|
|
أجنحة التنين وأنياب الأسد: في دهاليز حرب تستعد، وتوازن رعب يتهدّد
احمد صالح سلوم
شاعر و باحث في الشؤون الاقتصادية السياسية
(Ahmad Saloum)
الحوار المتمدن-العدد: 8586 - 2026 / 1 / 13 - 13:01
المحور:
الإستعمار وتجارب التحرّر الوطني
تحت هدوء شكلي لسماء الخليج ، ثمة مخزون من رعود تاريخية، حيث تتحرك أجنحة حديدية بصمت يحمل نبأً أو نذيراً. بين المشهد الداخلي الإيراني المضطرب والتحشيد العسكري الأمريكي غير التقليدي، يطفو على السطح سؤال ملحّ: هل نحن أمام ضربة عقابية محدودة، أم أمام شرارة حرب إقليمية ستُعيد رسم خريطة الشرق الأوسط؟ هذا التحقيق يناقش بعض المعلومات المتداولة ولو على نطاق ضيق ويحللها في إطار التوازنات الاستراتيجية الأوسع.
التحرك الأمريكي: بين الردع المعلن والسيناريوهات غير المعلنة
تصف بعض هذه المعلومات تحركات عسكرية أمريكية لافتة، كوجود طائرات تزود بالوقود (تانكرز) وقاذفات استراتيجية من نوع B-1B وطائرات متقدمة مثل F-22 في المنطقة، وتربط ذلك بسحب حاملات الطائرات التقليدية. هذا يشير إلى سيناريو عسكري محتمل يرتكز على "ضربات طويلة المدى وجراحية"، قد تستهدف منشآت نووية أو مقرات للحرس الثوري، دون الدخول في حرب شاملة.
وتكمن خطورة هذه السيناريوهات في أنها قد لا تبقى "جراحية" كما يُخطط لها. فالتداخل المعقد للمصالح، وتحالف إيران مع فاعلين أقوياء في المنطقة، يحوّل أي ضربة محدودة إلى حقل ألغام استراتيجي. كما أن الحديث عن استغلال الاضطرابات الداخلية في إيران (كما ورد في الفيديو) يزيد من حساسية أي تدخل ويفتح الباب أمام تصعيد غير محسوب.
الرد الإيراني الجاهز: العقلية الإستراتيجية وحساب التصعيد
لا تنظر طهران إلى ترسانتها الصاروخية البالغة ألوف الصواريخ (بما في ذلك صواريخ باليستية متطورة) كمجرد أسلحة، بل كأديرة ردع استراتيجي وأوراق ضغط سياسي. القيادة الإيرانية تدرك أن الرد المباشر والمتبادل على ضربة أمريكية قد يكون مكلفاً، لذا فاستراتيجيتها المعتادة هي الرد غير المباشر وغير المتماثل.
من المرجح أن يكون الرد عبر شبكة الحلفاء والقوى الوكلائية (Proxy Forces) المنتشرة في المنطقة، وهي تشكل ورقة رابحة إيرانية:
· حزب الله في لبنان: يمتلك ترسانة صاروخية هائلة تُقدّر بعشرات الآلاف، قادرة على إشغال الجبهة الشمالية مع إسرائيل. · الحوثيون في اليمن: أظهروا قدرة متزايدة على استهداف مصالح حيوية في الخليج، وقد يمثلون تهديداً للملاحة البحرية. · فصائل عراقية وسورية: يمكن أن تستهدف القواعد الأمريكية المتبقية في العراق وسوريا.
أما التهديد بمحو قاعدة العيديد أو ضرب إسرائيل، فهو يقع في إطار خطاب الردع الأقصى لزرع الرعب وردع الخصم. التنفيذ الفعلي لهكذا ضربة مباشرة وشاملة يعني دخول إيران في حرب وجودية قد تخسرها، وهو ما تحاول القيادة الإيرانية تجنبه من خلال سياسة "توازن الردع".
سيناريوهات التصعيد: من ضربة جراحية إلى حريق إقليمي
التداخل بين الخطط الأمريكية والاستعدادات الإيرانية وحسابات الحلفاء يخلط أوراق أي مواجهة. يمكن رصد عدة مسارات:
1. مسار التصعيد المحدود: ضربة أمريكية/إسرائيلية "جراحية" تتبعها ردود إيرانية غير مباشرة ومحسوبة عبر الحلفاء، ثم دخول الأطراف في مفاوضات هشة تحت حافة الهاوية. 2. مسار الانفلات الإقليمي: أي خطأ في حساب الرد أو استهداف خاطئ يؤدي إلى سلسلة من الردود المتصاعدة، قد تشمل إغلاق مضيق هرمز، وقصف مدني، وإشعال جبهات متعددة من لبنان إلى اليمن. 3. مسار التدخل الداخلي: إذا حاولت واشنطن استغلال الاضطرابات الداخلية في إيران بشكل مباشر لدعم معارضة مسلحة، فإن هذا قد يدفع النظام إلى تصعيد خارجي سريع لتحويل الانتباه وتعزيز الشرعية الداخلية، مما يقود إلى حرب واسعة.
منطق الردع وحكمة تجنب الهاوية
التحشيد العسكري الأمريكي، والقدرة الصاروخية الإيرانية، وشبكة حلفاء طهران، كلها عناصر في معادلة توازن الرعب الراهنة. هذه المعلومات المتداولة تسلط الضوء على جانب من هذه المعادلة بلغة درامية، لكنها تغفل حقيقة أساسية: القوى الكبرى والنظام الإيراني يخافون جميعاً من السقوط في حرب شاملة لا يعرف أحد كيف تبدأ ولا كيف تنتهي.
الخطر الحقيقي لا يكمن في الضربة الأولى، بل في الرد الثاني والثالث، وفي العجز عن السيطرة على سلم التصعيد بعد انطلاق الشرارة. المنطقة تقف على حافة بركان، وأي قرار عسكري يجب أن يُحسب بعشرات المعادلات السياسية والاقتصادية والأمنية. التاريخ يعلمنا أن الحروب تبدأ أحياناً بسبب سوء تقدير، أو خطأ في التواصل، أو ثقة زائدة في القدرة على التحكم بنيران يشعلها الجميع ولا يستطيع أحد إخمادها.
ما يحدث اليوم هو اختبار حقيقي لحكمة القادة، وفحص دقيق لمرونة أنظمة الردع. والسؤال الأعمق ليس: "من سينتصر؟"، بل: "هل هناك منتصر أصلاً في حرب ستخسرها المنطقة بأكملها؟".
…….
المادة الساخرة :
أربعون عاماً من اللكمات الهوائية: حين تحولت القوة العسكرية الأمريكية إلى "باليه استعراضي"!
الاستعراض الذي لا ينتهي والعناد الذي لا ينكسر
في مشهد يبدو مأخوذاً من مسرحية عبثية، تقف أضخم آلة عسكرية في تاريخ البشرية - تكلف إصبعاً واحداً منها ما يكفي لتعليم مليون طفل - أمام دولة خرجت من ثورة وأكلت عقوبات خمسين دولة كوجبة فطور، فتنتصر الآلة في كل الاستعراضات وتخسر في كل المعارك الفعلية. لقد حوّل "فشل التغيير" الأمريكي في إيران إلى نوع من "الفن الأدائي" الجيوسياسي، حيث تُنفق المليارات على "عروض الألعاب النارية" العسكرية بينما يبني الطرف الآخر صواريخاً وعلوماً!
"حرب الاثني عشر يوماً".. حين أحرقت الشمس جنرالات البنتاغون!
في صيف 2023، وبينما كانت قيادة الجيش الأمريكي تتصور أن "بعض المظاهرات" ستتحول إلى ثورة مخملية بالبريد السريع، كانت إيران تُظهر أن قدرتها على الصمود أشبه بـ "بصلقة شعبية" في وجه العاصفة. لقد استنفدت أمريكا كل قاموس التهديدات: حاملات طائرات، قاذفات استراتيجية، غواصات نووية.. فلم تنتج إلا زيادة في إنتاج الصواريخ الإيرانية بنسبة 30%!.
المشهد الأكثر سخرية؟ أن التقرير الاستخباراتي الأمريكي نفسه كان يقول: "إن النظام ليس في خطر"، بينما كان التلفزيون الأمريكي يصور أن "الحرس الثوري على وشك الهرب إلى باكو"! لقد كانت أعظم عملية احتيال بصري جيوسياسي، حيث تحولت الاحتجاجات إلى ذريعة لتمرير ميزانيات عسكرية إضافية، بينما كان الواقع يقول: "إيران تمسك بزمام الأمور، وإن كان بيد من حديد".
أربعون عاماً من "فن الفشل البطولي".. عندما تتحول الانقلابات إلى فصول كوميدية!
لقد اختصرت السياسة الأمريكية تجاه إيران في معادلة واحدة: "نفط + غضب = محاولة انقلاب". لكن التاريخ يسخر: فمن عملية "النسر المتألق" الفاشلة في الثمانينيات، إلى دعم "مجاهدي خلق" الذين يعيشون في ألبانيا كـ "نكتة سياسية متنقلة"، إلى برنامج "تغيير النظام" الذي أنتج نظاماً أكثر قوة وصواريخاً تطال نيويورك نظرياً!.
الحقيقة التي تزعج واشنطن: أن كل عقوبة تزيد الإيرانيين عناداً، وكل تهديد عسكري يتحول إلى برنامج صاروخي جديد. لقد حوّلت أمريكا دون قصد إيران إلى "دولة حصار عصية"، جعلت من العزلة فخراً، ومن التهديد حافزاً للابتكار. السؤال: من الذي يخدع من؟ أمريكا التي تهدد، أم إيران التي تبني وتتطور تحت التهديد؟
الإنجازات الإيرانية.. حين تحولت العقوبات إلى "منحة إلهية"!
المفارقة العظيمة: نفس الدول التي تمنع بيع القطعة الإلكترونية لإيران، تتفاجأ بعد سنوات بأن إيران تصنع طائرات مسيرة تباع في الأسواق السوداء العالمية! لقد خلق الحصار:
1. صناعة عسكرية محلية تنتج كل شيء من الزورق السريع إلى الصاروخ الباليستي. 2. برنامج فضائي يطلق أقماراً صناعية رغم كل "النظرات الاستعلائية" الغربية. 3. شبكة تحالفات إقليمية تحولت من "مجموعة ميليشيات" إلى جيوش موازية تغير معادلات المنطقة.
النكتة التاريخية: أن أمريكا أنفقت على جيشها في 40 سنة ما يكفي لشراء كوكب المريخ، بينما أنفقت إيران على برنامجها الصاروخي أقل من ميزانية فيلم "أفاتار"! لكن النتيجة: أمريكا لا تستطيع دخول إيران، وإيران تهدد مصالح أمريكا من اليمن إلى العراق!
"الاستعراض العسكري".. الباليه الذي لم يفهمه أحد!
ما هو "الاستعراض العسكري" الأمريكي في الخليج؟ إنه "رقصة السلمندر النووي" التي تهدف لإقناع الحلفاء بأن "أمريكا جادة"، بينما تعرف إيران أنها "مسرحية لإرضاء الكونجرس". لقد شاهدنا:
· حاملات طائرات تصل كالنجوم الهوليودية.. ثم تغادر دون أن تطلق طلقة واحدة! · قاذفات B-1B تحلق كالنسور العملاقة.. ثم تعود لقواعدها لأن "التوقيت غير مناسب"! · عقوبات اقتصادية تشبه "عقوبات على شبح".. لأن الاقتصاد الإيراني تعلم المشي في الظلام!
الحقيقة المرة لواشنطن: لقد فقد سلاح الردع الأمريكي بريقه، وصارت تهديداته كـ"أسد ورقية" يزأر في صحون الفطور الإيرانية بينما يأكلون ويشربون وينتجون صواريخ!
من يضحك أخيراً..؟
في النهاية، تقف أمريكا أمام مرآة تاريخها مع إيران فتجد:
· 40 سنة من المحاولات الفاشلة · ترليونات من الدولارات المبذورة في رياح الخليج · نظام إيراني أكثر قوة وتأثيراً مما كان في 1979 · شعب إيراني رغم كل المعاناة.. لا يريد التدخل الأمريكي
المفارقة العبثية: أن أمريكا ساهمت دون قصد في صناعة "العملاق الإيراني"، حيث حوّل الحصار والتهديد إيران إلى دولة لا تخاف إلا من الله! (حسب خطابهم الرسمي).
والسؤال الساخر الأخير: هل تحتاج واشنطن إلى محللين استراتيجيين.. أم إلى طبيب نفسي ليفهم لماذا فشلت كل خططها؟.
العبرة: أحياناً تكون أقوى الأسلحة هي الإرادة.. وأغلى الطائرات لا تشتري الولاء. وإيران تعطي درساً: "يمكنك حصار جسدي.. لكن لا تستطيع حصار إرادة شعب يعتقد أنه على حق".
#أربعون_عاماً_من_اللكمات_الهوائية #عندما_يفشل_الترهيب_في_مواجهة_التحدي #الاستعراض_العسكري_الذي_تحول_إلى_كارتون
……
قسم دراسات سمير امين في بيت الثقافة البلجيكي العربي - لييج - بلجيكا يمكن قراءة الترجمة للمقالة باللغات الفرنسية والهولندية والألمانية والإسبانية والإنكليزية على الرابط التالي مجانا : https://saloum1.substack.com
#احمد_صالح_سلوم (هاشتاغ)
Ahmad_Saloum#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
سردية جديدة للقوة الصينية في القارة الامريكية : صوت المحراث
...
-
انزياحات العصر: تفكّك الهيمنة واستعادة التاريخ في المشرق الع
...
-
الإعلام بين الهيمنة والتحرر: تشريح امبراطوريات اعلام تزييف ا
...
-
الفقاعة الكبرى: تشريح جثة الإمبراطورية المالية الأمريكية قبي
...
-
التفجير الاحتفالي: دراسة في سيناريوهات الرد الروسي على سياسا
...
-
أكراد سوريا وحبال الدمى المقطوعة – من الرهان على الصهيونية إ
...
-
إيران في العاصفة: بين حصار المركز وعبء الأطراف.. معضلة الانف
...
-
شرايين الهيمنة ونزيفها: قراءة في تشظي النظام العالمي وصعود ا
...
-
أعاصير المركز: كيف تهز روسيا عرش العالم القديم؟..كتيب
-
تشريح لحظة الانهيار النظامي الأمريكي ..من غزة إلى فنزويلا
-
البلطجة الاستعمارية الحديثة: العودة الوحشية للقرصنة السياسية
-
اليمن: عُقَد الجبال المُتفجِّرة.. حين تتحوَّل التحالفات إلى
...
-
تقلّب موازين القوّة: الحروب الجديدة والأسلحة الكاسرة ومصير ا
...
-
من الكساد إلى الدمار: دورة لا تنتهي
-
سوريا -الجولاني-... الحلقة الأخيرة في مسرحية التقسيم وثمن ال
...
-
ترامب يعترف بالجولان وماسك بالاستبدال: مهرجان النفاق الاستعم
...
-
مقالات عن الذهب واحتمالات الشيوعية في الغرب و و...
-
لماذا تستمر بروكسل في حرب خاسرة؟
-
اليمن كقلب العالم الجديد - إعادة تشكيل الخريطة الجيوسياسية
-
رواية : الرحلة المقطوعة
المزيد.....
-
الشهراني يبحث في عدن ترتيبات أمنية وعسكرية للمرحلة المقبلة
-
أزمة أوروبا وما لا يراه ترامب
-
إسرائيل تقطع علاقاتها بوكالات أممية ومنظمات دولية لموقفها من
...
-
غازل ترامب والتقى ويتكوف سرا.. تعرف على نجل الشاه وطموحاته
-
كوستاريكا تعلن كشف مؤامرة لاغتيال رئيسها
-
إيران تتهم الولايات المتحدة بالبحث عن -ذريعة- للتدخل العسكري
...
-
عاجل | سانا عن مصدر عسكري: قسد تستهدف نقاط الجيش ومنازل الأه
...
-
لماذا أصبحت العلاقة مع روسيا خيارا إستراتيجيا لسوريا؟
-
رئيس وزراء غرينلاند: لا نريد أن نكون تحت سيطرة أميركا
-
الولايات المتحدة تحثّ مواطنيها على مغادرة إيران -فورا-
المزيد.....
-
علاقة السيد - التابع مع الغرب
/ مازن كم الماز
-
روايات ما بعد الاستعمار وشتات جزر الكاريبي/ جزر الهند الغربي
...
/ أشرف إبراهيم زيدان
-
روايات المهاجرين من جنوب آسيا إلي انجلترا في زمن ما بعد الاس
...
/ أشرف إبراهيم زيدان
-
انتفاضة أفريل 1938 في تونس ضدّ الاحتلال الفرنسي
/ فاروق الصيّاحي
-
بين التحرر من الاستعمار والتحرر من الاستبداد. بحث في المصطلح
/ محمد علي مقلد
-
حرب التحرير في البانيا
/ محمد شيخو
-
التدخل الأوربي بإفريقيا جنوب الصحراء
/ خالد الكزولي
-
عن حدتو واليسار والحركة الوطنية بمصر
/ أحمد القصير
-
الأممية الثانية و المستعمرات .هنري لوزراي ترجمة معز الراجحي
/ معز الراجحي
-
البلشفية وقضايا الثورة الصينية
/ ستالين
المزيد.....
|