الأوروبية، مما قد يؤدي إلى انهيار الوحدة الأطلسية وانقسام أوروبا بين معسكر متشدد وآخر يطالب بالتفاوض.
السيناريو الثاني: الإرهاق والتسوية الخافتة يصل الطرفان إلى حالة من الإرهاق المتبادل دون تحقيق نصر حاسم. تتباطأ العمليات العسكرية، وتتحول إلى حرب استنزاف خاملة. تحت وطأة الضغوط الاقتصادية والشعبية، تبدأ الحكومات الغربية بخفض الدعم تدريجياً وتدفع كييف نحو مفاوضات تقبل واقعاً جديداً على الأرض. يكون السلام الناتج هشاً، مع تجميد الصراع بدلاً من حله، مما يخلق بؤرة توتر دائمة في قلب أوروبا.
السيناريو الثالث: التحول الاستراتيجي وإعادة التركيز تنتصر وجهة النظر البراغماتية في النقاش الداخلي الأمريكي. تقرر واشنطن أن تكلفة إضعاف روسيا أصبحت أعلى من المنفعة، خاصة مع تصاعد التحدي الصيني. تتحول إلى سياسة "احتواء مزدوج" تحاول إدارة التوتر مع روسيا في أوروبا مع التركيز على المحيط الهادئ. تدفع الولايات المتحدة باتجاه تسوية سريعة في أوكرانيا، حتى لو كانت غير مرضية للحلفاء الأوروبيين، لإطلاق يدها في المسرح الآسيوي. يؤدي هذا إلى أزمة ثقة عميقة داخل الناتو، ويدفع أوروبا، رغماً عنها، إلى التسارع نحو بناء قدرات دفاعية ذاتية أكبر.
10. الخلاصة: معضلة المركز في عصر السيادة
تكشف الاستجابة الغربية للأزمة الروسية عن معضلة عميقة في قلب نظام الهيمنة القائم: فن أدوات القوة التقليدية (العسكرية، الاقتصادية، الدبلوماسية) تفقد قدرتها على فرض النتائج المرجوة عندما تواجهها دولة كبرى مصممة على الدفاع عن سيادتها ومستعدة لتحمل التكاليف.
لقد أظهرت الحرب أن:
· العقوبات الاقتصادية الشاملة، رغم إلحاقها الألم، يمكن تحملها وقد تدفع الهدف نحو مزيد من الاعتماد على الذات والبحث عن شركاء جدد. · الحرب بالوكالة، رغم تدميرها للبلد الوكيل، لا تحسم الصراع مع القوة العظمى الداعمة بسرعة. · الوحدة الغربية أكثر هشاشة مما تبدو عليه، وتخفي تناقضات مصلحية حقيقية قد تتفجر تحت ضغط الأزمات الطويلة.
الدرس الأكبر للغرب قد يكون ضرورة التخلي عن وهم "النصر الحاسم" في مواجهات مع قوى كبرى، والتكيف مع عالم متعدد الأقطاب لا يمكن فيه فرض الإرادة بالقوة الخالصة، بل يجب إدارة التعايش التنافسي عبر دبلوماسية مرنة وتقاسم واقعي للنفوذ. لكن هذا الدرس يصطدم ببنية نفسية وسياسية عميقة في المجتمعات الغربية اعتادت على التفوق وترى التراجع عن الهيمنة كخسارة مطلقة. الصراع الحقيقي قد لا يكون مع روسيا في السهول الأوكرانية، بل داخل الغرب نفسه، بين من يرى ضرورة التكيف مع عالم جديد، ومن يصر على استعادة عالم قديم يغادر مسرح التاريخ.
الخاتمة والسيناريوهات المستقبلية: نظام عالمي في المخاض بين فوضى النظام وصراع السيادات
من حادثة إلى بنية - حرب السيادة كمحفز للتحول العالمي
لقد حاول هذا التقرير تفكيك الصراع الجاري ليس كحادثة معزولة، بل باعتباره تعبيراً دراماتيكياً عن أزمة بنيوية في النظام العالمي الحالي. ما بدأ كمواجهة إقليمية في أوكرانيا تحول إلى اختبار شامل لقدرة المراكز التقليدية للهيمنة (الغرب بقيادة الولايات المتحدة) على فرض إرادتها على قوة "شبه طرفية" كبيرة (روسيا) قررت تحدي منطق التبعية والهيمنة. لقد اتضح أن أدوات الهيمنة التقليدية—العقوبات الاقتصادية الشاملة، والحرب بالوكالة، والعزل الدبلوماسي، والحرب الإعلامية—لها حدود. هذه الحدود لا تكشف فقط عن مرونة الخصم، بل عن تراجع القدرة النسبية للمركز نفسه في عالم يتجه نحو تعددية قطبية اضطرابية.
تشير الدلائل المتجمعة إلى أننا نشهد نهاية حقبة تاريخية: حقبة الهيمنة الغربية الأحادية القطبية المطلقة التي تلت الحرب الباردة. هذه الهيمنة، رغم ادعاءاتها العالمية، ظلت في جوهرها نظاماً لاستخلاص الفائض الاقتصادي والسيطرة السياسية، تقوده نخبة مالية وتكنولوجية وعسكرية مركزة في الغرب. مقاومة روسيا لهذا النظام ليست دفاعاً عن أيديولوجية منافسة بقدر ما هي ثورة ضد منطق التبعية، ومطالبة بحق السيادة الكاملة في تحديد المسار السياسي والاقتصادي والأمني دون الخضوع لشروط مفروضة من الخارج.
السؤال المحوري الآن ليس "من سيفوز في أوكرانيا؟" بل "ما شكل النظام العالمي الذي سينبثق من رماد هذه المواجهة، وكيف ستتوزع القوى داخله؟" المستقبل ليس محدداً سلفاً، بل هو ساحة صراع بين مشاريع ورؤى متعددة. في الصفحات التالية، نستعرض السيناريوهات المحتملة لهذا المستقبل، مع الأخذ في الاعتبار أن الواقع قد يجمع عناصر من عدة سيناريوهات في وقت واحد.
الجزء الأول: سيناريوهات تطور الأزمة الأوكرانية (المدى المتوسط: 2-5 سنوات)
السيناريو الأول: التجميد والتوتر الدائم (السيناريو الأكثر ترجيحاً)
ينتهي القتال النشط إلى طريق مسدود عسكرياً، مع بقاء خطوط تماس مستقرة نسبياً لفترة طويلة. لا توجد هدنة رسمية ولا معاهدة سلام شاملة، بل حالة من "السلام البارد" غير المستقر، تشبه إلى حد كبير حالة كوريا منذ 1953 أو قبرص منذ 1974.
محركات هذا السيناريو:
· التوازن العسكري الميداني: وصول كلا الجانبين إلى نقطة يستطيع فيها الدفاع بكفاءة، لكن لا يستطيع فيها الهجوم بشكل حاسم دون تكاليف باهظة وغير مقبولة. · الإرهاق السياسي في الغرب: تصاعد المعارضة الداخلية لاستمرار التمويل غير المحدود، ووصول قوى سياسية إلى السلطة في بعض الدول الغربية تفضل "تجميد" الصراع بدلاً من حله بتكلفة أعلى. · عدم الرغبة الروسية في التصعيد الكلي: رغبة موسكو في ترسيخ مكاسبها الأرضية و"تهويد" المناطق المحتلة دون المخاطرة بتصعيد يهدد النظام نفسه.
مظاهر هذا السيناريو:
· تحول خط المواجهة إلى حدود "دي فاكتو" محصنة بشدة، مع مناوشات دورية وضربات بالمدفعية والصواريخ. · استمرار العقوبات الغربية بمستوى مرتفع، لكن مع ظهور ثغرات متزايدة (تجاوزات عبر دول ثالثة). · بقاء أوكرانيا دولة منقسمة، مع جزء غربي يتلقى دعماً غربياً ويظل طموحاً للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي والناتو (رغم استحالة ذلك عملياً أثناء وجود صراع مجمد)، وجزء شرقي تحت السيطرة الروسية المباشرة أو غير المباشرة. · استمرار الحرب القانونية والمعلوماتية والدبلوماسية بكامل قوتها، رغم توقف القتال واسع النطاق.
تداعيات هذا السيناريو على النظام العالمي:
· خلق بؤرة توتر دائمة في قلب أوروبا، تعوق أي أمل في بناء نظام أمني أوروبي شامل. · استمرار التقسيم الحاد في المؤسسات الدولية (الأمم المتحدة، مجلس الأمن، محكمة الجنايات الدولية). · ترسيخ منطق "القوة تخلق الحقائق على الأرض" كسابقة خطيرة في العلاقات الدولية في القرن الحادي والعشرين.
السيناريو الثاني: الانهيار الداخلي والتسوية القسرية
تصل التكاليف البشرية والاقتصادية والسياسية للصراع إلى نقطة لا يطيقها أحد الأطراف الرئيسية، مما يؤدي إلى تغيير جذري في الموقف يفتح الباب لتسوية.
الفرع (أ): الانهيار الأوكراني/الغربي يصل الاستنزاف الأوكراني إلى حد الانهيار العسكري أو الاجتماعي، أو تنتصر القوى السياسية في الغرب (خاصة في الولايات المتحدة بعد انتخابات 2024) التي ترفض الاستمرار في التمويل. تضطر أوكرانيا، تحت ضغط غربي متزايد، للدخول في مفاوضات من موقع ضعف، تقبل فيها شروطاً قاسية (حياد دائم، تنازل عن أراض، حدود على التسليح).
الفرع (ب): الانهيار الروسي يحدث تحول داخلي جذري في روسيا (بسبب هزيمة عسكرية غير متوقعة، أو اضطرابات سياسية واقتصادية طاحنة) يجبر النظام الحاكم أو نظاماً خلفاً على سحب قواته من معظم الأراضي الأوكرانية ودفع تعويضات، في مقابل رفع جزئي للعقوبات. هذا السيناريو يعتبره معظم المحللين الأقل احتمالاً في المدى المتوسط، بسبب تماسك النظام الروسي وقدرته على القمع والتحكم.
تداعيات هذا السيناريو على النظام العالمي:
· في حال (أ): سيشكل انتصاراً تكتيكياً روسياً وسيُفسر على أنه فشل ذريع للغرب في حرب بالوكالة. سيدفع هذا حلفاء الولايات المتحدة في آسيا (تايوان، اليابان، الفلبين) إلى التشكيك في "الضمانات الأمنية" الأمريكية، مما قد يسرع من تحولهم نحو سياسات دفاعية ذاتية أو البحث عن تفاهم مع الصين. سترتفع أسهم روسيا كقوة منيعة، وسيزيد نفوذها في منطقتها. · في حال (ب): سيشكل صدمة للنظام العالمي بطرق معقدة. قد يدفع "انتصار" الغرب إلى نشوة خطيرة تعزز سياسات المواجهة مع الصين، معتقدين أن نفس الأدوات ستنجح. لكنه قد يفتح أيضاً باباً لفترة من عدم الاستقرار الشديد في روسيا، مع عواقب لا يمكن التنبؤ بها على ترسانتها النووية وهيكل السلطة في أوراسيا.
السيناريو الثالث: التصعيد والتوسع الإقليمي
يفشل الاحتواء، ويتوسع الصراع جغرافياً، إما عمداً أو عن طريق الحادث.
محركات هذا السيناريو:
· استهداف روسيا لمراكز إمداد أو قيادة في دول الناتو (بولندا، رومانيا) بدعوى أنها "قواعد لحرب بالوكالة". · تدخل مباشر محدود لدول الناتو (على سبيل المثال، لإنشاء منطقة حظر طيران). · توسيع الصراع إلى مناطق أخرى كالبلقان (بوسنة، كوسوفو) أو القوقاز (أذربيجان، أرمينيا) أو ترانسنيستريا في مولدوفا.
تداعيات هذا السيناريو على النظام العالمي:
· هذا هو السيناريو الكارثي، الذي قد يؤدي إلى مواجهة عسكرية مباشرة بين الناتو وروسيا، مع مخاطر التصعيد النووي. · سيكون نهاية النظام العالمي القائم كما نعرفه، وبداية حقبة جديدة من الفوضى العالمية والعسكرة الشاملة. · حتى دون وصوله إلى النووي، سيدمر هذا السيناريو الاقتصاد العالمي، ويقضي على بقايا التعاون الدولي، ويعيد أوروبا إلى حقبة الخنادق والحدود المغلقة.
الجزء الثاني: سيناريوهات تحول النظام العالمي (المدى الطويل: 5-15 سنة)
السيناريو الأول: عالم القطبين الجديد (الولايات المتحدة ضد الصين) مع فوضى في الوسط
يُدفع بالصراع الروسي-الأطلسي إلى الخلفية، لتحتل الصدارة المواجهة الاستراتيجية بين الولايات المتحدة والصين. تصبح هذه هي "المحور المركزي" للجيوسياسة العالمية، حيث تعيد الولايات المتحدة ترتيب تحالفاتها ومواردها لمواجهة التحدي الصيني، وتصبح روسيا لاعباً ثانوياً أو حليفاً تابعاً لأحد القطبين.
ملامح هذا العالم:
· القطب الغربي (بقيادة الولايات المتحدة): يحاول الحفاظ على هيمنته عبر تحالف يضم أوروبا الموحدة (رغم انقساماتها)، اليابان، كوريا الجنوبية، أستراليا، وكندا. يركز على احتواء الصين في المحيط الهادئ. · القطب الشرقي (بقيادة الصين): يبني شبكة من العلاقات الاقتصادية والأمنية عبر مشروع الحزام والطريق، مع تحالف استراتيجي أوثق مع روسيا (كمورد للطاقة والسلاح وكتلة جيوسياسية موازنة)، وإيران، وربما بعض دول جنوب شرق آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية. · منطقة الفوضى والتنافس (الوسط): تصبح معظم دول الجنوب العالمي (أفريقيا، الشرق الأوسط، أمريكا اللاتينية، أجزاء من آسيا) ساحات للتنافس بين القطبين. ستواجه هذه الدول ضغوطاً مستمرة لاختيار جانب، مع وعود بالاستثمارات والمساعدات من جهة، وتهديدات بالعقوبات من الجهة الأخرى. ستكون السيادة الوطنية لهذه الدول محدودة بشدة، وستشهد حروباً بالوكالة وتدخلاً متزايداً.
التداعيات:
· انقسام اقتصادي وتكنولوجي (نظامان للإنترنت، معايير تقنية متنافسة، عملات احتياطية منفصلة). · سباق تسلح هائل، خاصة في المجالات الجديدة (الفضاء، السيبرانية، الأسلحة ذاتية التحكم، النووية التكتيكية). · تراجع كارثي في التعامل مع التحديات العالمية المشتركة (التغير المناخي، الأوبئة، تنظيم الذكاء الاصطناعي) بسبب انعدام الثقة والتعاون.
السيناريو الثاني: الفوضى المتعددة الأقطاب (عالم بدون قيادة)
يفشل أي قطب في فرض هيمنته، ولا تظهر قيادة جماعية فعالة. تصبح القوة موزعة بين عدة فاعلين كبار (الولايات المتحدة، الصين، روسيا، الهند، الاتحاد الأوروبي ككيان سياسي ضعيف، ربما تحالفات إقليمية كبرى)، لا يستطيع أي منهم فرض إرادته، ولا يرغبون في التعاون بشكل وثيق.
ملامح هذا العالم:
· سيادة منطق "القانون من الأقوى" على المستوى الإقليمي. كل قوة كبرى تسيطر على "مجالها الحيوي" وتتصارع مع الآخرين في المناطق الحدودية بين هذه المجالات. · انتشار الأسلحة النووية: قد تدفع الدول المتوسطة (كوريا الجنوبية، اليابان، السعودية، إيران، ربما ألمانيا) لتطوير ترسانات نووية ذاتية للردع، بعد أن تفقد الثقة في "المظلة النووية" لأحد الأقطاب. · صعود الإقليمية: تكتلات إقليمية تصبح الملاذ الأساسي للأمن والاستقرار الاقتصادي (الاتحاد الأفريقي، آسيان، تحالفات في أمريكا اللاتينية)، تحاول أن تلعب دور الوسيط بين القوى الكبرى. · انهيار العديد من المؤسسات الدولية العالمية، وتحولها إلى منتديات للمشاحنات بدون قدرة على الفعل.
التداعيات:
· ارتفاع وتيرة الصراعات الإقليمية المحدودة، مع خطر تحولها بسهولة إلى صراعات أوسع. · عدم استقرار اقتصادي مزمن بسبب غياب النظام المالي والنقدي الموحد والمستقر. · عودة مفهوم "التحالفات المرنة والمتغيرة" حسب القضية، مما يجعل الدبلوماسية معقدة وغير قابلة للتنبؤ.
السيناريو الثالث: صعود الجنوب العالمي والنظام التعددي (السيناريو المتفائل نسبياً)
تنجح مجموعة من القوى الصاعدة، بقيادة الصين والهند والبرازيل وجنوب أفريقيا ودول الخليج، في كسر ثنائية القطبية، وتفرض نظاماً تعديدياً حقيقياً تكون فيه مراكز القوة متعددة ومتباينة المصالح.
ملامح هذا العالم:
· تشكيل مؤسسات جديدة (مثل مجموعة البريكس الموسعة) تتنافس مع مؤسسات بريتون وودز التقليدية (صندوق النقد الدولي، البنك الدولي) وتوفر بدائل للتمويل والتنمية. · تعدد العملات الاحتياطية: يتراجع الدولار لصالح سلة من العملات (اليوان، الروبل، الروبية، الريال، اليورو) واستخدام حقوق السحب الخاصة في صندوق النقد الدولي. · تقدم اقتصادي نسبي للعديد من دول الجنوب، التي تستفيد من التنافس بين القوى الكبرى للحصول على شروط أفضل في الاستثمار والتجارة. · دبلوماسية أكثر فعالية للمجموعات الإقليمية، التي ترفض الانحياز وتطالب بأجندتها الخاصة (التنمية، نقل التكنولوجيا، معالجة الديون).
محفزات هذا السيناريو:
· نجاح الصين في تجاوز العقوبات الغربية والحفاظ على نموها، مما يثبت إمكانية طريق تنموي بديل. · فشل الغرب في تجديد قوته الجاذبة (اقتصادياً، ديمقراطياً، ثقافياً) واستمرار أزماته الداخلية. · نجاح دول الجنوب في توحيد صفوفها وتقديم نموذج تعاون جنوب-جنوب فعال.
التداعيات:
· عالم أكثر تعقيداً وأقل تراتبية، يصعب فيه تحقيق إجماع عالمي، ولكنه أيضاً أكثر إنصافاً في تمثيل مصالح الشعوب المختلفة. · تحول في أولويات الحوكمة العالمية من القضايا الأمنية والأيديولوجية الغربية إلى قضايا التنمية والعدالة المناخية والحد من الفوارق.
الجزء الثالث: الرهانات الكبرى والمخاطر الوجودية
بغض النظر عن السيناريو الذي يسود، ستواجه البشرية عدداً من الرهانات الكبرى المشتركة:
1. رهان السيادة الوطنية مقابل الحوكمة العالمية
كشفت الأزمة عن التناقض الحاد بين تطلعات الدول القوية للسيادة المطلقة والحاجة الملحة لحوكمة عالمية للتحديات المشتركة (المناخ، الأوبئة، الأمن السيبراني، الذكاء الاصطناعي). النظام العالمي القادم سيكون نتيجة الصراع بين هذين المبدأين. هل يمكن ابتكار أشكال جديدة من السيادة "المشتركة" أو "المتداخلة"؟ أم أننا مقبلون على عصر تنتصر فيه الأنانية القومية، مما يجعل العالم بأكمله أكثر عرضة للكوارث التي لا تعرف حدوداً؟
2. رهان التقدم التكنولوجي والتفاوت العالمي
تتركز الثورة التكنولوجية القادمة (الذكاء الاصطناعي، التكنولوجيا الحيوية، الطاقة النووية المتقدمة) في مراكز قليلة. قد يخلق هذا فجوة تكنولوجية-مدنية غير مسبوقة بين الأمم. الدول التي تمتلك هذه التكنولوجيا قد تصل إلى مستوى من الثراء والقوة والقدرة على تشكيل البيئة البشرية يجعل الدول الفقيرة تكنولوجياً أشبه بـ"محميات بشرية" تابعة. هل ستستخدم التكنولوجيا كأداة للتحرر والتنمية للجميع، أم كأداة جديدة للهيمنة والاستغلال؟
3. رهان الموارد والصراع البيئي
التحول الأخضر والطاقة المتجددة يغيران الخريطة الجيوسياسية للموارد. تنتقل الأهمية من النفط والغاز إلى المعادن النادرة (الليثيوم، الكوبالت، النيكل) وأراضي إنتاج الغذاء ومصادر المياه العذبة. كثير من هذه المواقع موجود في دول ضعيفة غير مستقرة. هذا يخلق مخاطر جديدة لصراعات "الاستعمار الجديد" من أجل الموارد الخضراء. هل سيكون الانتقال البيئي فرصة لتعاون عالمي جديد، أم محفزاً لجولة جديدة من الصراع الإمبريالي؟
4. رهان الشرعية والانهيار الداخلي
أكبر تهديد للنخب الحاكمة في جميع الأنظمة—الديمقراطية منها والسلطوية—قد لا يأتي من الخارج، بل من الداخل. في الغرب، يتجلى في انهيار الثقة في المؤسسات، وارتفاع الشعبوية، وتفكك النسيج الاجتماعي. في الشرق، يتجلى في تحديات الشيخوخة السكانية، والفساد الهيكلي، وقمع المواهب والابتكار. قد يكون "السيناريو الأسود" الحقيقي هو انهيار متزامن أو متتابع للعديد من الدول الكبرى من الداخل تحت وطأة أزمات لا تستطيع أنظمتها السياسية والاقتصادية حلها، مما يؤدي إلى فوضى عالمية لا قائد لها.
نحو أخلاقيات سياسية جديدة لعالم ما بعد الهيمنة
ما نختبره اليوم هو مخاض ولادة نظام عالمي جديد. آلام هذا المخاض شديدة، كما يتجلى في الدمار الأوكراني، والمعاناة الاقتصادية للفقراء في كل مكان، وغياب الأفق. لكن هذه الأزمة تقدم أيضاً درساً تاريخياً محورياً: أن نموذج الهيمنة الأحادية، القائم على استخلاص الثروة وفرض التبعية بالقوة الاقتصادية والعسكرية، قد استنفد طاقته التاريخية.
مقاومة روسيا ليست إلا أول تعبير صارخ عن هذا الاستنفاد. تتبعها تحديات من قوى أخرى ترفض أن تكون مجرد "أطراف" في لعبة يتحكم بها "المركز". مستقبل السلام والاستقرار العالمي لا يكمن في محاولة إحياء هذا النموذج البائد تحت أي غطاء أيديولوجي ("الدفاع عن الديمقراطية"، "مواجهة الاستبداد")، بل في الاعتراف بحقائق جديدة:
1. حق التعددية: أن العالم يتكون من حضارات وشعوب وأنظمة سياسية متنوعة، لها الحق في الوجود والتطور وفق رؤاها الخاصة، دون أن يفرض عليها نموذج واحد. 2. حق السيادة الحقيقية: أن الاستقلال السياسي يجب أن يقترن بالسيادة الاقتصادية والتكنولوجية والثقافية. المساعدات والقروض المشروطة والاحتكار التكنولوجي هي أشكال معاصرة للهيمنة. 3. إلحاحية التعاون الوجودي: أن التحديات المشتركة التي تواجه البشرية (المناخ، الأوبئة، الذكاء الاصطناعي غير المسيطر عليه) أكبر من أي خلاف جيوسياسي. المواجهة بين الكبار هي رفاهية لا تستطيع البشرية تحمل تكلفتها.
المخرج الوحيد من دوامة الصراع الحالية هو الدبلوماسية الإبداعية والشجاعة القادرة على تصور ترتيبات أمنية واقتصادية جديدة تقبل بتعددية القوى وتعمل على إدارة التعايش التنافسي بدلاً من السعي للهيمنة. هذا يتطلب من الغرب التخلي عن وهم التفوق الحضاري المطلق، ويتطلب من القوى الصاعدة تحمل مسؤوليات القوة دون السقوط في فخ الإمبريالية الجديدة.
النظام العالمي القادم لن يكون نظاماً مثالياً. سيكون نظاماً أكثر تعقيداً، وأقل استقراراً، وأكثر تنافسية من النظام الأحادي القطبية السابق. لكن لديه إمكانية أن يكون أكثر إنصافاً وتعددية. السؤال هو: هل ستتعلم النخب الحاكمة في جميع أنحاء العالم، من واشنطن إلى بكين إلى موسكو إلى بروكسل، دروس أزمة أوكرانيا قبل فوات الأوان؟ أم أن البشرية مقبلة على حقبة جديدة من الحروب والاضطرابات قبل أن تدرك الحاجة الملحة إلى عقد اجتماعي عالمي جديد؟
الإجابة على هذا السؤال ستحدد مصير هذا القرن.
…….
قسم دراسات سمير امين في بيت الثقافة البلجيكي العربي ـ لييج ـ بلجيكا
#احمد_صالح_سلوم (هاشتاغ)
Ahmad_Saloum#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
تشريح لحظة الانهيار النظامي الأمريكي ..من غزة إلى فنزويلا
-
البلطجة الاستعمارية الحديثة: العودة الوحشية للقرصنة السياسية
-
اليمن: عُقَد الجبال المُتفجِّرة.. حين تتحوَّل التحالفات إلى
...
-
تقلّب موازين القوّة: الحروب الجديدة والأسلحة الكاسرة ومصير ا
...
-
من الكساد إلى الدمار: دورة لا تنتهي
-
سوريا -الجولاني-... الحلقة الأخيرة في مسرحية التقسيم وثمن ال
...
-
ترامب يعترف بالجولان وماسك بالاستبدال: مهرجان النفاق الاستعم
...
-
مقالات عن الذهب واحتمالات الشيوعية في الغرب و و...
-
لماذا تستمر بروكسل في حرب خاسرة؟
-
اليمن كقلب العالم الجديد - إعادة تشكيل الخريطة الجيوسياسية
-
رواية : الرحلة المقطوعة
-
في حضرة الضوء: الصين تعيد كتابة قوانين الحوسبة والقوة
-
رواية - من طيرة اللوز إلى الراين - أو - ظلال الكرمل -
-
نهاية الإمبراطورية الرقمية: كيف خسرت أمريكا سباق الرقائق أما
...
-
دراسة أدبية نقدية معمقة لرواية -دمية بعين واحدة- لأحمد صالح
...
-
حلب... عندما تَصْفَعُ المدافعُ وجهُ الماضي
-
في تشريحِ خُرَافَةِ مُعَادَاةِ السَّامِيَّةِ وَتَجْنيدِهَا س
...
-
بروكسل في الفجر: فاتورة الوهم على كاهل أوروبا( كتيب)
-
كبت الرمال: تناقضات التقوى في محميات الخليج
-
همسة رضيع في عاصفة الإبادة..قصة قصيرة عن الهولوكوست الأمريكي
...
المزيد.....
-
ترامب يدعو كوبا لـ-التوصل إلى اتفاق قبل فوات الأوان-.. وهافا
...
-
بنين تجري انتخابات تشريعية وبلدية بعد نحو شهر من إحباط محاول
...
-
وزير الإعلام السوداني للجزيرة نت: أكثر من 3 ملايين نازح عادو
...
-
ارتفاع حصيلة الشهداء بغزة وتحذير أممي من تقييد المساعدات
-
السويد تستثمر بأكثر من مليار يورو لتعزيز دفاعها الجوي
-
موقع أميركي: ما جرى في مينيابوليس يحدث بشكل متكرر في فلسطين
...
-
نقاشات في الناتو ووزراء أوروبيون ينددون بالأطماع الأميركية ف
...
-
ترامب: كوبا لن تحصل على نفط فنزويلا وعليها عقد اتفاق -قبل فو
...
-
-منطق المطوّر العقاري-.. تحليل يكشف دوافع ترامب الحقيقية ورا
...
-
حمد بن جاسم يعلق على احتمال -انضمام تركيا- للاتفاق الدفاعي ب
...
المزيد.....
-
صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة
/ محمد حسين النجفي
-
الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح
...
/ علي طبله
-
الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد
...
/ علي طبله
-
الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل
...
/ علي طبله
-
قراءة في تاريخ الاسلام المبكر
/ محمد جعفر ال عيسى
-
اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات،
...
/ رياض الشرايطي
-
رواية
/ رانية مرجية
-
ثوبها الأسود ـ قصص قصيرة جدا
/ حسين جداونه
-
تداخل الاجناس الأدبية في رواية قهوة سادة للكاتب السيد حافظ
/ غنية ولهي- - - سمية حملاوي
-
شيوعيون على مر الزمان ...الجزء الأول شيوعيون على مر الزمان
...
/ غيفارا معو
المزيد.....
|