|
|
-المعركة لم تنتهِ بعد-: تشريحٌ لجسد الحرب الدائمة.. بين وهَنِ الزعيم وعصبيّةِ الأيديولوجيا وجبروتِ الحليف
احمد صالح سلوم
شاعر و باحث في الشؤون الاقتصادية السياسية
(Ahmad Saloum)
الحوار المتمدن-العدد: 8590 - 2026 / 1 / 17 - 18:11
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
قراءة في أنساق البقاء الإسرائيلي: من قفص المحاكمة إلى فضاءات "ستارلينك"
كلمات تُشبه النبوءة
في قاعاتٍ مُغلقة، أمام ومضات الكاميرات، يطلُّ الرجل الذي صار سِمةً للزمن الإسرائيلي المُتطاول، ليُلقي بعبارته الأشبه بطلاسم العرّافين: "المعركة لم تنتهِ بعد". ليست مجرّد جملة عابرة، بل هي مفتاحٌ لقراءة جغرافيا صراعٍ لا يعرف السكون. هل هو خطابُ قائدٍ محاصرٍ بقضاياه الشخصيّة، أم هو الصوتُ الأجوف لآلةٍ عسكريّة-استعماريّة تعمل بلا وجدان؟ أم هو الاثنان معًا في حلفٍ غير مقدّس؟
هنا، حيث يمتزج الدمُ بالتاريخ، والحديدُ بالإيديولوجيا، والفضاءُ الإلكترونيُّ بالرمال الحارقة، تتحوّل العبارة إلى استراتيجية وجود. هذه المادة تحاول تشريح هذا الجسد المُعقَّد: جسدٌ رأسه قلقُ زعيم، وجذعُه عقيدة "الملعب المحروق"، وأطرافُه الممتدة تُمسك بها أيادٍ في واشنطن ووادي السليكون. إنها رحلة في دهاليز البقاء، حيث الخوفُ الشخصيُّ يلبس ثوبَ الأمن القوميّ، والحربُ الدائمة تصير شرطاً للحياة نفسها.
واهنُ العرش.. سيكولوجيا الزعيم المحاصر
"إنّ الهدوء نهايتي".. قد تكون هذه هي الترجمة السرّيّة لكلمات نتنياهو. فالرجل الذي حاكَمَ التاريخَ، يقف الآن على منصّةِ الاتهام بتهم الفساد. المحاكمةُ هنا ليست قانونيّةً فحسب، بل هي سياسيّةٌ وجوديّة. ففي سرديّة نتنياهو، يجب أن يتحوّل القفصُ الحديديُّ للمحكمة إلى خندقٍ وطنيٍّ تحت النار. الخطرُ الخارجيُّ يصبح المُخلّصَ من الخطر الداخليّ.
إنّ مشهدَ الاحتجاجات الإسرائيليّة الكبرى ضدّ "الإصلاح" القضائيّ، ذلك الزلزال المجتمعيّ الذي هزّ صورة "الديمقراطيّة المتماسكة"، قدّم لنتنياهو العدوَّ الداخليَّ المثاليّ. ولكن، كيف تُقاتل شعبك؟ الجواب: حوّلهم إلى جيشٍ واحدٍ ضدّ عدوٍّ خارجيٍّ أكثر رهبةً. الحربُ تصبح أداةَ تلاحُمٍ وطنيٍّ، والزعيمُ المحاصرُ يتحوّل إلى قائدِ حربٍ ضروريّ. كلّ صاروخٍ يُطلق من غزّة، وكلّ تهديدٍ من حزب الله، يُبعد شبحَ السجن خطوةً، ويقرّب الرئاسةَ خطوةً أخرى. إنها "هندسة الخوف" على مستوى وجوديّ: خوفُ الزعيم من الزوال يتحوّل إلى خوفِ الجميع من العدوّ.
لكن، هل تستقيمُ سياسةٌ بهذا الوهَن؟ هل يمكن لرجلٍ واحد أن يُحرّك آلةً بهذا الثقل؟ هنا، علينا الانتقال من سيكولوجيا الفرد إلى فلسفة الجماعة الحاكمة.
الأيديولوجيا والعقيدة.. الجماعةُ التي لا تريد السلام
اليمينُ الإسرائيليّ المتطرّف الذي يقف عليه نتنياهو ليس تيّاراً سياسيّاً عاديّاً؛ إنه مشروعٌ استعماريٌّ متجدّدٌ بوعيٍ دينيّ-قوميّ. إنّهم - من سموتريتش إلى بن غفير - لا يرون في الضفّة الغربيّة أرضاً محتلّة، بل "يهودا والسامرة" الموعودة. والقدسُ ليست قضيّة تفاوض، بل عاصمةٌ أبديّة. والعربُ ليسوا شركاءَ سلام، بل عقبةٌ ديموغرافيّةٌ يجب "إدارتها". هذه الأيديولوجيا تُعيد تعريف السلام نفسه: السلامُ هو الهيمنة الكاملة، وليس التعايش.
وعلى هذا السرير الأيديولوجيِّ تمددت عقيدة "الملعب المحروق". إنها ليست مجرّد تكتيك عسكريّ، بل هي رؤيةٌ وجوديّة للعالم: العالمُ عدوانيٌّ بطبعه، والقوّةُ وحدها هي اللغة المُفهمة، والرادعُ يجب أن يكون مُدمّراً لدرجة أن يفقد العدوُّ حتّى حلمَ المقاومة. الحربُ الدائمةُ هنا ليست اختياراً، بل هي شرطٌ بيولوجيٌّ للكيان، تماماً كتنفّس الهواء. الهدوءُ يُعتبر تراجعاً خطيراً، لأنّه يمنح "الآخر" فسحةً للتفكير، للنموّ، للتحدّي.
وهكذا، يلتقي وهنُ الزعيم مع عصبيّةِ الأيديولوجيا وعنفِ العقيدة الصهيونية النازية . نتنياهو يحتاج للحرب ليبقى، والأيديولوجيا تحتاج للحرب لتتحقّق، والعقيدةُ تعتبر الحربَ حالةً طبيعيّة. ولكن، من يُموّل هذا الثالوث؟ من يُطعِمه بالحديد والتقنية والشرعيّة؟
الحلفاء.. من البيت الأبيض إلى وادي السليكون
أ. العصر الذهبيّ: عندما صافح ترامبُ الأحلامَ الاستعماريّة كانت إدارة ترامب هي الحلمُ المُتحقّق للإسرائيليّ المتطرّف. لم تكن العلاقة تحالفاً بين دولتين، بل كانت زواجاً أيديولوجيّاً. نقلُ السفارة إلى القدس، الاعترافُ بالجولان، تجفيفُ موازنة الأونروا، "صفقةُ القرن" التي كانت أشبه بوثيقةِ استسلامٍ فلسطينيٍّ عربي مكتوبٍ بحروفٍ أمريكيّة – كلّ ذلك لم يكن دعماً تقليديّاً. لقد كان تسريعاً للزمن التاريخيّ، محاولةً لتحقيق المشروع الاستيطانيّ بضربةٍ واحدةٍ تحت جنحِ القوّة الأميركيّة المطلقة. كان ترامب يمنحُ الغطاءَ، ونتنياهو يزرعُ الحقائقَ على الأرض. لم يكن دعمٌ يفوق دعمَ بايدن فحسب، بل كان نوعاً مختلفاً من الدعم: تحويليّ، غير مسبوق، ويحملُ روحَ الاستعمار الاستيطانيّ نفسه.
ب. العصر الواقعيّ: بايدن واللعبة الطويلة جاء بايدن ليعيدَ الأمورَ إلى "مجراها الطبيعيّ" – على السطح. انتقاداتٌ لفظيّةٌ للاستيطان، واستعادةٌ جزئيّةٌ للمساعدات الفلسطينيّة، وخطابٌ عن حلّ الدولتين. ولكنّ العمود الفقريّ ظلّ سليماً: الدعمُ العسكريُّ الضخم (3.8 مليار دولار سنويّاً) لم يمسّ، والتحالفُ الاستراتيجيُّ ضدّ إيران لم يهتزّ، والغطاءُ الدبلوماسيُّ في الأمم المتحدة لم يتزعزع بشكلٍ جذريّ. بايدن أعاد اللعبةَ إلى فنّ "إدارة الصراع" بدلاً من "تغييره"، وهو ما يتوافق – ربّما عن غير قصد – مع جوهر العقيدة الإسرائيليّة نفسها. لقد قدّم ترامبُ القفزةَ النوعيّة، بينما يحافظ بايدن على المكتسبات ويُطهّرُ الوجهَ الأمريكيّ.
ج. اللاعب الجديد: إيلون ماسك وإمبراطوريّة التقنية الجديدة هنا، ندخل عالماً جديداً. إنّه ليس "المجمع الصناعيّ العسكريّ" التقليديّ ببدلاته ووشاحاته. إنّه قوّةٌ هادئةٌ تتحكّم بشرايين العصر: الفضاء والاتصال والبيانات. إيلون ماسك، بشركتيه (SpaceX) و(Starlink)، لم يعد مجرّد رجل أعمال. إنّه حارسُ البنى التحتيّة الفضائيّة للكوكب. زيارتُه لإسرائيل، واتّفاقُه على تشغيل "ستارلينك" في غزّة بالتنسيق المباشر مع الجيش الإسرائيليّ، كانت لحظةً فاصلة: لقد أصبحت التقنيةُ المدنيّةُ العالية سلاحاً جيوسياسيّاً، وأصبح صاحبُها شريكاً في ترتيبات الأمن القوميّ.
إنّ ماسك يُمثّل الوجهَ الحديثَ للدعم: ليس صفقات أسلحةٍ علنيّة، بل تمكينٌ تقنيٌّ خفيّ. إنّه يبيعُ – أو يمنح – القدرةَ على الرؤية، والسمع، والتواصل، والضبط. في عالمٍ تصبح فيه السيطرةُ على الفضاء الإلكترونيّ والفضاء الخارجيّ أهمّ من السيطرة على تلّةٍ استراتيجيّة، يصبح مثلُ ماسك شريكاً لا غنى عنه. إنّه لا يُقرّر السياسة، لكنّه يصنعُ الواقعَ الذي تُطبَّق عليه السياسة. في حرب غزّة الأخيرة، كان مُشغّلو "ستارلينك" – بقرارٍ من ماسك – يُضيئون أو يُطفئون مناطقَ الاتصال كما يُشاءون، تحت مظلّةٍ "إنسانيّة". إنّه الدعمُ المطلق في ثوب التقنيّة المحايدة.
التشابك المميت.. كيف تصنع الحربُ الدائمةُ نفسَها
الآن، نرى الصورة الكاملة. إنّها دائرةٌ مفرغةٌ من التأثير المتبادل:
1. الزعيمُ الخائف (نتنياهو) يحتاج إلى الحرب ليبقى، فيُغذّي الخطابَ الأمنيّ المتطرّف. 2. الأيديولوجياُ الجائعة (اليمين المتطرّف) تحتاج إلى الحرب لتوسيع رقعة خرافة "أرض الميعاد"، فتقدّم المبرّرَ الدينيّ-التاريخيّ للحرب. 3. العقيدةُ العسكريّةُ المتعطّشة تحتاج إلى الحرب لاختبار أسلحتها وإثبات نظريّة الردع، فتحوّل الخطابَ إلى ميدانٍ دمويّ. 4. الحلفاءُ المستفيدون (واشنطن التقليديّة، ووادي السليكون الجديد) يحتاجون إلى ساحة اختبارٍ لسلعهم (الأسلحة، التقنيات) وإلى حليفٍ مستقرٍّ في منطقةٍ مضطربة، فيُمدّون الآلةَ بالمال والتقنية والشرعيّة الدوليّة.
كلّ حلقةٍ تُقوّي الأخرى. الحربُ تخلقُ واقعاً تستحيل معه السياساتُ المعتدلة، مما يرفع سهمُ المتطرّفين، الذين يزيدونَ من تأجيج الحرب، مما يزيد من اعتماد الكلّ على الحلفاء الأقوياء. إنّها آلةٌ ذاتيةُ التغذية. عبارة "المعركة لم تنتهِ بعد" ليست إذن وصفاً لواقع، بل هي برمجةٌ مُتعمَّدةٌ لهذا الواقع.
ما بعد الحرب.. هل من مخرج؟
هل يعني هذا أنّ المشهدَ محتوم؟ ليس بالضرورة. فدائرةَ الحرب هذه تُنتج نقاطَ ضعفها نفسها:
· الدافعُ الشخصيُّ هشّ: فسقوط نتنياهو – قانونيّاً أو انتخابيّاً – قد يُحدث شرخاً في هذه المعادلة، حتّى لو لم يُسقِط الأيديولوجيا. · الأيديولوجياُ تدفع ثمنَ انتصارها: فالتوسّعُ المستمرُّ يعني استيعابَ ملايين الفلسطينيين تحت الحكم، وهي "المشكلة الديموغرافيّة" التي تُهدّد فكرةَ "الدولة اليهوديّة" من داخلها. · الحلفاءُ ليسوا أوفياءَ إلى الأبد: فالأولوياتُ الأمريكيّة تتغيّر، والصينُ تتصاعد، و"الشرق الأوسط" قد ينزلق في قائمة الاهتمامات. أمّا التكنوقراطُ مثل ماسك، فولاؤهم الأوّلُ هو للأسهم والسوق، وليس للدولة.
لكنّ الخطرَ الأكبر هو التطبيعُ مع الحرب. عندما تصير الحربُ هي "الطبيعيّ"، يصبح السلامُ ضرباً من الخيال، والمقاومةُ ضرباً من "الإرهاب"، والإنسانُ رقماً في جدول. في النهاية، "المعركة لم تنتهِ بعد" قد تكون أقسى حكمٍ يُصدره قائدٌ فاشي على شعبه المصنع في دوائر الإمبريالية الأمريكية : حكمٌ بالخوف الأبديّ، والدمّ الدائم، والذاكرة المُثقَلة بالرصاص.
هوامش على الهامش: سؤال الإنسان
وراء كلّ هذا التحليل السياسيّ والعسكريّ والتقنيّ، يبقى السؤالُ البسيطُ المُدوّي: أين موضعُ الإنسان في هذه المعادلة؟ الفلسطينيُّ الذي يدفن بيته وأحلامه تحت الركام، والإسرائيليُّ الذي يخاف على أولاده في الملاجئ، والشابُّ في وادي السليكون الذي يبرمجُ نظامَ تحكّمٍ بلا اكتراثٍ لغايته، والمواطنُ الأمريكيّ الذي تذهب ضرائبُه لصنع قنابلَ تُلقى على أطفالٍ لم يرهم.
قد تكون الحربُ الدائمةُ "مُجديةً" لبعض اللاعبين، لكنّها فشلٌ ذريعٌ للإنسانيّة. فحيث تنتهي المعركةُ العسكريّة، يجب أن تبدأ المعركةُ الأصعب: معركةُ تخيّلِ عالمٍ لا تكون فيه "المعركة لم تنتهِ بعد" شعاراً للحكم، بل ذكرى من ماضٍ أليمٍ تجاوزناه. ربّما حينها فقط، نستحقّ لقب "بشر".
……….
المادة الساخرة :
"المُخلّصون الثلاثة: رائعة الكوميديا السوداء في موسم الإبادة الجماعية"
اللافتة الإفتتاحية:
"عرضٌ لا يُعوّض! ثلاث شخصيات تبحث عن نهاية سعيدة في مكبّ التاريخ. بطولة: السيد المعركة-لم-تنتهِ-بعد ، و السيد الصفقة-الأعظم-في-التاريخ ، و السيد أنا-أدين-لكن-أمضي-الشيك . إخراج: المصالح الاستعمارية. تأليف: الجنون العظمة."
[المشهد الأول: بروفة "النبي" المتلعثم]
(المشهد: غرفة مغلقة. رجل ذو هيئة نبوية واهنة، يحدّق في مرآة تكبر صورة قضية فساد. خلفه خريطة الشرق الأوسط ملطّخة بعلامات "خطر وجودي" حمراء)
رجل المرآة (نتنياهو): (يهمْسُ للمرآة) كلماتي كالنبوءات.. "المعركة لم تنتهِ".. (يتراجع خطوة) لا، بحزم أكثر! (ينحني للأمام) "المعركة.. لم.. تنتهِ!" أحسنت! الآن، كل ما أحتاجه هو معركة صغيرة.. أو متوسطة.. أو كبيرة.. المهم أن تكون هناك معركة!
(يدخل مساعد مرعوب) المساعد: سيدي، الوضع هادئ. لا قذائف اليوم. رجل المرآة: (يتحوّل شاحباً) هادئ؟! هذا أخطر من قذيفة! الهدوء يعطي الناس وقتاً للتفكير! وقتاً لتذكّر أنني متّهم! وقتاً لملاحقتي قضائياً! لا يمكن! أعلِن فوراً أن هناك تهديداً وجودياً! المساعد: لكن.. من أين؟ رجل المرآة: (ببرودة) اخترع واحداً! قل إن حماس طورت صواريخ تعرف طريقهم إلى خزانة ملفاتي القضائية! أو أن حزب الله يخطط لاختطاف محامي النيابة! المهم أن يرتجّ البلد خوفاً.. ويهدأ ضمير القضاة!
(خلفية صوت الراوي المُتأنق): "نشاهد هنا فناناً من الطراز الوجودي النادر: السيد حربي هي خلاصي من سجني . يتخصص في تحويل كل أزمة شخصية إلى ملحمة قومية. ملفاته القضائية؟ مؤامرة إيرانية! محاكمته؟ هجوم فلسطيني على السيادة القضائية! إنه يقدم لنا تحفة: كيف تسرق دولة وتسميها دفاعاً عن النفس ."
[المشهد الثاني: فلاش باك مع "المسيح المالي"!]
(المشهد: غرفة ذهبية. رجل برتقالي الشعر يصرخ على هاتف ذهبي وهو يلعب بـ"ليغو" على شكل خريطة فلسطين)
الرجل الذهبي (ترامب): (في الهاتف) اسمعوا! لقد حققتُ المستحيل! أعطيتُهم كل شيء! أعطيتُهم القدس! والجولان! وأعطيتُ الفلسطينيين.. (يتوقف، يبحث في جيوبه) أعطيتُهم.. ورقة! نعم، ورقة عليها رسمة دولة! أجمل دولة في التاريخ! تحت الأرض! فوق الأرض! حول الأرض! الصفقة الألف.. آه، القرن!
(يرمي قطع الليغو في الهواء) الرجل الذهبي: والآن، العالم بأسره يقول: ترامب عبقري! العبقري الذي وهب أرضاً ليست له لشعب لا يريدهم! هذه ليست سياسة، هذه لوحة فنية! وسأوقع عليها بقلمي الذهبي!
(خلفية صوت الراوي الساخر): "وهنا نستعيد لحظة التألق: السيد الجغرافيا-حسب-مزاجي . لقد قدم للعبة الاستعمار أدوات جديدة: قلم ماركر عريض، وغطرسة لا تعترف بالخرائط أو الحقوق أو المنطق. إنجازه الخالد: تحويل الصراع إلى عقار يمكن بيعه أو تأجيره أو هبه في برنامج تلفزيوني واقعي."
[المشهد الثالث: مأزق "الرجل الطيب" في دوامة المال]
(المشهد: مكتب رئاسي. رجل يبدو حكيماً جالساً بين كومتين: كومة خطابات إدانة قوية ، وكومة أوامر تمويل عسكرية ضخمة )
الرجل الحكيم (بايدن): (يتحدث لنفسه في تسجيل صوتي سري) ملاحظة للتاريخ: أنا أدين.. بشدة.. (يرفع صوته) بشدة جداً.. الاستيطان غير القانوني.. (يهمس) لكن ليس بشدة تؤثر على الشحنات. (ينظر للكاميرا الخفية) أتعلمون؟ الأمر معقد. مثل أن تصفع بيد وتعانق باليد الأخرى.. لكن اليد المعانقة تحمل مليار دولار. إنه تناقض إنساني! أخلاقي! ديالكتيكي!
(يدخل مستشار) المستشار: الشارع الأمريكي يغلي. الشباب يهتفون ضد الإبادة. الرجل الحكيم: (محتار) ألا يفهمون أننا ندعم الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط التي.. تمارس الإبادة الجماعية؟ لا، هذا غير صحيح. ندعم الديمقراطية التي.. تدافع عن نفسها.. حتى لو دافعت عن نفسها بقتل عشرة آلاف طفل. أوه، هذا سيء أيضاً. (بعد صمت) حسناً! سنصدر بياناً قوياً جداً.. على موقع تويتر! ونتيحه للتعليقات!
(خلفية صوت الراوي المتعاطف بسخرية): "ونشاهد تراجيديا الرجل العالق في مفارقته الأخلاقية: السيد أشجب-بقلبي-وأمضي-بيدي . مهمته: غسل الدم بالكلمات، ثم توفير المزيد من الدم. إنه يعطي دروساً في الوحشية الإنسانية أو كيف تقتل ضميرك ببطء بينما تسرع في قتل الآخرين ."
[المشهد الرابع: الكورس النهائي – جوقة الطغاة السابقين]
(تظهر ثلاث شخصيات شبحية على سحابة: هتلر، ونابليون الثالث، ومسؤول استعماري فرنسي. جميعهم يضحكون بشكل هستيري)
هتلر: (يضحك حتى تدمع عيناه) أنظروا! إمبراطوريات جديدة! يعتقدون أن التاريخ سيكون أكثر لطفاً معهم! لقد جربت ذلك! قلتُ: ألمانيا فوق الجميع! وانتهيتُ تحت الجميع! في قبو! نابليون الثالث: على الأقل أنت لم تحاول تبرير جرائمك بـ"الديمقراطية"! نحن في الجزائر قلنا: "المهمة الحضارية"! وانتهى بنا الأمر نهرب بحذائنا من حق الشعب! الشبح الفرنسي: والمضحك أنهم يتحدثون عن "الوجود الأبدي"! ونحن ظننا أن الجزائر فرنسية للأبد! الآن، حتى اللغة الفرنسية هناك ممزوجة بلعناتنا!
(يظهر شبح بريطاني) الشبح البريطاني: اسمحوا لي أن ألخص: أيها السادة الطغاة الجدد، القاعدة الذهبية للكوميديا السوداء: كلما ادعيتَ أنك ضحية وأنت جلاد ، كلما كان سقوطكَ أكثر إضحاكاً للتاريخ. نحن جربنا، والنتيجة: متاحف وصور كاريكاتير.
[المشهد الخامس: الخاتمة الموسيقية – أغنية "المعركة التي انتهت"!]
(المشهد: مسرح فارغ. تسقط أقنعة نتنياهو وترامب وبايدن من السماء. الجمهور يصفق. ثم تظهر لافتة كبيرة مكتوب عليها)
اللافتة: "شكراً للمشاركة في أضخم خدعة تاريخية: استعمار باسم الحرية، إبادة باسم الدفاع، ودعم باسم القيم. الجائزة الكبرى: مكان دافئ في كتب التاريخ.. كشخصيات كاريكاتير."
(يخرج مهرج كبير من الخلفية ويلقي ورقة عليها "حل الدولتين" في سلة المهملات، ويلقي فوقها صورة لـ"ستارلينك" محترقة)
المهرج: (يخاطب الجمهور) وأخيراً، تذكروا: عندما يصبح القاتلُ ضحيةً، والضحيةُ إرهابياً، والمدافعُ عن الإبادةِ ديمقراطياً.. اعلموا أنكم تشاهدون أعظم عروض السيرك السياسي. لا تبكوا على الدم، فهو مجرد ديكور. لا تغضبوا من الكذب، فهو مجرد نص. ابتسموا.. لأن النهاية تأتي دائماً لمن يظن أنه كتب النهاية بنفسه!
(تسدل الستارة على أنغام موسيقى سخرية، بينما نسمع صوتاً أخيراً لنتنياهو يهمس: "المعركة.. لم.. تنته.. آه، انتهت فعلاً؟")
…….
قسم دراسات سمير امين في بيت الثقافة البلجيكي العربي - لييج - بلجيكا يمكن قراءة الترجمة للمقالة باللغات الفرنسية والهولندية والألمانية والإسبانية والإنكليزية والفارسية و الروسية والصينية على الرابط التالي مجانا : https://saloum1.substack.com
#احمد_صالح_سلوم (هاشتاغ)
Ahmad_Saloum#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
هندسة العبودية الطوعية: الهيمنة في عصر الأزمات الهيكلية
-
-من نهاية التاريخ - إلى -نزيف تحت الجلد-..دراسة مقارنة مع كت
...
-
شمشون العصر: بين أسطورة السقوط وإستراتيجية الانهيار
-
النجوم التي لم تعرف السماء ( قصة )
-
صراع العمالقة على أرض المأساة: فنزويلا بين مطرقة التاجر الصي
...
-
أجنحة التنين وأنياب الأسد: في دهاليز حرب تستعد، وتوازن رعب ي
...
-
سردية جديدة للقوة الصينية في القارة الامريكية : صوت المحراث
...
-
انزياحات العصر: تفكّك الهيمنة واستعادة التاريخ في المشرق الع
...
-
الإعلام بين الهيمنة والتحرر: تشريح امبراطوريات اعلام تزييف ا
...
-
الفقاعة الكبرى: تشريح جثة الإمبراطورية المالية الأمريكية قبي
...
-
التفجير الاحتفالي: دراسة في سيناريوهات الرد الروسي على سياسا
...
-
أكراد سوريا وحبال الدمى المقطوعة – من الرهان على الصهيونية إ
...
-
إيران في العاصفة: بين حصار المركز وعبء الأطراف.. معضلة الانف
...
-
شرايين الهيمنة ونزيفها: قراءة في تشظي النظام العالمي وصعود ا
...
-
أعاصير المركز: كيف تهز روسيا عرش العالم القديم؟..كتيب
-
تشريح لحظة الانهيار النظامي الأمريكي ..من غزة إلى فنزويلا
-
البلطجة الاستعمارية الحديثة: العودة الوحشية للقرصنة السياسية
-
اليمن: عُقَد الجبال المُتفجِّرة.. حين تتحوَّل التحالفات إلى
...
-
تقلّب موازين القوّة: الحروب الجديدة والأسلحة الكاسرة ومصير ا
...
-
من الكساد إلى الدمار: دورة لا تنتهي
المزيد.....
-
هل ستنسحب أمريكا من حلف الناتو إذا لم يساعدها في ضم غرينلاند
...
-
متظاهر يرتدي زيًا تنكريًا يرقص أمام مبنى حكومي أمريكي قبل إس
...
-
تراجع -قسد- وسط تقدم القوات الحكومية في شمالي سوريا
-
عائلات شلال العوجا بين الرحيل والبقاء في ظل اعتداءات المستوط
...
-
الجيش السوري يعلن غرب الفرات -منطقة عسكرية مغلقة- بعد سيطرته
...
-
تتحقق: إشعال نساء للسجائر من صورة خامنئي.. فيديوهات من داخل
...
-
فرنسا: مظاهرات في باريس دعما للاحتجاجات في إيران
-
الرئيس المصري يؤكد -ثوابت- بلاده بشأن سدّ النهضة ويثمّن عرض
...
-
هكذا تُدار إيران سياسيا في زمن -لا صلح ولا حرب-
-
تعرف على أهم بنود المرسوم الرئاسي السوري الخاص بحقوق الأكراد
...
المزيد.....
-
صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة
/ محمد حسين النجفي
-
الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح
...
/ علي طبله
-
الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد
...
/ علي طبله
-
الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل
...
/ علي طبله
-
قراءة في تاريخ الاسلام المبكر
/ محمد جعفر ال عيسى
-
اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات،
...
/ رياض الشرايطي
-
رواية
/ رانية مرجية
-
ثوبها الأسود ـ قصص قصيرة جدا
/ حسين جداونه
-
تداخل الاجناس الأدبية في رواية قهوة سادة للكاتب السيد حافظ
/ غنية ولهي- - - سمية حملاوي
-
شيوعيون على مر الزمان ...الجزء الأول شيوعيون على مر الزمان
...
/ غيفارا معو
المزيد.....
|