أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - احمد صالح سلوم - كتاب نزيف تحت الجلد : تشريح النزيف الاستراتيجي للإمبراطورية الأمريكية..القسم الثاني















المزيد.....



كتاب نزيف تحت الجلد : تشريح النزيف الاستراتيجي للإمبراطورية الأمريكية..القسم الثاني


احمد صالح سلوم
شاعر و باحث في الشؤون الاقتصادية السياسية

(Ahmad Saloum)


الحوار المتمدن-العدد: 8596 - 2026 / 1 / 23 - 16:45
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


الفصل السادس: الكاريبي… الخاصرة التي لم تَعُد آمنة

الجزء الأول: البحر المترنح بين الهيمنة والتحرر

بحر من الذاكرة المكبوتة: الجمال الذي يخفي جريمة

الكاريبي... تلك القوس الجغرافي الهش الذي يُشبه ابتسامة متوترة على وجه القارة الأمريكية، ابتسامة تلمع بأسنان من لآلئ مائية فيروزية، لكن شفتيها ترتعشان بذكريات لا تُحصى. إنه قوسٌ يبدو للعين العابرة جنةً أرضية، ولكنه للمؤرخ والباحث مقبرة مائية واسعة، ترقد في قاعها عظام ملايين من البشر الذين لم يعبروا المحيط طواعيةً، بل جُرِّفوا من قراهم الأفريقية أو أُبيدوا من مواطنهم الأصلية ليكونوا وقوداً لأول آلة رأسمالية عالمية في التاريخ.

هنا، في هذه الجزر التي تتلألأ تحت الشمس كقطع من الزمرد متناثرة على زرقة المخمل، وُلدت أولى مزارع العبيد المنهجية في العالم الجديد. لم تكن مزارع قصب السكر والبُنّ مجرد مشاريع اقتصادية، بل كانت مختبرات للقسوة المبررة، حيث تحوّل الإنسان إلى سلعة، والعاطفة إلى رصيد، والحياة إلى رقم في دفاتر المحاسبة في لندن وباريس وأمستردام. هنا، سال عرق أفريقيا حتى نضب، ودم السكان الأصليين حتى انقطع، ليحلّي أوروبا بسكرٍ كان ثمنه مرّاً كالعلقم.

هنا، صاغت السفن الشراعية البيضاء ذلك المثلث الشيطاني للتجارة: من أوروبا تحمل الخرز والسلاح، إلى أفريقيا لتبتلع البشر، إلى الأمريكتين لتفريغ حمولتها البشرية المكدسة في عنابر الموت، ثم تعود إلى أوروبا محمّلة بالسكر والقطن والتبغ، مثلث الرعب الذي حوّل البحر إلى جسر للجحيم. الكاريبي لم يكن بحراً، بل كان معدةً عملاقة للإمبراطوريات، تبتلع الأرواح وتخرج ثروات.

لكن الكاريبي، في تناقضه المأساوي العظيم، لم يكن أبداً مجرد مسرح سلبي للاضطهاد. كان دائماً، وباستمرار مذهل، مختبراً متقداً للتحرر، وبركاناً للكرامة الإنسانية. من تحت السياط، ولدت إرادة حديدية. من بين قيود السخرة، انطلقت روح الثورة:

· ثورة العبيد في هايتي (1791-1804): تلك الملحمة الدموية والمجيدة، حيث هزم العبد سيده، والمستعمَر المستعمِر، والأسود الأبيض. ولدت أول جمهورية سوداء في العالم، كابوس فرنسا الاستعمارية، ونذيراً لكل القوى الأوروبية بأن العبودية لن تكون قدراً أبدياً.
· ثورة كوبا (1959): تلك الجزيرة الطويلة التي اهتزت تحت حوافر باتيستا، لتنهض بملامح غيفارا وكاسترو، وتهز نصف الكرة الأرضية. من المنفى إلى سييرا مايسترا، إلى هافانا المنتصرة، أصبحت كوبا شمعة تضيء في عتمة الهيمنة الأمريكية، تثبت أن الجار الصغير يمكنه أن يقف في وجه العملاق.
· غرينادا (1983)، نيكاراغوا (1979)، وغيرها: سلسلة من الهزات الثورية التي جعلت من الكاريبي بؤرة القلق الدائم لواشنطن. كل جزيرة صغيرة كانت تشتعل، تذكّر العالم أن الروح التحررية لا تموت.

لقد ظل الكاريبي، إذاً، مصدراً مزدوجاً: مصدر رعب للقوى التي أرادت السيطرة، ومصدر إلهام لا ينضب للحركات التي حلمت بالتحرر. هو البحر الذي يخبئ في أعماقه قيوداً مكسورة وأعلاماً منتصرة.

اليوم، في العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين، يعود الكاريبي ليصبح ساحة صراع جيوسياسي مركزية، لكن بملامح جديدة، بلغة جديدة. لم يعد الصراع مباشراً وبسيطاً كالسابق: العبيد ضد السادة، الأحمر ضد الأبيض، الشيوعية ضد الرأسمالية. الصراع اليوم أكثر تعقيداً، أكثر دهاءً، وأكثر خطورة. هو صراع بين:

· نظام عالمي قديم يحاول يائساً الحفاظ على هيمنته الأحادية، متمسكاً بعقائد بالية كأنها تمائم ضد زمنٍ يتغير.
· ونظام عالمي ناشئ، متعدد الأقطاب، يحاول إعادة ترتيب جغرافيا القوة والنفوذ، مستخدماً كل الأدوات من القروض إلى القواعد العسكرية إلى الدبلوماسية الثقافية.

الكاريبي، بجغرافيته الحساسة وذاكرته الجريحة، وجد نفسه مرة أخرى في مركز العاصفة. لكن العاصفة هذه المرة لا تأتي من أوروبا الاستعمارية، بل من قوى جديدة تطل من الشرق، وتجد في المياه الدافئة للكاريبي منفذاً استراتيجياً إلى خاصرة العملاق الأمريكي. الخاصرة التي ظنّتها واشنطن آمنة للأبد، تكتشف فجأة أنها مكشوفة، معرّضة، ومطلوبة. وهنا تبدأ القصة الجديدة، قصة البحر المترنح بين هيمنة تترنح وتحرر يتجدد.

مبدأ مونرو: من عقيدة إلى عبء - سقوط وهم الأمان الأبدي

لنتذكر، وكأننا نقرأ من وثيقة قديمة متآكلة الأطراف، العام 1823. الرئيس الأمريكي الخامس، جيمس مونرو، يقف ليعلن للعالم، وخصوصاً لأوروبا المتطلعة، عقيدة صارمة: "الأمريكتان للأمريكيين... وبالتالي، يجب اعتبار أي محاولة من جانب قواتنا الأوروبية لتوسيع نطاق نظامها إلى أي جزء من هذه القارة خطيرة على سلامنا وأمننا."

كانت تلك اللحظة تأسيسية، بل وحاسمة، في بناء الهوية الإمبريالية الأمريكية الناشئة. لم تكن مجرد سياسة خارجية، بل كانت بيان ميلاد جيوسياسي: لقد رسمت واشنطن حول نفسها، وحول القارة كلها، دائرة سحرية من النفوذ الحصري. الكاريبي، بتلك الجزر المنتشرة كحبات عقد مكسور، أصبح الحديقة الخلفية، البحيرة الداخلية، الخاصرة الناعمة للإمبراطورية الجديدة. مبدأ مونرو كان يقول، دون مواربة: "هذا ملكنا. ابتعدوا."

ولمدة قرنين من الزمان، عمل هذا المبدأ بشكل رائع، بل ومذهل، لصالح الولايات المتحدة:

· منع التدخل الأوروبي: أبعد بريطانيا وفرنسا وإسبانيا عن اللعب في الفناء الخلفي الأمريكي. أي محاولة أوروبية للتوغل كانت تواجه بصرامة واشنطن الحديدية.
· سمح بالتوسع الأمريكي: بذريعة "مصير واضح"، توسعت الولايات المتحدة نحو الغرب، ثم نحو الجنوب، ثم نحو الجزر. الحروب، المشتريات، والانقلابات - كلها أدوات لتحقيق الهيمنة.
· ضمنت الهيمنة الاقتصادية: تحولت دول الكاريبي وأمريكا اللاتينية إلى أسواق مضمونة للمنتجات الأمريكية، ومنابع للخامات الرخيصة، وحقول للاستثمارات دون منافس.
· خلقت منطقة نفوذ آمنة: في زمن الحربين العالميتين والحرب الباردة، كانت الخاصرة الجنوبية منطقة استراحة استراتيجية لواشنطن، لا تخشى منها تهديداً، بل تستمد منها الموارد والولاء.

لكن التاريخ، كما علمنا، ساخر وقاسٍ. ففي القرن الحادي والعشرين، تحول مبدأ مونرو من مصدر قوة لا يُشق له غبار إلى مصدر ضعف قاتل. لأن خاصرة آمنة لأكثر من مئتي عام تعني شيئاً واحداً: الإهمال الاستراتيجي المريح.

الاعتقاد بالأمان الأبدي يولّد أمراضاً جيوسياسية مميتة:

1. إهمال استراتيجي عميق: لماذا تبني تحصينات، أو تستثمر في الدبلوماسية العميقة، أو تفهم تعقيدات المجتمعات، في منطقة أنت متأكد تماماً أنها ملكك؟ تصبح العلاقات قائمة على التبعية الآلية، لا على الشراكة الحقيقية. واشنطن تعاملت مع الكاريبي كـ حديقة خلفية يجب أن تظل خضراء وهادئة، لا كشركاء لهم تاريخ وكرامة ومصالح متغيرة.
2. اعتماد على الولاء التلقائي: نشأ افتراض أن ولاء دول الكاريبي مكتسب ومضمون. فهل يمكن لطيور صغيرة أن تطير بعيداً عن العش الذي يطعمها؟ هذا التجاهل للتطلعات الوطنية، للكرامة، للرغبة في التنويع، خلق تراكماً من الاستياء تحت سطح الولاء الظاهر.
3. صدمة وجودية عند ظهور أي تحدي: عندما تنشأ قوة جديدة (كالصين) وتقرع باب الكاريبي، تتفاعل واشنطن كمن يفاجأ بغريب في غرفة نومه. رد الفعل ليس استراتيجياً مدروساً، بل هو انفعال هستيري، مزيج من الدهشة والغضب واتهام الآخرين "بالتعدي على ممتلكاتنا".

وهذا بالضبط ما يحدث اليوم: الخاصرة لم تعد آمنة. بل تحولت إلى منطقة توتر، اختراق، واستنزاف.

· توتر: لأن الصين وروسيا وإيران تطرق الأبواب بعروض استثمارية وقروض وعقود بناء لا ترد.
· اختراق: لأن هذه القوى تقدم نفسها كبديل، ليس فقط اقتصادي، بل جيوسياسي، لمن يريد التحرر من الهيمنة الأحادية.
· استنزاف: لأن واشنطن مجبرة الآن على منافسة جديدة في ساحتها الخاصة، إنفاق المزيد من الموارد السياسية والمالية للحفاظ على نفوذ كانت تعتبره ملكاً لها دون منازع.

مبدأ مونرو، في عصره، كان سلاح الفقراء الأقوياء (الولايات المتحدة الفتية ضد أوروبا العجوز). اليوم، في حقبة التعددية القطبية، أصبح عبئاً ثقيلاً على العملاق. فهو يجبر أمريكا على الدفاع عن خطوط نفوذ مترامية الأطراف في وقت تحتاج فيه إلى تركيز مواردها في مواجهة منافس رئيسي في المحيط الهادئ (الصين). إنه يجعل من الكاريبي جبهة مفتوحة في حرب باردة جديدة، حيث كل ميناء يُبنى، كل مزرعة سمكية تُنشأ، كل بروتوكول تعاون يُوقع، يُقرأ في واشنطن على أنه حصاة في حذائها، أو سكين على خاصرتها.

الخاصرة التي ظنّتها أمريكا ناعمة وآمنة، تكتشف أنها مليئة بالأعصاب الحساسة، والذكريات المؤلمة، والرغبات المتجددة في الاستقلال. والبحر الكاريبي، الذي كان بحيرة أمريكية هادئة، يتحول إلى مضطرب، مليء بالتيارات الخفية، حيث تصطدم إرادة الهيمنة القديمة بإرادة التحرر الجديدة، وإرادة النفوذ المستجد. من هنا تبدأ معركة الكاريبي في القرن الحادي والعشرين: معركة تكون فيها الذاكرة سلاحاً، والجغرافيا مصيراً، والاختيار بين التبعية والشراكة هو السؤال المركزي لكل جزيرة صغيرة على هذا القوس الجغرافي المتوتر.


……


الفصل السادس: الكاريبي… الخاصرة التي لم تعد آمنة

الجزء الثاني: فنزويلا - دراما النفط والثورة

من ديمقراطية النفط إلى ثورة بوليفارية - النعمة التي تحولت إلى نقمة

فنزويلا كانت دائماً الطفل المدلل، والاستثناء الصارخ، والمفارقة الحية في عائلة أمريكا اللاتينية الفقيرة المضطربة. بينما كانت جاراتها تعاني من ديكتاتوريات عسكرية قمعية، وثورات مسلحة، وانهيارات اقتصادية متلاحقة، جلسَت فنزويلا على عرش من الذهب الأسود، تتدفق منها عائدات النفط كأنهار لا تنضب. كانت ديمقراطية مستقرة نسبياً، ذات انتخابات منتظمة، ونظام حزبي متناوب، وصديقة حميمة للولايات المتحدة. لقد بدت نموذجاً للاستقرار في بحر من الفوضى.

لكن تحت سطح هذه الصورة اللامعة، تحت أرضية القصور الرخامية في كاراكاس والمراكز التجارية الفاخرة، كانت البراكين تغلي بصمت مدوٍ. كان الاستقرار وهمياً، مبنياً على قنبلة اجتماعية موقوتة:

· فجوة طبقية هائلة: بحيرات من النفط تحيط بها صحاري من الفقر. ثروة هائلة تتركز في أيدي أقلية صغيرة، بينما يعيش الملايين في أحياء عشوائية (barrios) تتسلق التلال كندوب على جسد المدينة.
· فساد نظامي متأصل: تحولت الدولة إلى ماكينة لاغتناء النخبة. العقود النفطية، المشاريع الكبرى، كلها كانت وقوداً لشبكات محسوبية لا تنتهي.
· تبعية كاملة ومرضية للنفط: أصبح الاقتصاد عضواً مشوهاً – قلب ضخم (قطاع النفط) وجسد ضامر (كل القطاعات الأخرى). حتى الطعام كان يستورد بالنقود النفطية.
· غضب شعبي متراكم وكامن: شعور بالخيانة، بأن ثروة البلاد تُسرق، وأن الديمقراطية شكل بلا مضمون.

ثم جاء هوغو شافيز (1999-2013)، فجأة وكالزلزال، ليقلب كل الطاولات ويرسم خريطة جديدة للواقع. لم يكن شافيز مجرد رئيس، بل كان ظاهرة أنثروبولوجية-سياسية، تجسيداً لـ الحلم والكابوس في آن واحد.

· الضابط المتمرد الذي أصبح زعيماً شعبوياً: خرج من سجن محاولة انقلاب فاشلة (1992) ليقول كلمته الشهيرة "للأسف، في الوقت الحالي" (¡Por ahora!), التي أصبحت نذيراً. ثم عاد من الظل ليحقق انتصاراً ساحقاً في الانتخابات.
· الساحر الذي استخدم النفط كسلاح جيوسياسي: حوّل النفط من مجرد سلعة إلى أداة تضامن وهيمنة. أنشأ "بتروكاريبي" لبيع النفط المدعوم للحلفاء. تحدى "الإمبريالية الأمريكية" بخطابات نارية.
· صانع "اشتراكية القرن الحادي والعشرين": أعلن ثورة بوليفارية، مستلهماً بطل الاستقلال سيمون بوليفار، وحاول صياغة نموذج ثالث بين الرأسمالية المتوحشة والاشتراكية السوفيتية البائدة.

لكن الثورة البوليفارية الجميلة حملت في أحشائها، منذ ولادتها، بذور أزمتها القاتلة:

· الاعتماد المفرط على النفط: لم تكسر الثورة الإدمان النفطي، بل عمقته. ازدادت الدولة اعتماداً على أسعار النفط العالمية الهشة.
· المركزية الشديدة في شخص واحد: تحولت الثورة إلى عبادة شخصية حول شافيز. المؤسسات أُهملت لصالح "القائد". أصبح الولاء للرجل أهم من الكفاءة.
· العداء المعلن مع الولايات المتحدة: حول هذا العداء فنزويلا من شريك إلى دولة منبوذة، مستهدفة بعقوبات وحصار دبلوماسي.
· اقتصاد الولاء: حلّت المحسوبية الثورية محل المحسوبية القديمة. من ليس معنا فهو ضدنا – وأصبح الولاء السياسي، وليس الجدارة، معيار الحصول على الموارد.

شافيز، في النهاية، كان ساحراً عظيماً ولكنه مهندساً اقتصادياً فاشلاً. لقد أعطى الفقراء كرامة ووعوداً، لكنه بنى بيتهم على رمال سوق النفط المتقلب. وعندما مات في 2013، ترك وراءه دولة منقسمة إلى نصفين: نصف يحبه كنبي، ونصف يلعنه كمهلك، وكلاهما على حافة بركان اقتصادي لم يكن أحد يتخيل عمقه.

الأزمة الفنزويلية: متاهة بلا مخرج - التشريح الكامل للانهيار

بعد رحيل الساحر، جاء الوصي نيكولاس مادورو، سائق الحافلة السابق ووزير خارجية شافيز المختار شخصياً. لكن التعويذة انكسرت. دخلت فنزويلا في دوامة سريالية من الانهيار، تحولت فيها من دولة غنية إلى مختبر لكارثة إنسانية واقتصادية قل نظيرها في زمن السلم.

مشاهد من المتاهة:

· الانهيار الاقتصادي الذي تجاوز الخيال: تضخم وصل إلى مليون بالمئة سنوياً في ذروته، محطماً كل الأرقام القياسية. العملة (البوليفار) أصبحت أوراقاً بلا قيمة، يستخدمها البعض لحشو الوسائد. رواتب الشهر لا تكفي لشراء دجاجة.
· الأزمة الإنسانية المروعة: 7 ملايين فنزويلي – ما يعادل 20% من السكان – فرّوا من البلاد، في واحدة من أكبر موجات النزوح في العالم. مشافي بلا أدوية، مدارس بلا طعام، أطفال بلا مستقبل.
· الصراع السياسي الشرس: حكومة مادورو تمسك بمقاليد السلطة بقبضة حديدية، ومعارضة متنوعة تدعي الشرعية بقيادة خوان غوايدو (الذي اعترفت به عشرات الدول كرئيس مؤقت). البلاد لديها رئيسان، حكومتان، واقعان متوازيان.
· العزلة الدولية الخانقة: حُوصرت فنزويلا بعقوبات أمريكية وأوروبية قاسية، استهدفت قطاعها النفطي ومؤسساتها المالية، محاولة خنق اقتصادها لإسقاط النظام.

المفارقة المربكة والمرعبة: هذا الانهيار الشامل لم يؤدِّ إلى سقوط النظام. فلماذا صمدت حكومة مادورو وسط هذا الدمار الشامل؟

1. ولاء الجيش: حارس العهد وحارس المصالح
الجيش الفنزويلي لم يبقَ محايداً. لقد تحول إلى شريك اقتصادي كامل في النظام. يسيطر على شركات النفط، والمناجم، والاستيراد، والأسواق الموازية. تحولت الرتب العسكرية إلى رخص تجارية. لكل جنرال إمبراطوريته الاقتصادية الصغيرة. سقوط النظام يعني بالنسبة لهم ليس فقط خسارة السلطة، بل خسارة ثروات طائلة مصدرها الفساد المنظم. لذلك، هم مستعدون لسحق أي احتجاج، لقاء الحفاظ على هذه الامتيازات. الجيش هنا ليس مؤسسة وطنية، بل هو مافيا مسلحة في ثياب عسكرية.
2. الدعم الشعبي المتبقي: الإيمان والخوف
رغم المعاناة الهائلة، لا يزال قسم من الشعب، وخصوصاً في القطاعات الأكثر فقراً، متمسكاً بالثورة أو خائفاً من البديل. بالنسبة لهم، شافيز هو الرجل الذي أعطاهم كرامة للمرة الأولى. والعودة إلى "النظام القديم" تعني عودة النخبة الفاسدة التي تحتقرهم. كما أن شبكات المحسوبية (البعثات الاجتماعية، التوزيع الغذائي المدعوم) رغم تراجعها، لا تزال تشكل شبكة أمان لبعض الموالين.
3. الدعم الخارجي: شبكة النجاة في بحر العقوبات
فنزويلا لم تُترك وحيدة. روسيا، الصين، إيران، كوبا شكلوا طوق نجاة غير مقدس:
· روسيا: قدمت قروضاً، استثمرت في النفط، وأرسلت مستشارين عسكريين. فنزويلا هي حصان طروادة الروسي في خاصرة أمريكا.
· الصين: استثمرت عشرات المليارات في القطاع النفطي مقابل إمدادات نفطية. هي الدائن الاستراتيجي الذي لا يهتم بالديمقراطية بل بالضمانات.
· إيران: أرسلت شحنات وقود ومساعدات فنية. تحالف المحاصرين ضد العقوبات الأمريكية.
· كوبا: أرسلت آلاف الأطباء والمعلمين، مقابل النفط المدعوم. هي العقل الأيديولوجي والحليف التاريخي.
4. ضعف وتبعثر المعارضة: أزمة البديل
المعارضة الفنزويلية بقيت منقسمة، ضعيفة، ومتناحرة. فشلت في تقديم بديل مقنع يجمع بين انتقاد النظام وطرح رؤية واضدة للمستقبل. يراها الكثير من الفنزويليين العاديين كـ وجه آخر من وجوه النخبة القديمة، أو كأدوات واشنطن. غياب قيادة كاريزماتية موحدة ومشروع وطني واضح جعل من السهل للنظام أن يصورها كخونة وعملاء.

فنزويلا، إذن، ليست دولة فاشلة بسيطة. إنها كيان هجين غريب: دولة منهارة اقتصادياً، لكن نظامها السياسي صامد بقوة الحديد والنار والمصلحة. هي جثة تتحرك، بفضل أجهزة التنفس الاصطناعي الخارجية والفساد الداخلي المنظم. والمأساة أن الشعب العادي هو من يدفع ثمن هذه المعادلة الشيطانية، محبوساً بين مطرقة نظام قمعي وسندان أزمة إنسانية لا هوادة فيها.

فنزويلا كساحة صراع إقليمي وعالمي - لعبة الشطرنج الكبرى في الفناء الخلفي

فنزويلا لم تعد مجرد دولة تعاني من أزمة داخلية. لقد تحولت إلى رقعة شطرنج جيوسياسية كبرى، حيث تلعب القوى العالمية والعظمى أدوارها، وتتصارع على النفوذ، وتختبر حدود بعضها البعض. إنها ساحة حرب بالوكالة في زمن السلم، ومختبر للعالم متعدد الأقطاب في أقصى غرب الكرة الأرضية.

روسيا: اللاعب الاستراتيجي الذي وجد ثغرة في الدرع الأمريكي
لموسكو، فنزويلا هي هبة جيوسياسية ثمينة:

· حليف استراتيجي في خاصرة العدو: وجود روسي في فنزويلا هو بمثابة سكين موجه إلى خاصرة الولايات المتحدة. إنه يرد على توسع الناتو في أوروبا الشرقية بـ توسع روسي في الكاريبي.
· استثمارات واستخراج: شركات النفط الروسية (مثل روسنفت) تعمل في الحقول الفنزويلية. هناك استثمارات في الذهب والمعادن النادرة. إنه استخراج للثروات وشراء للنفوذ.
· قاعدة عسكرية وإشارات عسكرية: إرسال قاذفتين استراتيجيتين أو سفن حربية إلى فنزويلا هو رسالة رمزية قوية: "نستطيع الوصول إلى جوارك أيضاً."
· ورقة ضغط في المفاوضات العالمية: فنزويلا هي بطاقة مساومة في اللعبة الكبرى بين روسيا والغرب. يمكن استخدامها للضغط في ملفات أخرى مثل أوكرانيا أو سوريا.

إيران: تحالف المحاصرين
لطهران، فنزويلا شريك في مصير مشترك:

· شريك في مواجهة العقوبات: كلا البلدين تحت حصار مالي ونفطي أمريكي. تبادل الخبرات في التحايل على العقوبات، واستخدام أنظمة دفع بديلة.
· البوابة إلى أمريكا اللاتينية: فنزويلا هي مدخل إيران إلى القارة، حيث تمد نفوذها الثقافي والديني وتقيم علاقات مع جماعات وحكومات أخرى.
· مقايضة النفط بالتكنولوجيا: قد تقدم إيران مساعدات فنية أو حتى عسكرية مقابل النفط الفنزويلي.

كوبا: الحليف الأيديولوجي والعملي
هافانا، رغم صغرها، تلعب دوراً حاسماً:

· المستفيد الرئيسي من النفط المدعوم: لعقود، حصلت كوبا على إمدادات نفطية رخيصة من كاراكاس، كانت شريان الحياة لاقتصادها المحاصر.
· المستشار الأيديولوجي والسياسي: الخبرة الكوبية في التحكم الاجتماعي، الأمن الداخلي، والتعبئة السياسية قدمت دعماً لا يقدر بثمن للنظام الفنزويلي.
· الجسر نحو تحالفات أخرى: ساعدت كوبا في بناء جسور بين فنزويلا وحلفاء آخرين في العالم مثل إيران.

الصين: اللاعب الاقتصادي الطويل النفس
بكين تتعامل مع فنزويلا بمنطق الإمبراطورية المريحة والصبورة:

· استثمارات ضخمة وطويلة الأجل: أكثر من 60 مليار دولار من القروض والاستثمارات في البنية التحتية والنفط مقابل ضمانات إمدادات.
· الوجود الاستراتيجي دون ضجيج: تختلف عن الروس، الصينيون لا يرسلون قاذفات. حضورهم اقتصادي بحت، لكنه يمنحهم نفوذاً هائلاً. هم الدائن الرئيسي، مما يعني أن مستقبل فنزويلا الاقتصادي مربط بخيوط في أيديهم.
· اختراق نصف الكرة الأرضية: فنزويلا هي جزء من استراتيجية الصين الأوسع لبناء شبكة عالمية من النفوذ الاقتصادي، وتقليل الاعتماد على الممرات البحرية التي تسيطر عليها أمريكا.

أمريكا والمأزق الاستراتيجي: الضربة التي ترتد
أما واشنطن، فتجلس أمام معضلة مستعصية:

· العقوبات: سلاح ذو حدين قاتل: العقوبات الشديدة زادت من معاناة الشعب الفنزويلي بدون إسقاط النظام. بل قد تكون عززت من قبضة النظام، الذي استخدمها في دعايته كدليل على "الحصار الإمبريالي".
· التدخل العسكري: كابوس محتمل: غزو فنزويلا سيكون مستنقعاً أسوأ من أفغانستان والعراق. جغرافيا وعرة، شعب منقسم، وجيش مدجج بالسلاح ومدعوم من روسيا. العواقب ستكون كارثية على المنطقة وعلى صورة أمريكا في العالم.
· الخيار الثالث غير موجود: الدبلوماسية فشلت، والضغط الاقتصادي لم ينجح، والتدخل العسكري خطير. أمريكا تائهة بين خيارات كلها مريرة.

فنزويلا، بهذا الشكل، هي صورة مصغرة للعالم الجديد: عالم تتصارع فيه قوى عظمى ومتوسطة على النفوذ في ساحات بعيدة، حيث الدول الصغيرة تصبح مسارح لحروب بالوكالة، وحيث معاناة الشعوب تصبح ضحية للحسابات الجيوسياسية الكبرى. إنها تثبت أن "الفناء الخلفي" لم يعد موجوداً، وأن الحدود بين الداخل والخارج، بين الوطني والعالمي، قد تلاشت. في متاهة فنزويلا، نرى انعكاساً لاضطراب النظام العالمي بأسره: قوة عظمى تحاول الحفاظ على الهيمنة، وقوى صاعدة تتحداها، وشعوب عالقة في الوسط، تدفع ثمن لعبة ليست لعبتهم.


…..

الجزء الثالث: كوبا - الجزيرة التي ترفض الموت

أسطورة صمود

كوبا... ليست مجرد جزيرة في البحر الكاريبي، بل هي فكرة تتحدى الجيولوجيا السياسية للعالم. إنها الندبة الواقية على جسد الجغرافيا الأمريكية، والمختبر الأكثر إيلاماً لفرضية الصمود في وجه إمبراطورية القرن العشرين والحادي والعشرين. حوصرت بعنف صامت وضجيج عالٍ ستين عاماً، وتنفست تحت وطأة أقسى حصار اقتصادي عرفه العصر الحديث، مُصمَّماً ليس لإسقاط نظام فحسب، بل لتحطيم روح شعب وإرادته في الوجود المستقل. حين سقط التمثال السوفييتي العملاق، الذي كان يظلل الجزيرة بدعم يقدر بستة مليارات دولار سنوياً – دم شرياني اصطناعي للحياة – توقع المراقبون والمتربصون انهياراً كارثياً، انكماشاً عضوياً، استسلاماً لا مفر منه لمنطق التاريخ المهيمن. لقد دفنوها قبل أوانها، ونعوها بلسان الاقتصاد والإحصاء. لكن كوبا لم تنهر. لم تُغلق أبوابها على جثث أحلامها. بل نهضت من تحت الرماد، مثل طائر الفينيق الاشتراكي، لتروي للعالم سردية أخرى، سردية الصمود، تلك الكلمة التي تحولت من شعار إلى بنية تحتية للحياة.

فلماذا بقيت، وكيف؟ ليس الجواب مفردة واحدة، بل هو نسيج معقد من العوامل الذاتية والموضوعية، يلمسه تحليل سمير أمين للصراع بين المركز والأطراف، حيث تُجبر الأطراف على خلق أشكال تراكم بديلة في مواجهة الاستقطاب العالمي.

أولاً: الوطنية الكوبية كنتاج للعداء: التشييد المعاكس للهوية. لم يكن العداء الأمريكي مجرد عامل ضغط خارجي، بل كان أداة تشكيل داخلي جبارة. لقد مارس، دون أن يقصد، وظيفة "الآخر" المُطلق، الصانع الأكبر للتماسك. حوَّل التهديد الوجودي المستمر الشعور الوطني من كيان ثقافي تاريخي إلى كيان دفاعي سياسي يومي. إن مقولة "الولايات المتحدة تريد تدميرنا، لذلك يجب أن نتحد" ليست مجرد شعار دعائي؛ إنها المعادلة الوجودية التي اخترقت كل طبقات المجتمع. لقد حولت الحصار من نقمة إلى أداة لصهر الهوية، حيث أصبح المقاوم مشروعاً وطنياً جماعياً. هذا ما يسمح لفكر أمين بتفسيره: ففي مواجهة منطق "التراكم على النطاق العالمي" الذي تقوده المركز الإمبريالي، تلجأ الأطراف المحاصَرة إلى تعبئة مواردها المعنوية والمجتمعية، إلى خلق "نزعة انفصالية" عن النظام العالمي، ليس كخيار مثالي، بل كضرورة للبقاء. الوطنية الكوبية المحاصَرة هي تجسيد لهذه "النزعة الانفصالية" القسرية، التي حوَّلت الجزيرة إلى قلعة معنوية.

ثانياً: النظام الاجتماعي: تراكم رأس المال البشري كبديل عن تراكم رأس المال المالي. هنا يكمن جوهر "البديل الكوبي" في منظور أمين. فبينما يركز منطق المركز على تراكم الثروة المالية والسلع، ركزت كوبا – مضطرة واختياراً – على تراكم رأس المال البشري. التعليم المجاني الشامل ذو الجودة العالية، والصحة العامة المجانية التي وصلت بمؤشراتها إلى مصاف الدول المتقدمة، لم يكونا كماليات اجتماعية، بل كانا استراتيجية بقاء. لقد استثمرت الدولة الفقيرة مادياً في ثروتها الوحيدة: شعبها. هذا الاستثمار خلق شبكة أمان اجتماعي هائلة، وحّدت المصير المشترك للناس بالدولة، ووفرت شرعية عميقة لنظام يفتقر إلى شرعية الوفرة الاستهلاكية. إنها محاولة لقلب معادلة التبعية: فبدلاً من أن تكون طرفاً مصدِّراً للمواد الخام ورخيص العمل، تصدِّر الكفاءات والخدمات الإنسانية. هذا "التراكم البديل" هو ما حمى النسيج الاجتماعي من التمزق تحت وطأة الشح المادي.

ثالثاً: الدبلوماسية الذكية: اختراق الحصار عبر التضامن الدولي. لم تستطع كوبا كسر الحديد العسكري-الاقتصادي الأمريكي، فاخترقته بإبرة الأخلاق والتضامن. إن تصدير الأطباء والمدرسين والكوادر التقنية إلى أفقر بقاع العالم – إلى أفريقيا التي مزقها الإيدز، وأمريكا اللاتينية التي حرمتها الرأسمالية الهامشية من أبسط الخدمات – لم يكن عملاً خيرياً فحسب، بل كان دبلوماسية ثورية عالية الإتقان. لقد حوَّلت ضعفها (الفائض من الكفاءات في اقتصاد محدود) إلى قوة ناعمة كاسحة. كل طبيب كوبي في فنزويلا أو هايتي أو بوليفيا كان سفيراً يتكلم بلغة العطاء الملموس، ويكسب تعاطفاً عالمياً يترجم أحياناً إلى دعم سياسي في المحافل الدولية، ويوفر دخلاً من العملات الصعبة يدعم الاقتصاد المنهك. إنه تحويل "فائض القيمة" البشري إلى رافعة جيوسياسية، في لعبة معقدة ضد منطق فائض القيمة المالي الذي يهيمن على النظام العالمي.

رابعاً: القدرة على التكيف: الاقتصاد الازدواجي وأشكال التراكم الهجين. اضطرت كوبا، في ظل غياب الدعم الخارجي المنظم، إلى تبني براغماتية البقاء. فظهر اقتصاد موازٍ معقد: قطاع سياحي دولي يُدار كجيب رأسمالي محمي، وفتح الباب للاستثمار الأجنبي المحدود في قطاعات إستراتيجية، والاعتماد على التحويلات المالية للمغتربين الكوبيين في فلوريدا (وهو تناقض لافت: أموال من "العدو" تغذي اقتصاد المقاومة). هذا الخليط الهجين – اشتراكية الدولة، وطبقات من الرأسمالية المُدارة، واقتصاد غير رسمي واسع – هو تجسيد عملي لـ "التكيف" في الأطراف المضغوطة. إنه محاولة لاستيعاب بعض آليات السوق دون التخلي عن الهيكل السياسي-الاجتماعي الأساسي، أو ما يسميه أمين محاولة "الانفصال النسبي" والتفاوض مع النظام العالمي من موقع الضعف.

لكن أسطورة الصمود، ككل الأساطير، لا تخلو من ثمن دموي وصدوع عميقة:

· اقتصاد منهك: تكاليف المقاومة باهظة. بنية تحتية متهالكة، نقص مزمن في السلع الأساسية، واعتماد مرهق على الاستيراد. إنها معاناة يومية تختبر صبر المواطن العادي.
· هجرة الشباب: نزيف المستقبل. يهاجر الآلاف، خاصة من الشباب المتعلم، بحثاً عن فرص مادية وأفق شخصي أوسع. هذا النزيف المستمر للطاقات الحيوية يهدد استدامة نموذج الصمود ذاته، ويطرح سؤالاً موجعاً عن قدرة "الفكرة" على إعالة الأجيال الجديدة.
· إحباط بيروقراطي ورقابي: نظام الصمود أنتج جهازاً دولة ضخماً وبيروقراطية متصلبة، تخنق المبادرة الفردية أحياناً باسم الوحدة والدفاع. الرقابة على التعبير، والخوف من التعددية، يولدان إحباطاً صامتاً ينخر في جذع الشجرة الصامدة من الداخل.

وهكذا، فإن أسطورة الصمود الكوبي هي ليست قصة انتصار ساحر، بل هي ملحمة تراجيدية مستمرة، حيث تختلط البطولة بالمعاناة، والإصرار على الكرامة بتكاليفها المجنونة. إنها مختبر حي لفكرة: إلى أي مدى يمكن لمجتمع أن يدفع ثمناً لاختيار سيادته في عالم مصمم لسلبها؟


كوبا في عصر ما بعد كاسترو: بين إرث الأسطورة وضغوط الواقع

كان موت فيدل كاسترو في عام 2016 بمثابة زلزال تأويلي. لقد سقط الرمز الأعظم، الرجل الذي كان جسده وسيرته مختزلاً للجزيرة كلها: للمقاومة، للكبرياء، للعناد، وللأخطاء أيضاً. سؤال الرهان العالمي كان: هل تموت الأسطورة بموت الرمز؟ هل كانت كوبا مجرد امتداد لشخصية كاريزمية واحدة؟ لقد كانت اللحظة اختباراً حقيقياً لمتانة المؤسسة التي بناها ضد جاذبية الشخصية.

انتقلت السلطة بشكل مؤسساتي مذهون بالهدوء إلى راؤول كاسترو (2008-2021)، الرجل العملي، مهندس الجيش ذي الكفاءة العالية. أطلق راؤول موجة من "الإصلاحات المحدودة": فتح هامش أكبر للنشاط الاقتصادي الخاص، وتحديث بعض القوانين، والانفتاح الدبلوماسي التاريخي مع إدارة أوباما. لكن إيقاع التغيير كان بطيئاً، مقيداً بخوف من الانزلاق، وبقوة المحافظين داخل الحزب، وبالخشية من أن يؤدي أي انفراط سريع إلى فوضى يستغلها العدو التاريخي. لقد حاول المشي على حبل مشدود بين تحديث الاقتصاد والحفاظ على السيطرة السياسية، وهو معضلة كل الأنظمة التي تنتقل من مرحلة الثورة إلى مرحلة ما بعدها.

ثم جاء ميغيل دياز كانيل (2021-الآن)، أول رئيس من غير جيل "الهيستوريكوس"، ليواجه عاصفة من التحديات التي كشفت هشاشة الصمود وثقل الإرث:

· جائحة كوفيد-19: اختبار النظام الصحي الأسطوري. ضربت الجائحة كوبا وهي في أضعف حالاتها الاقتصادية. وكشفت، رغم الجهود البطولية لتطوير لقاحات محلية، عن شروخ عميقة في النظام الصحي: نقص حاد في الأدوية الأساسية، وبنية تحتية طبية متآكلة. لقد هدد المرض أسطورة من أهم أساطير شرعية النظام.
· الاحتجاجات غير المسبوقة في يوليو 2021: انفجار الصمت. خرج الآلاف في شوارع مدن متعددة، يهتفون "نحن جائعون" و"حرية". لم تكن احتجاجات بقيادة معارضة منظمة تقليدياً، بل كانت انفجاراً شعبياً عفوياً لغضب متراكم من الانهيار المعيشي. لقد هزت هذه الاحتجاجات صورة التماسك الوطني، وأظهرت جيلاً جديداً أقل تأثراً بخطاب "العدو التاريخي" وأكثر انشغالاً بندوب الحاضر.
· أزمة اقتصادية حادة: الانهيار متعدد الأوجه. تفاقم الحصار الأمريكي تحت إدارة ترامب وبايدن (عبر وضع كوبا على قائمة الدول الراعية للإرهاب)، وانكماش الدعم من حليفها الفنزويلي المضطرب، وتداعيات الجائحة، كلها أوصلت الاقتصاد إلى حافة الهاوية. نقص الغذاء والوقود والأدوية أصبح واقعاً يومياً خانقاً.
· ضغوط أمريكية متجددة: عودة القبضة الحديدية. عادت واشنطن إلى سياسة المواجهة الكاملة، مغلقة أي نافذة أمل فتحها أوباما. يهدف الحصار الآن ليس لإسقاط النظام فحسب، بل لإحداث انهيار إنساني يبرر "التدخل".

لكن، رغم هذا المشهد القاتم، لا تزال كوبا لاعباً إقليمياً ودولياً ذا وزن لا يتناسب مع حجمها الاقتصادي أو قوتها العسكرية:

· نموذج المقاومة: الدرس المستمر. بالنسبة لإيران، فنزويلا، نيكاراغوا، وحتى للحركات الاجتماعية في العالم، تبقى كوبا دليلاً حياً على إمكانية الصمود. إنها مختبر لتكتيكات البقاء تحت العقوبات، وفن تحويل العزلة إلى منصة أخلاقية.
· حليف إقليمي استراتيجي: محور المقاومة. علاقاتها العضوية مع فنزويلا (التي وفرت نفطاً بأسعار تفضيلية) ونيكاراغوا والحركات اليسارية في المنطقة، تجعلها عموداً في محور معادٍ للهيمنة الأمريكية في فنائها الخلفي.
· وسيط دولي ذو مصداقية: قوة القيم. لعبت كوبا دوراً حاسماً في مفاوضات السلام بين حكومة كولومبيا والقوات المسلحة الثورية الكولومبية (فارك). دورها نابع من مصداقيتها الثورية وتجربتها، ودون أجندة استعمارية أو اقتصادية خفية.

درس كوبا للأعماق

كوبا تعلم العالم درساً مركّباً: فالدول الصغيرة يمكنها البقاء، ليس إذا امتلكت القوة العسكرية أو الثروة، بل إذا امتلكت إرادة سياسية منظمة وهوية وطنية متينة، وإذا استطاعت تحويل ضعفها المادي إلى قوة أخلاقية وسياسية. لكن الدرس الآخر، الأكثر قتامة، هو أن هذا البقاء محفوف بثمن إنساني هائل. إنه مسار تراجيدي، حيث تتحول الكرامة إلى سلعة ثمينة يُدفع ثمنها من لحم وروح الشعب يومياً.

كوبا اليوم على مفترق طرق: إما أن تجد طريقة لتحديث نموذجها الاقتصادي-الاجتماعي دون تفجير هيكلها السياسي، وإما أن تظل تواجه خطر التآكل الداخلي البطيء. أسطورة صمودها لا تزال حية، لكنها تواجه الآن اختباراً من نوع جديد: اختبار الزمن، واختبار توقعات أبنائها في عالم منفتح عبر الشاشات الرقمية. إنها الجزيرة التي ترفض الموت، لكنها تُجبر، في رفضها هذا، على إعادة تعريف معنى الحياة نفسها في ظل شروط قاسية يفرضها نظام عالمي لا يرحم.


……

الجزء الرابع: نيكاراغوا - الثورة التي تحولت إلى ديكتاتورية: تشريح الانحراف في ضوء نظرية المركز والأطراف

( من ساندينو إلى أورتيغا: مسار ملتوي وتشوه المشروع الوطني)

لطالما كانت نيكاراغوا، في المخيال الجيوسياسي الأمريكي، الحلم والكابوس المتلازمان. الحلم: أن تتحول هذه البقعة الجغرافية المضطربة في أمريكا الوسطى إلى نموذج تابع مخلص، يحاكي صوراً من الديمقراطية الليبرالية الهشة والتقدم الاقتصادي المُدار من واشنطن، ليصير شاهدا على رحمة الإمبراطورية وقدرتها على "التحديث". والكابوس: أن تتحول إلى قلعة عدوة، إلى قاعدة متقدمة لنشر عدوى التمرد الاشتراكي والاستقلال الوطني في الفناء الخلفي للولايات المتحدة. هذا التناقض الأزلي يختزل مأساة نيكاراغوا وهويتها: إنها مسرح للصراع بين إرادة ذاتية للتحرر، وبين القبضة الحديدية لمنطق المركز الإمبريالي كما يحلله سمير أمين، الذي لا يسمح للأطراف إلا بأدوار محددة في مسرحية التراكم العالمي لصالحه.

في هذا السياق، كانت الثورة الساندينية (1979) لحظة انفجار هائل ضد ذلك المنطق. لم تكن مجرد تغيير لنظام الحكم، بل كانت محاولة جذرية لـ "الانفصال" عن النظام الرأسمالي العالمي المهيمن والتشابك التبعي مع الولايات المتحدة. لقد أطاحت بحكم عائلة سوموزا، التي كانت النموذج الأمثل للبرجوازية الكومبرادورية كما يصوّرها أمين: طغمة محلية متحالفة عضوياً مع رأس المال الأجنبي، مهمتها الأساسية تسهيل نهب الثروات الوطنية وتثبيت التبعية. جاء الساندينيون يحملون مشروعاً وطنياً تحررياً:

· إصلاحات اجتماعية جذرية: حملات لمحو الأمية، وإصلاح زراعي، وتأميم قطاعات إستراتيجية، في محاولة لبناء تراكم بديل يرتكز على العدالة الداخلية وتلبية الحاجات الأساسية للشعب.
· تحالف مع محور مضاد للإمبريالية: التحالف مع كوبا والاتحاد السوفييتي لم يكن مجرد انحياز أيديولوجي، بل كان استراتيجية بقاء في مواجهة العزلة، ومحاولة لإيجاد شريك في التراكم خارج الدائرة الأمريكية، مما يعيد إنتاج فكرة "الانفصال النسبي" عن النظام الرأسمالي المركزي.
· مواجهة حرب الكونترا: لم تكن هذه الحرب مجرد صراع محلي، بل كانت النموذج الكلاسيكي لرد فعل المركز، كما يراه أمين: استخدام القوة العسكرية المباشرة وغير المباشرة (من خلال وكلاء محليين) لسحق أي محاولة في الأطراف للخروج من منطق التبعية وإعادة إنتاج علاقات إنتاج مستقلة.

لكن الثورة فقدت بريقها، وتآكلت من الداخل قبل أن تكسرها الضربات من الخارج. هنا يكمن مأساة المسار السانديني: التأخر في الانتقال من مرحلة "الانفصال" الثوري إلى مرحلة "التراكم الوطني المستقل" المستدام. فشل ناتج عن مزيج من الضغوط الخارجية الخانقة (الحرب الاقتصادية الأمريكية وحرب الكونترا)، وأخطاء داخلية في الإدارة الاقتصادية (الميول الشمولية والتخطيط المركزي الجامد)، وانحرافات في الممارسة السياسية بدأت تظهر مع الوقت.

من بين هذه الشقوق، برزت شخصية دانيال أورتيغا لتعيد تشكيل مصير البلاد بشكل تراجيدي. عودته إلى السلطة عام 2007 لم تكن عودة "الثوري التائب" أو "المصلح المتصالح"، بل كانت تغييرا معيناً للمشروع السانديني. لقد أعاد ترتيب الروح الجماعية التشاركية للثورة، ليبني سلطة عائلية-حزبية جديدة، تكرس سلطة نخبة ليست واسعة تحت شعارات ثورية
المفارقة : لقد تحول الثوري المناهض للإمبريالية إلى وضع شبه محافظ، والمتمرد ضد نظام سوموزا العائلي إلى مؤسس لنظام عائلي-حزبي جديد. لقد حلت البيروقراطية الحاكمة، في تحليل أميني، محل البرجوازية الكومبرادورية القديمة، لكنها حافظت على بنية الدولة ، وحولت الخطاب الثوري إلى غطاء أيديولوجي لتراكمها الخاص وتحالفها مع موسكو وبكين.

(نيكاراغوا كحليف استراتيجي: لعبة المرايا في ساحة الصراع المركزي)

رغم صغرها واقتصادها الهش، تكتسب نيكاراغوا تحت حكم أورتيغا أهمية استراتيجية لافتة، لا تتعلق بقوتها الذاتية، بل بموقعها كقطعة في رقعة الشطرنج الجيوسياسي العالمي. هنا تتحول نيكاراغوا من فاعل إلى مساحة صراع، وهو ما يوضحه تحليل أمين للتنافس بين المراكز الإمبريالية (القديمة والجديدة) على الهيمنة على الأطراف.

لروسيا: نافذة في الغرفة الموصدة.
نيكاراغوا ليست مجرد حليف لروسيا؛ إنها رمز ونقطة اختراق.

· حليف سياسي وعسكري في أمريكا اللاتينية: تقدم منصة لدعم الدبلوماسية الروسية وتحدي العقوبات الغربية. التدريبات العسكرية المشتركة ووجود عسكري روسي محدود (أو إمكانيته) يمثلان إبرازاً للعضلات في المنطقة التي تعتبرها الولايات المتحدة بحيرة خاصة بها.
· تحدٍ مباشر للهيمنة الأحادية الأمريكية: إنه جزء من استراتيجية بوتين لخلق عالم متعدد الأقطاب، حيث تظهر روسيا كقوة قادرة على العمل في جميع أنحاء العالم، حتى في الفناء الخلفي للعدو اللدود.

لكوبا وفنزويلا: حجر الزاوية في "المحور اليساري" المتراجع.
ضمن ما تبقى من مشروع بوليفاري، تشكل نيكاراغوا معقلاً سياسياً مهماً:

· دعم دبلوماسي متبادل: التصويت المتضامن في المنظمات الدولية، والتغطية السياسية المتبادلة ضد الانتقادات الدولية لحقوق الإنسان.
· شبكة أمان إقليمية: تشكل مع فنزويلا وكوبا مثلثاً للمقاومة (وإن كان ضعيفاً) للضغوط الأمريكية، مما يوفر هامشاً من المناورة لكل منها.

لـ الصين: رهان جيو-اقتصادي طويل المدى.
المصالح الصينية أكثر براغماتية واقتصادية بحتة:

· مشروع قناة نيكاراغوا: هذا الحلم/الكابوس القديم يمثل تحدياً مباشراً لأحد رموز الهيمنة الأمريكية الجيوسياسية والتجارية: قناة بنما. لو تحقق (وهو مشروع ضخم ومشكوك في جدواه)، فإنه سيعيد رسم خرائط الشحن العالمي ويعزز النفوذ الصيني في نصف الكرة الأرضية بشكل غير مسبوق.
· استثمارات في البنية التحتية: كجزء من مبادرة "الحزام والطريق"، تسعى الصين لبناء الموانئ والطرق، لا كأعمال خيرية، بل كوسيلة لربط الموارد والمسارات التجارية بمصالحها الاستراتيجية، وتعميق الاعتماد الاقتصادي للدولة المضيفة عليها.

**أمام هذه المعادلة المعقدة، تواجه الولايات المتحدة معضلة استراتيجية عميقة: كيف تتعامل مع نظام هو، من منظورها، قمعي ومعادٍ، لكنه يتمتع بشرعية دولية (عبر انتخابات ) وتحالفات قوية؟

· العقوبات: تُفرض بالفعل، لكنها تدفع النظام لمزيد من التمسك بحلفائه الروس والصينيين، وتؤذي الشعب دون إسقاط النظام، وتوفر لأورتيغا ذريعة لتوحيد الصفوف ضد "العدو الخارجي".
· التدخل المباشر: مخاطرة جيوسياسية هائلة في عالم اليوم، قد تؤدي إلى مواجهة مع روسيا أو الصين، وتضر بصورة الولايات المتحدة دولياً.
· التجاهل: يعني تقبل وجود قاعدة معادية في المنطقة، مع ما يحمله ذلك من مخاطر على الأمن القومي الأمريكي التقليدي.

وهكذا، تجد نيكاراغوا نفسها في قلب العاصفة: ديكتاتورية محلية تستخدم التنافس بين المراكز العالمية لضمان بقائها، ومراكز عالمية تستخدم النظام المحلي كورقة ضغط في صراعها الأوسع. إنها الصورة الحية لـ "الأطراف" التي، في سعيها للبقاء أو في انحراف نخبتها الحاكمة، تتحول إلى ساحة لصراعات القوى الكبرى، مُكرسةً تبعيتها بشكل جديد، حتى وإن كانت ترفع شعارات الاستقلال والعداء للإمبريالية. إنها تراجيديا الثورة التي لم تستطع أن تحرر نفسها من منطق النظام العالمي، فسقطت في فخاخه، لتصبح جزءاً من آليته المعقدة والمأساوية.

…….

الجزء الخامس: لاعبون جدد في الفناء الخلفي القديم: إعادة تشكيل الجغرافيا السياسية تحت ضوء نظرية التحدي للهيمنة

( روسيا تعود إلى الكاريبي: انتقام التاريخ وإستراتيجية الاستنزاف)

لم تكن أزمة الصواريخ الكوبية عام 1962 مجرد مواجهة عابرة في ذاكرة السياسة الروسية؛ لقد كانت ندبة تأسيسية في الوعي الجيوسياسي السوفييتي ثم الروسي، لحظة من المجازفة القصوى والتراجع المرير تحت الضغط. لم تنسَ موسكو قط أن الكاريبي كان، ولا يزال، الحد الأقصى للاختراق الاستراتيجي الممكن تجاه قلب القوة الأمريكية. عودتها اليوم ليست تكراراً للحلبة السوفييتية القديمة، بل هي نسخة معاصرة أكثر دهاءً وأقل إيديولوجية، تشنها قوة لا تطمح لانتشار الشيوعية، بل لـ تفكيك النظام العالمي أحادي القطبية الذي تراه نتاجاً لانتصار خصمها التاريخي. إنها عودة تُقرأ، في ضوء تحليل سمير أمين للصراع بين المراكز المتنافسة، كمحاولة من قوة مركزية سابقة، أُجبرت على التهميش، لاستعادة موقعها عبر تعطيل هيمنة المركز المهيمن، وذلك من خلال التأثير على أطرافه الأكثر حساسية.

الأدوات الروسية: ترسانة الهجين بين القوة الصلبة والناعمة

1. الدبلوماسية الاستعراضية والتأكيد على السيادة: تتحول الزيارات الرسمية رفيعة المستوى، والتمارين العسكرية المشتركة (مثل "العمليات المناهضة للمخدرات" مع فنزويلا أو نيكاراغوا)، إلى طقوس رمزية جيوسياسية. هدفها المزدوج: طمأنة الحلفاء المزعزعين بأنهم ليسوا وحدهم، وإرسال رسالة واضحة لواشنطن مفادها أن "القواعد قد تغيرت". إنها دبلوماسية تتحدى مفهوم "الفناء الخلفي" الأمريكي، وتؤكد على تعددية الأقطاب كواقع قيد التشكيل.
2. الاقتصاد كأداة للتغلغل الاستراتيجي: الاستثمارات الروسية في قطاعات الطاقة (مثل شركة "روزنفت" في فنزويلا وكوبا) والتعدين، ليست بحثاً عن عوائد مالية عالية فحسب، بل هي إبرام لتحالفات مصلحية عضوية. إنها تخلق تبعيات مادية، وتوفر شريان حياة للأنظمة المحاصرة، وترسي وجوداً مادياً يصعب اقتلاعه. حتى الاستثمارات في السياحة (الفنادق، خطوط الطيران) تعمل على تعميق النفوذ وتطبيع الوجود الروسي.
3. العسكري: الوجود الرمزي والقدرات غير المتماثلة. لا تطمح روسيا لإقامة قواعد بحجم غوانتانامو، بل تكفيها الإشارات الدالة. بيع الأسلحة المتطورة (مثل أنظمة الدفاع الجوي) للدول المعارضة للولايات المتحدة، وتدريب الضباط، وزيارات السفن الحربية، كلها أدوات لـ رفع التكلفة المحتملة لأي تدخل أمريكي. إنها تحول الدولة المضيفة إلى حصن مُسلَّح رمزياً، يزيد من تعقيد حسابات البنتاغون.
4. الحرب المعلوماتية والخطاب المضاد للهيمنة: شبكة "RT" و "سبوتنيك" الناطقة بالإسبانية ليست محطات إخبارية بريئة. إنها أدوات لصياغة الرواية. تعمل على تغذية وتضخيم الخطاب المعادي للإمبريالية الأمريكية، وترويج رواية "الغرب المزدوج المعايير"، وتقديم روسيا كحامية للسيادة الوطنية وحق الشعوب في اختيار طريقها. إنها تحارب من أجل الشرعية الإدراكية في ساحة كانت حكراً شبه كامل على الإعلام الغربي.

الأهداف الاستراتيجية الروسية: من منطق الردع إلى هندسة التوازن

1. الانتقام الجيوسياسي وإعادة التوازن: إن التوسع السريع لحلف الناتو شرقاً نحو حدود روسيا يُعتبر في موسكو خرقاً للوعود وخطاً أحمر. الوجود في الكاريبي هو رد غير مباشر ولكنه مؤلم. الجوهر: "إذا كان بمقدوركم الاقتراب من ساحلي، فبمقدوري إثارة القلق في فناء منزلكم." إنه تطبيق لمبدأ "الرد المتناظر" في ساحة مختلفة، محاولة لخلق توازن رعب جيوسياسي جديد.
2. الاستنزاف وإشغال الخصم في جبهات متعددة: تدرك الاستراتيجية الروسية أن قوة أمريكا، رغم هائلتها، موزعة على مسرح عالمي. بإثارة القلق في منطقة حيوية مثل أمريكا اللاتينية، تجبر موسكو واشنطن على تشتيت الموارد والانتباه. كل دولار وجهاز استخباراتي وأدميرال يُحول إلى مراقبة التحركات الروسية في الكاريبي، هو مورد يُسحب من أوروبا الشرقية أو الشرق الأوسط.
3. إعادة تأكيد المكانة كقوة عالمية لا يُستهان بها: الوجود في الكاريبي هو تذكير عملي بأن روسيا ليست قوة إقليمية محصورة في أوراسيا فحسب. إنها سردية ضرورية لشرعيتها الداخلية ولتفاوضها الدولي: "نحن لاعب في جميع اللوحات." هذا يعزز من قدرتها على المطالبة بمقعد على طاولة تقاسم النفوذ العالمي.
4. المصالح الاقتصادية والأمن الطاقي: رغم تواضعها مقارنة بالمصالح الصينية، إلا أن السعي للوصول إلى الموارد (النفط الفنزويلي، المعادن النيكاراغوية) وفتح أسواق جديدة للأسلحة والتكنولوجيا الروسية، يظل هدفاً مادياً يساعد في تمويل الاستراتيجية الجيوسياسية الأوسع ويدعم القطاعات الصناعية-العسكرية الروسية.

(الصين: القوة الناعمة القاسية وإستراتيجية الاختراق النظامي)

بينما تتصدر روسيا عناوين الأخبار بزوارقها الحربية وتمارينها الاستعراضية، تمشي الصين بخطى ثقيلة ولكن هادئة، مثل عملاق جيولوجي يغير معالم الأرض دون ضجيج. لا تعلن بكين عن ثورتها في الفناء الخلفي الأمريكي بصخب إيديولوجي؛ إنها تبنيها طوبة طوبة، وميناء ميناء، وعقدة تلو الأخرى. حضورها لا يستفز بالخطابات، بل يُفرض بالوقائع الاقتصادية المنجزة. هذا النهج يعكس، في إطار فكر أمين، استراتيجية قوة مركزية صاعدة تسعى لإعادة هيكلة النظام العالمي من خلال إعادة تعريف آليات التبعية والتراكم نفسها، عبر شبكات التجارة والاستثمار بدلاً من المواجهات الأيديولوجية المباشرة.

أدوات الاختراق الصيني: بناء البنى التحتية للتبعية الجديدة

1. استثمارات البنية التحتية: تشريح الجغرافيا الاقتصادية. مشاريع الصين ليست عشوائية؛ إنها خياطة ذكية للنسيج الاقتصادي الإقليمي باتجاه مصالحها.
· الموانئ في البهاما وجامايكا وترينيداد: ليست مجرد منشآت تجارية، بل هي عُقد في سلسلة التوريد العالمية الصينية. تسهل تدفق البضائع من قناة بنما ومنطقة المحيط الهادئ نحو الأسواق الأطلسية، وتوفر نقاط ارتكاز لوجستية قد تتحول، في حالات الأزمات، إلى أصول إستراتيجية.
· مشاريع الطاقة في كوبا: استغلال النفط الكوبي، والاستثمار في الطاقة المتجددة، يُحقق هدفين: تأمين مصادر طاقة ومساعدة حليف محاصر، مما يربطه ببكين بعلاقة امتنان واعتماد مادي.
· قناة نيكاراغوا المقترحة: هذا هو الحلم الجيوسياسي الأكبر. لو تحقق، فلن يكون مجرد منافسة لقناة بنما، بل سيكون إعادة رسم لخريطة القوة التجارية والعسكرية العالمية. سيخلق ممراً مائياً بديلاً تسيطر عليه الصين (عبر شركة "هوانغ جينغ" الخاصة)، ويقلص من القوة الاستراتيجية للولايات المتحدة المرتبطة بقناة بنما.
2. القروض والدبلوماسية: نموذج بديل أم فخ ديون جديد؟ تقدم بكين قروضاً "بدون شروط سياسية"، وهي مقارنة متكررة ومفيدة مع الشروط الصارمة للبنك الدولي وصندوق النقد الدولي. لكن هذا التحرر من الشروط السياسية المباشرة يقابله عادة ربط المشاريع بالمقاولين والمعدات الصينية، مما يضمن عودة رأس المال إلى الاقتصاد الصيني. إنه نموذج يخلق تبعية تقنية ومالية طويلة الأجل. دعمها للدول المعزولة (كوبا، فنزويلا) يكسبها ولاءً دبلوماسياً في المحافل الدولية حيث تحتاج بكين للأصوات.
3. التبادلات الثقافية والتعليمية: غرس الألفة. آلاف المنح الدراسية للطلاب اللاتينيين، معاهد كونفوشيوس، والتبادل الثقافي، كلها تستهدف النخب المستقبلية. الهدف هو خلق جيل من السياسيين والبيروقراطراطيين ورجال الأعمال الذين يفهمون اللغة الصينية، ويشعرون بالألفة مع النموذج الصيني، ويرون في بكين شريكاً طبيعياً وليس تهديداً.

الأهداف الصينية الاستراتيجية: من الهيمنة الإقليمية إلى إعادة تشكيل النظام العالمي

1. الموارد والأمن الاقتصادي: الحاجة إلى النفط والمعادن والأراضي الزراعية لتغذية الآلة الصناعية الصينية الهائلة هي الدافع المادي الأولي. أمريكا اللاتينية هي مخزن موارد حيوي، والسيطرة على مسارات وصوله تُعزز الأمن القومي الاقتصادي للصين.
2. النفوذ السياسي: بناء تحالف عالمي. كل دولة في أمريكا اللاتينية تمثل صوتاً في الجمعية العامة للأمم المتحدة ومنظمات دولية أخرى. دعم بكين لهذه الدول (خاصة تلك التي تعاني من عزلة غربية) يُترجم إلى رصيد دبلوماسي يدعم المواقف الصينية في قضايا مثل تايوان، بحر الصين الجنوبي، وحقوق الإنسان.
3. التحدي للنموذج الأمريكي وإثبات إمكانية مسارات بديلة: تقدم الصين نفسها، بنجاحها الاقتصادي المذهل ونموذجها الاستبدادي الفعال، كـ بديل مقنع عن الوصفة الليبرالية الغربية. وجودها القوي في أمريكا اللاتينية هو برهان عملي أن الهيمنة الأمريكية ليست قدراً أبدياً. إنها تشجع الدول على التململ من التبعية التقليدية وتجربة شراكات جديدة.
4. توسيع مشروع الحزام والطريق: الإمبريالية الجديدة بملامح صينية. أمريكا اللاتينية هي الامتداد الطبيعي "لطريق الحرير البحري في القرن الحادي والعشرين". ضم المنطقة إلى هذا المشروع الضخم يعني إدراجها في شبكة الإنتاج والتبادل التي تتمركز حول الصين. الهدف النهائي هو بناء نظام اقتصادي عالمي موازٍ ومتداخل مع النظام الغربي التقليدي، حيث تكون الصين هي المحور والمنظم الرئيسي.

الفرق الجوهري: بين مُعَطِّل النظام وباني النظام الجديد

هنا تكمن المفارقة الاستراتيجية الكبرى، وهي ما يفسر جزئياً التسامح النسبي الأمريكي مع التقدم الصيني مقارنة بالرد الأكثر حدة على الخطوات الروسية. روسيا تتصرف كقوة "معطلة" (Spoiler). هدفها الرئيسي هو تقويض الهيمنة الأمريكية، وإرباكها، وإجبارها على التراجع. إنها تريد عالم متعدد الأقطاب يكون فيه لها مكان، حتى لو كان ذلك على حساب استقرار النظام بأكمله.

أما الصين، فتتصرف كقوة "منشئة" (Builder). إنها لا تريد تدمير النظام العالمي الحالي فحسب، بل تريد استبداله بنظام آخر، أبطأ ولكن أكثر جذرية. لا تريد إزعاج أمريكا لترغمها على المغادرة فحسب، بل تريد بناء هياكل موازية وجاذبية اقتصادية تجعل الدول تختار الانضمام إلى المحور الصيني بمحض إرادتها. إنها تقدم نفسها ليس كمنقذ من الإمبريالية، بل كـ إمبريالية بديلة، أكثر دهاءً، وأكثر صبراً، وأقل اهتماماً بالشكل السياسي الداخلي للدول، وأكثر تركيزاً على هيكلتها الاقتصادية لخدمة احتياجاتها.

وبالتالي، فإن الفناء الخلفي القديم للولايات المتحدة قد تحول إلى ساحة اختبار مصغرة للصراع الأعظم على شكل العالم في القرن الحادي والعشرين: بين قوة مهيمنة تسعى للاحتفاظ بموقعها عبر آليات القوة التقليدية والثقافية، وقوة سابقة تحاول العودة عبر استراتيجيات الاستنزاف والاضطراب، وقوة صاعدة تبتلع الجغرافيا الاقتصادية بصمت، مبتكرةً أشكالاً جديدة من الهيمنة بعيدة المدى. دول أمريكا اللاتينية، بدورها، تمشي على حبل مشدود بين استغلال هذا التنافس لتحقيق مكاسب آنية، وخطر الوقوع في شباك تبعيات جديدة قد لا تكون أقل إرهاقاً من التبعية القديمة.

……..

الجزء السادس: الاقتصاد الكاريبي - بين العقوبات والبدائل: معضلة التراكم في الأطراف المحاصَرة

( العقوبات الأمريكية: سلاح ذو حدين وتشريح الفشل البنيوي)

ليست العقوبات الاقتصادية الأمريكية، من كوبا (1960) إلى فنزويلا (2017) ونيكاراغوا (2018)، مجرد أدوات سياسية عابرة. إنها تشكِّل، في التحليل النهائي، الأداة المفضَّلة للإمبريالية المعاصرة لفرض الانضباط على الأطراف المتمردة، في ظل عصر يصعب فيه شن الحروب التقليدية المباشرة دون كلفة باهظة. وفق الرؤية الأمينية، تمثل هذه العقوبات محاولة متعمدة لتعطيل أي مشروع تراكم وطني مستقل في الأطراف، وإفشال أي مسعى للانفصال (Delinking) عن الدوائر المالية والتجارية التي تهيمن عليها المراكز الرأسمالية. هدفها المعلن "إعادة الديمقراطية" أو "حماية حقوق الإنسان" يُخفي الهدف الجوهري: إعادة تأكيد منطق التبعية، وإثبات أن الخروج عن النسق المهيمن هو مغامرة عقابها الإفقار والخراب.

الأهداف المعلنة والمضمرة للعقوبات:

1. إضعاف البنى التحتية للدولة الوطنية: عبر تجويف قدرتها على التصرف في التجارة الدولية والتمويل، مما يقوّض شرعيتها الوظيفية القائمة على توفير الخدمات والحماية.
2. تفتيت العقد الاجتماعي ودفع الشعوب للتمرد: خلق مستوى معيشي لا يُطاق، على أمل تحويل السخط الاجتماعي ضد النظام الحاكم، وتحويل المعاناة الاقتصادية إلى قوة تفجير سياسي من الداخل.
3. العزل الدولي وإقامة حصار أخلاقي وقانوني: تحويل الدولة المستهدفة إلى منبوذ (pariah state)، مما يقطع عنها مصادر الشرعية الدولية ويُصعِّد تكلفة التعاون معها على أي طرف ثالث.

ولكن النتائج، كما تكشف التجربة الكاريبية، مختلطة بشكل يعكس مفارقة عميقة، بل ويناقض المنطق المهيمن ذاته:

نجاحات العقوبات في الإيذاء:

· خنق الاقتصاد الرسمي وتدمير القاعدة الإنتاجية: تسبب العقوبات، خاصة المالية منها، في شلل النظام المصرفي الدولي للدولة المستهدفة، وتعطيل سلاسل التوريد، وندرة حادة في السلع الأساسية، من الأدوية إلى الغذاء. إنها تحقق تدميراً ممنهجاً للقدرات المادية.
· زيادة المعاناة الإنسانية: يتحمل عامة الشعب وطأة الحصار، عبر انهيار الخدمات الصحية، وتفشي سوء التغذية، وانهيار القوة الشرائية. إنها عقوبة جماعية تُستخدم كرهان على كسر إرادة الأمة.
· عزل دولي جزئي ورفع التكلفة: تنجح في ردع العديد من الشركات والمؤسسات المالية الدولية عن التعامل مع الدول المستهدفة، خوفاً من العقوبات الثانوية الأمريكية، مما يحدّ من خياراتها.

إخفاقات العقوبات الاستراتيجية:

1. العجز عن إسقاط الأنظمة: فشلت العقوبات، في معظم الحالات، في تحقيق هدفها الاستراتيجي الأقصى. بل إنها، في حالات كثيرة، عزَّزت من تشبث النخب الحاكمة بالسلطة، التي أصبحت بالنسبة لها مسألة حياة أو موت في مواجهة عالم يبدو معادياً.
2. تعزيز التماسك الوطني والخطاب المقاوم: تقدم العقوبات للنظام الحاكم عدواً خارجياً مثالياً لتفسير كل إخفاقاته الداخلية. تتحول المعاناة من نقص الأدوية والغذاء من فشل في السياسات الاقتصادية إلى بطولة صمود في وجه حرب اقتصادية. تخلق العقوبات شعوراً جماعياً بـ "نحن ضد العالم"، وهو شعور قوي يمكن تسييسه لتعبئة الولاءات وتبرير القمع الداخلي تحت ذريعة حالة الحصار.
3. دفع الدول نحو بدائل جيوسياسية واقتصادية مضادة: هذا هو الفشل الأكبر في المنظور الأميركي الطويل. فبدلاً من العودة القسرية إلى حضن الهيمنة الأمريكية، تدفع العقوبات الدول المستهدفة إلى إعادة هيكلة علاقاتها الدولية والانخراط في مشاريع "انفصال" جديدة، لكن هذه المرة مع قوى منافسة. البحث عن بدائل في روسيا، الصين، إيران، وتركيا ليس مجرد بحث عن شريك تجاري، بل هو استراتيجية بقاء جيوسياسي تعمق التعددية القطبية وتقلص هيمنة المركز التقليدي.
4. توفير ذريعة شاملة للفشل الداخلي: تسمح العقوبات للنظام بتوجيه كل سهام النقد نحو العامل الخارجي. كل نقص، كل اختناق اقتصادي، كل تقصير في الخدمات، يُعلَّل ببساطة بـ "العقوبات هي السبب". مما يُعفي النخبة الحاكمة من المساءلة عن سوء الإدارة والفساد والاختيارات الاقتصادية الخاطئة.

المفارقة المركزية: العقوبات التي تُصمَّم كـ سلاح لإسقاط النظام، تتحول، عبر آلية نفسية-سياسية معقدة، إلى أداة غير مقصودة لإطالة عمره. إنها تخلق الظروف التي يتم فيها تحويل الضعف الاقتصادي إلى رصيد سياسي للنظام، وتجبر المجتمع على الاختيار بين التضامن الوطني في مواجهة عدو خارجي، أو التمرد الذي قد يُفسَّر على أنه تواطؤ مع ذلك العدو. وهكذا، بينما تخنق العقوبات الجسد الاقتصادي، فإنها قد تقوي، ولو مؤقتاً، الهيكل العظمي السياسي للنظام الذي كان من المفترض أن تسقطه.

( اقتصاديات المقاومة: التراكم المشوَّه في ظل الحصار)

في مواجهة هذا الخنق المنهجي، اضطرت الدول الكاريبية المحاصَرة إلى تطوير اقتصادات موازية ومشوَّهة، هي أشبه بـ أجهزة تنفس صناعي لاقتصاد رسمي تحتضر. هذه الآليات لا تمثل مشروعاً تنموياً بديلاً وفق رؤية أمين لـ "الانفصال الإيجابي"، بل هي أشكال تأقلم سلبي وتراكم مشوَّه، تُدار في منطقة رمادية بين الدولة والجريمة المنظمة، بين الاشتراكية والرأسمالية الهمجية. إنها اقتصاديات البقاء على قيد الحياة، وليس الازدهار.

فنزويلا: دولة الريع النفطي تتحول إلى سوق سوداء عابرة للقارات.

· تهريب النفط وتجاوز العقوبات: عبر شبكات معقدة تشمل تبديل أعلام السفن، وإطفاء أجهزة الإرسال، والبيع بخصومات عميقة لوسطاء في الصين والهند وتركيا وأفريقيا، تمكن النظام من تحويل ثروته الوطنية الأساسية إلى عملة صعبة خارج النظام المالي الغربي. لكن هذا يأتي بثمن باهظ: خسارة هائلة في العوائد، وتعزيز تحالفات مع شبكات غير شفافة، وتسليم جزء كبير من السيادة الاقتصادية لجهات خارجية.
· اقتصاد التعدين العشوائي وغير القانوني: تحولت مناطق شاسعة، خاصة في حزام أورينوكو الغني بالمعادن، إلى ساحات "حمى ذهب" مدعومة عسكرياً. تعمل عصابات محلية وجماعات مسلحة، أحياناً بتواطؤ أو مشاركة مباشرة من قوات الدولة أو أجنحة داخل الجيش، على استخراج الذهب والماس والمعادن النادرة. هذا النشاط يدمر البيئة، ويغذي العنف، ويخلق برجوازية طفيلية جديدة مرتبطة بالفساد والعسكر.
· الاقتصاديات السوداء وانهيار العملة: مع انهيار البوليفار، انتشرت شبكات تهريب الغذاء والدواء والوقود على الحدود، وتحولت المعاملات بالدولار إلى أمر واقع. لقد تخلقت برجوازية كومبرادورية جديدة تتربح من الفوضى وندرة السلع الأساسية، في تناقض صارخ مع الخطاب الاشتراكي.

كوبا: اشتراكية الدولة في أحضان رأسمالية السوق العالمية.

· السياحة الدولية كقطاع رأسمالي محمي: فُتحت مناطق سياحية معزولة، يُدار معظمها بمشاركة رأس المال الأجنبي (الأوروبي والكندي بشكل أساسي)، حيث يعمل الكوبيون بأجور دولة بينما تجني الشركات الأجنبية والعملة الصعبة. هذا يخلق ازدواجية اقتصادية واجتماعية خطيرة: بين من لديهم إمكانية الوصول إلى العملة الصعبة (من السياحة أو التحويلات) ومن يعتمد على الراتب الوطني الضئيل.
· تحويلات المغتربين: شريان الحياة والتبعية الجديدة. أكثر من 3 مليارات دولار سنوياً تأتي من الكوبيين في الخارج، خاصة فلوريدا. هذه الأموال تُبقي أسراً كثيرة على قيد الحياة، ولكنها تخلق أيضاً تبعية خطيرة للاقتصاد الوطني تجاه جالية تقف غالبيتها السياسية ضد النظام. إنها مفارقة وجودية: يعتمد النظام في جزء من بقائه الاقتصادي على أموال قادمة من قلب "العدو".
· تصدير الخدمات الطبية: تصدير رأس المال البشري. إنه مصدر العملة الصعبة الأكثر "شرعية" في الخطاب الرسمي. لكنه يثير تساؤلات أخلاقية واجتماعية عن استنزاف الكفاءات (نزيف الأدمغة) وعن شروط عمل الأطباء في الخارج، مما يعيد إنتاج علاقات استغلال جديدة تحت غطاء التضامن الدولي.

نيكاراغوا: تحالف السلطة مع رأس المال المحسوبي والاستثمار الأجنبي.

· التحالف مع رجال الأعمال: رأسمالية المحاسيب. تخلى أورتيغا عن العداء الطبقي للساندينية الأولى، وعقد تحالفاً غير مقدس مع قطاعات من رجال الأعمال الذين يقبلون بالولاء للنظام مقابل احتكارات وامتيازات اقتصادية. هذه برجوازية طفيلية تنمو في ظل الحماية السياسية، وتكرس الفساد وعدم المساواة.
· استثمارات أجنبية انتقائية: تُرحب الحكومة بالاستثمارات الروسية أو الصينية في قطاعات إستراتيجية مثل الطاقة والاتصالات والبنية التحتية، والتي غالباً ما تأتي بشروط سياسية ومالية غير شفافة. هذه الاستثمارات تعمق التبعية لمراكز قوى جديدة دون إقامة قاعدة إنتاجية وطنية متكاملة.
· الزراعة غير القانونية ونهب الموارد: توسع الزراعة الأحادية (مثل قصب السكر) على حساب الغابات، وأنشطة التعدين ذات الأثر البيئي المدمر، تتم غالباً بتسهيلات رسمية، مما يكشف عن نموذج تراكم قائم على النهب (accumulation by dispossession) للموارد الطبيعية، مستغلاً ضعف الرقابة في ظل نظام سلطوي.

الخلاصة: هذه الاقتصادات الموازية هي غير مستقرة (مرهونة بتقلبات السوق السوداء والعلاقات السياسية)، غير عادلة (تغذي فجوة طبقية هائلة وتكافئ الفساد والولاء على حساب الكفاءة)، و غير مستدامة (تدمر قاعدة الموارد الطبيعية والبشرية على المدى الطويل). ومع ذلك، في المنطق الكابوسي للبقاء تحت الحصار، فإنها تسمح بالاستمرارية، وتوفر الحد الأدنى من الموارد التي تمكن الدولة من دفع أجور الجيش والشرطة والبيروقراطية، أي أعمدة القمع والاستمرارية السياسية. إنها المرآة المظلمة لـ "الاقتصاد المقاوم": ليس نموذجاً للتحرر، بل هو دليل على المرونة المأساوية للأنظمة في البقاء، حتى على حساب تشويه نسيج المجتمع واقتصاده وروحه. وفقاً لأمين، هذا هو بالضبط إخفاق "الانفصال": فبدلاً من بناء مشروع وطني مستقل قادر على إعادة توجيه الفائض نحو التنمية الداخلية، ينتهي الأمر بالدول المحاصَرة إلى تبني أشكال مشوهة ومدمِّرة من التراكم، تبقى فيها تابعية ولكن لسادة جدد، وتفقد فيها الثورة جوهرها الاجتماعي لصالح بقاء النخبة الحاكمة.

….



الجزء السابع: المحاكمة والرمزية - قضية مادورو: تشريح آلة إزالة الشرعية في النظام العالمي
المادة مكتوبة قبل الاعتقال الفعلي لمادورو بعدوان امريكي ينتهك كل قواعد القانون الدولي

( محاكمة مادورو: المسرح السياسي كآلة حرب إمبريالية)

في عام 2020، لم تكتفِ الولايات المتحدة بتجريد نيكولاس مادورو من الشرعية السياسية عبر الاعتراف بمنافسه كـ "رئيس مؤقت"، بل شرعت في عملية أكثر تعميماً وتأثيراً: تجريده من الشرعية الإنسانية والقانونية ذاتها. إعلان وزارة العدل الأمريكية عن مكافأة قدرها 15 مليون دولار مقابل معلومات تؤدي إلى اعتقاله، واتهامه بـ "الاتجار بالمخدرات" و"غسل الأموال" و"الإرهاب"، لم يكن حدثاً قانونياً محضاً. لقد كان، في جوهره، فصلاً مكثفاً من مسرحية جيوسياسية كبرى، تهدف إلى تحويل النزاع السياسي إلى ملاحقة جنائية، والخصم الجيوسياسي إلى مجرم دولي مطلوب. هذه العملية لا يمكن فهمها خارج الإطار الذي وضعه سمير أمين لآليات "الإمبريالية الجماعية"، حيث تستخدم المراكز المهيمنة أدوات القانون والقضاء الدوليين، لا كمعايير محايدة، بل كأسلحة لتجريم أي محاولة للانفصال عن النظام الاقتصادي العالمي المسيطر عليه.

هذه القضية، في تحليلها العميق، هي رمزية قبل أن تكون قانونية، سياسية قبل أن تكون قضائية. إنها تكشف عن طبقات متعددة من الصراع:

1. منظور الولايات المتحدة: هندسة البراءة المطلقة وتصنيف "الدولة المنحرفة".

· نزع الشرعية الشامل: الهدف ليس مجرد تغيير النظام، بل تسميم المصدر الذي انبثق منه. بتصوير مادورو كزعيم لعصابة مخدرات إرهابية، تسعى واشنطن إلى محو شرعيته الثورية والشعبوية، وقطع أي جسر للتضامن الأممي أو التفاهم معه. إنه تحويل الخصم من "رئيس خصم" إلى "عدو للبشرية"، وهي صيغة تبرر أي إجراء لاحق ضده.
· تشويه الصورة الدولية وفرض العزلة الأخلاقية: تصبح فنزويلا في الخطاب الإعلامي والدبلوماسي الغربي مرادفاً للجريمة المنظمة الممسكة بمقاليد الدولة. هذا يسهل تجميد وتحريم التعامل معها على مستوى الحكومات والمؤسسات المالية العالمية، ويسلب منها أي تعاطف دولي محتمل.
· تأسيس الإطار التبريري لأي إجراء مستقبلي: سواء كان تدخلاً عسكرياً "لمكافحة الإرهاب والمخدرات"، أو اغتيالاً، أو عقوبات أقسى، فإن اتهام مادورو بهذه التهم يوفر غطاءً أخلاقياً وقانونياً مسبق الصنع. إنه تحضير للرأي العام العالمي لقبول أي خطوة لاحقة كعمل "شرعي" و"أخلاقي" ضد الشر.

2. منظور فنزويلا وحلفائها: استعمار القضاء ودفاع عن السيادة كخط أحمر.

· انتهاك السيادة الوطنية كجريمة عليا: يُنظر إلى الملاحقة القضائية الأمريكية لرئيس دولة أجنبية، تم انتخابه دستورياً (بغض النظر عن الجدل حول نزاهة تلك الانتخابات)، على أنه استعمار قضائي. فالقاضي الفيدرالي في ميامي أو نيويورك يمارس، من هذا المنظور، سلطة إمبريالية تتعدى على مبدأ "مساواة الدول السيادية"، وهو حجر الزاوية في القانون الدولي التقليدي.
· إعادة إنتاج منطق القرصنة والاستعباد: يُذكر هذا الإجراء بفترة "القوة المدمرة" (gunboat diplomacy) في القرنين التاسع عشر والعشرين، حيث كانت القوى الاستعمارية تختلق الذرائع (حماية رعاياها، مطاردة قراصنة) للتدخل في شؤون الدول الضعيفة. الفارق اليوم هو استخدام القوة القضائية كبديل أو مكمل للقوة العسكرية المباشرة.
· دليل مادي على العداء الأمريكي المتجسد: تتحول القضية من مجرد تهديد سياسي إلى وثيقة اتهام قضائية ملموسة يمكن للحكومة الفنزويلية استخدامها لدعم خطابها القائم على "المؤامرة الإمبريالية". إنها تقدم الدليل "القاطع" أن الصراع ليس أيديولوجياً فحسب، بل هو وجودي يهدف إلى تدمير قيادة البلاد وتجريمها.

3. منظور القانون الدولي في الميزان: تفريغ المبادئ وتأسيس سابقة خطيرة.

· سابقة تمزق نسيج السيادة: محاكمة رئيس أجنبي في غيابه، وبموجب قوانين محلية (أمريكية) تطبق خارج أراضيها فيما يُعرف بـ "الولاية القضائية الطويلة الذراع"، تمثل نقلة نوعية خطيرة. إذا جاز لمحكمة وطنية محاكمة رئيس دولة أخرى بتهم مرتبطة بإدارة حكمه (حتى لو كانت إجرامية)، فإن هذا يفتح الباب على مصراعيه لتسييس القضاء العالمي، حيث تصبح المحاكم الوطنية للأقوى أدوات لتصفية حساباتها الجيوسياسية.
· تسييس القانون وتفريغه من محتواه الكوني: يحوّل هذا الإجراء القانون من أداة افتراضية لتحقيق العدالة إلى سلاح في ترسانة الحرب الهجينة. عندما تُستخدم التهم الجنائية الجسيمة كأداة سياسية، فإن ذلك يُفقدها مصداقيتها ويُضعف الآليات الدولية الحقيقية لمكافحة الجرائم العابرة للحدود.
· انتهاك صارخ لمبدأ عدم التدخل: وهو المبدأ الذي تشكل، رغم كل تناقضاته، درعاً واقياً للدول الصغيرة ضد جبروت الكبار. اختراق هذا المبدأ عبر القضاء يعني أن لا حرمة لأي نظام معادٍ، وأن سيادته قابلة للاختراق بأدوات متعددة.

وهكذا، تتحول قضية مادورو إلى مسرح كبير، حيث تلعب الولايات المتحدة دور المدعي العام، والقاضي، والجلاد المحتمل، بينما تلعب فنزويلا دور المدافع عن سيادة العالم الثالث الهشة. الجمهور هو المجتمع الدولي المنقسم. والمسرحية لا تهدف بالضرورة إلى اعتقال البطل الشرير، بل إلى تثبيت صورته كشرير في العقل الجمعي العالمي، تمهيداً لأي فصل لاحق من فصول الإضعاف أو الإزالة.

( التداعيات: سيناريوهات الافتراض والمأزق الجيوسياسي)
المادة مكتوبة قبل الاعتقال الفعلي لمادورو بعدوان امريكي ينتهك كل قواعد القانون الدولي

سؤال اعتقال مادورو ليس تمريناً أكاديمياً فحسب، بل هو اختبار حي لحدود الهيمنة وردود الفعل في نظام عالمي متعدد الأقطاب. الإجابة عليه تكشف عن تعقيدات الواقع الجيوسياسي الذي يحكمه، وفق أمين، تنافس بين مراكز قوى، يجعل أي عمل أحادي الجانب محفوفاً بمخاطر جسيمة. التداعيات تتشعب في سيناريوهين رئيسيين، كل منهما يحمل عواقب لا تُحمد عقباها:

السيناريو الأول: الاعتقال الفعلي - شرارة الفوضى والمواجهة غير المحسوبة.
لو نجحت الولايات المتحدة في اختطاف أو اعتقال مادورو (خارج فنزويلا، لأنه داخلها يعد غزواً عسكرياً صريحاً)، فإن العواقب ستكون هائلة:

1. أزمة دستورية وسياسية داخلية لا سابقة لها: من سيحكم؟ نائبه؟ الجيش؟ الجمعية الوطنية التي يهيمن عليها المعارضة؟ أي فراغ سلطة سينتج حرب أهلية بالوكالة فورية بين الفصائل الموالية والمناوئة داخل مؤسسات الدولة والميليشيات المسلحة. ستكون فنزويلا على شفا الهاوية كنموذج لدولة فاشلة.
2. رد فعل عنيف وغير متوقع من الجيش الفنزويلي: القوات المسلحة الفنزويلية، على الرغم من انشقاقاتها، تبقى مؤسسة وطنية مرتبطة بمصالحها ومكانتها. اعتقال قائدها الأعلى، حتى من قبل قوة خارجية، قد يُنظر إليه على أنه إهانة وجودية تؤدي إلى رد عسكري غير مسبوق، ربما يستهدف المصالح الأمريكية في المنطقة أو يحوّل فنزويلا إلى ساحة حرب عصابات موسعة.
3. تدخل روسي وصيني محتمل، ولو بشكل غير مباشر: كل من روسيا والصين لهما استثمارات إستراتيجية وعسكرية ومالية ضخمة في فنزويلا. اعتقال مادورو، العميل السياسي لهذه الاستثمارات، سيكون ضربة مهينة. الرد قد لا يكون عسكرياً مباشراً، لكنه قد يأخذ شكل دعم عسكري وتقني غير محدود لأي حكومة أو فصيل موالٍ يخلفه، أو عقوبات اقتصادية مضادة، أو تصعيد في مناطق أخرى من العالم حيث تتنافس هذه القوى مع الولايات المتحدة. قد تتحول فنزويلا إلى ساحة مواجهة بالوكالة بين القوى العظمى.
4. أزمة شرعية وجودية في أمريكا اللاتينية: حتى الحكومات اليمينية والمعادية للشافيزية في المنطقة ستجد نفسها في مأزق مبدئي خطير. قبول اعتقال رئيس دولة مجاورة من قبل قوة خارجية يمس بمبدأ عدم التدخل والسيادة، وهو حجر الزاوية في الهوية السياسية لأمريكا اللاتينية منذ عقود. قد يؤدي ذلك إلى موجة تضامن غير متوقعة مع مادورو، وتمرد على الهيمنة الأمريكية حتى من الحلفاء التقليديين.
5. تضامن شعبي وتحول مادورو إلى شهيد: سينتقل مادورو من شخصية مثيرة للانقسام إلى رمز للكرامة الوطنية المنتهكة. سيزول الحديث عن أزمته الاقتصادية وقمعه السياسي ليحل محله خطاب المقاومة ضد القرصنة الإمبريالية. قد يوحّد هذا الفعل شعباً منهكاً تحت راية الوطنية الدفاعية، ويعطي النظام الجديد شرعية كانت قد تآكلت.

السيناريو الثاني: بقاء القضية معلقة - سلاح الحرب النفسية المزمنة.
وهو السيناريو الأكثر ترجيحاً، حيث تبقى المكافأة والاتهامات ورقة ضغط دائمة، لا خطة تنفيذ فورية:

1. القضية كسلاح نفسي وإعلامي دائم: كل خطوة لمادورو خارج فنزويلا تصبح محفوفة بالمخاطر. وجود اسمه في قوائم الإنتربول (بناء على طلب أمريكي) يحد من حركته الدولية ويُذلّه شخصياً. إنه أسلوب "الحصار الشخصي" والإذلال الرمزي المستمر.
2. تعزيز رمزية مادورو كمتشدد ومقاوم: داخل دائرة أنصار النظام والحركات المناهضة للإمبريالية عالمياً، يتحول مادورو إلى بطل يقف في وجه أعتى قوة في العالم. الاتهامات الأمريكية تزيد من رصيده الرمزي في هذه الدوائر، وتمنحه هالة الشجاعة والمكابرة.
3. فقدان الولايات المتحدة للمصداقية وتبديد رأس المال الرمزي: إذا استمرت التهديدات لسنوات دون تنفيذ، فإنها تتحول إلى ضرّاب طبول فارغ. يبدأ العالم، بما فيه الحلفاء، في تجاهلها أو اعتبارها مجرد أدوات دعائية. وهذا يضعف من فاعلية هذا السلاح في حالات مستقبلية ضد قادة آخرين.
4. إعطاء الوقت للحلفاء لإعادة ترتيب أوراقهم: يسمح الوضع القائم لكل الأطراف – فنزويلا وروسيا والصين وحتى فصائل المعارضة – بالمناورة والاستعداد لأي تطور، دون دفعهم إلى رد فعل يائس أو فوري.

الخلاصة: الأرجحية الاستراتيجية وكشف التناقض المركزي.

الأرجح أن القضية ستظل سلاحاً في ترسانة الحرب الهجينة الأمريكية، وليس أمر تنفيذ فورياً. لماذا؟

· التكلفة الجيوسياسية للاعتقال تفوق أي منفعة محتملة: المخاطر المذكورة في السيناريو الأول هائلة وقد تؤدي إلى حرب إقليمية وتصعيد مع روسيا والصين، وهو ما لا ترغب فيه أي إدارة أمريكية، حتى الأكثر تشدداً.
· فعالية القضية كأداة للإضعاف المستمر: وجود سيف ديموقليس هذا فوق رأس مادورو وحكومته يشل حركتهم، ويجعل أي تفاوض أو انفراج داخلي يتم تحت التهديد، ويخلق مناخاً من عدم الاستقرار الدائم الذي يخدم الهدف الأوسع بإسقاط النظام عبر التآكل البطيء.
· الكشف عن التناقض المركزي في الإستراتيجية الأمريكية: تريد الولايات المتحدة إسقاط النظام، لكنها تخشى الفراغ الذي يليه. إنها تريد إزالة مادورو، ولكنها تخاف من تحوله إلى شهيد يوحد الشعب. تريد تغيير النظام، لكنها تتردد في دفع الثمن الجيوسياسي الباهظ. لذا، تبقى المحاكمة مسرحاً رمزياً، حيث تُعلن الإدانة بأعلى صوت، لكن تنفيذ الحكم يُؤجل إلى ما لا نهاية، في انتظار أن تسقط الشخصية من تلقاء نفسها تحت وطأة الأزمة التي تُصنع لها. إنها، في النهاية، محاكمة لا تهدف إلى إقامة العدالة، بل إلى إدامة حالة الحرب بوسائل أخرى. وهي صورة مصغرة عن آلية الهيمنة في عصرنا: القوة التي لا تكف عن إصدار الأحكام، ولكنها تتحاشى، بحكمة القوي، تنفيذها عندما يكون الثمن هو زعزعة النظام الذي تريد الحفاظ على هيمنتها فيه.

……

الجزء الثامن: مستقبل الكاريبي - سيناريوهات محتملة في ضوء الصراع المركزي والأطراف المقاومة

( السيناريو الأول: التصعيد - حلم الإمبراطورية وكابوس التفكك)

إن سيناريو التصعيد المتمثل في تدخل عسكري أمريكي مباشر وساحق في فنزويلا ليس مجرد احتمال عملياتي، بل هو الاستعارة الأقصى للهيمنة المكشوفة، الحلم القديم المتجدد لقوة ترفض التكيف مع حدود نفوذها المتآكل. في تحليل سمير أمين، يمثل هذا التدخل المُحتمل لحظة العودة إلى البدائية في العلاقات الدولية، حيث يتخلى المركز المهيمن عن أدواته المعقدة للضغط الاقتصادي والقانوني ليعود إلى الجوهر: العنف المادي الخالص كوسيلة لإعادة تأكيد السيطرة على طرف متمرد حاول الانفصال عن دائرة التراكم لصالح المركز.

· التدخل العسكري كعملية جراحية لإعادة الزرع: لن يكون الهدف "تحرير شعب" بل إعادة توصيل دولة-مخزن بشبكة التراكم العالمي تحت السيطرة الغربية. تدمير المؤسسات الوطنية القائمة (الجيش، شركات النفط الوطنية، الهياكل الإدارية) سيكون ضرورياً لخلق الفراغ المؤسسي الذي يسمح بإدخال "إدارة استعمارية جديدة" مؤقتة، مهمتها فك وتحليل كل أشكال التملك الوطني للموارد وخصخصتها، وإعادة هندسة الاقتصاد كله ليكون مكملاً خاملاً وموالياً للسوق العالمية.
· الردود الروسية والصينية: اختبار حدود التعددية القطبية: لن تكون الردود عسكرية مباشرة بالضرورة (مواجهة حرب عالمية ثالثة)، بل ستكون ردوداً غير متماثلة وحرباً هجينة مكثفة. روسيا قد تزيد من دعمها العسكري والتقني لأي مقاومة مسلحة متبقية، أو تشن هجمات إلكترونية مدمرة على البنية التحتية الأمريكية الحيوية، أو تتصعيد في أوكرانيا أو سوريا. الصين، الأكثر حذراً، قد تفرض عقوبات اقتصادية جريئة، أو تسرع من خططها لاستبدال الدولار في معاملاتها، أو تقدم دعماً لوجستياً وسياسياً غير مسبوق للحلفاء المناهضين للولايات المتحدة في كل أنحاء العالم. ستكون فنزويلا ميدان اختبار لصلابة التحالفات المضادة للهيمنة.
· الأزمة الإقليمية: انهيار مبدأ السيادة وكارثة التبعية: سيرسل التدخل صدمة عبر كل أمريكا اللاتينية. حتى الحكومات اليمينية الموالية لواشنطن ستواجه تمرداً شعبياً جارفاً ضد ما سيُرى كاستعمار جديد. قد تنهار حكومات، وتندلع احتجاجات عنيفة، وتظهر حركات مسلحة جديدة. ستتحول القارة إلى برميل بارود من السخط المعاد توجيهه ضد النخب المحلية المتواطئة. سيكون ذلك انتصاراً قصير المدى لواشنطن وكارثة طويلة المدى على استقرار نصف الكرة الأرضية.
· تأثير أسواق النفط: الفوضى كأداة للتراكم الجديد: سيؤدي تدمير صناعة النفط الفنزويلية (الحتمي في أي غزو) إلى صدمة إمدادات عالمية، مما يرفع الأسعار بشكل جنوني. هذه الفوضى، رغم تكلفتها، ستُغني الشركات النفطية الكبرى وستسمح لقوى مثل السعودية وروسيا بتحقيق مكاسب طائلة. إنها فوضى خلاقة لرأس المال المالي العالمي، حيث يُعاد توزيع الثروة والسلطة في السوق العالمية.
· موجة الهجرة غير المسبوقة: الوجه الإنساني للإمبريالية: سيهرب الملايين من العنف والفوضى، مخلّفين وراءهم أزمة إنسانية داخلية ومحدثين أزمة لجوء في كولومبيا والبرازيل وأمريكا الوسطى، مع تدفقات نحو الولايات المتحدة ذاتها. ستُستخدم هذه الأزمة كذريعة لمزيد من التسلط الأمني في الداخل الأمريكي والإقليمي.

الاحتمالية: متوسطة إلى منخفضة. الدرس المُكتسب بثمن باهظ.
تتعلم المؤسسة الأمريكية العميقة، وإن لم تعلن، من كوارث العراق وأفغانستان. لقد اكتشفت أن تدمير دولة أسهل بكثير من بناء دولة عميلة مستقرة. التكلفة المالية (تريليونات الدولارات)، والبشرية (الضحايا والمشوهون نفسياً)، والجيوستراتيجية (تفرغ القوى لخصوم أكبر) تجعل هذا السيناريو مغامرة قد تنهي النظام العالمي الحالي بدلاً من تجديده. إنه خيار "كل شيء أو لا شيء"، وغالباً ما تفضل الإمبراطوريات الذكية التحلل البطيء على الانتحار السريع.

( السيناريو الثاني: الجمود - التوازن المرضي واستمرارية الصراع المجمد)

هذا هو السيناريو الأعلى احتمالاً، ليس لأنه مرضٍ لأي طرف، بل لأنه الأقل كلفةً مؤقتاً للقوى الفاعلة الرئيسية. إنه تجسيد لما أسماه أمين "الركود المستدام للصراع"، حيث تتعايش تناقضات النظام العالمي دون أن تنفجر، لأن كلفة حلها أكبر من كلفة إدامتها. إنه ليس سلاماً، بل حرباً باردة منخفضة الحدة ومزمنة، تصبح فيها الأزمة حالة دائمة، والمعاناة جزءاً مقبولاً من الحسابات الجيوسياسية.

· استمرار الوضع الحالي كنتاج لتوازن القوى المشلول: فنزويلا تبقى دولة منقسمة ومفككة، يحكمها نظام غير قادر على إعادة الإعمار ومعارضة غير قادرة على التغلب. كوبا تتحمل وتتكيف، محافظة على نظامها الاجتماعي الهش عبر مزيد من الانفتاح الاقتصادي الانتقائي الذي يهدد أسسها الأيديولوجية. نيكاراغوا معزولة دولياً ولكنها مستقرة داخلياً عبر القبضة الأمنية والتحالفات الطبقية الجديدة.
· الاستنزاف الأمريكي المستمر: إدارة الانحدار: تخصص واشنطن موارد مستمرة للعقوبات والمراقبة الاستخباراتية والدبلوماسية العدائية. لكن هذا الجهد يصبح روتينياً وبيروقراطياً، يفقد بريقه الإعلامي وقدرته على الصدمة. إنه اعتراف ضمني بأن الهيمنة المطلقة لم تعد ممكنة، ويجب الاكتفاء بـ الاحتواء والتأثير بدلاً من التحويل والإخضاع.
· التآكل البطيء: موت عبر ألف قطع: في هذا الجمود، تتمكن الأنظمة من البقاء، لكنها تفقد قدرتها على التجدد. البنية التحتية تتداعى، وهجرة العقول تتسارع، وشرعية الأنظمة تتقلص إلى نواة صغيرة من الموالين والمستفيدين. إنه انفصال سلبي يتحول إلى عزلة مقيدة، حيث تُحفظ السيادة الشكلية على حساب القدرة الحقيقية على التطور الذاتي.
· لمن يناسب الجمود؟ يناسب النخب الحاكمة في الدول المعادية لأنها تحافظ على امتيازاتها السلطوية. ويناسب واشنطن لأنه يمنع صعود قوة منافسة حقيقية في المنطقة ويحافظ على وضعها كقوة خارجية فاعلة. ويناسب موسكو وبكين لأنهما تحصلان على موطئ قدم دائم بتكلفة محدودة نسبياً. الخاسر الوحيد هو الشعوب، المحبوسة في نفق من الأزمة لا نهاية له.

( السيناريو الثالث: التفاوض - انزياحات طبقية وإعادة تركيب التبعية)

سيناريو التفاوض ليس مجرد اتفاق دبلوماسي، بل هو عملية إعادة تشكيل جيو-اقتصادية عميقة، تعبر عن تحول في موازين القوى الطبقية داخلياً وتحول في استراتيجيات القوى الكبرى خارجياً. إنه يعكس لحظة قد تختار فيها قطاعات من البرجوازية البيروقراطية أو البرجوازية الكومبرادورية الناشئة في الدولة المعادية، التحالف مع رأس المال العالمي لضمان مصالحها، مقابل التخلي عن المشروع الوطني-الاستقلالي.

· الاتفاق الأمريكي-الفنزويلي: صفقة لإعادة الدخول في النظام: رفع عقوبات مقابل انتخابات "حرة" يشترط ضماناً بعدم عودة الشافيزية. لكنه سيتطلب تسوية داخل النخبة الحاكمة في فنزويلا، حيث يتخلى الجناح المتشدد عن السلطة لصالح جناح "براغماتي" يقبل بخصخصة جزئية لـ PDVSA (شركة النفط الوطنية) وفتح الاقتصاد. واشنطن ستقبل بـ "شافيزية بلا شافيز" إذا ضمنت ولاء النخبة الجديدة ووصولاً آمناً للثروات.
· التطبيع مع كوبا: نهاية المشروع التاريخي وبدء الاستيعاب: إعادة العلاقات كما بين 2015-2017 كانت محاولة لـ استيعاب كوبا عبر الاقتصاد. السيناريو المستقبلي سيكون أكثر جذرية: قد توافق القيادة الكوبية على إصلاحات سياسية تدريجية (تعددية حزبية محدودة) مقابل رفع الحصار الكامل. هذا سيفتح الباب أمام تحول تدريجي للنموذج الكوبي نحو رأسمالية دولة مع شبكة أمان اجتماعي، حيث تصبح الجزيرة منتجعاً ومركزاً مالياً تحت السيطرة غير المباشرة، مع الحفاظ على مكاسب اجتماعية كـ "تراث ثوري".
· ضغوط على نيكاراغوا: من الديكتاتورية إلى الأوليغارشية المقبولة: قد تضطر عائلة أورتيغا، تحت ضغوط اقتصادية داخلية وخارجية، إلى توسيع دائرة السلطة والثروة لمشاركة قطاعات أوسع من رجال الأعمال، وربما إجراء إصلاحات سياسية شكلية تسمح بمعارضة هامشية. الهدف هو تحويل النظام من ديكتاتورية عائلية صارخة إلى أوليغارشية مستبدة ولكن مستقرة يمكن للغرب التعامل معها (كما يتعامل مع دول أخرى في المنطقة)، شريطة أن تبتعد عن التحالف العسكري مع روسيا.
· الاحتمالية: متوسطة. مشروط بتغير الظروف الداخلية. يحتاج هذا السيناريو إلى إرادة سياسية من الطرفين، لكنها إرادة تنشأ من ظروف مادية: وصول الأنظمة إلى حافة الانهيار التي تهدد وجودها بالكامل، واقتناع واشنطن بأن المخاطر الجيوسياسية للتفكك أكبر من منافع إسقاط النظام. إنه تفاوض من موقع ضعف متبادل، وليس قوة.

( السيناريو الرابع: الانفجار الداخلي - بركان التناقضات الطبقية المكبوتة)

هذا السيناريو هو الثورة المضادة للثورة المضادة، اللحظة التي تنفجر فيها التناقضات الداخلية لمشاريع "الانفصال" الفاشلة أو المنحرفة. وفقاً لأمين، فإن أي مشروع وطني غير قادر على خلق ديناميكية تراكم ذاتية وإعادة توزيع عادلة للثروة، محكوم عليه بأن يولد بذور فنائه. الانفجار ليس قدراً بل نتيجة حتمية لتراكم إخفاقات النخب الحاكمة في تحقيق وعودها.

· سقوط النظام في فنزويلا: عندما يتجاوز الانهيار الاقتصادي عتبة التحمل: ليس انهيار الاقتصاد فحسب، بل انهيار القدرة على إدارة الندرة. عندما يعجز النظام عن ضبط التوزيع حتى داخل تحالفه الضيق، وعندما يبدأ الجيش بالتململ بسبب انهيار مؤسساته وامتيازاته، قد يحدث انشقاق كبير أو حركة شعبية لا يمكن قمعها تتحد مع قطاعات من الجيش لإنهاء النظام. لكن السقوط قد لا يقود إلى ديمقراطية، بل إلى فوضى عارمة أو حكم عسكري مؤقت، تفتح الباب أمام تدخل خارجي "إنساني" أو تقسيم البلاد.
· احتجاجات كوبا تتحول إلى ثورة: كسر حاجز الخوف: قد تدفع أزمة اقتصادية خانقة جديدة، مع فقدان الثقة في قدرة الدولة على الحفاظ على الحد الأدنى من الخدمات، جيلاً جديداً (أقل ارتباطاً بذاكرة الثورة والحصار) إلى تحدي النظام علناً وبشكل جماعي. إذا انضم إليها قطاعات من الحزب والدولة غير الراضية عن الاتجاهات، قد يتحول النظام بسرعة. لكن أي ثورة في كوبا ستكون فوضوية ومعقدة، مع احتمال تدخل الجيش كمنظم، ومحاولات من المنفيين في فلوريدا للعودة والسيطرة، مما قد يؤدي إلى حرب أهلية مصغرة.
· انقلاب في نيكاراغوا: عندما تنقلب أدوات القمع: نظام أورتيغا مبني على ولاء الجيش والشرطة. إذا شعرت هذه المؤسسات أن النظام أصبح عبئاً عليها، أو أنه يعرضها لعزلة وعقوبات شخصية، أو إذا نشأت صراعات داخل العائلة الحاكمة نفسها، فقد يقرر الجيش التدخل لـ "إنقاذ الوطن" وإزالة أورتيغا، ربما لصالح جناح آخر من الحزب السانديني أو لتشكيل حكومة انتقالية. لكن الانقلاب لن يحل المشاكل الهيكلية، وسيعيد إنتاج النظام بأوجه جديدة.

الاحتمالية: متوسطة. المعاناة كوقود، والشرعية كصمام أمان. المعاناة الشعبية وحدها لا تكفي؛ فالدولة البوليسية قادرة على قمع الاحتجاجات. العامل الحاسم هو انكسار تحالف النخب و انشقاق أجهزة القمع. هذا السيناريو هو الأكثر عفوية والأقل قابلية للتنبؤ، وهو البركان الذي تتحرك تحته الصفائح التكتونية للطبقات الاجتماعية المهمشة والغاضبة.

( خاتمة تأويلية - الكاريبي كمرآة لتقلبات العالم)

مستقبل الكاريبي، بهذه السيناريوهات المتشابكة، هو مرآة مكبرة لمستقبل النظام العالمي ذاته. إنه يطرح الأسئلة المركزية التي تناولها سمير أمين: هل يمكن للأطراف أن تحقق انفصالاً إيجابياً يؤدي إلى تنمية مستقلة في عصر هيمنة رأس المال المالي المعولم؟ أم أن خياراتها محصورة بين التبعية المُعسكرة (السيناريو الأول)، والتبعية المُحتواة في جمود (الثاني)، والتبعية المُتفاوض عليها (الثالث)، والفوضى الثورية التي قد تؤدي إلى تبعية جديدة (الرابع)؟

ما تكشفه هذه السيناريوهات هو إفلاس المشروع الوطني البورجوازي في شكله الشعبوي الاستبدادي (كما في فنزويلا ونيكاراغوا) وصعوبة الحفاظ على مشروع اجتماعي منعزل (كما في كوبا) تحت وطأة الحصار والتنافس الدولي. يبدو أن منطق المركز والأطراف لا يزال قاهراً، وإن بأشكال متجددة.

المستقبل الأرجح هو مزيج مركب من الجمود مع انفجارات داخلية متقطعة وفترات تفاوض قصيرة. سيكون الكاريبي ساحة للصراع الزئبقي، حيث لا ينتصر أحد بشكل قاطع، ولكن الجميع يدفعون الثمن، وأعلى الأثمان تدفعه الشعوب. الدرس الكبير هو أن المقاومة وحدها لا تكفي؛ فلا بد من مشروع بديل قابل للاستمرار، قادر على توليد تراكم وطني عادل ومتواصل، وإلا فإن مصير المقاومة هو التحول إلى كاريكاتير لنفسها، أو الانفجار من الداخل، أو الاستيعاب في النظام العالمي الذي ثارت ضده يوماً. الكاريبي، في نهاية المطاف، لا يرفض الموت فحسب، بل يبحث، في عذاب، عن شكل جديد للحياة.


……

الجزء التاسع: الخاتمة - دروس من الفناء الخلفي: تشريح الهيمنة في مفترق التاريخ

( الخاصرة الناعمة: كيف تحولت إلى نقطة ضعف - قراءة في فشل النموذج الإمبريالي)

ليست الكاريبي مجرد موقع جغرافي؛ إنها مختبر تاريخي حي لتشريح ميكانيزمات الهيمنة ومفارقاتها. إن دروسها المكثفة، المليئة بالألم والحديد، تقدم تأويلاً جارحاً لطبيعة القوة في العالم المعاصر، وتكشف كيف يمكن لـ "الخاصرة الناعمة" للإمبراطورية أن تتحول إلى موطن ألمها المزمن، ومنطقة اختراق خصومها الأكثر فتكاً. في ضوء تحليل سمير أمين، فإن هذه الدروس هي تجلٍّ ميداني لتناقضات التراكم على الصعيد العالمي وصراع المراكز والأطراف.

الدرس الأول: وهم الهيمنة المطلقة واستدعاء المقاومة.
لقرنين من الزمان، مارست الولايات المتحدة على الكاريبي ما يمكن تسميته "سيادة وجودية". من عقيدة مونرو إلى غزوات المارينز، ومن دعم الديكتاتوريات إلى الحصار الاقتصادي، سعت لتحويل المنطقة إلى فناء خلفي مغلق، مساحة للاستغلال الاقتصادي والتأمين الاستراتيجي. لكن هذه السيطرة، بفظاظتها وادعائها المطلق، لم تكن أبداً كاملة. بل إنها، وبقانون ديالكتيكي صارم، ولَّدت مقاومتها الخاصة. كل فعل هيمنة أنتج رد فعل تحرر: من خوسيه مارتي إلى فيدل كاسترو، ومن أوغستو ساندينو إلى هوغو شافيز. والأخطر، أن هذه المقاومة المحلية، بحثاً عن هواء للتنفس، اضطرت إلى استدعاء أعداء الإمبراطورية. فتحولت موسكو وبكين من قوى بعيدة إلى حلفاء وجوديين للمتمردين، ليس بالضرورة حباً بأيديولوجيتهم، بل رغبة في إحداث شرخ في جدار الهيمنة الأمريكية. الهيمنة المطلقة، كما تكشف الكاريبي، هي وهم خطير؛ لأنها تدفع الطرف المضطهد إلى قلب معادلة التبعية عبر تحالفات مضادة، مما يحول المنطقة البسيطة إلى ساحة معقدة لصراع مركزي.

الدرس الثاني: تفوق القوة الناعمة وسقوط منطق العصا الغليظة.
قادت واشنطن في الكاريبي، لعقود، بـ لغة القوة المجردة: العقوبات الخانقة، التهديدات العسكرية الصريحة، التدخلات السافرة، والانقلابات المُدبَّرة. لقد اعتبرت القوة الصلبة كافياً لفرض الانضباط. وفي المقابل، جاءت القوى المنافسة – روسيا والصين – بأدوات تبدو، على السطح، ألطف ولكنها أعمق اختراقاً. قدمت روسيا الدبلوماسية الاستعراضية والاستثمارات الاستراتيجية في قطاعات الطاقة والعسكر، بينما نشرت الصين سلاحها الأعظم: رأس المال والبنى التحتية دون شروط سياسية علنية. النتيجة المرئية اليوم: النفوذ الأمريكي يتآكل في قلب منطقة نفوذه التقليدية، ليس لأن قوته العسكرية ضعفت، بل لأن أدواته أصبحت عاجزة عن كسب القلوب والعقول، وعن تقديم بديل تنموي جذاب. لقد اكتشفت الشعوب والنخب أن العصا الغليظة لا تبني طرقاً ولا مستشفيات، وأن التهديد لا يطعم شعباً جائعاً. القوة الناعمة، في تحولها إلى قوة اقتصانية بناءة (ولو كانت في جوهرها استعمارية جديدة)، تثبت تفوقها في حروب الإرادة الطويلة.

الدرس الثالث: استمرارية الماضي كقوة سياسية فاعلة.
في الكاريبي، الماضي ليس ماضياً. إنه حاضر ينبض في وعي الجماعات ويُشكل خياراتها. ذاكرة قرون من الاستعباد والاستعمار، متبوعة بعقود من الديكتاتوريات المدعومة أمريكياً (باتيستا، تروخيو، سوموزا)، خلقت مناعة تاريخية عميقة ضد الخطاب الأمريكي "التحرري" أو "الديمقراطي". كل دعوة من واشنطن للإصلاح تترجم، في الوعي الجمعي للمنطقة، إلى شك مسبق: أي ديكتاتور جديد تريدون إحلاله؟ أي ثروات تريدون نهبها؟ هذه الذاكرة الجريحة ليست عائقاً فحسب، بل هي رأس مال رمزي للأعداء. فهي تخلق تعاطفاً تلقائياً مع أي قوة أو حركة ترفع راية مقاومة الهيمنة الأمريكية، حتى لو كانت ممارساتها الداخلية قمعية أو فاشلة. الإمبراطورية، حين تنسى تاريخها التدخلي أو تحاول تجميله، تفقد قدرتها على فهم أن ضحايا ماضيها هم خصوم حاضرها الأكثر صلابة.

الدرس الرابع: التشابك العالمي: حيث يصبح البعيد قريباً.
لم تعد الكاريبي معزولة. إنها عقدة في شبكة معقدة من الصراعات العالمية. أزمة في أوكرانيا تدفع روسيا لتعزيز وجودها في فنزويلا وكوبا، كجزء من استراتيجية الردع الجغرافي. التنافس الاستراتيجي بين واشنطن وبكين يتحول إلى منافسة على الموانئ والموارد في البهاما وجامايكا. أزمات الطاقة والغذاء العالمية تضرب بشدة اقتصادات الجزر الصغيرة. هذا التشابك يعني أن أي حدث في "الفناء الخلفي" لم يعد شأناً محلياً. إنه يرتد فوراً إلى مراكز القرار في موسكو وبكين وبروكسل، ويؤثر في أسواق النفط وخطوط الشحن العالمية. الكاريبي تعلمنا أن فكرة "المناطق النائية" قد ماتت. ففي عالم سمير أمين المعولم، حيث تتدفق رؤوس الأموال وتتصارع الإمبراطوريات، لا توجد خاصرة ناعمة معزولة؛ كل نقطة هي مركز لشبكة من القوى المتشابكة.

(مستقبل خاصرة أمريكا: التشخيص والتكهن في زمن التحول)

الكاريبي في مطلع العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين تشبه جسماً منهكاً بحمولة من الأمراض المزمنة المتشابكة: فقر بنيوي لا يبرح، وهجرة مستمرة لأفضل العقول والأيدي العاملة، وفساد يستشري كالسرطان في نخب حاكمة قديمة وجديدة، وتدخلات خارجية تُعالج الأعراض لتمرض الجوهر، وأنظمة سياسية هشة تتأرجح بين الاستبداد والعجز. هذه الصورة القاتمة هي نتاج تراكم تاريخي لمنطق التبعية والاستغلال، الذي حال دون نشوء ديناميكيات تراكم وطني مستقل ومتوازن.

لكن في صلب هذه العلل، تنبت بذور التحول وتتكشف فرص لمستقبل مختلف:

· فرصة للقوى المنافسة: تمثل هذه الأزمات سوقاً مفتوحة للنفوذ لروسيا والصين وإيران وتركيا. فهي تقدم نفسها كبديلين: إما كحامي سياسي وعسكري (روسيا)، أو كشريك اقتصادي "غير مشروط" (الصين)، أو كمنافس أيديولوجي وديني (إيران). كل منها يرى في ضعف النموذج الأمريكي منفذاً لتعميق التعددية القطبية وتقويض أحادية القطب.
· فرصة للحركات الشعبية واليسار الجديد: فشل النخب الحاكمة، سواء كانت تقليدية موالية لواشنطن أو شعبوية معادية لها، يفتح المجال أمام حركات اجتماعية جديدة تتجاوز القوالب الأيديولوجية القديمة. هذه الحركات، التي تناضل من أجل العدالة البيئية وحقوق السكان الأصليين والمساواة الجندرية والاقتصاد التضامني، قد تطرح مشروعاً مجتمعياً مختلفاً، لا يرتهن لا لوصفة صندوق النقد الدولي ولا لشعبوية الدولة البوليسية.
· فرصة لإعادة تشكيل النظام الإقليمي: قد يدفع الجمود الحالي والتكاليف الباهظة للصراع إلى بحث جدي عن أطر تعاون إقليمي مستقل. محاولات مثل "مجتمع دول أمريكا اللاتينية ومنطقة الكاريبي" (CELAC) تمثل إرهاصات لمحاولة خلق حوار إقليمي خالٍ من الهيمنة الأمريكية المباشرة. قد يفرض الواقع ضرورة إيجاد آليات للتكامل الاقتصادي وتسوية النزاعات بعيداً عن واشنطن.

**أمام هذا المشهد المعقد، تواجه الولايات المتحدة اختياراً مصيرياً أصعب مما تظهر التصريحات الرسمية:

· خيار الاستمرار في سياسة العقاب والمواجهة: يعني الاستمرار في منطق القرن العشرين. مخاطره هائلة: فهو يدفع المنطقة أكثر نحو أحضان الخصوم، ويستهلك رأس المال السياسي الأمريكي المتبقي، ويخاطر باندلاع صراعات مفتوحة يكون ثمنها الاستقرار الإقليمي وتدفق الموارد. إنه خيار المحافظة على الهيمنة عبر تسريع تآكلها.
· خيار التحول نحو الحوار والتعاون والاعتراف بالتعددية: هذا يتطلب مراجعة جذرية للعقيدة. يعني الاعتراف بشراعة لاعبين جدد، والتفاوض مع أنظمة معادية من موقع الندية النسبية، واستبدال لغة العقوبات بلغة المصالح المشتركة. لكن مخاطره في الداخل الأمريكي كبيرة: فقد يُصور على أنه استسلام أو ضعف، مما يغذي الخطابات القومية المتطرفة.

( المرآة الأخيرة: الكاريبي كتشخيص لمرض الإمبراطورية)

الكاريبي، في تحليلها النهائي، هي مرآة عاكسة لأمريكا ذاتها. تعكس في مياهها المضطربة قوة الإمبراطورية الهائلة وضعفها النفسي والأخلاقي، مجد ماضيها التوسعي وقلق مستقبلها المتراجع. إنها تذكرنا بأن صحة أي كيان، فرداً كان أو إمبراطورية، لا تُقاس بقوة قبضته على الآخرين، بل بمناعة خاصرته وقدرته على التعايش السلمي مع جواره.

واليوم، الخاصرة الأمريكية تؤلم. هذا الألم الذي تسببه كوبا وفنزويلا ونيكاراغوا ليس عارضا عابراً؛ إنه عرض مرضي لخلل بنيوي أعمق. إنه دليل على مرض هيمنة تريد أن تستمر في عالم لم يعد، بل ولم يعد بإمكانه، قبول الهيمنة الأحادية. عالم تنتفض فيه الأطراف، وتتحدى فيه الدول الصغيرة، وتتعدد فيه مراكز القوى. الكاريبي تثبت أن مقاومة المستضعفين ليست فقط ممكنة، بل يمكنها أن تكون مدرسة في الصبر والذكاء والتكيف، وأن تتحول إلى صداع دائم في رأس القوي.

الدرس الأعظم الذي تقدمه "الفناء الخلفي" هو درس التواضع الجيوسياسي: فالقوة التي لا تعرف حدوداً لذاتها، ولا تحترم سيادة الآخرين، ولا تقدم سوى الخوف والعقاب، مصيرها أن تخلق من أعدائها مدارس للمقاومة، وأن تحول خاصرتها الناعمة إلى جبهة مفتوحة في حرب زئبقية لا تنتهي. مستقبل الكاريبي، إذن، ليس مستقبل منطقة صغيرة وحسب؛ إنه نذير ومقدمة لمستقبل نظام عالمي في طور المخاض، يتصارع فيه القديم الجاثم مع الجنين المتعدد الأقطاب الذي يعلن عن قدومه من حيث لا تحتسب الإمبراطورية.


…..


الفصل السابع: آسيا… الصين تبني بينما تُستنزف واشنطن: ديالكتيك التمركز واللاتمركز في النظام العالمي

الجزء الأول: حكاية تنينين: استعادة التاريخ وإعادة تشكيل الجغرافيا

( الشرق ينهض من سباته الحجري: من ضحية المركز إلى مُحدِّد للمراكز)

لم تكن أوروبا، في قيعان عصورها المظلمة حيث كانت الحروب الإقطاعية تمزق نسيجها، سوى طرف بعيد في عالم كان مركز ثقله الحضاري يستقر، بثبات مهيب، في شرق الأرض. كانت آسيا، وليست أوروبا، هي مخزن التاريخ الفاعل ومُنتِج القيم الكونية. بينما كان الفلاسفة اليونانيون تُحفظ تراجمهم في أديرة منعزلة، كان كونفوشيوس يؤسس، ليس لنظرية سياسية فحسب، بل لعقد اجتماعي كوسمولوجي يربط السماء بالإمبراطور والأسرة بالفرد في نسق متناغم. لم تكن سلالة هان تبتكر الورق والعجلة المائية كمنتجات تقنية معزولة، بل كانت تبني شروط إمكانية الدولة البيروقراطية الموحدة، القادرة على إدارة إمبراطورية مترامية الأطراف عبر توحيد اللغة والنقد والمقاييس. وفي شبه الجزيرة الكورية، كانت مملكة جوجوريو تشيد، ليس مجرد تحصينات حجرية، بل نموذجاً للدولة-الحصن القائمة على الاندماج بين القوة العسكرية والحكمة الإدارية، بينما كانت اليابان، في عزلة بحرها المقدس، تنسج ملاحم الساموراي كتعبير عن أخلاقيات الولاء المطلق والتقشف البطولي. في تلك الحقبة، لم يكن الشرق مركز العالم، بل كان المادة الخام للعالم ذاته، المخبر الذي تصاغ فيه مفاهيم النظام والسلطة والابتكار.

غير أن هذا التوازن الكوني لم يدم. ما أطلق عليه سمير أمين "الانزياح المركزي" للتراكم الرأسمالي نحو أوروبا الغربية، بدأ بلحظة عنف كونية: اختراع البندقية والبارود في الصين نفسهما، الذي استُخدم لاحقاً لاختراق صدر آسيا. تحولت الأدوات التي ولدت من رحم الحضارة الآسيوية إلى أدوات تشريحها. جاء الاستعمار، ليس كمغامرة تجارية، بل كـ آلة منهجية لتفكيك البنى الاجتماعية-الاقتصادية القديمة، وإعادة تركيبها كأطراف تابعة للمركز الأوروبي الجديد. الثورة الصناعية لم تكن حدثاً أوروبياً محضاً، بل كانت عملية لتحويل الفائض المسلوب من آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية إلى رأسمال ثابت ومتحرك في لندن ومانشستر. لقرون، تحولت آسيا من صانعة التاريخ إلى موضوع له، من مُنتِجة القيم إلى سوق استهلاكية، من قلب النبض الكوني إلى هامش يُقاس بمدى قربه أو بعده عن معايير المركز الغربي.

اليوم، تشهد الدورة التاريخية منعطفاً لا يقل جذرية، ولكنه هذه المرة ضد اتجاه السهم الاستعماري. العودة ليست نوستالجية، وليست تكراراً للماضي. إنها عودة واعية، مخططة، وقائمة على درس تاريخي مرير. الصين لا تريد ببساطة استعادة عرشها القديم في "منتصف المملكة"، بل تسعى إلى فعل أكثر تعقيداً: إعادة تعريف هندسة النظام العالمي نفسه. إنها لا ترفض النظام القائم لتحل محله بنفس المنطق، بل تطرح، من خلال ممارساتها، أسئلة أساسية: هل يجب أن يكون المركز واحداً؟ هل التحديث مرادف للغربنة؟ هل يمكن بناء نظام دولي لا يقوم على الهيمنة العسكرية المباشرة، بل على الترابط الاقتصادي وهندسة البنى التحتية؟ إنها لحظة "اللاتمركز" بعد خمسة قرون من "التمركز" الغربي، وهي لحظة يتحول فيها الطرف الأكبر إلى مركز جديد محتمل، لا يقلص من هيمنة المركز القديم فحسب، بل يشكك في شرعية فكرة المركز الواحد نفسها.

( التنين الأمريكي يلتفت إلى الخلف: استنزاف الهيمنة في متاهة الجبهات المتعددة)

وفي الطرف المقابل من المحيط الهادي، يقف التنين الأمريكي، لا في أوج انطلاقته، بل في حالة الالتفات القلِق إلى الخلف. بينما تطلق ترسانة الصين الصناعية سفينة حربية جديدة كل شهر – كتعبير عن الإرادة البحرية المستعادة – وتشق قضبان قطار فائق السرعة كل أسبوع – كاستعارة مادية عن سرعة التحول الداخلي وتوسع النفوذ الخارجي – وتنشئ مدينة ذكية كل عام – كتجسيد لحلم الدولة التكنوقراطية الكلية البصر – توجد الولايات المتحدة منشغلة، بل محاصَرة، بسلسلة من المعارك الخلفية والجبهات الجانبية التي كانت تعتبرها، قبل عقدين، هامشية أو تحت السيطرة الكاملة.

· البحر الأحمر: حرب التكلفة غير المتناظرة. هنا، تصطدم صواريخ بدائية بتكلفة لا تذكر بمدمرات عابرة للمحيطات قيمتها مليارات الدولارات. ليست معركة تقنية بقدر ما هي معركة إرادات وحسابات اقتصادية. إنها استنزاف للأسطول الأمريكي ومهابة القوة البحرية العالمية عبر وسائل غير تقليدية، تذكر العالم أن القوة المطلقة يمكن أن تُربك بأدوات زهيدة، في تناقض صارخ مع منطق التراكم الرأسمالي المبني على التفوق التكنولوجي المكلف.
· أوكرانيا: ساحة تحويل الموارد وتجميد الأحلام. في سهول الدونباس، لا تتحول ترسانات الناتو إلى خردة فحسب، بل يتحول الحلم الأطلسي بالتوسع الشرقي إلى كابوس استنزاف مالي وعسكري وسياسي لا نهاية ظاهرة له. أصبحت أوكرانيا الـ "ثقب أسود" الذي يبتلع الموارد الغربية، ويصرف انتباه واشنطن عن المحيط الهادي، ويقوي تحالفاً مضاداً غير متوقع الصلابة.
· الكاريبي: اختراق الخاصرة الناعمة. في ما كان يُعتبر البحيرة الداخلية الأمريكية، تختبر روسيا والصين حدود التسامح الاستراتيجي لواشنطن. إنه تحدٍّ رمزي وعملي: استدعاء شبح مونرو في لحظة ضعفه. هنا، تتحول العقوبات الأمريكية من سلاح إلى دافع للبحث عن شراكات مضادة، في دليل على أن الهيمنة المطلقة تولد مقاومة تبحث عن أي حليف.
· الشرق الأوسط: متاهة لا مخرج منها. حيث تنسج شبكة معقدة من الفاعلين غير الدولتيين (حزب الله، الحشد الشعبي) والقوى الإقليمية (إيران) تحالفات وتكتيكات تجعل من أي استقرار تحت القيادة الأمريكية مستحيلاً. إنه التمرد المستمر للجغرافيا والتاريخ ضد مشاريع إعادة التشكيل الخارجية.

المعضلة الأمريكية، في ضوء نظرية أمين، لا تكمن في كثرة الجبهات، بل في طبيعتها البنيوية. فالولايات المتحدة ما زالت، إلى حد كبير، تخوض حروب القرن العشرين بأدوات القرن العشرين: حروب عسكرية مباشرة أو بالوكالة، عقوبات اقتصادية، ودبلوماسية قائمة على التهديد. هذه الأدوات تنطلق من منطق الهيمنة الإمبريالية الكلاسيكية: السيطرة على الأرض، إسقاط الأنظمة، فرض الحصار.

أما الصين، فتُخاض حروب القرن الحادي والعشرين بأدوات القرن الحادي والعشرين: حروب البنى التحتية، حروب المعايير التكنولوجية، حروب الديون الاستراتيجية، وحروب الرؤية طويلة المدى (مبادرة الحزام والطريق). أدواتها هي القروض، والاستثمارات، والتكنولوجيا، والدبلوماسية الاقتصادية. إنها لا تسعى بالضرورة لإسقاط حكومة، بل لإعادة هيكلة اقتصاد دولة ما بحيث يصبح مكملاً عضوياً لسلسلة القيمة الصينية. إنها هيمنة عبر التشابك والاعتماد المتبادل، وليس عبر القطيعة والإخضاع. الفرق بين المنهجين هو الفرق بين محاربة العرض (النهج الأمريكي في مواجهة التحديات) وخلق واقع جديد يجعل العرض القديم لا معنى له (النهج الصيني).

وهكذا، بينما ينشغل التنين الأمريكي بإخماد الحرائق في ساحات متفرقة، يبني التنين الصيني، بصمت وصبر، المنزل الجديد الذي قد يُجبر الجميع على السكن فيه يوماً ما. إنه صراع بين قوة تريد الحفاظ على نظام قديم، حتى لو كلفها الاستنزاف الدائم، وقوة تريد تشييد نظام جديد، حتى لو كلفها الانتظار والاستثمار الهائل. وهذا التشييد، كما يبين أمين، هو محاولة لإعادة توجيه تدفقات فائض القيمة العالمية نحو مركز جديد، في تحدٍّ جذري للنمط السائد منذ القرن السادس عشر.


……
الجزء الثاني

( الماندالا الصينية: التشييد كفلسفة وجود وجيوستراتيجيا كونية)

إن القوة، في المخيال الصيني المعاصر، ليست تمثالاً من البرونز يُصقل ليعكس بهاء السيف، بل هي نظام بيئي عضوي معقد، منغرس في التربة وممتد نحو الأفاق. إذا كان المقياس الأمريكي للقوة يُختزل في الامتداد الأفقي للحاملات والقواعد العسكرية المنتشرة كنجوم في سماء الأرض، فإن المقياس الصيني يكمن في العمق الرأسي والكثافة النسيجية. إنها قوة تُقاس بالارتفاع والغوص، بالتماسك الداخلي وقدرة الاختراق الخارجي. إنها، في جوهرها، ماندالا جيواقتصادية، دائرة متكاملة من القدرات المترابطة التي تخلق مركزاً لا يُغلب.

أولاً: قوة البنية التحتية: إعادة تشكيل جغرافيا القوة.
في الصين، ليست البنية التحتية مجرد جسور وأنفاق وطرق؛ إنها هندسة للزمان والمكان الوطنيين، وأداة لإعادة توحيد الإمبراطورية اقتصاديًا بعد قرون من التخلف والتجزئة. الأرقام ليست إحصائيات، بل شواهد على فلسفة:

· الـ 40,000 كم من السكك الحديدية فائقة السرعة (أكثر من بقية العالم مجتمعاً) ليست مجرد وسائل نقل. إنها أوعية شرايين تضخّ التنمية من الساحل الثري إلى الأقاليم الداخلية، تُقلص المسافات النفسية والسياسية، وتذيب الفوارق الإقليمية في بوتقة السوق الموحدة. إنها أداة لـ "صناعة الوطن" ككيان اقتصادي واحد متجانس.
· الـ 160,000 كم من الطرق السريعة تشكل نظامًا عصبيًا يربط أصغر القرى بالمدن العملاقة، محوّلة الصين إلى سوق استهلاكية واحدة يمكن لأي سلعة أن تصل إلى أدناه في زمن قياسي. إنها مادة تحقيق حلم "الدولة المتصلة".
· احتكار 34 ميناء من بين أكبر 50 ميناء عالمياً ليس تفوقاً لوجستياً فحسب، بل هو سيطرة على بوابة العولمة. من خلال هذه الموانئ، لا تدير الصين تجارتها فحسب، بل تتحكم في إيقاع التجارة العالمية، وتتحول إلى المنظم الخفي لسلاسل التوريد القارية.
· الـ 98 مدينة يزيد سكان كل منها عن 5 ملايين هي مختبرات الحضارة الإنسانية المعاصرة. إنها تجسيد لمشروع تحويل الكتلة البشرية الهائلة من عبء إلى أصل استراتيجي، عبر خلق مراكز حضرية ضخمة تنتج وتستهلك وتبتكر بوتيرة مذهلة.

ثانياً: قوة التصنيع: تشريح العضلات الصناعية للتنين.
هنا، تحولت الصين من "ورشة العالم" إلى جسم العالم الصناعي نفسه. إنتاجها ليس مجرد كمّ، بل هو سيطرة على العُقَد الحرجة في الشبكة الصناعية العالمية:

· إنتاج 50% من الصلب و60% من الإسمنت العالمي يعني أنها تملك مادة البناء الحضاري الحديثة. أي مشروع بنى تحتية في أي قارة سيعتمد، بشكل أو بآخر، على هذه المواد الصينية. إنها سيطرة على الأساس المادي للعمران المعاصر.
· تصنيع 70% من الهواتف المحمولة و80% من مكيفات الهواء يعني أنها تحتكر الحياة اليومية المعولمة. من التواصل إلى الراحة المنزلية، العالم يعيش بأجهزة صينية. هذا لا يخلق تبعية تقنية فحسب، بل تبعية وجودية لنمط العيش.
· هذا النموذج الإنتاجي هو التجسيد الأمثل لما أسماه سمير أمين "التراكم المكثف"، لكن على نطاق كوكبي. إنه تركيز هائل لقوى الإنتاج في مركز واحد، يتحكم في تدفقات السلع الأساسية للعالم، مما يخلق تبعية هيكلية للخارج تجاه المنتج الصيني.

ثالثاً: قوة التكنولوجيا: معركة القمة والأفق الجديد.
لم تعد الصين تكتفي بإنتاج ما يصممه غيرها. إنها تخوض معركة المصير التكنولوجي، حيث السيادة المستقبلية ستُحدد في ميادين الذكاء الاصطناعي، الاتصالات، والطاقة النظيفة.

· الذكاء الاصطناعي: اللحاق السريع بأمريكا ليس هدفاً في حد ذاته، بل هو وسيلة لـ أتمتة الاقتصاد وتطوير أدوات حكم شمولية أكثر كفاءة، ولخلق تفوق عسكري نوعي في حروب المستقبل.
· الاتصالات من الجيل الخامس: التفوق هنا ليس تقنياً فحسب، بل هو جيوسياسي. من يتحكم في معايير وشبكات الجيل الخامس يتحكم في تدفق البيانات، وهو الدمّ الجديد للاقتصاد والسياسة في القرن الحادي والعشرين. إنها محاولة لكتابة قواعد اللعبة الرقمية العالمية.
· الطاقة المتجددة: إن كونها أكبر منتج للألواح الشمسية والتوربينات لا يخدم فقط الاستقلال الطاقي، بل يؤسس لـ ريادة أخلاقية وتجارية في معركة تغير المناخ، وهي ورقة رابحة في الدبلوماسية العالمية. إنه استثمار في سلعة المستقبل، وفي صياغة الوعي البيئي العالمي على مقاس قدراتها الصناعية.

( الاستراتيجية الصينية: ديالكتيك الجدران والخزّان - أطروحة السيادة المتكاملة)

لا تنطلق الاستراتيجية الصينية من منطق المواجهة الصفرية أو الانتصار الساحق، بل من فلسفة الاحتواء الذاتي والإحاطة التدريجية. إنها تشبه لاعب "الغو" الاستراتيجي الذي لا يسعى لاقتناص قطعة الخصم، بل لتطويق مجاله والسيطرة على رقعة اللعب بأكملها. يقوم هذا المنظور على دعامتين متلازمتين:

مبدأ "الجدران العالية": هندسة الردع عبر جعل الغزو مستحيل التكلفة.
لم تبني الصين سوراً واحداً، بل نظاماً متداخلاً من الأسوار، مرئية وغير مرئية، تهدف إلى تحقيق "الردع الشامل". الهدف ليس الفوز في حرب، بل منع اندلاعها من الأساس عبر جعل الثمن مُفزعاً:

· الصواريخ الباليستية المضادة للسفن (حاملات الطائرات): هي مضاد للرمز الأكبر للقوة الأمريكية. إنها تحول حاملات الطائرات من أداة إسقاط للقوة إلى أهداف ضعيفة ومعرضة. إنها تقول: "قد تأتي، لكن لن تصل، أو ستغرق". إنها تعطيل لأداة الهيمنة البحرية الأمريكية في محيطها المباشر.
· الغواصات الهجومية والصامتة والأسطول البحري المتوسع: تشكل قدرة إقليمية إنكارية. إنها تجعل من بحار الصين الشرقية والجنوبية منطقة محظورة على أي قوة معادية، أو على الأقل تجعل عملياتها فيها محفوفة بمخاطر قاتلة.
· منظومات الدفاع الجوي المتطورة: تخلق قبة حديدية فوق المجال الجوي الصيني وحلفائها، تجعل من أي ضربة جوية خاطفة أمراً بالغ الصعوبة.
· القواعد العسكرية في بحر الصين الجنوبي: ليست قواعد بالمعنى التقليدي، بل هي قطع شطرنج ثابتة في رقعة جيوسياسية سائلة. إنها تحول بحر الصين الجنوبي من ممر مائي دولي إلى بحيرة صينية محروسة، وتُمأسس الوجود العسكري في قلب خطوط الملاحة العالمية الحيوية.

مبدأ "خزّان المياه العميق": الاكتفاء الذاتي كضمانة للاستقلال الاستراتيجي.
بينما تعتمد الإستراتيجية الأمريكية على "القوة الإسقاطية" (القدرة على إسقاط القوة في أي مكان)، تبني الصين "قوة الامتصاص والاستيعاب". الهدف هو خلق اقتصاد ومجتمع يمكنهما امتصاص أي صدمة خارجية والاستمرار:

· سوق استهلاكية من 1.4 مليار نسمة: هذا ليس مجرد رقم ديموغرافي، بل هو درع اقتصادي. حتى إذا انهار الطلب العالمي، فإن الطلب الداخلي الضخم يمكنه الحفاظ على عجلة الإنتاج. إنه تحويل الكتلة السكانية من تحدٍ إلى أصل استراتيجي يوفر الاستقلالية في صنع القرار الاقتصادي.
· الاكتفاء الذاتي في الغذاء (95%) والطاقة (80% ومتزايد): هذان هما شرطان الوجود القومي. السيطرة على الخبز والوقود تعني عدم الخضوع للابتزاز الجيوسياسي عبر الحصار. إنهما يحولان الحروب الاقتصادية إلى أدوات أقل فاعلية ضد بكين.
· سلاسل الإمداد الداخلية المتكاملة: تعمل على إضفاء الطابع المحلي على العولمة. بامتلاكها لكل حلقات الإنتاج، من المواد الخام إلى التصنيع عالي التقنية، تقلل الصين من تأثير أي عُقَد في سلاسل التوريد العالمية قد تُستخدم ضدها. إنها تبني عولمة داخلية كحصن ضد تقلبات العولمة الخارجية.

الفرق بين النموذجين جوهري: النموذج الأمريكي هجومي ومبادر، يبحث عن نقاط الضعف لدى الآخر ليهاجمه. النموذج الصيني دفاعي-استباقي، يزيل نقاط الضعف عن نفسه أولاً، ويجعل نفسه منيعاً، قبل أن يبدأ في التأثير في الخارج. إنها سيادة قائمة على المناعة الذاتية، قبل أن تكون قائمة على التوسع.

( مبادئ الفكر الاستراتيجي الصيني: الزمن، التدرج، والمرونة كأسلحة حضارية)

لا تفكر النخبة الصينية داخل القفص المفاهيمي الغربي القائم على ثنائيات "النصر/الهزيمة" أو "الصراع/السلام". تفكيرها ينطلق من إطار زمني ومكاني أوسع، مستمد من موروث فلسفي وتجربة تاريخية ممتدة. إنها ترى العالم كـ نهر جيوسياسي عظيم، والأمم كسابحين فيه. البعض يسبق بقوة عضلية (أمريكا)، لكن الصين تسبق بفهمها لاتجاه التيار ومواعيد المد والجزر.

1. مبدأ الزمن: الحضارة كمتسع، والسياسة كظل عابر.

· "من يملك الصبر يملك العالم": هذا ليس مجرد قول مأثور، بل هو نظرية في التغيير التاريخي. إنهم ينظرون إلى صعود الغرب (خمسة قرون) كـ "حلقة" في التاريخ العالمي، وليس كنهايته. ما هي عقود من التفوق الأمريكي أمام آلاف السنين من التاريخ الصيني الدوري (صعود وسقوط أسرات)؟ هذا المنظور يُطلق العنان لـ صبر استراتيجي لا يعرفه السياسي الغربي، المُساق بدورة انتخابية مدتها أربع سنوات.
· التفكير بدورات حضارية: بينما تخطط واشنطن للفوز بالانتخابات المقبلة أو الانتخابات التي تليها، تخطط بكين لـ "إحياء الأمة الصينية" بحلول الذكرى المئوية لتأسيس الجمهورية (2049). الزمن الجيوسياسي عندها ليس خطياً، بل دوّري وتراكمي. الهدف ليس الانتصار في معركة، بل إعادة ترتيب موازين القوى على مدى جيل أو جيلين. إنها تلعب لعبة مختلفة على طاولة الزمن.

2. مبدأ التدرج: تحريك الجبل حجراً حجراً.

· "رحلة الألف ميل تبدأ بخطوة": تُطبق هذه الحكمة على قلب النظام العالمي. لا تحتاج إلى مواجهة كبرى مع النظام الليبرالي العالمي. يكفي تغيير قواعد اللعبة قليلاً كل يوم. مبادرة الحزام والطريق ليست إعلان حرب على النظام المالي العالمي، بل هي بناء نظام موازٍ ومتداخل معه. البنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية ليس بديلاً للبنك الدولي، بل هو منافس من الداخل. كل مشروع، كل قرض، كل ميناء تُبنيه الصين في إفريقيا أو آسيا، هو حجر يُضاف إلى جبل واقع جديد، حتى يصبح هذا الواقع هو السائد، دون أن تشن حرباً واحدة.
· استراتيجية "الضفدع المغلي": تسخين الماء تدريجياً حتى لا يقفز الضفدع (النظام العالمي المهيمن). التغيير بطيء وغير محسوس في البداية، حتى يصبح لا رجعة فيه. بهذا الشكل، تتجنب الصين رد الفعل العنيف الذي يولده التحدي المباشر.

3. مبدأ المرونة: البامبو في مواجهة البلوط.

· "البامبو يثني مع الريح ولا ينكسر": هذه الاستعارة الطبيعية هي جوهر الدبلوماسية الصينية. في مواجهة الإملاءات أو التحديات الأمريكية المباشرة، لا تقدم الصين مواجهة جبهوية. بدلاً من ذلك، تثني وتتجنب، ثم تعود إلى وضعها الأصلي أقوى. في الحرب التجارية مع ترامب، لم ترد بالمثل على كل إجراء، بل امتصت الصدمة، وحوّلت جزءاً من تجارتها، وواصلت بناء تحالفاتها. في مواجهة التحالفات العسكرية الأمريكية (أوكوس، كواد)، لا تبني تحالفات مضادة علنية، بل تعمق العلاقات الاقتصادية الثنائية مع نفس الحلفاء (أستراليا، دول آسيان).
· المرونة كقوة: إنها تتيح للصين اختيار ساحات صراعها، ورفض الخوض في معارك لا تخدم استراتيجيتها الطويلة الأمد. إنها تسمح لها بأن تبدو متجاوبة ومنفتحة بينما هي تسير بثبات نحو أهدافها الثابتة. المرونة هنا ليست ضعفاً، بل ذكاء تكتيكي في خدمة استراتيجية صارمة.

هذه المبادئ الثلاثة تشكل ثلاثية الفلسفة الاستراتيجية الصينية: الصبر الزمني، والتدرج في الفعل، والمرونة في الأسلوب. إنها أدوات تمكن دولة لم تصل بعد إلى القمة العسكرية العالمية من إعادة تشكيل العالم من حولها، ليس عبر قوة الصدمة والرعب، بل عبر قوة الثقل، والانتشار، والاستمرارية. إنها، في التحليل الأخير، محاولة لكسب حرب الزمن نفسها، وجعل التاريخ حليفاً لها من جديد.

……

الجزء الثالث


الجزء الثالث: أمريكا في المحيط الهادئ - قوة متوترة: ديالكتيك الاستنزاف وهشاشة الردع

( التحول الاستراتيجي الأمريكي: من "محور آسيا" إلى "متلازمة الاستنزاف المتعدد الجبهات")

في عام ٢٠١١، بينما كانت أنقاض أبراج التجارة العالمية لا تزال تشكل ندبة في الضمير الأمريكي، أعلنت إدارة باراك أوباما عن "المحور إلى آسيا" – استراتيجية تاريخية لإعادة تموضع الجسد الإمبراطوري. كانت الرسالة واضحة: لقد انتهت حقبة الحروب اللامتناهية في الصحارى والجبال الأفغانية، وآن الأوان لتركيز القوة الأمريكية نحو المسارح التي سيكتب فيها مستقبل القرن الحادي والعشرين. كان هذا التحول أكثر من مجرد مناورة عسكرية؛ لقد كان اعترافاً فلسفياً بأن بوصلة التاريخ العالمي تعود لتتجه شرقاً، نحو حوض المحيط الهادئ حيث ينهض تنين كان نائماً لقرون.

الخطة، في عقلية البنتاغون، بدت أنيقة وبسيطة: نقل ٦٠٪ من القوات البحرية الأمريكية إلى المحيط الهادئ، تعزيز التحالفات مع طوكيو وسول وكانبرا، وبناء شبكة دفاع صاروخي متكاملة. كان الهدف إحكام الحصار الاستراتيجي على الصين قبل أن تتمكن من اختراق "السلسلة الأولى من الجزر" وتتحول إلى قوة بحرية عظمى. لقد مثل هذا "المحور" محاولة أخيرة لترسيخ الهيمنة الأحادية في منطقة بدأت تشكك في قدسية هذه الهيمنة.

لكن التاريخ، بسخريته المعهودة، لم يمنح واشنطن رفاهية التركيز. فما إن بدأت الدوائر الاستراتيجية ترسم الخطوط الحمراء على خرائط مضيق تايوان، حتى انفجرت المواجهات في المسارح القديمة التي افترضت أمريكا أنها طويت إلى الأبد:

· ٢٠١٤ - عودة الأشباح الأوروبية: لم تكن روسيا، التي وصفها أوباما ذات يوم بأنها "قوة إقليمية"، قد قرأت نعيها. بضم القرم، أعاد الكرملين إثبات مقولة إن الجيوسياسية لا تعرف الفراغ. فجأة، وجد حلف الناتو نفسه على حافة أزمة وجودية، واضطرت واشنطن إلى تحويل انتباهها ومواردها شرقاً، إلى سهول أوكرانيا حيث عادت شبحات الحرب الباردة لتطارد الأحلام الأمريكية بالتفرد.
· ٢٠١٥ - الشرق الأوسط: المتاهة التي لا مخرج منها: مع تصاعد الحرب في سوريا وبروز داعش كـ "خلافة" دموية، اضطرت أمريكا إلى الانغماس مرة أخرى في المستنقع الذي أقسمت على الخروج منه. الغارات الجوية، المستشارون الخاصون، والمفاوضات المعقدة - كلها استنزفت الطاقة الدبلوماسية والعسكرية التي كان من المفترض توجيهها نحو آسيا.
· ٢٠٢٠ - الجائحة: العدو من الداخل: بينما كانت الصين تتعافى بسرعة مذهلة وتتحول إلى مصدر عالمي للمعدات الطبية، كانت أمريكا تغرق في فوضى صحية واقتصادية. كوفيد-١٩ لم يكشف فقط هشاشة النظام الصحي الأمريكي، بل كشف انقسامات مجتمعية عميقة جعلت من "المحور إلى آسيا" ترفاً غير ذي معنى لإدارة منشغلة بإنقاذ ما يمكن إنقاذه في الداخل.
· ٢٠٢٢ - الحرب في أوكرانيا: الاستنزاف المنهجي: مع الغزو الروسي الكامل، تحولت المواجهة إلى حرب استنزاف كلاسيكية. أمريكا وجدت نفسها الراعي الرئيسي لمجهود حربي ضخم، تزود كييف بأسلحة متطورة وتستنفد مخزوناتها من الذخائر. الميزانيات العسكرية والاهتمام السياسي تدفقت نحو أوروبا الشرقية، مجدداً، مقيدةً اليد الأمريكية في المحيط الهادئ.
· ٢٠٢٣٢٠٢٤ - انفجار الشرق الأوسط مجدداً: مع الحرب في غزة، وتصاعد التوتر مع إيران، والتحدي المباشر في البحر الأحمر حيث تعترض الحوثيون خطوط الشحن، عاد الشرق الأوسط بقوة ليذكر واشنطن بأنه لا يزال "صندوق باندورا". حاملات الطائرات التي كان مقدراً لها أن ترسل رسائل قوة في بحر الصين الجنوبي، وجدت نفسها ترافق ناقلات النفط في البحر الأحمر.

النتيجة الحتمية: "المحور" الذي تحول إلى "استنزاف". لم يحدث التحول المنشود. بل العكس: آسيا كانت تتحول بسرعة هائلة بينما كانت أمريكا مشغولة بإدارة الأزمات في كل مكان آخر. لقد تحول شعار "المحور إلى آسيا" إلى أُحجية استراتيجية: كيف تحافظ على الهيمنة في مسرح جديد بينما أنت مقيد في جميع المسارح القديمة؟ إنها معضلة الإمبراطورية المفرطة الامتداد، التي تريد التركيز على الخصم الرئيسي لكنها تجد نفسها مسحورة بإطفاء الحرائق في ممتلكاتها المتناثرة.

( المثلث الاستراتيجي الأمريكي في آسيا: تحالف من الزجاج في مواجهة عاصفة من الفولاذ)

تقوم الاستراتيجية الأمريكية لاحتواء الصين على ما يشبه مثلثاً هندسياً من الثقة والردع، أضلاعه: اليابان، كوريا الجنوبية، وتايوان. يفترض هذا البناء أن هذه القوى، مجتمعةً مع القاعدة الأمريكية، يمكنها تشكيل سلسلة من الحصون الحية في وجه التوسع الصيني. لكن الفحص الدقيق يكشف أن هذا المثلث ليس من الفولاذ، بل من زجاج مصقول - لامع وقوي في الظاهر، لكنه قابل للتحطم تحت ضغط واحد مركز.

الضلع الأول: اليابان - العملاق الاقتصادي، القزم الاستراتيجي.
اليابان ليست مجرد حليف؛ إنها أكبر حاملة طائرات غير قابلة للغرق لأمريكا في غرب المحيط الهادئ. اقتصادها هو الثالث عالمياً، وقوات الدفاع الذاتي لديها تعتبر من بين الأكثر تطوراً تقنياً. ولكن تحت هذه القشرة الحديثة، يكمن تناقض وجودي:

· المادة التاسعة: نعمة ونقمة. هذا الدستور السلمي، الذي جرّده من حق إعلان الحرب، يحول اليابان إلى حليف مقيد. إنه يحد من قدرتها على القتال إلى جانب أمريكا خارج الدفاع المباشر عن أراضيها، ويجعل أي تصعيد إقليمي مشروطاً بإرادة سياسية داخلية هشة لتفسير الدستور أو تعديله.
· الشيخوخة السكانية: الزوال الديموغرافي. مجتمع يتقلص ويتقدم في السن بسرعة، حيث نسبة كبار السن تتجاوز ٢٨٪. هذا ليس مجرد تحدٍ اقتصادي، بل هو تآبط للروح الوطنية والقدرة البشرية اللازمة لخوض صراع طويل. إنها أمة غنية لكنها تتجه نحو الغروب الديموغرافي.
· التبعية الاستراتيجية المزمنة: بعد ثلاثة أرباع القرن من السلام تحت المظلة النووية الأمريكية، تطورت في اليابان ثقافة الاعتماد الاستراتيجي. لقد تم تعطيل غريزة السيادة العسكرية الكاملة. في لحظة الحقيقة، هل ستكون اليابان سيفاً مسلولاً أم درعاً يحتاج إلى حماية؟

الضلع الثاني: كوريا الجنوبية - النمر في قفص من الورق المقوى.
قوة اقتصادية وتكنولوجية عظمى (سامسونج، هيونداي، صناعة الرقائق)، وجيش مدرب ومتحمس. لكنها تعيش تحت ظل سكينين:

· التهديد الكوري الشمالي: الهاجس الدائم. وجود جار نووي غير متوقع يستهلك الجزء الأكبر من الطاقة الاستراتيجية الكورية الجنوبية. أي نزاع مع الصين يعني التعرض لخطر حرب على جبهتين، حيث يمكن لكيم جونغ أون أن يقرر تحويل شبه الجزيرة إلى جحيم في ساعات.
· الانقسام المجتمعي والاستقطاب: بينما تبقى النخبة العسكرية والسياسية متشبثة بالتحالف الأمريكي، فإن جيلاً جديداً يشكك في هذه العلاقة. هناك تيار قوي يرى أمريكا كبائع أسلحة ومصدر استقطاب، ويدعو إلى سياسة أكثر توازناً مع الصين. هذا الانقسام يجعل الاستمرارية السياسية في حال الأزمة غير مضمونة.
· الخوف من التورط في حرب مصلحة: الاقتصاد الكوري الجنوبي معتمد بشكل كبير على الصين (أكبر شريك تجاري). الدخول في صراع مع بكين يعني تدمير الازدهار الذي بني على مدى عقود. لذا، تسعى سول إلى توازن مستحيل: الاستفادة من الحماية الأمريكية، مع تجنب أي خطوة قد تفسرها الصين على أنها عدائية.

الضلع الثالث: تايوان - جوهرة التاج التي قد تكسر التاج.
تايوان ليست مجرد جزيرة؛ إنها الاختبار الأعظم للإرادة الأمريكية في آسيا. ديمقراطية مزدهرة، وقلب الصناعة التكنولوجية العالمية (شركة TSMC وحدها تنتج ٩٠٪ من الرقائق المتطورة). لكن وضعها هو الأكثر هشاشة في القانون الدولي:

· الاعتراف الدولي الشحيح: بفعل الدبلوماسية الصينية القوية، لم يتبق سوى حفنة من الدول تعترف بتايوان. هذا يعني عدم وجود شبكة أمان دبلوماسية أو عسكرية رسمية. في حال الغزو، سيكون الاعتماد على التدخل الإنساني الأمريكي غير المضمون.
· الالتزام الأمريكي الغامض: لا توجد معاهدة دفاع مشترك. الالتزام مبني على "قانون العلاقات مع تايوان" و"السياسة الغامضة المتعمدة". هذه الغموضية هي لعبة خطرة: فهي تردع الصين عن التحرك، لكنها قد تدفعها إلى المغامرة إذا اعتقدت أن أمريكا لن تتدخل.
· عدم القدرة على الصمود العسكري المنفرد: رغم برنامج تسليح متقدم، فإن تايوان لا تستطيع الصمود طويلاً أمام هجوم صيني شامل بمفردها. استراتيجيتها تعتمد على "الشوكة البحرية" وانتظار وصول التعزيزات الأمريكية - وهي مهمة بالغة الصعوبة في ظل القدرات الصينية لمنع الوصول.

المعضلة الجوهرية: الاعتماد المتبادل الهش.
يقوم هذا المثلث على معادلة خطرة: هذه الدول تعتمد على الحماية الأمريكية لبقائها، وأمريكا تعتمد على استقرارها وقدرتها على الردع دون أن تدفعها للمجازفة. واشنطن أصبحت، بشكل متناقض، تعتمد على ألا تختبر هذه الاعتمادية أبداً في مواجهة حقيقية. إنه تحالف يعمل في زمن السلم، لكنه قد يتهاوى كبيت من ورق عند أول عاصفة حقيقية، ما لم تكن أمريكا مستعدة للمخاطرة بحرب كبرى للدفاع عنه. إنه مثلث من الزجاج في مواجهة مطرقة صينية من فولاذ.

( حاملات الطائرات الأمريكية: نهاية حقبة الهيمنة البحرية والانتقال إلى عصر الضعف المنظم)

في المياه الفيروزية الاستوائية لبحر الصين الجنوبي، حيث تتصادم الأحلام الإمبراطورية مع إرادة القوة الصاعدة، تكشف المفارقة الأكثر قسوة عن نفسها. هنا، في هذه المساحات المائية التي تطالب بها الصين كـ "مياه تاريخية"، يصطدم رمز القوة الأمريكية الأعظم – حاملة الطائرات النووية – بتحدٍ صُمم خصيصاً لنزع الهالة عنها. هذه ليست مجرد مواجهة عسكرية؛ إنها صدام بين نمطين من التفكير الاستراتيجي، وبين حقبتين من التاريخ البحري.

لنتأمل هذه المقارنة، التي هي أشبه بمواجهة بين الجولياث العصر الحديث وداوود الجديد:

حاملة الطائرات الأمريكية (مثل يو إس إس رونالد ريغان):

· الطول: ٣٣٣ متراً – مدينة عائمة من الفولاذ والتقنية.
· التكلفة: ١٣ مليار دولار – تفوق ميزانيات دول بأكملها.
· الطاقم: ٥,٠٠٠ فرد – مجتمع كامل من الكفاءات البشرية.
· الطائرات: ٩٠ مقاتلة ومروحية – قوة جوية لا يُستهان بها.
· نطاق التهديد الموجه ضدها: يصل إلى ١,٥٠٠ كم داخل نطاق صواريخ "قاتل حاملات الطائرات" الصينية.

الصاروخ الصيني الباليستي المضاد للسفن (مثل DF-21D أو DF-26B):

· الطول: حوالي ١٠ أمتار – كقلم رصاص أمام ناطحة سحاب.
· التكلفة: بين ١٠ إلى ٢٠ مليون دولار – أقل بألف مرة من الحاملة.
· الطاقم: لا يوجد – آلة ذكاء اصطناعي بحتة.
· المدى: ١,٥٠٠ إلى ٤,٠٠٠ كم – يمكن إطلاقه من عمق الأراضي الصينية.
· الدقة: مزعوم أنها قادرة على إصابة هدف بحجم ملعب كرة قدم وهو يتحرك بسرعة ٣٠ عقدة.

الحساب الاستراتيجي البارد يكشف هشاشة مروعة: حاملة واحدة تشكل هدفاً لمئات الصواريخ. حتى مع افتراض نظام دفاع معجزة يعترض ٩٠٪ من الصواريخ (وهو افتراض خيالي في ظل الهجمات الصاروخية المتلاحقة)، يكفي صاروخ واحد ناجح لإصابة الحاملة في نقطة حيوية – مجلة الذخيرة، غرفة المحركات، سطح الطيران – مما قد يشلها أو يغرقها، مع خسائر بشرية كارثية.

لكن الأزمة تتجاوز الحسابات العسكرية لتصل إلى علم النفس الجيوسياسي والسياسة العليا:

· المجازفة السياسية غير المحسوبة: هل ستغامر أي إدارة أمريكية، في عصر الإعلام المباشر والشبكات الاجتماعية، بإرسال ٥,٠٠٠ من أبنائها إلى فوهة المدفع الصيني؟ خسارة حاملة واحدة لن تكون هزيمة عسكرية فحسب، بل ستكون صدمة نفسية وطنية على مستوى بيرل هاربر، مع عواقب سياسية داخلية لا تُحمد عقباها.
· ردع مقلوب: لقد نجحت الصين، عبر هذه القدرات، في ردع حاملات الطائرات الأمريكية عن الاقتراب. السفن التي كانت تُرسل لإظهار القوة وإجبار الخصوم على الرضوخ، أصبحت الآن أصولاً ثمينة يجب إبعادها عن مرمى النار. لقد انقلبت المعادلة: لم تعد الحاملة تردع الخصم، بل الخصم هو الذي يردع الحاملة.
· تأثير الدومينو على الحلفاء: عندما يرى الحلفاء الآسيويون أن الرمز الأقصى للقوة الأمريكية – الحاملة – قد يكون عاجزاً أو غير راغب في الاقتراب من مناطق الخطر، فإن ثقتهم في الضمانات الأمريكية تتآكل. هذا يدفعهم نحو خيارين خطرين: إما الاسترضاء الصيني خوفاً من الهيمنة الأمريكية المتزعزعة، أو التسليح النووي الذاتي بما يزيد من احتكاك إقليمي.

التحول الاستراتيجي القسري:
هذا لا يعني نهاية الحاملات، بل يعني نهاية عصر هيمنتها المطلقة. لم تعد هذه السفن قادرة على الاقتراب من السواحل الصينية بجرأة كما في السابق. الاستراتيجية الجديدة تتجه نحو:

· التوزيع: نشر القوة عبر سفن أصغر وأكثر مرونة (مدمرات، غواصات، سفن هجومية ساحلية).
· التخفي: الاعتماد أكثر على الغواصات الهجومية والصواريخ المنطلقة من تحت الماء.
· المدى: استخدام الطائرات بعيدة المدى (B-21) والصواريخ الباليستية التقليدية من قواعد ثابتة.

إنه تحول من مركزية الحاملة إلى شبكة قتال موزعة. لكن هذا التحول مكلف، وبطيء، ويواجه مقاومة بيروقراطية من بحرية اعتادت على التفكير بالحاملة كمركز الكون.

الدروس من المحيط الهادئ
أمريكا في المحيط الهادئ هي قوة متوترة – قوة لا تزال هائلة، لكنها تواجه تحدياً وجودياً يتعلق بجوهر هيمنتها. "المحور إلى آسيا" تحول إلى كابوس الاستنزاف المتعدد، والمثلث الاستراتيجي يظهر تشققات خطيرة، وأساطيل الحاملات تجد نفسها في مأزق وجودي. الصين، من ناحيتها، تقدم نموذجاً آخر: لا تحاول بناء حاملات لمنافسة أمريكا في المحيطات المفتوحة، بل تبني صواريخ تجعل من الخطر على أمريكا إحضار حاملاتها إلى جوارها. إنها استراتيجية عدم التماثل في أبهى صورها: استغلال نقطة ضعف الخصم وتحويل قوته إلى عبء.

المحيط الهادئ لم يعد "هادئاً". إنه يغلي بالصراع الصامت بين نموذجين: نموذج الهيمنة التقليدية القائمة على القوة الإسقاطية، ونموذج جديد قائم على المنعة الدفاعية والقدرة على الإنكار. والولايات المتحدة، في هذا المضمار، تجد نفسها في سباق مع الزمن ليس فقط للتكيف مع واقع جديد، بل لإعادة تعريف معنى القوة البحرية في القرن الحادي والعشرين.




…….

الجزء الرابع: جبهات المواجهة الصينية-الأمريكية: ساحات الصراع في العصر الانتقالي

(جبهة تايوان: جزيرة القدر ومرآة التنينين)

ليست تايوان مجرد جزيرة تطفو على أمواج المحيط الهادئ. إنها حلمٌ مكسور، ووعدٌ معلق، وكابوسٌ استراتيجي متجدد. إنها شظية من الزمن السياسي متوقفة في مكانها منذ عام 1949، تحولت إلى أكثر البقع الجغرافية تأزماً على وجه الأرض. فهي، في آن معاً:

رمزياً: آخر معقل للصين الوطنية (الكومينتانغ) التي هُزمت في الحرب الأهلية. إنها ليست مجرد حكومة منفية، بل هي تجسيد مادي لرواية مضادة للثورة الشيوعية، وصورة حية لما كان يمكن أن تكون عليه الصين لو انتصر الآخرون. كل حجر في تايوان يحمل ظل الصين التي لم تكن، مما يجعلها جرحاً نرجسياً لا يندمل في جسد الحزب الشيوعي الصيني.

استراتيجياً: ليست مجرد قطعة أرض، بل هي "حاملة طائرات طبيعية غير قابلة للغرق"، على حد تعبير الجنرال الأمريكي دوغلاس ماكارثر. سيطرة قوة معادية عليها تعني تحويل البحر الشرقي لعمق استراتيجي خاضع للتجسس والتهديد، وتحويل الساحل الذهبي للصين إلى جبهة مكشوفة. في يد بكين، تمثل المفتاح الذي يقفل الباب أمام الوصول البحري إلى قلبها، وفي يد أي معاد، تصبح خنجراً مسموماً موجهًا نحو حنجرتها الاقتصادية والعسكرية.

اقتصادياً: تحولت تايوان من جزيرة زراعية إلى "عقل" الرقمنة العالمية. عبر شركة TSMC وحدها، تسيطر على تصنيع أكثر من 90% من أشباه الموصلات المتطورة (تحت 7 نانومتر) التي تشغل كل شيء من الهواتف الذكية إلى الأسلحة الفائقة التطور. هذا يجعلها العنق الزجاجي للحضارة التكنولوجية المعاصرة، ومن يسيطر عليها يمسك برأس حربة المستقبل الصناعي والعسكري.

أخلاقياً وسياسياً: تمثل للغرب، وخاصة للولايات المتحدة، اختباراً وجودياً لالتزامه بالديمقراطية والقيم الليبرالية. التخلي عنها يُفسر كتراجع عن الدفاع عن عالم "حر" في وجه استبداد، بينما الدفاع المجنون عنها قد يدفع بالعالم إلى حرب كبرى. إنها محك المصداقية الأخلاقية للهيمنة الغربية.

من هذه التشابكات تولد المعضلة الجيوستراتيجية الأكثر خطورة:

· الصين: ترفع شعار "الوحدة الوطنية" كحتمية تاريخية وسياسية. أي حديث عن استقلال تايوان هو خط أحمر، والرد العسكري ليس مجرد خيار، بل هو واجب مقدس مكتوب في دستور الحزب والدولة. إنها قضية لا تقبل المساومة، لأن المساومة عليها تعني تفكيك شرعية النظام ذاته.
· الولايات المتحدة: تتبنى سياسة "الغموض الاستراتيجي" المتعمد. فهي تلتزم بـ "قانون العلاقات مع تايوان" الذي يلزمها بتوفير وسائل الدفاع للجزيرة، لكنها ترفض الإفصاح عما إذا كانت ستتدخل عسكرياً، أو كيف، أو متى. هذا الغموض سلاح ذو حدين: يردع الصين عن مغامرة عسكرية (لعدم اليقين من رد أمريكا)، ويردع تايوان عن إعلان الاستقلال (لعدم اليقين من دعم أمريكا الكامل).
· تايوان نفسها: تعيش مفارقة الوجود. تريد الدرع الأمريكية، لكنها تخشى أن تتحول إلى ورقة مساومة في لعبة أكبر، تُباع مصلحتها في سوق الصفقات بين القوتين العظميين. مجتمعها منقسم بين هوية صينية تتطلع للمصالحة، وهوية تايوانية تبحث عن تقرير مصير منفصل، وجمهور عملي يريد تجنب الحرب والحفاظ على الازدهار.

وهكذا، تتحول جزيرة تايوان إلى مرآة عاكسة للصراع الأعظم: مرآة تظهر خوف الصين من التجزئة الدائمة، وتردد أمريكا بين المبادئ والمصالح، وحيرة سكان الجزيرة بين الهوية والبقاء. إنها قنبلة موقوتة، تيك توك ساعة القدر التي يدق عقربها مع كل تصريح استفزازي، وكل زيارة رسمية أمريكية، وكل مناورة عسكرية صينية.

( جبهة بحر الصين الجنوبي: تشييد الإمبراطورية وسياسة الوقائع المنجزة)

إذا كانت تايوان جبهة الزمن المتجمد، فإن بحر الصين الجنوبي هو جبهة الزمن المسرع. هنا، لا تنتظر الصين المستقبل، بل تبنيه بيديها، حرفياً. بين عامي 2014 و2023، حولت الصين شعاباً مرجانية نائمة إلى أراضٍ قائمة وأقاليم ذات سيادة فعلية. عملية شحن الرمال وبناء الجزر الصناعية ليست مجرد هندسة مدنية، بل هي جيوستراتيجيا مادية صرفة. 3,200 فدان من الأراضي الجديدة لم تكن لزراعة النخيل، بل لزراعة قواعد عسكرية متكاملة: مدارج لهبوط القاذفات الثقيلة، مرافئ لرسو الغواصات والمدمرات، منصات صواريخ، وأنظمة رادار.

النتيجة الحاسمة: تحول بحر الصين الجنوبي، الذي يمر عبره 5 تريليون دولار من التجارة العالمية سنوياً (ثلث الشحن العالمي)، من ممر مائي دولي إلى بحيرة صينية محروسة. السيطرة على هذا البحر تعني:

1. السيطرة على شريان الرئة الاقتصادية لشرق آسيا: اليابان، كوريا الجنوبية، تايوان - كلها تعتمد بشكل حيوي على هذا الممر.
2. تعميق الدفاع الاستراتيجي للصين: تحويل خطوطها البحرية الأمامية مئات الكيلومترات إلى البحر، مما يصعب على أي قوة الاقتراب من سواحلها.
3. السيطرة على ثروات القاع: الاحتياطيات الهائلة من النفط والغاز الطبيعي التي تقدر بعشرات المليارات من البراميل.

الاستراتيجية الصينية الأوسع: "سلسلة اللؤلؤ" المتطورة. إنها ليست مجرد قواعد في بحر الصين الجنوبي، بل هي شبكة من النقاط الاستراتيجية الممتدة من ميناء سيتواي في هاينان الصينية، عبر قواعد في كمبوديا، إلى ميناء هامبانتوتا في سريلانكا، والمرفق العسكري في جيبوتي عند باب المندب. هذه السلسلة:

· تُحِيط بالهند من الشرق والجنوب والغرب، محوّلة المحيط الهندي إلى ساحة تنافس مفتوحة.
· تَهدد خطوط الإمداد البحرية للولايات المتحدة وحلفائها من الخليج إلى شرق آسيا.
· تُؤسِس لنموذج جديد من القواعد الخارجية: غالباً ما تكون مدنية في الظاهر (موانئ تجارية) مع إمكانيات عسكرية كامنة، مما يجعل الاعتراض عليها أكثر صعوبة.

الاستراتيجية الأمريكية: تحدي السيادة عبر "حرية الملاحة". رد واشنطن هو تنفيذ عمليات "حرية الملاحة" (FONOPs)، حيث تُبحر السفن الحربية الأمريكية (وأحياناً حلفاؤها) على مسافة قريبة من الجزر المصطنعة، متحديةً بذلك المطالب الصينية بمناطق بحرية خاصة. الهدف هو:

1. التأكيد على أن البحر الصيني الجنوبي مياه دولية وفقاً للقانون الدولي للبحار.
2. إظهار الدعم للحلفاء مثل الفلبين وفيتنام اللتين تدعيانهما أيضاً.
3. اختبار ردود الفعل الصينية وحدود صبرها.

لكن هذه الاستراتيجية تحمل في طياتها تناقضاً خطيراً: فهي تتحدى الصين ولكن تتجنب المواجهة المباشرة. إنها لعبة خطرة على حافة الهاوية، حيث قد يؤدي أي خطأ في الحساب أو أي حادث صغير إلى تصعيد سريع وغير متحكم به. الصين، من جانبها، تتعامل مع هذه العمليات على أنها مكيدة استفزازية غير ذات معنى، بينما تواصل بناء الوقائع على الأرض (أو الماء)، مدركة أن الحضور الدائم يهزم الزيارات المؤقتة.

(جبهة الاقتصاد والتكنولوجيا: الحرب الباردة الجديدة - معركة القلوب والعقول والعقول الاصطناعية)

إنها الجبهة الأكثر عمقاً وخطورة، حيث تُحدَد معالم القرن الحادي والعشرين. ليست حرباً بالدبابات، بل حرب بالشرائح الإلكترونية، والخوارزميات، وسلاسل التوريد. إنها صراع على القوة البنيوية التي تحدد من يكتب قواعد الاقتصاد العالمي المستقبلي.

الحرب التجارية (2018-الآن): الضربة الأولى والدرس المر. عندما فرضت إدارة ترامب رسوماً جمركية على 360 مليار دولار من البضائع الصينية، كان الهدف المعلن تقليل العجز التجاري وإعادة الوظائف إلى أمريكا. لكن النتيجة كانت أكثر تعقيداً:

· بعض الصناعات عادت، ولكن بتكلفة: بعض الإنتاج تحول إلى فيتنام أو المكسيك أو حتى العودة إلى أمريكا، لكن المستهلك الأمريكي هو من دفع الثمن عبر أسعار أعلى.
· تعميق الاعتماد المتبادل المعقد: رغم الرسوم، بقيت التجارة بين البلدين عند مستويات قياسية. لكن طبيعتها تغيرت، وأصبحت أكثر تركيزاً على سلع استراتيجية يصعب استبدالها.
· إطلاق صفارة الإنذار للصين: كانت الحرب التجارية الصدمة التي أيقظت التنين على مدى تعرضه. إذ علمته أن الاعتماد على الأسواق والتقنيات الغربية هو نقطة ضعف قاتلة.

حرب التكنولوجيا: حصار العقول والرقائق. هنا انتقل الصراع إلى المجال الحاسم:

· حظر هواوي (2019): لم يكن مجرد عقاب لشركة، بل كان هجوماً على صعود الصين التكنولوجي. منع واشنطن لهواوي من الوصول إلى رقائق متطورة وبرامج أساسية (مثل خدمات جوجل) كان محاولة لخنق عملاق الاتصالات الصيني.
· حظر تصدير الرقائق المتطورة وتقنيات التصنيع (2022): كان هذا التصعيد النوعي. بمنع شركات مثل "إنتل" و"أيه إم دي" و"إنفيديا" من بيع أشباه موصلات متطورة وآلات التصنيع (من شركات مثل ASML الهولندية) للصين، سعت واشنطن إلى قطع الطريق على تقدمها التكنولوجي العسكري والمدني، خاصة في مجالات الذكاء الاصطناعي والحوسبة الفائقة.
· الرد الصيني: تعبئة وطنية نحو الاكتفاء الذاتي: أطلقت بكين "الجهاد التكنولوجي". تضخ استثمارات هائلة في صناعة الرقائق المحلية (مشاريع مثل SMIC)، وتقدم إعانات غير محدودة تقريباً، وتجند علماءها في الخارج للعودة. الشعار: حلول صينية للمشاكل الصينية.

حرب المعايير: معركة شكل المستقبل. هذه هي الجبهة الأكثر استشرافية. من يتحكم في معايير التكنولوجيا العالمية يتحكم في المستقبل:

· شبكات الجيل الخامس (5G): من يحدد معاييرها يسيطر على عصب اقتصاد البيانات في العقود القادمة. صراع هواوي ضد إريكسون ونوكيا هو صراع على هذه السيادة.
· الذكاء الاصطناعي: المعركة على أخلاقيات الذكاء الاصطناعي وأطر تنظيمية ليست فلسفية فقط؛ فمن يضع المعايير يُشكّل حدود ما هو ممكن وقانوني في هذا المجال الحيوي.
· الطاقة المتجددة والمركبات الكهربائية: الصين هي بالفعل مصنع العالم الأخضر. سيطرةها على سلاسل توريد البطاريات والألواح الشمسية تعني أنها تحدد سرعة واتجاه التحول البيئي العالمي.

الخلاصة المُرة للغرب: في كل جبهة من هذه الجبهات الاقتصادية والتكنولوجية، ينتج عن الضغط الأمريكي نتيجة غير مقصودة: فهو يسرّع من فطام الصين عن الاعتماد على الغرب. كل حظر، كل عقوبة، تخلق حافزاً وطنياً وإمكانات تمويل هائلة لتطوير بدائل محلية. الصين تتعلم بسرعة أن السيادة التكنولوجية هي السيادة الحقيقية في القرن الحادي والعشرين، وأن الحرب الباردة الجديدة، رغم أعبائها، قد تكون المخاض القاسي اللازم لولادة قوة عظمى مكتفية ذاتياً تماماً، وخالية من نقطة الضعف الأخيرة التي يمكن للغرب استهدافها.

…….

الجزء الخامس: الصين تبني - أمثلة حية: تجسيد الإمبراطورية الجديدة بين الحجر والبيت

( مشروع الحزام والطريق: تشريح الجيو-اقتصاد كأداة لإعادة تشكيل العالم)

ليس "الحزام والطريق" مجرد مشروع بنى تحتية ضخم، بل هو الرحم الذي تخلق فيه الصين نسقاً عالمياً موازياً. إنه التجسيد الأكثر وضوحاً لنظرة سمير أمين حول محاولات الأطراف السابقة إعادة تشكيل علاقات المركز، لكن هذه المرة من قبل قوة قارية صاعدة تسعى لقلب المعادلة. إنه ليس بناءً للطرق فحسب، بل هو هندسة للتبعيات الجديدة، وتشييد لشبكة إمبراطورية تعيد تعريف الجغرافيا السياسية عبر الجغرافيا الاقتصادية.

الطريق البري: استعادة مسارات التاريخ وإخضاعها للمنطق الجديد.
إن خطوط السكك الحديدية التي تشق آسيا الوسطى نحو أوروبا ليست مجرد قضبان فولاذية، بل هي أوعية شرايين تضخ السيادة الصينية إلى قلب العالم القديم. كل قطار شحن يقطع كازاخستان أو روسيا هو إعادة إحياء لطريق الحرير، ولكن تحت شروط جديدة: السرعة والرقابة والتبعية اللوجستية. هذه الشبكة:

· تحوّل الدول الحبيسة إلى دول عابرة، مربوطة بمصيرها بالمحرك الصيني.
· تخلق واقعاً اقتصادياً جديداً حيث يصبح التفكير بمعزل عن الشبكة الصينية ضرباً من العبث.
· الأنابيب الموازية للطرق ليست فقط لنقل النفط والغاز، بل لنقل الاعتماد الاستراتيجي، حيث تُربط أمن الطاقة الأوروبي تدريجياً بالمصادر الموصولة بالصين.

الطريق البحري: شبكة الأعصاب للإمبراطورية التجارية.
إذا كان البري هو الهيكل العظمي، فالبحري هو الجهاز الدوري الذي ينقل دماء التجارة العالمية. الموانئ الصينية في جوادر (باكستان)، هامبانتوتا (سريلانكا)، بيريوس (اليونان)، ترييستي (إيطاليا)، مومباسا (كينيا) ليست استثمارات منفصلة، بل هي عُقَد في شبكة عصبية واحدة.

· استثمار تريليون دولار ليس رقماً مالياً، بل هو مقياس للطموح الجيوسياسي. إنه استثمار في تحويل الجغرافيا الثابتة إلى أصول جيوستراتيجية ديناميكية.
· الدول الـ 147 المشاركة لا تشير إلى شعبية المشروع فحسب، بل إلى حجم الفراغ الذي ملأه. إنه اعتراف عالمي بأن الصين أصبحت المُموِّل والمقاول الأوحد للتنمية الأساسية في معظم أنحاء العالم النامي وحتى أجزاء من أوروبا.

التأثير الجيوسراتيجي: من القروض إلى النفوذ، ومن البنية التحتية إلى التبعية السياسية.
هنا يتحول المشروع من هندسة مدنية إلى هندسة سياسية، وفق المنطق الذي حلله أمين حيث يصبح النفوذ الاقتصادي أداة لإعادة صوغ التحالفات والتوجهات.

· الديون كأداة جيوسياسية: ليست القروض الصينية مُيسَّرة لكرم صيني، بل هي أدوات خلق علاقات قوة غير متكافئة. عندما لا تستطيع دولة سداد ديونها (كما في حالة سريلانكا)، تتحول التسهيلات إلى مقايضات سياسية أو عسكرية: منح امتيازات عسكرية، أو دعم سياسي في المحافل الدولية، أو التخلي عن اعتراف بتايوان.
· شبكة بديلة للعولمة: بينما كانت العولمة الأمريكية تُدار عبر صندوق النقد الدولي والبنك الدولي بشروط ليبرالية (خصخصة، تحرير)، فإن عولمة الصين تُدار عبر بنك التنمية الآسيوي والبنوك الصينية بشروط تقنية: اعتماد معايير صينية، استخدام مقاولين ومعدات صينية. إنها عولمة بدون ديمقراطية ليبرالية، بل بكفاءة تكنوقراطية وولاء سياسي.
· إعادة رسم الخرائط الذهنية: يصبح التقدم والتنمية في أذهان النخب المحلية في آسيا وأفريقيا مرتبطاً بالشراكة مع الصين. الحلم الصيني يصبح مرادفاً للحداثة، ليس عبر القيم، بل عبر الإسمنت والطاقة. إنها قيادة عبر القدوة المادية، وليس عبر الإملاء الأيديولوجي.

مشروع الحزام والطريق، في جوهره، هو آلة لإنتاج الفضاء الجيوسياسي الصيني. إنه يحوّل الفوضى الجغرافية للعالم إلى نظام هرمي، حيث الصين في المركز، وتتصل بها الأطراف عبر شرايين من الفولاذ والأسمنت والألياف الضوئية. إنه بناء إمبراطورية، ليس بالغزو العسكري، بل بالإغراء الاقتصادي والاحتواء المادي.

( الصين الرقمية: نموذج بديل ونظام المراقبة-الرفاهية)

بينما تغرق المجتمعات الغربية في دوامة من النقاشات الميتافيزيقية حول توازن الخصوصية والأمن، تنشئ الصين، بصمت وحسم، نموذجاً رقمياً شمولياً متكاملاً، يقدم نفسه ليس كبديل تقني فحسب، بل كـ نموذج حضاري بديل. إنه نظام لا يفصل بين التكنولوجيا والحوكمة، بل يدمجهما في كيان واحد، ويطرح سؤالاً وجودياً: ما قيمة الخصوصية الفردية في مواجهة الكفاءة المجتمعية والأمن الوطني؟

1. نظام المدفوعات الرقمية: استقلال مالي واستعباد سلوكي.

· اعتماد 90% من السكان: لم يُفرض بالقوة، بل بالإغراء. السرعة، السهولة، الدمج مع منصات التواصل (وي تشات، أليباي) جعلته ضرورة حياتية. لكن وراء هذه الراحة يكمن استقلال استراتيجي: النظام يعمل خارج شبكتي فيزا وماستركارد، مما يحصن الصين من أي عقوبات مالية غربية محتملة.
· البيانات كمنجم ذهب: كل عملية شراء، مهما صغرت، تُسجل وتحلل. إنها تخلق صورة حية ومحدَّثة باستمرار عن الاقتصاد الشعبي، تمكن الدولة من توجيه السياسات بسرعة غير مسبوقة. إنه اقتصاد موجه دقيق، حيث تتحول البيانات إلى وسيلة لإدارة الطلب والعرض على المستوى الكلي والجزئي.

2. نظام التعرف على الوجوه والتتبع: التشيؤ الرقمي والمواطنة الشفافة.

· الكاميرات في كل زاوية: ليست لأمن الشوارع فقط، بل هي عيون الدولة التي لا تنام. إنها تخلق شعوراً دائماً بالمراقبة، مما يُخضع السلوك الاجتماعي لمنطق الانضباط الذاتي.
· نظام الائتمان الاجتماعي (غير الموحد على مستوى الدولة لكنه قيد التطوير في مدن عديدة): يمثل الذروة الأخلاقية-التقنية لهذا النموذج. إنه يحوّل الفضائل والرذائل الاجتماعية إلى نقاط رقمية، قابلة للقياس والمكافأة والعقاب. الإخلاص في العمل، احترام قوانين المرور، مساعدة الجيران، النشاط السياسي "الصحيح"، كلها تصبح سلعاً في سوق الرأسمال الأخلاقي. إنه تطبيع للامتثال عبر التكنولوجيا، حيث يصبح الخيار الحر بين الخير والشر مجرد وهم، أمام إغراء المكافأة الرقمية وخطر العقاب الرقمي.

3. الذكاء الاصطناعي: بيانات 1.4 مليار نسمة كوقود للتفوق.

· الميزة غير القابلة للتقليد: حجم البيانات التي تولدها الصين يومياً هو مورد استراتيجي لا يقل أهمية عن النفط. هذه البيانات تغذي خوارزميات الذكاء الاصطناعي في التشخيص الطبي (الذي يصبح أسرع وأرخص)، في التعليم (تخصيص المناهج)، في الزراعة (الري والتسميد الدقيق).
· النموذج المختلف: بينما يركز الذكاء الاصطناعي الغربي على الربحية الفردية والتسلية، يركز النموذج الصيني على الكفاءة الجماعية والتحكم الاجتماعي. إنه ذكاء اصطناعي في خدمة الاستقرار والنمو، وليس في خدمة الحرية الفردية.

4. ثورة السيارات الكهربائية والبطاريات: الاستيلاء على مستقبل النقل.

· تفوق شركات مثل BYD: ليس فقط في المبيعات، بل في السيطرة على سلسلة القيمة بأكملها. من استخراج الليثيوم إلى تصنيع البطاريات إلى تجميع السيارات، الصين تبني احتكاراً مستقبلياً للتنقل العالمي.
· البطاريات الأرخص والأعلى مدى: هي نتيجة الدعم الحكومي الهائل والتكامل الصناعي. إنها تجعل التحول إلى الكهرباء ممكناً اقتصادياً على مستوى عالمي، ولكن بشرط واحد: الاعتماد على التكنولوجيا الصينية. من يتحكم في البطارية يتحكم في مستقبل السيارة.

النموذج الصيني البديل
الصين لا تكتفي بمنافسة النموذج الغربي (الليبرالي-الرأسمالي) على أرضيته. إنها تخلق ساحة لعبة جديدة، بقواعد جديدة. النموذج الصيني الرقمي يقترح معادلة مختلفة:

· المقايضة: الخصوصية مقابل الأمن والكفاءة.
· الهدف: الاستقرار المجتمعي والنمو الاقتصادي، وليس الحرية الفردية المطلقة.
· الوسيلة: دمج تام بين الدولة والتكنولوجيا، حيث تصبح التكنولوجيا أداة حكم، والحكم يصبح علمياً عبر البيانات.

إنه يطرح نفسه كـ نموذج جذاب للدول الاستبدادية أو تلك التي أنهكها الفشل الديمقراطي والفساد: هنا تقدم تكنولوجيا متطورة وحكماً "فعالاً" دون فوضى الانتخابات وصراعات الأحزاب. إنه نموذج الحداثة بدون تنوير، التقدم بدون حرية. وهو بهذا، لا يهدد التفوق الاقتصادي الغربي فحسب، بل يهدد أسس شرعيته الأيديولوجية ذاتها، مادام يثبت أنه يمكن تحقيق الازدهار والتقدم التكنولوجي دون الديمقراطية الليبرالية. إنه التحدي الأعمق الذي تطرحه الصين: ليس لمنافسة الغرب في صناعة السلع، بل لتصنيع مستقبل للإنسانية برؤية مختلفة جذرياً عن تلك التي هيمنت منذ نهاية الحرب الباردة.


…….


( الاستنزاف المالي: تشريح آلة الهيمنة الباهظة وتناقضات التراكم الإمبريالي)

إن تكلفة الحفاظ على الهيمنة العالمية ليست مجرد بند في الميزانية الفيدرالية؛ إنها العبء الوجودي للإمبراطورية في طور الشيخوخة. ففي قلب المنطق الإمبريالي الذي يحلله سمير أمين، تكمن مفارقة استنزاف المراكز: حيث يتحول استخراج الفائض من الأطراف واستثماره في آلات السيطرة إلى حمولة ثقيلة تهدد بكسر ظهر المركز ذاته. فالتراكم المالي المهول الذي جنته الولايات المتحدة من هيمنتها بعد الحرب العالمية الثانية يُعاد تدويره الآن في مشروع مرهق ومكلف للحفاظ على تلك الهيمنة ذاتها، في حلقة مفرغة من الإنفاق الدفاعي.

الإنفاق العسكري: الوهم الكمي والفساد البنيوي.
الرقم الفلكي - 886 مليار دولار في 2023 - ليس دليلاً على القوة، بل على الهدر المؤسسي. هذا المبلغ الذي يتجاوز إنفاق الدول العشر التالية مجتمعةً، يُشكِّلُ نظاماً اقتصادياً فرعياً طفيلياً داخل الجسد الأمريكي:

· نصفه يذهب إلى الرواتب والتقاعد: أي أنه يُحوّل إلى ضمان اجتماعي لعقيدة عسكرية، يحفظ ولاء ملايين العسكريين والموظفين وعائلاتهم للنموذج القائم، ويخلق كتلة انتخابية ضاغطة ضد أي تقليص جذري.
· ربعه يُخصص للصيانة: لإطالة عمر أنظمة أسلحة من حقبة الحرب الباردة، أساطيل شيخة، وطائرات متقاعدة. إنه إنفاق لـ تحنيط الماضي العسكري.
· الربع الأخير فقط للأسلحة الجديدة: وحتى هذا الجزء يُبتلع بمشاريع ضخمة متعثرة (مثل مقاتلة F-35)، حيث تختفي مليارات الدولارات في متاهات التعاقدات وتضارب المصالح بين البنتاغون وشركات السلاح.

هذا الهيكل ليس خللاً تقنياً، بل هو التعبير المالي عن المرحلة الاحتضارية للهيمنة. فالمال لا يشتري تفوقاً نوعياً حاسماً، بل يُبقي آلة ضخمة تدور في الفراغ. بينما تصرف الصين جزءاً أصغر من ناتجها المحلي على الجيش، لكنه يركز على تطوير أسلحة رادعة غير متماثلة (كالصواريخ الباليستية المضادة للسفن) التي تجعل الترسانة الأمريكية التقليدية أقل جدوى. الفارق هو بين الإنفاق على الوجود (الحفاظ على شبكة عالمية) والإنفاق على التأثير (بناء قدرات تحدد نتائج الصراع).

شبكة القواعد العسكرية: جغرافيا الإمبراطورية وتحولها إلى شبكة عنكبوتية.
الـ 800 قاعدة في 80 دولة ليست علامة قوة، بل هي خريطة للتزامات لا حصر لها وثغرات لا تُحصى. إنها تمثل إرث القرن العشرين، حيث كانت القوة تُقاس بالامتداد الجغرافي. لكن في القرن الحادي والعشرين، تحولت هذه الشبكة إلى:

· أصول ثابتة في عالم متحرك: فهي أهداف واضحة في حالة أي صراع مع خصم متقدم (كروسيا أو الصين)، وتستهلك موارد هائلة في الحماية.
· مولدات للاستفزاز والكراهية: وجود القواعد الأمريكية غالباً ما يغذي الخطابات الوطنية والدينية المعادية، ويوفر مبرراً للقوى المنافسة لتعزيز وجودها في تلك المناطق.
· تكلفة سنوية تبلغ 150 مليار دولار: وهي ثمن الإيجار الجيوسياسي لأراضي الآخرين، أموال تذهب لدول مضيفة قد لا تكون ولاءاتها دائمة.

في تحليل أمين، تمثل هذه القواعد التجسيد العسكري لآليات التبعية، لكنها في مرحلة أفول الهيمنة تتحول إلى نقاط ضعف. فالصين، بدلاً من بناء قواعد مماثلة، تبني موانئ تجارية مزدوجة الاستخدام وشبكات اتصالات وطرقاً، وهي أصول تخلق اعتماداً اقتصادياً وتكلف جزءاً بسيطاً من تكلفة القاعدة العسكرية، وتكون أقل استفزازاً وأكثر فاعلية في كسب النفوذ.

المساعدات العسكرية: تحويل الحلفاء إلى تابعين وهموم دائمة.
المساعدات ليست سخاءً، بل هي عملية شراء للولاء وإلقاء بالثقل في صراعات بالنيابة. لكن هذه الاستثمارات السياسية تعاني من تناقض عميق:

· إسرائيل (4 مليارات سنوياً): تحولت من حليف إستراتيجي إلى عبء أخلاقي وسياسي يضر بصورة أمريكا في العالم الإسلامي والعالم النامي، بينما تطور إسرائيل ذاتياً صناعة أسلحة متطورة وتتعامل مع الصين وروسيا.
· أوكرانيا (100 مليار دولار منذ 2022): أصبحت حفرة مالية وسياسية بلا قاع. الأسلحة الأمريكية تتقادم في ساحات القتال، والمال يختفي في فساد محتمل، والناتج هو حرب استنزاف لا طائل منها تضعف روسيا ولكنها تضعف الغرب أيضاً.
· تايوان (2 مليار سنوياً): هي أقل القليل لإبقاء الجمر تحت الرماد. فهي لا تمنح تايوان قدرة حقيقية على صد هجوم صيني شامل، بل تهدف فقط إلى رفع تكلفة الغزو، وتحويل الجزيرة إلى شوكة دائمة في خاصرة الصين – وهي لعبة خطيرة على حافة الهاوية.

السؤال الجوهري: أين العائد؟
في آسيا، الساحة الحاسمة، يظهر التناقض بأقسى صوره. رغم كل هذه المليارات المرصودة للحاملات والقواعد والتحالفات (مثل «أوكوس» و «الكواد»)، فإن ميزان القوى يتحرك باستمرار لصالح الصين. النفقات الأمريكية تشتري احتواءً هشاً، بينما تستثمر الصين في خلق وقائع جديدة في بحر الصين الجنوبي، وفي هيمنة تجارية عبر «الحزام والطريق»، وفي تفوق تكنولوجي في مجالات حاسمة. العائد الأمريكي هو تأخير حتمية التغيير، وليس منعها. إنها معادلة مالية-استراتيجية خاسرة: استثمار هائل للحفاظ على وضع قائم آخذ في التآكل، بينما يستثمر الخصم في بناء وضع جديد لمصلحته. إنه استنزاف لرأس المال المالي والسياسي الأمريكي في معركة دفاعية، بينما يتراكم رأس المال الجيوسياسي الصيني في هجوم اقتصادي وتكنولوجي صامت.

( الاستنزاف النفسي والأخلاقي: أفول الهالة الإمبراطورية وأزمة الروح الوطنية)

وراء الاستنزاف المالي، يكمن استنزاف أعمق وأخطر: استنزاف الروح، والشرعية، والثقة بالنفس. فالهيمنة لا تقوم على المدفع والمال فقط، بل على الهالة الأخلاقية والسردية الجذابة التي تبرر تفوقها. وهذا هو بالضبط ما يتآكل في المشروع الأمريكي، فيما تعمل الصين على بناء نسختها الخاصة منه.

1. الانتشار الزائد وغياب الاستراتيجية المركزة: التيه في متاهة الأولويات.
الجيش الأمريكي المبعثر في 150 دولة هو صورة لقوة فقدت بوصلة إستراتيجيتها العليا. الانتشار العالمي كان منطقياً في عالم القطبية الثنائية، حيث كان العدو واضحاً (الاتحاد السوفيتي) والهدف محدداً (الاحتواء). أما اليوم، فالعالم متعدد الأقطاب والتحديات متنوعة: صين تصاعدية، روسيا ثائرة، إيران منافسة، تنظيمات إرهابية، أزمات مناخية، وأوبئة عالمية.

· "في كل مكان يعني في لا مكان": هذه العبارة تختزل المأزق. فالقوة الموزعة على كل الجبهات تصبح ضعيفة في كل منها. لا يوجد تركيز، لا عمق إستراتيجي، بل ردود فعل مبعثرة على أزمات متفرقة.
· غياب العدو الواحد الواضح: يحول السياسة الخارجية إلى سلسلة من المناورات التكتيكية دون رؤية استراتيجية كلية. الحرب على الإرهاب، المواجهة مع الصين، الصراع مع روسيا – جميعها تتنافس على الموارد والانتباه، مما يؤدي إلى سياسة مشتتة غير قادرة على تحقيق انتصار حاسم في أي مجال.

2. الصورة العالمية: من "شرطي العالم" إلى "المُخرِّب العالمي".
لقد انقلبت السردية. فبينما كانت أمريكا تُقدّم نفسها بعد الحرب الباردة على أنها حاملة لواء الديمقراطية والليبرالية، فإن غزوات العراق وأفغانستان، ودعم الديكتاتوريات عندما يخدم المصالح، والحروب بالوكالة، والعقوبات الأحادية القاضية، كلها رسمت صورة مختلفة في عيون العالم النامي:

· أمريكا كقوة عدوانية وغير متسقة: تتدخل عسكرياً لتدمر دولاً (العراق، ليبيا) ثم تنسحب تاركةً الفوضى، وتتحدث عن حقوق الإنسان بينما تتحالف مع دول تنتهكها يومياً (مثل السعودية). هذا النفاق الجيوسياسي لم يعد مقنعاً.
· الصين كقوة بناء "غير أيديولوجية": تقدم نفسها كشريك تجاري وتنموي عملي. لا تسأل عن نظام الحكم أو سجل حقوق الإنسان، بل تقدم قروضاً ومشاريع بنى تحتية ملموسة. في نظر العديد من النخب في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، الصين تقدم صفقة أفضل: التنمية مقابل الموارد، دون وعظ أخلاقي أو شروط سياسية مهينة.
· فوز الصين بقلوب وعقول النخب النامية: عبر المنح الدراسية، وتبادل الخبراء، والإعلام الموجه، تبني الصين ولاءات في الأجيال الصاعدة من السياسيين والبيروقراطيين ورجال الأعمال في العالم النامي، الذين يرون في النموذج الصيني للتنمية السريعة تحت حكم مركزي قوي قدوة عملية لبلدانهم، أكثر من النموذج الليبرالي الغربي المثقل بالمشاكل.

3. أزمة الثقة بالنفس والانقسام الداخلي: الانشطار الذي يقوض القوة من الداخل.
أخطر أشكال الاستنزاف هو ذلك الذي ينخر في النفسية الوطنية وتماسك المجتمع. فبينما تظهر الصين ككيان موحد وراء قيادته، تتجلى أمريكا كمجتمع منقسم على نفسه:

· الشك الذاتي والانقسام: الانقسام السياسي الحاد بين الديمقراطيين والجمهوريين لم يعد خلافاً على السياسات، بل تحول إلى حرب هويات ثقافية تعطل القدرة على اتخاذ قرارات استراتيجية طويلة المدى. الجدل حول الدور العالمي لأمريكا – بين الانعزالية والتدخل – يدل على فقدان الثقة بالمشروع الإمبراطوري ذاته.
· الصين "الواثقة، المتيقنة من هدفها": تقدم قيادة الحزب الشيوعي الصيني صورة اليقين الاستراتيجي. خطط الخمس سنوات، مشاريع العقود، الرؤى المئوية (مثل "الحلم الصيني" لعام 2049) – كلها تنقل إحساساً بالاتجاه والهدف والثبات الذي يفتقده الغرب المتقلب.
· الروح الوطنية في موازنة: الروح الأمريكية القائمة على الفردانية والحرية والابتكار تواجه أزمة في عصر انعدام المساواة وتراجع الحراك الاجتماعي. بينما تقدم الصين رواية وطنية قوية عن إحياء الأمة من إهانة القرون الاستعمارية، وهي رواية تجمع الناس خلف الدولة.

الاستنزاف الشامل
هكذا، فإن الاستنزاف الأمريكي ليس مالياً فحسب، بل هو استنزاف استراتيجي، أخلاقي، ونفسي. إنه أفول للهالة التي جعلت الهيمنة مقبولة حتى من قبل بعض الخاضعين لها. تكمن عبقرية الصين في أنها تتجنب هذا المأزق: فهي لا تسعى إلى هيمنة عالمية مباشرة وعسكرية مكلفة، بل إلى قيادة اقتصادية وتكنولوجية تخلق تبعيات طوعية. إنها تستنزف أمريكا ليس بمواجهتها مباشرة، بل بجعلها تستنزف نفسها في محاولة يائسة للحفاظ على نظام عالمي لم يعد موجوداً. بينما تنفق أمريكا طاقتها في إطفاء الحرائق التي تسببها سياستها الخارجية أو تتسبب بها قوى أخرى، تبني الصين بيتها الجديد على أطراف أنقاض النظام القديم. وهذا هو جوهر الصراع: قوة تدافع عن ماضيها، وأخرى تبني مستقبلها، وتكلفة الدفاع عن الماضي، كما تظهر كل يوم، هي استنزاف لا يطاق.



…….


الجزء السادس:
الاستنزاف الأمريكي - الأوجه المتعددة: تشريح أفول الهيمنة في مرآة الاقتصاد والنفس الجماعي

(الاستنزاف المالي: سِفْر تكاليف الإمبراطورية وتناقضات التراكم المتآكل)

إن الحفاظ على الهيمنة العالمية ليس عملاً مجانياً، بل هو المشروع الأكثر تكلفة في التاريخ البشري. وهو تكلفة لا تقاس بالمليارات فحسب، بل بـ مفارقة مركزية في نظرية سمير أمين: حيث يتحول استخراج الفائض العالمي وإعادة استثماره في آليات السيطرة، من مصدر قوة إلى عبء وجودي يُضعف البنية التحتية للقوة ذاتها. فالتراكم الهائل الذي جنته الولايات المتحدة من موقعها كمركز للنظام الرأسمالي العالمي يُحرَق الآن في أتون الحفاظ على هذا المركز، في عملية أشبه بـ التهام الذات الجيوسياسي.

الإنفاق العسكري: وهم الأرقام الفلكية وفساد الآلة العسكرية-الصناعية.
الرقم المهول - 886 مليار دولار في عام 2023 - لا يعكس تفوقاً، بل يعكس إدماناً مؤسسياً على الإنفاق العسكري كنموذج للتراكم الداخلي. هذا المبلغ، الذي يفوق إنفاق الدول العشر التالية مجتمعة، لا يشتري الأمن، بل يغذي اقتصاداً طفيلياً داخل الجسد الأمريكي:

· نصفه يذهب إلى الرواتب والتقاعد: أي أنه تحوّل إلى نظام ضمان اجتماعي للعقيدة العسكرية. فهو يُبقي ملايين الأفراد وعائلاتهم موالين للنموذج القائم، ويخلق كتلة انتخابية ضاغطة تُعيق أي إصلاح جذري، محوّلةً الجيش إلى قوة محافظة داخلية قبل أن يكون أداة خارجية.
· ربعه يُستهلك في الصيانة: لإطالة عمر معدات من عصر مضى. هو إنفاق لـ تحنيط ترسانة الحرب الباردة، حيث تُصرَف الأموال للحفاظ على حاملات طائرات شيخة وأساطيل بالية، بدلاً من التفكير في نماذج قوة أكثر مرونة وذكاءً.
· الربع الأخير فقط للأسلحة الجديدة: وحتى هذا الجزء يُبتلع في مشاريع ضخمة فاشلة (مثل مقاتلة F-35)، حيث تختفي الأموال في متاهات التعاقدات والفساد النظامي بين البنتاغون ومجمع الصناعات العسكرية. إنه رأسمالية المحاسيب في أوضح صورها، حيث الربح الخاص يُموَّل من الخزينة العامة تحت ذريعة الأمن القومي.

هذا الهيكل ليس خللاً إدارياً، بل هو التعبير المالي عن مرحلة الشيخوخة الإمبراطورية. فالمال لا يشتري تفوقاً نوعياً حاسماً، بل يُبقي آلة ضخمة تدور حول نفسها. وفي المقابل، تركز الصين، التي تنفق جزءاً أصغر من ناتجها، على تطوير أسلحة رادعة غير متماثلة (كالصواريخ الباليستية المضادة للسفن والهيبيرسونيك) التي تجعل الترسانة الأمريكية التقليدية باهظة الثمن وأقل جدوى. الفارق هو بين الإنفاق على الوجود الشكلي (الحفاظ على شبكة عالمية) والإنفاق على التأثير الحاسم (بناء قدرات تحسم النزاع).

القواعد العسكرية العالمية: جغرافيا الإمبراطورية المتصلبة وتحولها إلى أصول سلبية.
إن الـ 800 قاعدة في 80 دولة ليست علامة على القوة الناعمة، بل هي خريطة للتزامات لا نهاية لها ونقاط ضعف موزعة. فهي تمثل إرث القرن العشرين، حيث كانت القوة تُقاس بالامتداد الجغرافي المادي. لكن في القرن الحادي والعشرين، تتحول هذه الشبكة إلى:

· أهداف ثابتة في حرب متحركة: فهي نقاط واضحة وسهلة الاستهداف في أي صراع مع خصم متقدم، وتستهلك موارد هائلة في حمايتها من تهديدات غير تقليدية.
· مولدات للاستفزاز والعداء: وجودها يُغذي الخطابات الوطنية والدينية المعادية، ويوفر للقوى المنافسة ذريعة لتعزيز وجودها في تلك المناطق تحت عنوان "موازنة النفوذ".
· تكلفة إيجار جيوسياسي تبلغ 150 مليار دولار سنوياً: وهي ثمن الإيجار المؤقت للسيادة في أراضي الآخرين، أموال تتدفق لدول مضيفة قد تتغير ولاءاتها بين عشية وضحاها.

في تحليل أمين، تمثل هذه القواعد الأدوات العسكرية لربط الأطراف بالمركز، لكنها في مرحلة التحول العالمي تصبح نقاط ضعف. فالصين، بدلاً من بناء قواعد مماثلة، تبني موانئ تجارية مزدوجة الاستخدام وشبكات اتصالات وطرقاً، وهي أصول تخلق اعتماداً اقتصادياً أعمق، بتكلفة أقل، وبصورة "مدنية" أقل استفزازاً.

المساعدات العسكرية: شراء الولاء وتحويل الحلفاء إلى تبعيات مكلفة.
المساعدات ليست عملاً خيرياً، بل هي استثمار سياسي في شراء النفوذ وتمويل حروب بالوكالة. لكن هذا الاستثمار يعاني من تناقض عميق:

· إسرائيل (4 مليارات سنوياً): تحولت من حليف إستراتيجي إلى عبء أخلاقي وسياسي مزمِن، يضر بصورة أمريكا في العالمين العربي والإسلامي، بينما تطور إسرائيل ذاتياً صناعة أسلحة متطورة وتتعامل تجارياً مع الصين.
· أوكرانيا (100 مليار دولار منذ 2022): أصبحت حفرة سوداء للموارد. الأسلحة الأمريكية تتقادم في ساحات القتال، والمال قد يضيع في فساد محتمل، والنتيجة هي حرب استنزاف تضعف روسيا ولكنها تستنزف الاحتياطيات الغربية وتُعرّض الوحدة الأطلسية للتصدع.
· تايوان (2 مليار سنوياً): هي جرعة منشطات لوضع ميؤوس منه. فهي لا تمنح تايوان قدرة حقيقية على الصمود أمام هجوم صيني شامل، بل تهدف فقط إلى رفع التكلفة، وتحويل الجزيرة إلى بؤرة توتر دائمة – وهي لعبة ذات مخاطر وجودية.

السؤال المصيري: أين العائد على هذا الاستثمار الهائل؟
في المسرح الآسيوي، الحاسم لمستقبل الهيمنة، يتجلى التناقض بأقسى صوره. فبرغم كل هذه المليارات المرصودة للحاملات والقواعد والتحالفات المحيطة بالصين (مثل «أوكوس» و«الكواد»)، فإن ميزان القوى العسكري والاقتصادي يتحرك بقوة لصالح بكين. النفقات الأمريكية تشتري احتواءً هشاً ومكلفاً، بينما تستثمر الصين في خلق وقائع جديدة في بحر الصين الجنوبي، وفي هيمنة تجارية عبر «الحزام والطريق»، وفي تفوق تكنولوجي في مجالات حاسمة. العائد الأمريكي هو، في أحسن الأحوال، تأخير حتمية التغيير، وليس منعها. إنها معادلة خاسرة: استثمار هائل للحفاظ على وضع قائم آخذ في التآكل، بينما يستثمر الخصم في بناء نظام جديد لمصلحته. إنه استنزاف لرأس المال المالي والسياسي الأمريكي في معركة دفاعية، بينما يتراكم رأس المال الجيوسياسي الصيني في هجوم اقتصادي وتكنولوجي صامت.

(الاستنزاف النفسي والأخلاقي: أفول الهالة الإمبراطورية وأزمة الروح الوطنية)

وراء الاستنزاف المالي، يكمن استنزاف أعمق: استنزاف المعنى، والشرعية، والثقة. فالهيمنة لا تقوم على المال والسلاح فحسب، بل على الهالة الأخلاقية والسردية الجذابة التي تبرر تفوقها وتجعل الخضوع لها مقبولاً بل ومرغوباً. وهذا هو ما يتصدع في المشروع الأمريكي، فيما تقدم الصين رواية مضادة.

1. الانتشار الزائد وفقدان البوصلة الاستراتيجية: التيه في متاهة الأولويات.
الجيش الأمريكي المبعثر في 150 دولة هو تجسيد لـ قوة فقدت تعريفاً واضحاً للعدو والهدف. الانتشار العالمي كان منطقياً في عالم القطبية الثنائية، حيث كان العدو واحداً (الاتحاد السوفيتي) والهدف واضحاً (الاحتواء). أما اليوم، فالعالم متعدد الأقطاب والتحديات متنوعة: صين صاعدة، روسيا ثائرة، إيران منافسة، تنظيمات إرهابية، أزمات مناخية، وأوبئة عابرة للحدود.

· "في كل مكان يعني في لا مكان": تختزل هذه العبارة المأزق. فالقوة الموزعة على كل الجبهات تصبح ضعيفة في كل منها. لا يوجد تركيز، لا عمق استراتيجي، بل ردود فعل مبعثرة على أزمات متناثرة.
· غياب العدو الواضح: يحوّل السياسة الخارجية إلى سلسلة من المناورات التكتيكية العاجزة عن صياغة رؤية استراتيجية كلية. الحرب على الإرهاب، المواجهة مع الصين، الصراع مع روسيا – جميعها تتصارع على الموارد والانتباه، مما يؤدي إلى سياسة مشتتة غير قادرة على حسم أي ملف.

2. الصورة العالمية: من "الشرطي الخيّر" إلى "المُخرِّب الفوضوي".
لقد انقلبت السردية رأساً على عقب. فبينما قدّمت أمريكا نفسها بعد الحرب الباردة كحاملة لواء الديمقراطية والليبرالية، فإن غزوات العراق وأفغانستان، ودعم الديكتاتوريات الانتقائي، والحروب بالوكالة، والعقوبات الاقتصادية الجماعية، كلها رسمت صورة مختلفة في الضمير الجمعي العالمي:

· أمريكا كقوة عدوانية ومتغطرسة: تتدخل عسكرياً لـ "تحرير" شعوب فتدمر دولاً (العراق، ليبيا) ثم تنسحب تاركةً الفوضى، وتتحدث عن حقوق الإنسان بينما تتحالف مع أنظمة قمعية. هذا النفاق الجيوسياسي فقد قوته الإقناعية.
· الصين كقوة بناء "عمليّة وغير أيديولوجية": تقدم نفسها كشريك تجاري وتنموي. لا تسأل عن نظام الحكم أو سجل حقوق الإنسان، بل تقدم قروضاً ومشاريع بنى تحتية ملموسة. في نظر العديد من النخب في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، الصين تقدم صفقة أفضل: التنمية مقابل الموارد، دون وعظ أخلاقي أو شروط سياسية مهينة.
· كسب الصين لقلوب وعقول النخب النامية: عبر آلاف المنح الدراسية، وتبادل الخبراء، والإعلام الموجه، تبني بكين ولاءات في الأجيال الصاعدة من السياسيين والبيروقراطيين في العالم النامي، الذين يرون في النموذج الصيني للتنمية السريعة تحت حكم مركزي قوي قدوة ناجحة لبلدانهم، أكثر من النموذج الليبرالي الغربي المثقل بالمشاكل والفساد.

3. أزمة الثقة بالنفس والانقسام الداخلي: الشقاق الذي ينخر في أسس القوة.
أخطر أشكال الاستنزاف هو ذلك الذي يصيب النفسية الوطنية وتماسك النسيج الاجتماعي. فبينما تظهر الصين ككيان موحد خلف قيادته، تتجلى أمريكا كمجتمع منقسم على ذاته:

· الشك الذاتي والانقسام الحاد: الانقسام السياسي بين الديمقراطيين والجمهوريين لم يعد خلافاً على السياسات، بل تحول إلى حرب هويات ثقافية تعطل القدرة على اتخاذ قرارات استراتيجية طويلة المدى. الجدل حول الدور العالمي لأمريكا – بين الانعزالية والتدخل – يعكس فقدان الثقة بالمشروع الإمبراطوري ذاته.
· الصين "الواثقة، الغائية": تقدم قيادة الحزب الشيوعي الصيني صورة اليقين الاستراتيجي. خطط الخمس سنوات، مشاريع العقود، الرؤى المئوية (مثل "الحلم الصيني" لعام 2049) – كلها تنقل إحساساً بالاتجاه والهدف والثبات الذي يفتقده الغرب المتقلب.
· أزمة الروح الوطنية: الروح الأمريكية القائمة على الفردانية والحرية والابتكار تواجه تحدياً في عصر انعدام المساواة وتراجع الحراك الاجتماعي وانهيار الثقة بالمؤسسات. بينما تقدم الصين رواية وطنية قوية عن نهضة الأمة واسترداد كرامتها بعد "قرن من الإذلال"، وهي رواية توحد الشعب خلف الدولة وتقدم معنى جماعياً للحياة.

الخلاصة: ديناميكية الاستنزاف الشامل
هكذا، فإن الاستنزاف الأمريكي ليس مالياً أو عسكرياً فحسب، بل هو استنزاف استراتيجي، أخلاقي، ونفسي شامل. إنه أفول للهالة التي جعلت الهيمنة مقبولة بل ومطلوبة. تكمن براعة الصين في أنها تتجنب هذا المأزق بالكامل: فهي لا تسعى إلى هيمنة عالمية عسكرية مكلفة ومكروهة، بل إلى قيادة اقتصادية وتكنولوجية تخلق تبعيات طوعية وتقدم نموذجاً بديلاً. إنها تستنزف أمريكا ليس بمواجهتها مباشرة، بل بجعلها تستنزف نفسها في محاولة يائسة للحفاظ على نظام عالمي لم يعد موجوداً. بينما تنفق واشنطن طاقتها في إطفاء الحرائق التي تسببها سياستها أو تتسبب بها قوى أخرى، تبني بكين بيتها الجديد على أطراف أنقاض النظام القديم. وهذا هو جوهر الصراع: قوة تدافع عن ماضيها بأدوات بالية، وأخرى تبني مستقبلها بأدوات عصرها، وتاريخياً، لم ينتصر المدافعون عن الماضي أبداً.


……..
مراجع خاصة بالفصلين

مراجع علمية أجنبية معتمدة للفصلين السادس والسابع


الفصل السادس: الاقتصاد الكاريبي - بين العقوبات والبدائل

أولاً: حول فاعلية العقوبات الأمريكية وتداعياتها:

1. Hufbauer, G. C., Schott, J. J., Elliott, K. A., & Oegg, B. (2007). Economic Sanctions Reconsidered (3rd ed.). Peterson Institute for International Economics.
· العمل الكلاسيكي لتحليل فاعلية العقوبات، مع دراسات حالة تشمل كوبا.
2. Nephew, R. (2017). The Art of Sanctions: A View from the Field. Columbia University Press.
· تحليل من قبل ممارس سابق في وزارة الخارجية الأمريكية، يتناول عقوبات فنزويلا وإيران.
3. Drezner, D. W. (2011). “Sanctions Sometimes Smart: Targeted Sanctions in Theory and Practice.” International Studies Review, 13(1), 96–108.
· نقد نظري لفكرة "العقوبات الذكية" وحدودها.
4. Early, B. R. (2015). Busted Sanctions: Explaining Why Economic Sanctions Fail. Stanford University Press.
· يبحث في أسباب فشل العقوبات، مع إشارة للحالات التي عززت من تماسك النظام المستهدف.
5. Galtung, J. (1967). “On the Effects of International Economic Sanctions: With Examples from the Case of Rhodesia.” World Politics, 19(3), 378–416.
· مقال تأسيسي يطرح فكرة أن العقوبات قد تولد "تأثيرًا تعبويًا" يعزز التماسك الداخلي.

ثانياً: حول اقتصاديات المقاومة والتكيف في كوبا وفنزويلا:

1. Mesa-Lago, C., & Pérez-López, J. (2013). Cuba under Raúl Castro: Assessing the Reforms. Lynne Rienner Publishers.
· تحليل اقتصادي مفصّل لإصلاحات راؤول كاسترو واقتصاد الظل.
2. Corrales, J., & Penfold, M. (2015). Dragon in the Tropics: Venezuela and the Legacy of Hugo Chávez (2nd ed.). Brookings Institution Press.
· تحليل لآليات بقاء النظام الفنزويلي الاقتصادية والسياسية في ظل الأزمة.
3. Feinberg, R. (2016). Open for Business: Building the New Cuban Economy. Brookings Institution Press.
· يدرس التحولات في الاقتصاد الكوبي، بما في ذلك القطاع الخاص والتحويلات المالية.
4. Buxton, J. (2016). “Venezuela: The Political Economy of Inflation and Investment Strikes.” In The Political Economy of the Emerging Left, ed. by J. Grugel & P. Riggirozzi. Palgrave Macmillan.
· تحليل لانهيار الاقتصاد الرسمي وانتشار الاقتصادات غير الرسمية وغير القانونية.
5. Spadoni, P. (2014). Failed Sanctions: Why the U.S. Embargo against Cuba Could Never Work. University Press of Florida.
· يركز على قدرة كوبا على تطوير بدائل وتكييف اقتصادها تحت الحصار.

……

الفصل السابع: آسيا… الصين تبني بينما تُستنزف واشنطن

أولاً: حول صعود الصين الاستراتيجي وفلسفة "القوة الشاملة":

1. Shambaugh, D. (2016). China s Future. Polity Press.
· تحليل لرؤية الصين المستقبلية وأدوات قوتها الشاملة (التعليم، التكنولوجيا، البنية التحتية).
2. Allison, G. (2017). Destined for War: Can America and China Escape Thucydides s Trap? Houghton Mifflin Harcourt.
· إطار نظري شهير لتحليل الصراع الاستراتيجي بين القوة المهيمنة والقوة الصاعدة.
3. Beckley, M. (2018). Unrivaled: Why America Will Remain the World s Sole Superpower. Cornell University Press.
· يقدم حجة مضادة حول استمرارية التفوق الأمريكي، مع تحليل ثاقب لنقاط قوة الصين وضعفها.
4. Pillsbury, M. (2016). The Hundred-Year Marathon: China s Secret Strategy to Replace America as the Global Superpower. St. Martin s Griffin.
· يقدم رؤية مؤثرة (وإن مثيرة للجدل) للاستراتيجية الصينية طويلة المدى.
5. Breslin, S. (2021). “China’s Grand Strategy and the Belt and Road Initiative: Why the ‘Thucydides Trap’ is the Wrong Framework.” Global Policy, 12(S3), 5-14.
· نقد لمنظور المواجهة الحتمية وتحليل للاستراتيجية الصينية كعملية تدريجية.

ثانياً: حول الاستراتيجية العسكرية الصينية (الجدران العالية / خزان المياه العميق):

1. Erickson, A. S., & Goldstein, L. J. (2009). “Chinese Naval Strategy in the 21st Century: The Turn to Mahan.” The Journal of Strategic Studies, 32(3), 353-394.
· تحليل للتحول في التفكير الاستراتيجي البحري الصيني وقدرات الردع.
2. Fravel, M. T. (2019). Active Defense: China s Military Strategy Since 1949. Princeton University Press.

· العمل الأكاديمي المرجعي لفهم تطور العقيدة العسكرية الصينية الدفاعية-الهجومية.

1. Yoshihara, T., & Holmes, J. R. (2018). Red Star over the Pacific: China s Rise and the Challenge to U.S. Maritime Strategy (2nd ed.). Naval Institute Press.
· يركز على تحدي القدرات الصينية "المضادة للوصول / منع المنطقة" (A2/AD) للقوة البحرية الأمريكية.
2. Cordesman, A. H., & Colley, S. (2021). Chinese Strategy and Military Power in 2021. CSIS报告.
· تقييم حديث ومفصل للقدرات العسكرية الصينية وعلاقتها بالأهداف الاستراتيجية.
3. Glaser, B. S., & Billingsley, T. G. (2020). “China’s Calculations in a ‘War of Nerves’ over Taiwan.” The Washington Quarterly, 43(4), 173-190.
· تحليل للعوامل الاقتصادية والاستراتيجية في حسابات الصين بشأن تايوان.

ثالثاً: حول التحديات الأمريكية والتحول إلى آسيا:

1. Campbell, K. M., & Sullivan, J. (2019). “Competition Without Catastrophe: How America Can Both Challenge and Coexist With China.” Foreign Affairs, 98(5), 96-110.
· مقالة محورية من مهندسي سياسة "المحور إلى آسيا" في إدارة أوباما.
2. Mearsheimer, J. J. (2014). The Tragedy of Great Power Politics (Updated ed.). W.W. Norton & Company.
· النظرية الواقعية الهجومية التي تتنبأ بصراع بين القوى العظمى، مع تطبيقات على صعود الصين.
3. Biddle, S., & Oelrich, I. (2016). “Future Warfare in the Western Pacific: Chinese Antiaccess/Area Denial, U.S. AirSea Battle, and Command of the Commons in East Asia.” International Security, 41(1), 7–48.
· تحليل تقني عميق لتحديات المواجهة العسكرية في غرب المحيط الهادئ.
4. Green, M. J. (2017). By More Than Providence: Grand Strategy and American Power in the Asia Pacific Since 1783. Columbia University Press.
· تاريخ طويل المدى للاستراتيجية الأمريكية في آسيا، يوفر سياقاً للتحول الحالي.
5. Ross, R. S., & Tunsjø, Ø. (Eds.). (2017). Strategic Adjustment and the Rise of China: Power and Politics in East Asia. Cornell University Press.
· مجموعة مقالات أكاديمية رصينة حول استجابات القوى الإقليمية والعالمية لصعود الصين.

رابعاً: حول حلفاء أمريكا في آسيا (اليابان، كوريا الجنوبية، تايوان):

1. Samuels, R. J. (2007). Securing Japan: Tokyo s Grand Strategy and the Future of East Asia. Cornell University Press.
· تحليل عميق للمعضلات الاستراتيجية لليابان وتطور سياستها الأمنية.
2. Snyder, S. A. (2018). South Korea at the Crossroads: Autonomy and Alliance in an Era of Rival Powers. Columbia University Press.
· دراسة لتحديات كوريا الجنوبية بين التحالف مع الولايات المتحدة والعلاقة مع الصين.
3. Bush, R. C. (2013). Uncharted Strait: The Future of China-Taiwan Relations. Brookings Institution Press.
· تحليل متوازن ومفصل للمعضلة التايوانية من منظور الخبير.
4. Lind, J. (2018). “Life in China’s Asia: What Regional Hegemony Would Look Like.” Foreign Affairs, 97(2), 71-82.
· يستكشف كيف يغير النفوذ الصيني تحالفات وسلوكيات دول آسيا.
5. RAND Corporation. (2022). The U.S.-China Military Scorecard: Forces, Geography, and the Evolving Balance of Power, 1996–2017.
· دراسة تحليلية كمية مقارنة للقدرات العسكرية في سيناريوهات مختلفة، بما في ذلك تايوان.


تتسم هذه المراجع بالأصالة الأكاديمية، والتنوع المنهجي (نظري، تاريخي، كمّي، تحليل حالة)، والصلة المباشرة بموضوعات الفصلين. وهي تمثل تيارات فكرية مختلفة (واقعية، ليبرالية، نقدية) لضمان صورة شاملة. يوصى بالرجوع إلى الطبعات الأحدث حيثما أمكن.



#احمد_صالح_سلوم (هاشتاغ)       Ahmad_Saloum#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- سادة الخريطة وعبيد الجغرافيا
- الجسران الجويان إلى طهران: جغرافية القوة ورهان الاستراتيجيات ...
- كتاب :نزيف تحت الجلد : تشريح النزيف الاستراتيجي للإمبراطورية ...
- غرينلاند والاقطاب على ضوء أطروحات سمير أمين : العبور نحو الش ...
- كتاب : ما بعد الغرب: القطب، المعادن، والنظام العالمي الجديد
- قراءة في تَشَكُّل نظام دولي جديد عبر بوابة غرينلاند
- سورية وتدوير بوصلة الخيانة: تأملات في أرشيف الانهيار
- طياف الانهيار في هشاشة الامبراطورية .. قراءة في تحذيرات جيفر ...
- من وهن الزعيم إلى تصدُّع الحامي.. تشريح لحظة التحوُّل في مصي ...
- -المعركة لم تنتهِ بعد-: تشريحٌ لجسد الحرب الدائمة.. بين وهَن ...
- هندسة العبودية الطوعية: الهيمنة في عصر الأزمات الهيكلية
- -من نهاية التاريخ - إلى -نزيف تحت الجلد-..دراسة مقارنة مع كت ...
- شمشون العصر: بين أسطورة السقوط وإستراتيجية الانهيار
- النجوم التي لم تعرف السماء ( قصة )
- صراع العمالقة على أرض المأساة: فنزويلا بين مطرقة التاجر الصي ...
- أجنحة التنين وأنياب الأسد: في دهاليز حرب تستعد، وتوازن رعب ي ...
- سردية جديدة للقوة الصينية في القارة الامريكية : صوت المحراث ...
- انزياحات العصر: تفكّك الهيمنة واستعادة التاريخ في المشرق الع ...
- الإعلام بين الهيمنة والتحرر: تشريح امبراطوريات اعلام تزييف ا ...
- الفقاعة الكبرى: تشريح جثة الإمبراطورية المالية الأمريكية قبي ...


المزيد.....




- صيادون يواجهون قرشًا أبيض عملاقًا وينهون المعركة بشكل غير مت ...
- تذكارات وهدايا من اليابان.. أبرزها جوارب مخططة بدولارين
- يتلقى الرعاية على مدار الساعة.. نجم الروك البريطاني فيل كولي ...
- زيلينسكي يُقدّم تفاصيل عن الوفد الأوكراني المشارك في محادثات ...
- صور مسربة لقتلى من مظاهرات إيران | بي بي سي تقصي الحقائق
- - كل حماية يجب أن تدفع نقدا-.. ترامب والنظام العالمي الجديد ...
- ما الذي تكشفه الخلافات بين واشنطن وحلفائها الأوروبيين؟
- ميزانية 2026: حكومة لوكورنو تنجو من مذكرتين لحجب الثقة أمام ...
- قبيل محادثات في أبوظبي.. روسيا تطالب بمنطقة دونباس، فهل ستست ...
- فيرونيكا، بقرةٌ موهوبة تستعمل أداة لحكّ جسمها.. هل لذكاء الح ...


المزيد.....

- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ... / علي طبله
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ... / علي طبله
- الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل ... / علي طبله
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر / محمد جعفر ال عيسى
- اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات، ... / رياض الشرايطي
- رواية / رانية مرجية
- ثوبها الأسود ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- تداخل الاجناس الأدبية في رواية قهوة سادة للكاتب السيد حافظ / غنية ولهي- - - سمية حملاوي
- شيوعيون على مر الزمان ...الجزء الأول شيوعيون على مر الزمان ... / غيفارا معو


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - احمد صالح سلوم - كتاب نزيف تحت الجلد : تشريح النزيف الاستراتيجي للإمبراطورية الأمريكية..القسم الثاني