|
|
كتاب :نزيف تحت الجلد : تشريح النزيف الاستراتيجي للإمبراطورية الأمريكية..القسم الاول للكتاب
احمد صالح سلوم
شاعر و باحث في الشؤون الاقتصادية السياسية
(Ahmad Saloum)
الحوار المتمدن-العدد: 8595 - 2026 / 1 / 22 - 15:45
المحور:
السياسة والعلاقات الدولية
المقدمة : زمنٌ يتغيّر - تشريح لحظة التحول الإمبراطوري
استهلال - موسيقى الزوال الخافتة
ثمة لحظات في التاريخ لا تعلن عن نفسها بصخب المعارك، بل تهمس بأنفاس خافتة كأنها موسيقى بعيدة تأتي من أطراف العالم. نحن اليوم نعيش إحدى تلك اللحظات، حيث يتحول مركز الثقل العالمي ببطءٍ يشبه حركة الصفائح التكتونية، لا تُرى بالعين لكن آثارها تهز القارات.
القرن العشرون كان قرن الهيمنة الأمريكية المطلقة - تلك الهيمنة التي بدأت تتشكل في أنقاض الحرب العالمية الثانية، وبلغت ذروتها مع سقوط الاتحاد السوفييتي، حين أعلن فوكوياما نهاية التاريخ، وكأن العالم قد استقر على صيغة نهائية. لكن التاريخ، ذلك الكائن الحي العنيد، لم ينته. لقد كان فقط يستجمع أنفاسه.
مفارقة القوة في عصر اللامتناظرية
ما أعمق المفارقة التي تعيشها الإمبراطوريات في عصرنا: كلما ازدادت قوة، ازدادت هشاشة. فالطائرة الشبح التي تكلف مليارات الدولارات يمكن أن تُسقط بمنظومة دفاع جوي قديمة أعيد تهيئتها. والحاملة الضخمة التي تمثل مدينة عائمة قد تجد نفسها عاجزة أمام زورق صغير يحمل صواريخ موجهة.
لقد اخترع الغرب، بقيادة أمريكا، أدوات حرب القرن العشرين، لكنه وجد نفسه في القرن الحادي والعشرين يواجه من يلعب بلعبة مختلفة. إنها معادلة الاستنزاف: حيث لا يحتاج الضعيف إلى هزيمة القوي، بل فقط إلى إرهاقه، إلى جعل كلفة الهيمنة أكبر من فوائدها.
الاستنزاف كفن سياسي قديم-جديد
الاستنزاف ليس اختراعاً حديثاً. لقد عرفته روما حين كانت القبائل الجرمانية تناوش حدودها. وعرفته الإمبراطورية العثمانية حين كانت الشعوب تنهض الواحدة تلو الأخرى. وعرفته بريطانيا في مستعمراتها البعيدة. لكن الجديد اليوم هو سرعة انتقال عدوى الاستنزاف، وتعدد جبهاته، وقدرة التكنولوجيا الحديثة على تمكين الأصغر.
في الماضي، كانت حدود الإمبراطورية الجغرافية هي خط الدفاع الأول. اليوم، الحدود أصبحت في كل مكان: في الفضاء الإلكتروني، في خطوط الشحن البحرية، في أسواق الطاقة، في عقول الناس عبر وسائل التواصل. كل هذه أصبحت جبهات للنزف البطيء.
التشريح النفسي للإمبراطورية المرهقة
ثمة إرهاق نفسي تعيشه الإمبراطوريات في أوج قوتها. إنه إرهاق المسؤولية الكونية، وعبء حماية النظام العالمي، وقلق التفوق الذي يجب الحفاظ عليه. الولايات المتحدة اليوم تشبه بطل أولمبيا شاخ، ما زال يحمل ألقابه القديمة لكن عضلاته لم تعد تستجيب كما كانت.
هذا الإرهاق النفسي يترجم نفسه إلى قرارات سياسية قصيرة النظر، إلى انفعالية في الرد، إلى فقدان الصبر الاستراتيجي. الإمبراطورية المرهقة تبدأ بالرد على كل استفزاز، بالانخراط في كل معركة، حتى تلك التي لا تستحق القتال فيها. وهذا بالضبط ما يريده من يستنزفونها.
جغرافيات النزيف: خريطة الجروح الصغيرة
لو رسمنا خريطة العالم بلون خاص يظهر مواقع استنزاف القوة الأمريكية، لامتلأت الخريطة بنقاط حمراء صغيرة لكنها نازفة:
في البحر الأحمر، نقطة حمراء حيث تصطدم الصواريخ الرخيصة بالدفاعات الباهظة.
في أوكرانيا، نقطة تمتد إلى بقعة كبيرة، حيث تستنزف روسيا الغرب دون أن تطلق رصاصة واحدة على قوات الناتو.
في تايوان ومضيقها، نقطة متوترة تنتظر انفجاراً قد يحول الاقتصاد العالمي رأساً على عقب.
في فنزويلا وكوبا، نقاط كانت تعتبر "خاصرة ناعمة" فأصبحت مصادر لقلق دائم.
كل نقطة من هذه قد لا تكون قاتلة بحد ذاتها، لكن نزيفها المستمر هو ما يضعف الجسد الإمبراطوري.
الزمن: السلاح الذي لا يُقهر
في جميع حروب الاستنزاف عبر التاريخ، كان العامل الحاسم هو الزمن. الزمن لصالح الضعيف إذا استطاع الصمود. الزمن ضد القوي إذا لم يحسم المعركة سريعاً.
أمريكا اليوم تجد نفسها في سباق مع الزمن على جبهات متعددة. ففي كل يوم تمر، تزداد قوة الصين، وتتعمق قدرات روسيا العسكرية، وتتوسع شبكات النفوذ الإيراني، وتتحسن تكنولوجيا الحوثيين. وفي كل يوم يمر، تتراجع نسبية التفوق الأمريكي.
الزمن هنا ليس مجرد وقت على الساعة، بل هو تآكل تدريجي للقدرة النسبية. إنه الفجوة التي تتضاءل بين القاطرة الأمريكية والعربات التي تحاول جرها خلفها.
هذا الكتاب: رحلة في جسد الإمبراطورية النازف
هذا الكتاب الذي بين أيدينا هو محاولة لتشريح هذه اللحظة التاريخية الفريدة. سنسافر عبر جبهات الاستنزاف المختلفة، ليس كمراقبين من بعيد، بل كمن يحاول فهم الآليات العميقة التي تحرك هذا التحول العالمي.
سنبدأ من المفهوم النظري للاستنزاف، ثم ننتقل إلى الجبهات العملية واحدة تلو الأخرى. سنحاول فهم ليس فقط "ماذا يحدث" بل "لماذا يحدث الآن"، و"كيف تتفاعل هذه الجبهات مع بعضها"، و"أين قد تقودنا هذه الديناميكيات".
في رحلتنا هذه، سنواجه أسئلة مزعجة: هل يمكن لإمبراطورية أن تختار الانسحاب بكرامة؟ أم أن التاريخ لا يعرف سوى نمطين من نهايات الإمبراطوريات: الانهيار المفاجئ أو التآكل البطيء؟ وأين تقف أمريكا اليوم على هذا الطيف؟
هذه ليست رحلة تشفي أو تنتصر لفئة على أخرى، بل هي رحلة فهم. فهم لعالم يعيد تشكيل نفسه أمام أعيننا، بينما تهمس رياح التغيير بأن زمناً قد مضى، وأن زمناً جديداً يولد من رحم تناقضاته.
تذكروا دائماً: الإمبراطوريات العظيمة لا تسقط لأن خصومها أقوياء، بل لأنها تنسى حدود قوتها. وهذا النسيان هو البداية الحقيقية لكل أفول.
……..
الفصل الأول: معنى الاستنزاف في زمن الإمبراطوريات - تشريح النزيف الاستراتيجي
الجزء الأول: فلسفة الاستنزاف - بين الفناء التدريجي والموت المفاجئ
استهلال - فن الموت البطيء
ليست المآسي الكبرى في التاريخ هي تلك التي تعلن عن نفسها بصرخة مدوية، تهز أركان المسرح العالمي وتدوي أصداؤها عبر قرون، بل تلك التي تأتي كقطرات ماء تتسرب على صخرة صلبة، في صمتٍ رهيب، عبر دهور لا يعرفها إلا الزمن نفسه. كل قطرة تبدو تافهاً في عزلةٍ عن أختها، غير أن صبرها الجيولوجي، وثبات إيقاعها الذي لا ينكسر، هو ما ينحت في الصخر الأخاديد العميقة، ويشق القارات، ويغير مجرى الأنهار، بلا ضجيج يُذكر، حتى تصير الجبال سهولاً، والوديان قمماً. هكذا هو الاستنزاف: فن الموت البطيء، فلسفة الفناء التدريجي، علم الهزيمة عبر التراكم الصامت. إنه الشعر الملحمي المُقًٌَّم على مهل، كاتبه الزمن وناسخه الصبر، وقارئه الضمير الإنساني المتأخر دوماً في إدراك الفاجعة.
يحمل الاستنزاف في طياته مفارقة وجودية عميقة، أشبه بسرطانٍ ينهش القوة من داخلها تحت قناع الصحة الظاهر: أن تكون قوياً إلى درجة العجز، أن تملك السلطة المطلقة ولا تملك القدرة على استخدامها دون أن تهدم نفسك بها، أن تنتصر في كل معركة تكتيكية صغيرة، بارقةً ومتألقة، وتخسر الحرب الاستراتيجية الكبرى في صمت. إنه لعنة ميداس العسكري-السياسي، حيث تتحول كل لمسة قوة إلى عبء، وكل مورد إلى ثقل، وكل حليف إلى دَيْن استراتيجي. الإمبراطورية في زمن الاستنزاف تشبه عملاقاً مصاباً بالتهاب المفاصل، كل حركة، ولو كانت دفاعية، تسبب له ألماً مبرحاً، وكل محاولة للهجوم تكشف عن هشاشة عظامه التي ظنها من حديد.
تاريخ الاستنزاف: من كاني إلى فيتنام – تشريح الصبر كسلاح
عرف التاريخ أشكالاً بدائية من الاستنزاف قبل أن يُسمى باسمه الأكاديمي، وقبل أن يصبح فصلاً في كتيبات العلوم العسكرية. لقد كان فناً بدائياً، غريزياً تقريباً، يعتمد على قراءة إيقاع الزمن واستنزاف روح الخصم قبل جسده. عندما حاصر الرومان بقيادة سكيبيو الإفريقي مدينة قرطاج، لم يواجهوا حنبعل في معركة مفتوحة يحبذها، بل اختاروا طريق التعبئة الطويلة: قطعوا طرق إمداده البحرية، عزلوها عن حلفائها النوميديين، وأرهقوا كيانها الاقتصادي بالحصار والانتظار، حتى تحولت النخبة القرطاجية، التي كانت تهز عرش روما ذات يوم، إلى ظل باهت لنفسها، تنزف ثرواتها وروحها المعنوية قطرة قطرة. لم تكن هزيمة في معركة، بل كانت موتاً بطيئاً لحضارة.
وفي شرق العالم، كتب سون تزو في "فن الحرب" قبل ألفي عام نصيحةً خالدة: "أفضل القادة هم من يكسرون مقاومة العدو دون قتال." لكن فلسفته كانت أعمق من مجرد تكتيك؛ لقد كان يتحدث عن "إرهاق العدو" كفنٍ استراتيجي شمولي. الإرهاق لم يكن عسكرياً فحسب، بل اقتصادياً ونفسياً ومعنوياً. كانت إمبراطورية الهان تواجه القبائل البدوية الشمالية (الشنغنو) ليس بجيوش جرارة فقط، بل ببناء سور طويل يحاصر حركتهم، وبسياسات تجارية تتحكم بمواردهم، وبعملاء داخليين يفتتون وحدتهم. كان استنزافاً للحياة البدوية نفسها، وتحويل ميزة الحركة والمرونة إلى عبء وعدم استقرار.
لكن القرن العشرين كان قرن الاستنزاف بامتياز، حيث تحول من فن حرب بدائي إلى علم دقيق، ومن استراتيجية عسكرية إلى ظاهرة اجتماعية-سياسية-اقتصادية شاملة. حرب فيتنام (1955-1975) لم تكن مجرد صراع مسلح؛ لقد كانت مختبراً عالمياً لديناميكيات النزيف الاستراتيجي. دروسها كُتبت بدماء عشرات الآلاف من الشباب الأمريكي على مدار عقدين، لكن الهزيمة الحقيقية لم تحدث في غابات مي كونغ أو تلال هاينان.
لقد خسرت واشنطن تلك الحرب في غرف المعيشة للمواطن الأمريكي العادي، حيث كان التلفزيون الملون الجديد ينقل، لأول مرة في التاريخ، صور الجثث والجرحى والدماء "مباشرةً" إلى العشاء العائلي. خسرتها في الحرم الجامعي، حيث أشعلت الاحتجاجات الطلابية ناراً لم تستطع الدبابات إخمادها. خسرتها في سوق النفط العالمي، حيث تسببت النفقات الفلكية في تضخمٍ اقتصادي مزق النسيج الاجتماعي الأمريكي. وخسرتها في مكاتب الكونغرس، حيث تحول الإجماع على "احتواء الشيوعية" إلى انقسام مرير على "الثمن". كان الاستنزاف ثلاثي الأبعاد: عسكري (حرب عصابات لا تنتهي)، اقتصادي (نفقات بلا نصر حاسم)، وأخلاقي (فقدان الشرعية المحلية والدولية). لقد اكتشفت أعظم إمبراطورية عسكرية في التاريخ أن قوتها المطلقة لا تعني شيئاً أمام إرادة شعب يرفض الموت، وضمير عالم يرفض الصمت، واقتصاد لا يحتمل النزيف إلى ما لا نهاية.
العظام الخفية في جسد الإمبراطورية – تشريح هشاشة القوة
كل إمبراطورية، مهما بلغت قوتها الظاهرة، واتسعت رقعتها الجغرافية، وعلت شوكتها العسكرية، تحمل في أحشائها، كالشفرة الوراثية للفناء، بذور فنائها الخاصة. والمفارقة الكبرى تكمن في أن القوة ذاتها، تلك التي أوصلتها إلى القمة، هي التي تخلق نقاط ضعفها القاتلة. إنها أشبه ببناء ناطحة سحاب شاهقة: كل طابق إضافي يزيد من هيبتها، لكنه يزيد أيضاً من ضغط الرياح على هيكلها، ويجعل سقوطها، إن حدث، أكثر كارثية.
أولاً: قوة التمدد الجغرافي – لعنة الامتداد تمتد الإمبراطورية عبر القارات والمحيطات، فتتحول تدريجياً من "مركز" قوي متماسك إلى "هامش" ضعيف منتشر. كل ميل إضافي من الحدود ليس مجرد خط على الخريطة، بل هو جرح مفتوح محتمل، ثغرة في الدرع الاستراتيجي، تتطلب حراساً ومواردَ وانتباهاً مستمراً. كل قاعدة عسكرية تُنشأ في أرض بعيدة، لترهب الخصوم وتؤكد الهيمنة، تتحول مع الوقت إلى نقطة نزيف محتملة: جزيرة معزولة من القوة في محيط من العداء الخفي أو المعلن، تحتاج إلى إمدادات مستمرة عبر خطوط مواصلات طويلة هشة، وتستنزف الجنود والمال والمعنويات في حماية وجودها المجرد. لقد تحولت الخريطة العالمية للقواعد الأمريكية من شبكة قوة إلى خريطة مسؤوليات لا نهاية لها، حيث ينتظر كل حامٍ في حصن بعيد هجوماً محتملاً، ويستهلك مواردَ كان يمكن توظيفها في تعزيز القلب النابض للإمبراطورة نفسها.
ثانياً: قوة التحالفات – ثقل الولاءات المشترَكة التحالفات تعطي الإمبراطورية امتداداً سياسياً وعمقاً استراتيجياً، فهي أشبه بجذور تمتد لتمتص الغذاء وتوفر الثبات. لكن هذه الجذور، مع الوقت، تتحول إلى أوعية دموية مفتوحة. كل حليف هو التزامٌ أخلاقي وعسكري وسياسي. كل دولة تحت المظلة الواقية هي مسؤولية تزيد من حِمل الإمبراطورية الأمني. كل اتفاق دفاع مشترك هو وعد مقدس، سيف معلق فوق الرأس، قد يُستدعى في لحظة غير مناسبة، ليدفع الإمبراطورية إلى حروب لم تخترها، في ساحات لم تعرفها، دفاعاً عن مصالح لم تعد تخصها بالكامل. التحالف يتحول من مكسب قوة إلى عقدة التزامات، حيث تورط الإمبراطورية نفسها في صراعات الأطراف، وتصبح سجينة لوعودها، ورهينة لاستقرار حلفائها الهش.
ثالثاً: قوة الاقتصاد – عبء الهيمنة النقدية الاقتصاد الضخم، المتنوع، المتقدم تكنولوجياً، هو عماد القوة الإمبراطورية الحديثة. يعطيها قدرة غير مسبوقة على الإنفاق العسكري، والإغداق على الحلفاء، وتمويل مشاريع الهيمنة الثقافية. لكن هذا الاقتصاد العملاق يخلق توقعات هائلة: توقعات المواطن في مستوى معيشي مرتفع، توقعات الحليف في دعم لا ينقطع، توقعات النظام العالمي في استقرار العملة الإمبراطورية. وهو يولد اعتماداً مرضياً: اعتماد الصناعة على العقود العسكرية، اعتماد الخزينة على طباعة العملة المسيطرة عالمياً، اعتماد النمو على الاستهلاك المفرط. الدولار كعملة احتياط عالمية هو أعظم مصدر للقوة الناعمة في التاريخ، يمنح أمريكا قدرة فريدة على تحويل الورق إلى سلع حقيقية. لكنه أيضاً يجعل الاقتصاد الأمريكي كله رهينة لهذه الهيمنة، حساساً لأي هزة في الثقة، لأي محاولة لخلق بدائل نقدية، لأي عاصفة تضخمية تنتج من الإفراط في استخدام هذه "الامتياز". القوة الاقتصادية تتحول إلى نظام هش معقد، حيث أي خلل في ترس صغير قد يتسبب في انهيار الآلة كلها.
الجزء الثاني : المفارقة الاستراتيجية: عندما تصبح الأداة عبئاً – سقوط الآلهة الحديدية
هنا تكمن المفارقة العميقة، القلب المظلم لفلسفة الاستنزاف: الأدوات نفسها التي بنت بها أمريكا – كنموذج للإمبراطورية الحديثة – هيمنتها العالمية المطلقة بعد الحرب العالمية الثانية، أصبحت اليوم، في عصر الثورات التكنولوجية والجيوسياسية، مصادر رئيسية لنزف قوتها. لقد تحولت رموز القوة إلى أوشال الاستنزاف.
حاملات الطائرات: من قلعة متحركة إلى هدف عائم كانت حاملة الطائرات ذات العشرة طوابق، التي تحمل على ظهرها قوة جوية كاملة، رمزاً نهائياً للقوة المطلقة. كانت التجسيد المادي لفكرة "الإسقاط السريع للقوة": القدرة على إسقاط النيران من السماء على أي شاطئ، في أي محيط، دون الحاجة إلى أصدقاء على الأرض. كانت الآلة التي جعلت الجغرافيا السياسية التقليدية شيئاً من الماضي. لكن التقدم التكنولوجي، وخاصة في مجال الصواريخ الباليستية المضادة للسفن، والمسيرات الانتحارية الذكية، والألغام البحرية المتطورة، قلب المعادلة. اليوم، أمام هذه الأسلحة المتاحة نسبياً وبأسعار معقولة، أصبحت الحاملة العملاقة هدفاً كبيراً بطيئاً وباهظ الثمن بشكل خيالي. ثمنها يتجاوز عشرة مليارات دولار، وتكلفة تشغيل أسطولها وسلسلة الدعم اللوجستي الهائلة تستنزف الميزانية. وهي تتطلب الآن حماية أكبر من قيمتها الهجومية: حلقات متعددة من المدمرات، والغواصات، والدفاعات الجوية، لحماية "القلعة" التي أصبحت نفسها نقطة ضعف. لقد تحولت من رمز للهجوم غير المحدود إلى رمز للهشاشة التي تتطلب حماية غير محدودة.
القواعد العسكرية الخارجية: من شبكة نفوذ إلى شبكة التزامات انتشرت القواعد الأمريكية، في ذروة القوة، كشبكة عنكبوتية ذهبية عبر الكوكب: من ألمانيا إلى اليابان، من قطر إلى غوام. كل قاعدة كانت تعني نفوذاً، حضوراً، قدرة على ردع أو عقاب. كانت إبراً موضوعة على خريطة العالم، تشير إلى أن "روما" الجديدة موجودة في كل مكان. اليوم، في عالم تتقلص فيه المسافات بفعل الصواريخ والفضاء الإلكتروني، وتزداد فيه العداوات الخفية والمعلنة، أصبحت كل قاعدة من هذه القواعد نقطة ضعف استراتيجية. هي هدف ثابت ومعلوم للخصوم، التزام دائم بالحماية والدفاع. وهي قوة عسكرية مبعثرة على جبهات متعددة، غير قابلة للتركيز في ساحة حسم واحدة. وهي، فوق كل شيء، مصدر دائم للاستفزاز والاحتكاك المحلي، تخلق عداوات جديدة بوجودها المجرد، وتجعل من "الدفاع عن المصالح الحيوية" شماعة لاستنزاف الموارد في حماية وجودها هو، لا مصالح الأمة نفسها.
التزامات الدفاع المشترك: من ضمان الولاء إلى مصيدة النزاعات ضمنت اتفاقيات الدفاع المشترك، مثل حلف الناتو والمعاهدات مع اليابان وكوريا الجنوبية وغيرها، الولاءَ في زمن الحرب الباردة، وحاصرت الخصوم. لكنها حولت، في النظام العالمي المتعدد الأقطاب اليوم، حروبَ الآخرين ونزاعاتِهم الحدودية وأحلامَهم القومية إلى حروب أمريكية محتملة. دفاع واشنطن المتصلب عن تايوان، على سبيل المثال، قد يجرها إلى حرب وجودية مع الصين، ليس دفاعاً عن أراضي أمريكية، بل عن تفسير لسياسة قديمة غامضة. دفاعها عن أوكرانيا، وإن كان أخلاقياً في سياق العدوان، يستنزف ترسانتها التقليدية بسرعة مقلقة، ويكشف عن حدود قدرتها الصناعية في زمن السلم. دفاعها الأعمى عن إسرائيل في كل المحافل يعزلها دبلوماسياً في الأمم المتحدة، ويهدر رصيدها الأخلاقي في العالمين العربي والإسلامي، ويجعلها طرفاً في صراع ليس من صنعها. لقد تحولت الالتزامات من أدوات لتجميد الصراعات إلى قنابل موقوتة تنتظر الشرارة، ومن ضمانات للأمن إلى مصادر دائمة للقلق الاستراتيجي والاستنزاف المالي والسياسي.
الاستنزاف الاقتصادي: حينما تصبح الثروة نقمة
لا يكتمل تشريح نزيف الإمبراطورية دون الغوص في عروقها الاقتصادية، حيث يتحول الذهب إلى رصاص، والنمو إلى فقاعة، والهيمنة إلى إدمان مكلف. الاقتصاد الإمبراطوري مبني على مفارقة عجيبة: لكي تحافظ على النظام الذي يغذيك، يجب أن تستهلك أكثر مما تنتج، وتستورد أكثر مما تصدر، وتقترض أكثر مما تدخر. الدولار، بصفته عملة العالم، يمنح الولايات المتحدة "امتيازاً جائراً": قدرة غير محدودة ظاهرياً على طباعة المال لشراء السلع الحقيقية من الآخرين. لكن هذا الامتياز هو في الحقيقة قرض ضخم من العالم، مقوّم بثقة العالم فقط. وهو يخلق تشوهاً هيكلياً: فصناعة البلاد، قاعدة قوتها الحقيقية، تتراجع لصالح القطاع المالي الطفيلي الذي يربح من تدوير الديون نفسها. العجز التجاري المزمن ليس مجرد رقم في الميزانية؛ إنه علامة على أن القلب الصناعي للإمبراطورية ينبض بضعف، وأنها تعيش على استهلاك منتجات منافسيها المستقبليين. والديون الوطنية، التي تجاوزت 30 تريليون دولار، هي أكثر من رقم؛ إنها سحابة سوداء معلقة على مستقبل الأجيال القادمة، وورقة ضغط هائلة في أيدي الدائنين الأجانب، وحدود صارمة على حرية الحركة السياسية. كل أزمة مالية عالمية، حتى وإن بدأت في مكان آخر، تعود لتضرب وول ستريت، لأن مركز النظام المالي العالمي هو أيضاً مركز هشاشته. الاستنزاف الاقتصادي هو الأبطأ والأخطر: فهو لا يسبب ألماً فورياً، بل يضعف مناعة الجسد الإمبراطوري ببطء، حتى يصبح غير قادر على تحمل أبسط الصدمات.
الاستنزاف الاجتماعي والسياسي: انقسام القلب الداخلي
أعظم نقطة ضعف في أي إمبراطورية ليست على حدودها، بل في قلب عاصمتها، في الشارع الذي يحيط بالبيت الأبيض، في مقهى في الغرب الأوسط، في مصنع مهجور في حزام الصدأ. الاستنزاف الداخلي هو السرطان الحقيقي. الحرب الثقافية المستعرة في أمريكا بين ليبراليين ومحافظين، بين علمانيين ومتدينين، بين مدنيين وعسكريين، بين سكان السواحل وسكان الداخل، لم تعد مجرد حوار ديمقراطي صحي. لقد تحولت إلى شرخ وجودي يستهلك الطاقة الوطنية، ويعطل صنع القرار، ويجعل الدولة عاجزة عن تقديم نموذج جذاب للعالم. الاحتقان العرقي، التفاوت الاقتصادي الصارخ، أزمة الثقة في المؤسسات، كلها تقوض "القوة الناعمة" الأمريكية، تلك القوة التي كانت تجذب العقول والقلوب نحو النموذج الأمريكي. عندما تنظر الإمبراطورية إلى الداخل فلا تجد سوى الخلاف والغضب، وعندما ينظر العالم إليها فلا يرى سوى الفوضى والانقسام، فإن الشرعية التي هي وقود أي هيمنة تبدأ في التبخر. النخبة السياسية تصبح منفصلة عن الشعب، والشعب يصبح مقتنعاً بأن النظام لم يعد يعمل لصالحه. هذه ليست أعراض أزمة عابرة؛ إنها علامات على استنزاف المشروع الوطني نفسه، على تآكل "الفكرة الأمريكية" التي كانت الإسمنت الذي يربط هذا الكيان الواسع المتنافر.
هل يمكن علاج النزيف؟ نحو فلسفة جديدة للقوة
فلسفة الاستنزاف لا تقول إن سقوط الإمبراطورية الأمريكية حتمي، بل تقول إن مسارها الحالي غير مستدام. إنها تشير إلى أن القانون الحديدي للتاريخ هو أن أشكال القوة تهرم، وتتحول أدواتها إلى أغلال، ما لم يتم تجديدها وإعادة اختراعها باستمرار. العلاج لا يكون بالمزيد من نفس الدواء – المزيد من القواعد، المزيد من الحاملات، المزيد من الالتزامات – بل بتغيير جوهري في فلسفة القوة نفسها. ربما يكون الحل في التحول من الهيمنة المطلقة إلى القيادة الذكية، من التحكم الأحادي إلى إدارة التعددية، من التمدد الجغرافي غير المحدود إلى ترسيخ القوة النوعية في القلب التكنولوجي والاقتصادي والأخلاقي. ربما يكون في استبدال "فن الموت البطيء" بفن "التجديد المستمر". التحدي الذي يواجه واشنطن، وأي قوة عظمى في المستقبل، هو هل تستطيع قراءة علامات النزيف على جدرانها الداخلية والخارجية، وقبل أن تتحول القطرات إلى سيل جارف، تغير من جلدها كما تغير الثعبان، لتبقى حية في لعبة التاريخ التي لا ترحم إلا الذين يتعلمون فن التحول. الاستنزاف ليس قدراً، بل هو نتيجة خيارات. والخيارات، دوماً، قابلة للتغيير. السؤال هو: هل تملك الإمبراطورية، في أوج قوتها الظاهرة، من التواضع والحكمة ما يكفي لترى نقاط ضعفها، وتعيد تعريف قوتها قبل أن يفعل الزمن ذلك نيابة عنها، بنحت أخاديد النهاية في صخر مجدها؟
…..
الفصل الأول: معنى الاستنزاف في زمن الإمبراطوريات - تشريح النزيف الاستراتيجي
الجزء الثالث: آليات الاستنزاف - كيف يتحول النصر إلى هزيمة؟
الرياضيات الخفية للحروب غير المتناظرة - حينما يصبح الحساب البارد هو السلاح الأعظم
لنأخذ معادلة تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها تحمل في طياتها فلسفةً كاملة لإسقاط العمالقة:
· صاروخ باليستي إيراني مصنّع محلياً: 100,000 دولار. · صاروخ منظومة "باتريوت" الأمريكي للاعتراض: 3 ملايين دولار للقطعة الواحدة.
الأرقام تتحدث بلغة أكثر وضوحاً من أي بيان عسكري: حتى لو بلغت نسبة نجاح الاعتراض 90%، وهي نسبة خيالية في ساحة المعركة الحقيقية، فإن الخصم لا يحتاج سوى إلى إطلاق وابلٍ متواصل من هذه الصواريخ "الرخيصة"، ليحول الدفاع الإمبراطوري إلى عملية انتحارية مالية. إنها معادلة النزيف المحسوبة بدقة: يصنع الطرف الأضعف مادياً سلاحاً يفرض على الطرف الأقوى إنفاقاً يفوق قيمته بعشرات المرات لتحييده. كل اعتراض ناجح هو انتصار تكتيكي أمريكي، لكنه هزيمة استراتيجية في حرب الجيب المالي. كل صاروخ إيراني لا يصيب الهدف يبقى محققاً لهدفه الحقيقي: إجبار العملاق على دفع فاتورة باهظة مقابل البقاء في الساحة.
وهنا يتجلى قانون الاستنزاف الأول، أشبه بقانون فيزيائي اجتماعي: القوة المطلقة لا تعني الفعالية المطلقة، بل قد تولد العجز المطلق. يمكنك أن تملك أفضل جيش في التاريخ، مدججاً بأحدث الطائرات الخفية، وأضخم حاملات الطائرات، وأنظمة القيادة والسيطرة التي تكلف ميزانيات دول. لكنك، إن واجهت خصماً يرفض اللعب على ساحتك، ويرفض خوض معركة "عادلة" حيث تتفوق تقنيتك، وينجح في إجبارك على خوض حرب لا نهائية من المناوشات الصغيرة، تكون قد خسرت المعركة قبل أن تبدأ. إنه يضربك حيث تكون مكلفاً: في اقتصادك، في صبرك السياسي، في معنويات جنودك الذين يتحولون من محاربين إلى أهداف ثابتة. يضرب خطوط إمدادك الطويلة، ويختبئ بين السكان، ويستخدم أسلحة بسيطة تكلفك أنهاراً من الذهب لمواجهتها. ثم، في اللحظة المناسبة، يتراجع إلى الظل، ويتركك تنزف وحدك تحت أشعة الشمس الحارقة، تحرس إمبراطورية من الهواء. إنها ليست حرب قوة ضد قوة، بل هي حرب إرادة ضد رفاهية، وصبر ضد استعجال، وفقر مدقع ضد ثراء مترهل.
الاستنزاف الاقتصادي - حرب الأرقام الصامتة، أو كيف تُقتل الإمبراطوريات بورقة الميزانية
الحرب الحديثة المتطورة لم تعد معركة بين صفوف من الجنود المتقابلين تحت وهج الشمس فحسب، بل هي، في جوهرها، معركة بين خطوط إنتاج متوازية، بين معادلات ميزانيات معقدة، وبين قدرات أساسية على التحمل الاقتصادي. إنها سباق ماراثوني بين اقتصادين، يتعرق فيهما الخزانتان قبل الجيوش.
خلال الحرب الباردة، قدم الرئيس رونالد ريغان درساً استراتيجياً بارعاً في الاستنزاف الاقتصادي. عندما أطلق مبادرة "الدفاع الاستراتيجي" الشهيرة باسم "حرب النجوم"، وهو مشروع ضخم لإنشاء درع صاروخي في الفضاء، كان يعلم أن تكلفته التقديرية تقترب من حافة الخيال: تريليون دولار. الهدف لم يكن فقط التكنولوجيا بحد ذاتها، بل كان إغراء - أو إجبار - الاتحاد السوفييتي لدخول هذا السباق التكنولوجي المجنون. لقد فهم ريغان أن النظام السوفييتي المركزي المتصلب، باقتصاده المعطوب والمترهل، لن يستطيع مجاراة هذه الوتيرة من الإنفاق الاستثماري الهائل على تكنولوجيا لم تكن ناضجة بعد. كانت لعبة شطرنج اقتصادية: حركة واحدة مكلفة لإجبار الخصم على حركات أكثر كلفة، حتى الانهيار. وقد نجحت. لقد استُنزف الاتحاد السوفييتي اقتصادياً حتى العظم في محاولة يائسة لمواكبة سباق التسلح، مما ساهم بشكل حاسم في انهياره من الداخل.
اليوم، تتكرر اللعبة ولكن بأدوار معكوسة وأبطال جدد. الصين تبحر في محيط القوة العالمية بسرعة مذهلة. فهي تطلق سفناً حربية وغواصات بمعدل يفوق قدرة أحواض بناء السفن الأمريكية مجتمعة. السؤال المحوري هو: كيف؟ الإجابة تكمن في معادلة استنزاف جديدة.
1. تكلفة العامل: العامل الأمريكي المتخصص في صناعة الدفاع يكلف (بما في ذلك الراتب والمزايا والتأمينات) ما يقارب عشرة أضعاف نظيره الصيني. هذه الفجوة ليست هامشاً، بل هي هوة استراتيجية. 2. الاستعداد الصناعي: أحواض بناء السفن الصينية تعمل على مدار الساعة، بنظام مناوبات يحقق استغلالاً أمثل للوقت والرأسمال. القدرة التصنيعية نفسها سلاح. 3. فلسفة الإنفاق: بالنسبة لبكين، الاستثمار في الصناعات الدفاعية والتكنولوجيا العسكرية هو استثمار استراتيجي في المستقبل القومي، في تحقيق "الحلم الصيني"، في استعادة المكانة العالمية. إنه إنفاق يغذي نموذجاً تنموياً كلياً. بينما في واشنطن، يتحول هذا الإنشاف إلى "تكلفة ضرورية" ضمن صراع سياسي مرير حول أولويات الميزانية بين الرعاية الصحية والبنية التحتية والدفاع. الاقتصاد الصيني يصنع السفن كاستثمار في القوة، بينما الاقتصاد الأمريكي يشتريها كبند نفقات. والفارق بين المفهومين هو ما يحسم حروب الاستنزاف.
الاستنزاف النفسي والمعنوي - موت الروح قبل الجسد
هنا ندخل إلى المنطقة الأكثر خطورة وأعماقاً في حرب الاستنزاف: حرب الإرادات، حيث لا تُهزم الجيوش على الخرائط، بل تُهزم في عقل الجندي وقلب المواطن. الاستنزاف لا يفتك بالموارد المادية فحسب، بل ينخر، كالسوس، في الخشب الداخلي للإيمان بالمشروع ذاته. إنه يحول اليقين إلى شك، والفخر إلى خجل، والغرض إلى عبث.
فيتنام كانت المأساة التعليمية: في الغابات الكثيفة والساحات القروية، بدأ الجنود الأمريكيون، وسط الوحل والكمائن، يطرحون سؤالاً وجودياً بسيطاً وقاتلاً: "لماذا نحن هنا؟" لم يكن سؤالاً عن التكتيك، بل عن المعنى. عندما يخسر الجندي الإحساس بالعدالة والغاية من المعركة، يتحول القتال من مهمة مقدسة إلى وظيفة خطيرة. لقد رأوا أصدقاءهم يموتون من أجل قرى استعادها "الفيتكونغ" في الليل، وحكومات فاسدة لا تمثل الشعب، ومواطنين ينظرون إليهم ليس كمحررين بل كغزاة. كانت الهزيمة النفسية قد اكتملت قبل أن تصدر الأوامر بالانسحاب.
أفغانستان كانت تكرار المأساة بمشهد مختلف: بعد عشرين عاماً، وترليون دولار، وآلاف الشهداء، خرجت أمريكا من كابول بشكل أشبه بالفرار، تاركةً وراءها كل ما بنته - جيشاً وحكومة - ليتهاوى كقلعة من ورق في أيام. السؤال الذي صدح في القاعات الأمريكية كان: "ما الذي حققناه؟" وكان الجواب الصادم هو: لا شيء ملموس يستحق التضحيات. عندما تعجز القيادة السياسية، عبر إدارات متعاقبة، عن تقديم إجابة مُقنعة ومتماسكة على هذا السؤال، لا يفقد الجنود الثقة فحسب، بل يفقد الشعب بأكمله الثقة في حكمة قيادته وفي جدوى المشروع الإمبراطوري الخارجي برمته. يصبح التدخل العسكري ليس عملاً بطولياً، بل مغامرة متهورة.
اليوم، في ظل حرب أوكرانيا: يتردد صدى سؤال الاستنزاف النفسي في المجالس العامة والخاصة في أمريكا: "لماذا ندفع مليارات الدولارات من أموال دافعي الضرائب من أجل أوكرانيا، بينما طرقنا هنا مهترئة، ومستشفياتنا مكتظة، وجسورنا على وشك الانهيار؟" هذا السؤال يلمس العصب الأكثر حساسية: الاختيار بين الالتزامات الخارجية والحاجات الداخلية. إنه يستدعي صورة الإمبراطورية التي تهتم بحدود الآخرين بينما تتآكل حدود مدنها. الاستنزاف النفسي هو الأبطأ والأعمق والأكثر فتكاً؛ لأنه لا يقوض القدرة على القتال، بل يقوض الرغبة فيه. إنه يحول القوة الوطنية من أداة للإرادة الجماعية إلى موضوع للجدل والانقسام المرير.
الجزء الرابع: الاستنزاف في عصر العولمة - كيف تغيرت قواعد اللعبة؟
العالم المتشابك: عندما تصبح القوة مشتتة وحروبها متزامنة
في الماضي الكلاسيكي للإمبراطوريات، كانت التحديات تأتي متسلسلة، أشبه بموجات يمكن دراستها والاستعداد لها واحدة تلو الأخرى: تنتصر روما على قرطاج، ثم تستريح وتعيد تنظيم صفوفها قبل مواجهة قبائل الغال. الإمبراطورية البريطانية تواجه تمرداً في الهند، ثم تتعامل مع مشكلة في جنوب إفريقيا. كان هناك رفاهية الوقت والتركيز.
اليوم، في عالم العولمة المتشابك كشبكة عنكبوتية حساسة، تواجه أمريكا - كنموذج للإمبراطورية الحديثة - تحدياتها في حالة تزامن استراتيجي مرهق. لم تعد المواجهات موجات متعاقبة، بل هي عاصفة كاملة تضرب من كل اتجاه في وقت واحد:
1. التحدي الوجودي الصيني في المحيطين الهادئ والهندي، عبر بحر الصين الجنوبي ومضيق تايوان. 2. التحدي التقليدي الروسي في أوروبا الشرقية، ممثلاً في أوكرانيا، مع تهديدات للناتو. 3. التحدي الثوري الإيراني في الشرق الأوسط، عبر وكلائه من اليمن إلى لبنان، وسعيه نحو السلاح النووي. 4. التحدي النووي الكوري الشمالي الغامض والمزعزع للاستقرار في شرق آسيا. 5. التحدي غير التقليدي للإرهاب والجماعات المسلحة غير الحكومية في أفريقيا وآسيا. 6. التحدي الوجودي الداخلي من الانقسام السياسي الحاد والتشرذم الاجتماعي والثقافي.
المشكلة الجوهرية ليست فقط في كثرة هذه التحديات، بل في ترابطها العضوي الخطير. فهي لم تعد ساحات منعزلة. الصين وروسيا تتعاونان في مناورات عسكرية مشتركة وتتبادلان الدعم الدبلوماسي والتكنولوجي في مواجهة الغرب. إيران تزود روسيا بآلاف المسيرات الانتحارية لاستخدامها في أوكرانيا. كوريا الشمالية تبيع مخزونها من الذخائر التقليدية إلى روسيا. النظام المالي العالمي، وسلاسل التوريد، والحرب الإلكترونية، كلها تخلق جسوراً بين هذه الجبهات. الضغط على جبهة يخفف الضغط على أخرى. انتصار في مكان قد يعني تعزيز التحدي في مكان آخر. لقد خلق هذا التشابك "محيطاً استراتيجياً" واحداً، حيث كل حركة في زاوية تخلق تموجات تصل إلى الزوايا البعيدة، مما يجعل تركيز القوة واستراتيجية "العدو الرئيسي" الواحد ضرباً من المستحيل. القوة الإمبراطورية تتحول من سيف ذي حد قاطع إلى مطرقة ثقيلة تحاول ضرب عشرات المسامير المتناثرة في وقت واحد.
الخاتمة: الاستنزاف كمصير إمبراطوري - بين الحتمية التاريخية وإمكانية الاختيار
هل الاستنزاف، بهذا العمق والشمول، هو قدرٌ حتمي لكل إمبراطورية، النهاية المحتومة التي تنتظر كل من يصل إلى قمة العالم؟ التاريخ، بثقله وأحداثه المتكررة، يميل إلى الإيجاب، لكنه في الوقت نفسه يقدم بين سطوره دروساً ثمينة في فن النجاة، والتكيف، والتحول. إنه لا يقدم مصيراً محتوماً، بل يقدم تحذيرات وفرصاً.
الإمبراطورية الرومانية استمرت لقرون طويلة، ليس فقط بقوة جحافلها، بل لأنها عرفت في فترات تألقها كيف تتكيف: كيف تدمج الشعوب المقهورة في نظامها عبر منح الجنسية، كيف تبني الطرق والمؤسسات والقانون (الفقه الروماني) الذي حوّل الغزو إلى نظام حكم مستقر. لكنها في نهاية المطاف استُنزفت: استُنزفت من الخارج بضغط القبائل الجرمانية التي لم تعد تستطيع صدها، واستُنزفت من الداخل بالتضخم الاقتصادي المدمر، وفساد الإدارة، والصراع الأهلي على العرش، وانحلال القيم المدنية التي بنتها. كانت نهايتها درساً في أن التكيف يجب أن يكون مستمراً، وإلا تحولت المؤسسات الصلبة إلى أقفاص حديدية.
الإمبراطورية البريطانية التي "كانت الشمس لا تغرب عنها"، أدركت بحكمة نادرة في منتصف القرن العشرين أنها لم تعد تملك الموارد المادية والبشرية والمعنوية للحفاظ على إمبراطورية شاسعة بالطرق القديمة. فاختارت الانسحاب بترتيب نسبي، محولة هيمنتها العسكرية المباشرة إلى هيمنة أكثر دهاءً وأقل كلفة: هيمنة ثقافية عبر اللغة الإنجليزية، ومالية عبر سوق لندن، ودبلوماسية عبر كومنولث الأمم. لقد قبلت بتقلص مجالها الجغرافي المباشر للحفاظ على نفوذها الجوهري في النظام العالمي. كانت نهايتها الإمبراطورية استدارة استراتيجية ذكية.
أمريكا اليوم تقف عند مفترق طرق تاريخي مماثل. إنها تواجه سؤال القرون: هل ستتعلم من تاريخ الرومان والبريطانيين وغيرهم؟ هل ستدرك أن القوة المطلقة وهمٌ يولد الغرور الاستراتيجي، وأن الحكمة الحقيقية للقوة تكمن في معرفة حدودها، وفي التمييز بين المصالح الحيوية والأحلام التوسعية، وفي القدرة على إعادة تركيز الموارد من المحيط المتآكل إلى القلب المتين؟ هل تستطيع أن تتحول من شرطي العالم المكلَّف بكل مشاكله، إلى قائد ذكي يحافظ على النظام العالمي من خلال التحالفات الذكية والتأثير الناعم والتفوق التكنولوجي، بدلاً من الاحتلال المباشر والتدخل المكلف؟
الاستنزاف، في التحليل النهائي، ليس لعنة صماء، بل هو تحذيرٌ صارخ. تحذير للإمبراطوريات بأن القوة، مهما بلغت، هشة، وأن التفوق التكنولوجي والعسكري مؤقت، وأن الزمن - ذلك الحليف الأكبر للصبر والمرونة - لا يرحم المتصلبين والمتكبرين. إنه الصدى الذي يسبق السقوط.
في النهاية، الاستنزاف هو المرآة التي توقف التاريخ قسراً أمام وجه الأقوياء، ليروا فيها هشاشتهم التي تخفيها أبهة السلاح وضجيج الخطاب. وهو في الوقت نفسه الفرصة الذهبية للضعفاء والمنافسين الجدد لإعادة كتابة قواعد اللعبة، ليس بالمواجهة المباشرة، بل بالصبر، والإبداع، واستغلال ثغرات العملاق الكامنة في قوته نفسها.
لكن الخطر الأعظم الذي يهدد أي إمبراطورية، في قمة مجدها، هو أن تفقد القدرة على رؤية انعكاسها في هذه المرآة. أن تصاب بما يمكن تسميته "العمى الاستراتيجي"، حيث يتحول الغرور إلى عقيدة، والتعقيد إلى بساطة مخادعة، والنقد إلى خيانة. عندها، تستمر في التمدد، والإنفاق، والتدخل، في حلقة مفرغة من فعل شيء ما فقط لأنها قادرة على فعله، حتى يأتي اليوم الذي ينفجر فيه القلب من الداخل، من فرط الإجهاد، وينهار الهيكل العظمي تحت ثقل لحمه نفسه. السؤال الذي يظل معلقاً هو: هل ستقرأ أمريكا، وهي تتأمل في مرآة القرن الحادي والعشرين، علامات النزيف تحت جلدها، أم ستظل منشغلة بتلميع الدرع حتى تسقط من الثقل؟
……..
الفصل الثاني
الفصل الثاني: البحر الأحمر… حين يختبر اليمن قلب الأسطول الأمريكي
الجزء الأول: البحر الأحمر - ذاكرة الماء والدم
فاتحة - حيث تلتقي الجغرافيا بالمصير
البحر الأحمر ليس مجرد مسطح مائي أزرق على الخريطة، تزينه أرقام الأعماق وأسماء الموانئ. إنه شريان تاريخي نابض، شاهدٌ وشهيد، حاملٌ في مداده المالح ذاكرة البشرية منذ فجرها. هو الشق الجيولوجي الذي فصل إفريقيا عن آسيا، ليخلق بذلك مضيقاً صار أقصر طريق بين الشرق والغرب، بين التوابل والذهب، بين الإمبراطوريات والأحلام. في قاعه، تحت طبقات من الملح والزمن، ترقد إمبراطوريات من الخشب والقلوع: سفن فرعونية حملت العاج من بلاد بونت، وسفن فينيقية داست الأمواج بقلوب من خشب الأرز، وسفن رومانية جابت البحر كأنها قلاع متحركة لجحافل لا تُقهر. كل حطام هو قصة مكتوبة بالصدأ: قصة قوة تبسط سلطانها، وهيمنة تفرض إرادتها، وتحدٍ يعلن عصيانه. البحر الأحمر هو سجل الموت والولادة؛ ماتت فيه حضارات وولدت على شواطئه أخرى.
اليوم، يعود هذا المسرح القديم ليستقبل فصلًا جديداً من فصول الملحمة البشرية، أحد أكثر المشاهد السياسية والعسكرية إثارة في مطلع القرن الحادي والعشرين: كيف تحولت هذه المياه، التي اعتُقد أنها صارت تحت سيطرة النظام العالمي الجديد، إلى ساحة اختبار حادة، إلى مختبر مكشوف تختبر فيه قوةٌ صاعدةٌ صغيرةٌ أعصابَ وأعماق إمبراطورية تعتقد في قرارة نفسها أنها لا تقهر. البحر الأحمر، بشواطئه الصخرية ورياحه الموسمية ومضائقه الخانقة، يتحول من مجرى ملاحي إلى حقل ألغام استراتيجي، ومن طريق تجاري إلى ساحة حرب باردة ساخنة، حيث تُختبر ليس فقط الصواريخ، بل مفاهيم الهيمنة ذاتها.
التاريخ يكتب نفسه: من رأس الرجاء الصالح إلى باب المندب - دروس الجغرافيا الدامية
قبل خمسة قرون، حين نجح فاسكو دا جاما في الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح في جنوب إفريقيا، وقع حدث جيوسياسي من الدرجة الأولى: انهارت، في غضون عقود، اقتصاديات الممالك والإمارات التي كانت تتحكم في طرق التجارة عبر البحر الأحمر وشبه الجزيرة العربية. لقد جرى اختصار الطريق، وتجاوز الوسطاء، وتهميش المكان. الجغرافيا التي كانت مصدر قوة، تحولت فجأة إلى مصدر ضعف. كانت لحظة تاريخية علّمَت أن الطرق التجارية ليست أبدية، وأن قوة الموقع يمكن أن تتبخر مع اختراع تقني أو اكتشاف جغرافي.
اليوم، يعيد التاريخ تدوير نفسه ولكن بأدوات عصرية وبسرعة مذهلة. مضيق باب المندب، ذلك التنفُّس الضيق للبحر الأحمر، الذي لا يتسع لأكثر من سفينتين عملاقتين في وقت واحد، عاد ليكون مركز العالم. إنه الحلقة الأضعف في سلسلة العولمة. تسعة وعشرون كيلومتراً فقط من المياه الزرقاء تفصل ساحل اليمن الصخري عن ساحل جيبوتي الأفريقي، ولكن في هذا الضيق تكمن كل قوة العالم وضعفه.
إنه يشبه عنق الزجاجة الذي يمر عبره 12% من التجارة العالمية، و30% من حاويات العالم، وأكثر من مليون برميل نفط يومياً. تحبس الأنفاس هنا: ناقلات النفط العملاقة التي تكاد تلمس الجانبين بصدرها العريض، وسفن الحاويات التي تشبه مدناً عائمة، وسفن الغاز المسال التي تحمل ثروات الخليج إلى أوروبا. هذا التركيز الهائل للثروة والطاقة في فضاء ضيق هو ما يمنح المضيق قوته، وهو نفسه ما يجعله نقطة استنزاف مثالية. فكما أن اختراق رأس الرجاء الصالح قديماً قلل من قيمة البحر الأحمر، فإن إغلاق باب المندب اليوم، أو حتى تهديد أمنه، يخلق صدمة في النظام التجاري العالمي بأسره، ويرفع تكاليف التأمين، ويعطل سلاسل الإمداد. الجغرافيا، بثباتها الصخري، تقدم دروساً دائمة: الممرات الضيقة هي نقاط القوة العظمى، وهي أيضاً نقاط الضعف القاتلة لأي نظام يعتمد على التدفق المستمر.
الجزء الثاني: اليمن - من دولة منهكة إلى لاعب جيوسياسي
مأساة اليمن: التاريخ الذي يخلق مقاومة غير متوقعة - ولادة طائر الفينيق من الرماد
لننظر إلى اليمن بعيون المؤرخ، لا بعيون المحلل العسكري العابر. هنا، على هذه الجبال الشاهقة والصحاري الموحشة، قامت واحدة من أقدم الحضارات في الجزيرة العربية: سبأ وحمير ومعين، ممالك بنت سدوداً عظيمة وطورت لغاتٍ متطورة وتاجرت بالبخور والمر، تلك السلع التي كانت أثمن من الذهب في العالم القديم. ثم دخل اليمن في عصر الظلام: عزلته الجغرافية، انقساماته القبلية العميقة، صراعاته الداخلية، ثم موجة الاستعمار العثماني والبريطاني. وبعد الاستقلال الشكلي، دخل في دوامة من الحروب الأهلية الدموية، والتدخلات الإقليمية، والفقر المدقع.
اليمن اليوم هو مشهد لكارثة إنسانية مصوَّرة بأرقام مخيفة: أكثر من 20 مليون إنسان على حافة المجاعة، بنى تحتية مدمرة بالكامل، نظام صحي منهار، واقتصاد محطم. بلدٌ يُعرِّف قاموس السياسة الدولية مصطلح "الدولة الفاشلة". من قلب هذا الجحيم، من صميم هذا الدمار الشامل، ولدت الظاهرة الأكثر إثارة للدهشة في العقود الأخيرة: قدرة فائقة على الاختراع العسكري والتكيف الاستراتيجي تحت وطأة الحاجة المطلقة.
عندما حُرم اليمن من الطائرات الحربية التقليدية، لم يستسلم؛ بل حوّل المسيرات (الدرونز) التجارية والصناعية البسيطة إلى أسراب من الطائرات الانتحارية الذكية، قادرة على عبور مئات الكيلومترات وضرب أهداف محددة. عندما لم يملك أسطولاً بحرياً، لم ييأس؛ بل طوّر زوارق سريعة مزودة بمتفجرات، وطور صواريخ بحرية مضادة للسفن يمكن إطلاقها من الشاطئ. عندما حُرم من الأقمار الاصطناعية وأنظمة التوجيه الدقيقة (GPS) المعقدة، لجأ إلى تقنيات توجيه بصرية وبصرية-إلكترونية بسيطة، بل واستخدم شبكات اتصال تجارية ومراقبة بصرية لتحديد الأهداف. لقد حولت الحاجة الماسة اليمن من متلقٍ سلبي للمساعدات الدولية إلى مختبر ميداني مفتوح للحرب غير المتماثلة، حيث الإبداع يحل محل الميزانية، والمثابرة تحل محل التكنولوجيا الفائقة.
التحول الجيوسياسي المذهل: من الضحية إلى الفاعل - تشريح لحظة التحول
قبل عام 2015، كان الحديث عن اليمن في مراكز الأبحاث والاستخبارات الغربية يدور في فلك "التهديد الأمني الناجم عن الدولة الفاشلة". كان التركيز على تنظيم القاعدة في الجزيرة العربية (AQAP) كخطر إرهابي رئيسي يمكن احتواؤه عبر عمليات الطائرات دون طيار (الدرونز الأمريكية). كان اليمن موضوعاً للمشكلة، وليس فاعلاً في الحل أو التحدي.
اليوم، بات اليمن (وتحديداً جماعة أنصار الله "الحوثيون") لاعباً جيوسياسياً رئيسياً، قادراً على التأثير في أسعار النفط العالمية، وتعطيل سلاسل الإمداد، وإجبار كبرى شركات الشحن على تغيير مساراتها، ودفع التحالف الغربي إلى إنشاء وتكليف تحالف عسكري دولي (عملية الحارس اليمني) لحماية الملاحة. كيف حدث هذا التحول السريع والمزلزل؟
أولاً: حرب التحالف العربي بقيادة السعودية (2015-الآن). هذه الحرب، رغم قوتها التدميرية الهائلة، خلقت للمقاتلين اليمنيين بيئة اضطرارية قاسية. الحرب خَلقت ضرورة الابتكار للبقاء. الحصار البحري والجوي خلق ضرورة كسر هذا الحصار، فكانت فكرة تهديد سفن الخصم في البحر الأحمر وسيلة للضغط لرفع الحصار. المعاناة اليومية للشعب خلقت شرعية داخلية وإرادة جماعية للرد والثأر، وحولت الصراع من معركة محلية إلى حرب وجود وكرامة.
ثانياً: الدعم الإيراني: التكنولوجيا كعامل مُسرِّع. بينما يُبالغ في تقدير هذا الدور أحياناً، فلا شك أن إيران قدمت عنصراً حاسماً: نقل المعرفة والتقنية. لم تقدم إيران أسلحة معقدة فائقة التكلفة بالضرورة، بل قدمت شيئاً أهم: تصميمات للمسيرات والصواريخ الباليستية قصيرة المدى، وأنظمة توجيه، وفلسفة للتصنيع المحلي المبعثر. لقد أعطت اليمنيين الأدوات الفكرية والتصميمات التي مكنتهم من تسريع عملية الابتكار المحلي تحت شعار "اصنعها بنفسك". الدعم الإيراني كان بمثابة المنحة التكنولوجية التي قلصت سنوات من التطوير.
ثالثاً: الجغرافيا: اكتشاف قيمة البطاقة الرابحة. أدرك اليمنيون، ربما لأول مرة بوضوح، أن موقعهم الجغرافي على مضيق باب المندب هو سلاح استراتيجي لا يقدر بثمن. إنه بطاقة ضغط جيوسياسي لم يكونوا يدركون قيمتها الكاملة سابقاً. لقد اكتشفوا أن بإمكانهم، من على شواطئهم الفقيرة، ممارسة ضغط غير مسبوق على اقتصاديات الدول الغنية، وأن عمق فقرهم يمكن أن يتحول إلى مصدر لقوة الابتذال في الحرب: لا شيء يخسرونه، وكل شيء يمكن أن يكسبوه من خلال إرباك النظام العالمي. لقد حولوا الهشاشة إلى سلاح.
الجزء الثالث: حرب المسيرات - الثورة في المفاهيم العسكرية
معادلة الاستنزاف المالية: 10 آلاف دولار في مواجهة 4 ملايين - حرب الحسابات الباردة
لنتخيل المشهد في أعصابه المتوترة: داخل مركز القيادة المدرع على ظهر مدمرة أمريكية من فئة أريلغ بيرك، في وسط البحر الأحمر. الشاشات تتوهج بلون أخضر، والرادارات المتطورة (مثل نظام AEGIS) ترسم أقواساً للخطر في الفراغ. يظهر هدف: صاروخ كروز بحري مضاد للسفن، منخفض الطيران، قادم بسرعة. تقدير الاستخبارات يقول: تكلفة التصنيع لا تتجاوز 10 إلى 20 ألف دولار. ربما يكون نسخة محسنة من صاروخ إيراني، أو تصميماً يمنياً محلياً.
القائد، في ثوانٍ معدودة، يجب أن يتخذ القرار. الخطر حقيقي على سفينته التي تكلف ملياري دولار، وعلى أرواح طاقمها المكون من 300 فرد. الأمر يصدر: "أطلق!". ينطلق صاروخ اعتراض من الخلايا الرأسية للسفينة، من نوع SM-2 أو حتى SM-6. هذا الصاروخ المتطور، بقوته التدميرية وتقنيته المعقدة، يكلف دافعي الضرائب الأمريكيين ما بين مليون و4 ملايين دولار للقطعة الواحدة.
هنا، في هذه اللحظة، تُكتب معادلة الاستنزاف الأكثر وضوحاً ووحشية في القرن الحادي والعشرين:
· تكلفة الهجوم (الخصم): 10,000 دولار. · تكلفة الدفاع (الإمبراطورية): 4,000,000 دولار. · نسبة التكلفة: 1 إلى 400.
الرياضيات لا تكذب. حتى لو كان نظام الدفاع الأمريكي معجزة تكنولوجية وبلغت نسبة الاعتراض 100% (وهو افتراض غير واقعي)، فإن الخصم يحتاج فقط إلى إطلاق 400 صاروخ من صواريخه "الرخيصة" ليجبر أمريكا على إنفاق 1.6 مليار دولار على الصواريخ الاعتراضية وحدها. هذا دون حساب تكاليف تشغيل السفن، والطواقم، والصيانة، والوقود، والاستخبارات.
ولكن أبعد من الأرقام، هناك الاستنزاف المعنوي والإستراتيجي الأعمق. كل عملية اعتراض ناجحة يُحتفى بها كـ "انتصار تكتيكي" للبحرية الأمريكية، تُظهر براعة التكنولوجيا وتدريب الطاقم. لكن في الصورة الأكبر، هي هزيمة إستراتيجية صامتة. لأنها تثبت عدة حقائق مريرة:
1. أن أعظم قوة بحرية في التاريخ تخوض معركة غير متكافئة لصالح الخصم من حيث التكلفة. 2. أن الإمبراطورية تستنزف نفسها بنفسها في سلسلة لا تنتهي من ردود الفعل الباهظة. 3. أن الخصم قد وجد النقطة العمياء في جيش عملاق: ليس في درعه، بل في ميزانيته وصبر شعبه. إنها حرب يُخسر فيها الربح حتى عند الفوز في المناوشة.
المسيرة (الدرون): عندما تتحول التكنولوجيا البسيطة إلى سلاح استراتيجي - ثورة العقل قبل المادة
المسيرة (الطائرة بدون طيار أو الدرون) لم تكن اختراعاً يمنياً أو إيرانياً. لقد وُلدت وتطورت في معامل ومختبرات الولايات المتحدة وإسرائيل وأوروبا. كانت أداة للمراقبة، ثم أداة للاغتيال الدقيق، وهي اليوم عماد الاستخبارات الحديثة. لكن تحويلها من أداة للقوة العظمى إلى سلاح استراتيجي للفقراء والمحاصرين - هذه هي الثورة الحقيقية.
لقد قامت الجماعات اليمنية (وغيرها) بعملية تحويل جذرية:
· نزع القدسية عن التكنولوجيا: لم ينظروا إلى المسيرة كمنتج نهائي معقد، بل كفكرة يمكن تفكيكها وإعادة تجميعها. اشتروا مسيرات تجارية صينية (مثل تلك المستخدمة في التصوير)، وفككوها، ودرسوا محركاتها، وأنظمتها الإلكترونية البسيطة، ثم أعادوا تجميعها مع رأس حربي. · الابتكار في التطبيق: لم يحتاجوا إلى أنظمة توجيع GPS دقيقة باهظة الثمن. استخدموا أنظمة توجيه بصرية (كاميرا)، أو توجيهاً بالقصور الذاتي البسيط، أو حتى توجيهاً لاسلكياً مباشراً لمسافات محدودة. لقد ضحوا بدقة الطيار الآلي الأمريكي مقابل الكم والضغط النفسي. · فلسفة "السرب": بدلاً من إرسال طائرة واحدة متطورة، يرسلون أسراباً من عشرات المسيرات الرخيصة. حتى لو تم إسقاط 90% منها، فإن الـ 10% التي تصل تكفي لشل حركة مطار، أو إلحاق أضرار بمرفأ، أو الأهم: إجبار العدو على إنفاق ملايين في الدفاع. لقد حولوا المسيرة من سلاح نخبوي إلى سلاح جماهيري.
هذا التحول هو ثورة في المفهوم العسكري. إنه يعلن أن الإبداع البشري والتكيف يمكن أن يتغلبا، في ظروف معينة، على التفوق المادي والتكنولوجي المطلق. إنه يقول للعالم: في عصر المعلومات والاتصالات الرخيصة، لم تعد الحروب حكراً على الدول الغنية القادرة على شراء أنظمة بمليارات الدولارات. بل أصبحت مفتوحة لأي مجموعة تمتلك الهندسة العكسية، والإرادة، والقدرة على تحويل الأدوات المدنية إلى أسلحة. البحر الأحمر أصبح مدرسة مفتوحة لهذه الثورة، واليمن هو أستاذها غير المتوقع، والأسطول الأمريكي هو الطالب المجبر على تقديم اختبار استنزاف مكلف جداً، صفحة تلو الأخرى.
….
الفصل الثاني: البحر الأحمر… حين يختبر اليمن قلب الأسطول الأمريكي
الجزء الثالث: حرب المسيرات - الثورة في المفاهيم العسكرية (تابع)
تشريح المسيرة البسيطة: تفكيك أسطورة التكنولوجيا الفائقة
المسيرة البسيطة، في عين الفيزيائي، ليست سوى محركات دوّارة، ولوحة إلكترونية، وبطارية، وهيكل من البلاستيك أو الخشب الخفيف. لكن في عين الاستراتيجي، هي ثورة شاملة في فلسفة القوة. إنها تقدم سلسلة من المزايا التي تقلب موازين الحرب التقليدية:
1. الرخص الثوري: اقتصاديات الكَم ضد الكيف. بينما تُصنع الطائرة المقاتلة الحديثة (مثل F-35) بمليارات الدولارات وتتطلب سنوات من التطوير، يمكن إنتاج المسيرة البسيطة بمئات أو آلاف الوحدات بنفس الميزانية. هذه ليست مسألة تكلفة فحسب، بل هي فلسفة إنتاجية: تحويل الصناعة الحربية من فن النخبة إلى حرفة جماعية. خط التجميع لم يعد في مصانع لوكهيد مارتن العملاقة، بل في ورش صغيرة مبعثرة، أشبه بحلقات حرفية من عصر النهضة، لكنها تنتج أسلحة العصر الرقمي.
2. صِغَرٌ يخترق الرادار: استراتيجية التخفي في العَظَمَة. في عصر تكافح فيه الأنظمة الرادارية لاكتشاف الطائرات الشبحية (Stealth) المتطورة، تأتي المسيرة الصغيرة لتمثل تحديًا أكثر جوهرية. حجمها البسيط، وارتفاع طيرانها المنخفض، وسرعتها المتواضعة نسبيًا، تجعلها تختفي في ضجيج الخلفية الرادارية، كحشرة تطير أمام عدسة تليسكوب. إنها تستغل ثغرة في عقلية "الأكبر هو الأفضل"؛ فبينما تتطور الرادارات لرصد الأهداف الأسرع والأعلى، تمر هذه النملة الحديدية من تحت عتبة الرصد.
3. التنوع الوظيفي: السويسري الجديد للسلاح. يمكن تحميلها حسب المهمة: متفجرات لتصبح قذيفة ذكية، كاميرات لتصبح عيونًا استخباراتية، أجهزة تشويش لتصبح سلاحًا إلكترونيًا. إنها منصة قتال مرنة، تتحول من سلاح هجومي إلى أداة مراقبة إلى وسيلة حرب إلكترونية في ساعات. هذا التنوع يجعل المواجهة معها أشبه بلعبة شطرنج ثلاثية الأبعاد، حيث لا يعرف المدافع الدور التالي للخصم.
4. قابلية التضحية: نزع القدسية عن حياة المقاتل. لطالما كانت حماية حياة الطيار المقاتل أحد أقدس المبادئ في العقيدة العسكرية الغربية، وهذا ما يفسّـر تكلفة مقاعد القذف وأنظمة النجاة المعقدة. المسيرة تفصل المقاتل عن الآلة. فقدانها لا يعني أكثر من خسارة مادة يمكن استبدالها. هذا يحرر التكتيك من قيود الحذر المفرط، ويسمح بمخاطرات محسوبة كانت ستُعتبر انتحارية لو كان فيها بشر.
لكن العامل الأهم الذي لا يمكن قياسه بمقاييس مادية هو: القدرة على التجديد والابتكار السريع. هنا نرى الفرق الجوهري بين الثقافة البيروقراطية للإمبراطورية والمرونة الثورية للمقاومة. المسيرة التي أُطلقت الشهر الماضي تختلف عن التي تُطلق اليوم. هناك تحسين مستمر، أشبه بتطور فيروسي سريع: تغيير في زاوية الهجوم، تعديل في توقيت الإطلاق، تحسين في نظام التوجيه، تجاوب مع تكتيكات الاعتراض الأمريكية التي تُدرس فور ظهورها. إنها حرب تعلمية متسارعة، حيث تتحول كل اشتباك إلى بيانات تدخل في دورة تحسين لا تنتهي. بينما تمر التعديلات على الأنظمة الأمريكية بمسارات الموافقة والميزانيات واختبارات الأمان الطويلة، يجري التطوير اليمني في زمن حقيقي، على مبدأ "جرب، تعلم، عدّل، كرر". هذه الديناميكية هي ما يجعل المواجهة استنزافًا حقيقيًا: فأنت لا تحارب سلاحًا، بل تحارب عقلية تكيف لا تعرف الجمود.
الجزء الرابع: البحرية الأمريكية أمام اختبار وجودي
حاملة الطائرات: أسطورة في زمن غير زمنها - من رمز القوة إلى هدف ضعيف
لنتحدث بلغة الأرقام أولاً، فهي اللغة التي لا تكذب:
حاملة الطائرات الأمريكية من فئة نيميتز (مثل يو إس إس أيزنهاور):
· الطول: 333 مترًا (أطول من برج إيفل ملقى على جانبه) · التكلفة: 13 مليار دولار للواحدة (دون حساب الطائرات) · الطاقم: 5,000 فرد (سكان مدينة صغيرة) · القدرة الجوية: 90 طائرة مقاتلة وهجومية · الاستهلاك: تلتهم وقودًا بملايين الدولارات شهريًا · الصيانة: تتطلب فترة إصلاح وإعادة تجهيز تستمر لشهور كل بضع سنوات
في حرب تقليدية ضد دولة تملك قوة بحرية مماثلة، الحاملة هي قلعة متحركة لا تقهر، قادرة على إسقاط هيمنتها الجوية على مساحة قارة. لكن في حرب استنزاف ضد خصم غير تقليدي يستخدم المسيرات والزوارق السريعة والصواريخ البرية البسيطة، تتحول هذه القلعة إلى:
1. هدف كبير لا يمكن إخفاؤه: في محيطات العالم، يمكن للحاملة أن تختفي. في البحر الأحمر الضيق نسبيًا، هي في مرمى البصر. أقمار التجسس، مراقبة الشواطئ، حتى الصيادين - جميعهم يمكنهم تتبع حركتها. إنها فيل في متحف للخزف، كل حركة لها مراقبة، كل موقع لها معروف.
2. استثمار مكلف بشكل غير منطقي للمهمة: المخاطرة بحاملة بقيمة 13 مليار دولار (ومعها 5,000 روح و90 طائرة) في مواجهة تهديدات لا تكلف مجتمعة سوى بضعة ملايين، هي معادلة مالية جنونية. إنه كمن يضع قلعته الذهبية في خط النار لوقف سهام خشبية. حتى لو كان الاحتمال ضئيلاً، فإن العواقب كارثية لدرجة تجعل القادة يفكرون ألف مرة قبل الاقتراب من مناطق الخطر.
3. أداة غير مناسبة للمهمة: حاملة الطائرات مصممة لإسقاط تفوق جوي ساحق. لكن كيف تواجه سربًا من المسيرات الصغيرة؟ إطلاق طائرة F/A-18 Super Hornet التي تكلف 70 مليون دولار لتعترض مسيرة تكلف 20 ألف دولار؟ إنه استخدام المطرقة الذهبية لقتل بعوضة. الأنظمة الدفاعية القريبة (CIWS) مصممة لمواجهة تهديدات محدودة، وليس وابلًا متواصلاً من اتجاهات متعددة.
المفارقة التاريخية المذهلة: أمريكا تجد نفسها في موقف يشبه موقف فرنسا أمام خط ماجينو في الحرب العالمية الثانية. بنت الفرنسيون خطًا دفاعيًا لا يمكن اختراقه - جدارًا من الخرسانة والصلب. لكن الألمان تجاوزوه ببساطة، غيروا قواعد اللعبة. اليوم، أمريكا بنت أسطولًا لا يمكن هزيمته في مواجهة تقليدية، لكن اليمنيين (وغيرهم) يغيرون قواعد اللعبة نفسها. إنهم لا يهاجمون الأسطول حيث هو أقوى، بل حيث هو أكثر حساسية: في اقتصاده، في معنوياته، في شرعيته. الحاملة لم تصبح ضعيفة، لكن سياق قوتها تغير من تحتها.
الاستنزاف العملي: تشريح النزيف الأمريكي - ما الذي تخسره أمريكا فعليًا؟
لنعدّد الخسائر الأمريكية في البحر الأحمر ليس كأرقام مجردة، بل كدماء نازفة من جسد الإمبراطورية:
أولاً: الخسائر المادية المباشرة - نزيف الخزينة
· تكلفة الصواريخ الاعتراضية: كل صاروخ SM-2 أو SM-6 يُطلق يمثل 4 ملايين دولار تتحول إلى دخان في السماء. في اشتباك واحد قد تُطلق عشرات الصواريخ. · تكلفة الصيانة بعد الاشتباكات: المدمرات التي تعمل بنظام "آيجيس" معقدة وحساسة. كل عملية اشتباك تتطلب فحوصات وصيانة مكلفة. · تكلفة الوقود للدوريات المستمرة: البحرية الأمريكية تستهلك وقودًا بمليارات الدولارات سنويًا. العمليات المكثفة في البحر الأحمر تزيد هذا الاستهلاك بشكل كبير. · تكلفة تعزيز الدفاعات: تركيب أنظمة دفاعية إضافية، شراء مسيرات اعتراضية خاصة، تطوير برامج دفاعية جديدة - كلها ملايين إضافية.
ثانياً: الخسائر الاستراتيجية - تقلص مجال الحركة
· إجبار الأسطول على الابتعاد عن مناطق الخطر: هذا يعني التخلي عن سيطرة كاملة على ممرات حيوية. القوة التي تفقد حرية الحركة تفقد جزءًا من جوهرها. · تقليل فعالية الحاملات: إبقاؤها على مسافة "آمنة" يقلل من مدى طائراتها وفعاليتها. الحاملة البعيدة هي حاملة مشلولة جزئيًا. · تشتيت الاهتمام عن جبهات أخرى: التركيز على البحر الأحمر يعني إهمال نسبي للمحيط الهادئ حيث الخطر الصيني الأكبر. إنها معضلة استراتيجية: حماية التجارة اليوم أم الاستعداد للحرب الكبرى غدًا؟
ثالثاً: الخسائر المعنوية - تآكل الهيبة
· صورة البحرية التي لا تقهر تتأثر: كل هجوم يصل، كل اشتباك يدور، يخلق سؤالًا: "لماذا لم تمنعه البحرية الأقوى في التاريخ؟" · الشعور بالإحباط بين الجنود: خدمة أشهر في بحر خطر، مع تهديدات مستمرة، دون "انتصار حاسم" يمكن الاحتفال به - هذا يستنزف المعنويات. · تساؤلات في الكونجرس: "لماذا ننفق كل هذه المليارات إذا كنا لا نستطيع حماية السفن؟" السؤال السياسي يصبح سلاحًا في أيدي المعارضين.
رابعاً: الخسائر الاقتصادية غير المباشرة - تداعيات النظام العالمي
· زيادة تكلفة الشحن: تأمين السفن أصبح أغلى بنسبة 300-400%. هذه التكلفة تنتقل للمستهلك في كل أنحاء العالم. · تأمين السفن بأسعار أعلى: سوق التأمين البحري يعيد حساب المخاطر، ويدفع الجميع الثمن. · تأثير على سلاسل الإمداد العالمية: التأخير في وصول البضائع يخلق اختناقات، يؤثر على الصناعة، يرفع الأسعار. الاستقرار الاقتصادي العالمي نفسه يتأثر.
الجزء الخامس: التداعيات الجيوسياسية - البحر الأحمر كساحة عالمية
العالم يشاهد: مدرسة مفتوحة للطامحين والمتحدين
ما يحدث في البحر الأحمر لا يبقى حبيس مياهه المالحة. إنه بث مباشر لعملية تشريح القوة العظمى، ومشاهدوه هم كل مراكز القوى والطامحين في العالم:
الصين ترى وتدرس: كيف يمكن لإستراتيجية الاستنزاف غير المتماثلة أن تعمل ضد قوة بحرية متفوقة. دروس اليوم ستُطبق غدًا في بحر الصين الجنوبي ومضيق تايوان. المسيرات الرخيصة، الزوارق السريعة، الصواريخ البرية - كلها أدوات في ترسانة "الحرب الشعبية في البحر".
روسيا تحلل: تكتيكات لتطبيقها في حربها مع أوكرانيا والناتو. كيف يمكن لطرف أضعف أن يربط قوة أعظم، ويستنزفها، ويشكك في قدراتها دون مواجهة مباشرة؟
إيران تختبر: أدواتها بشكل غير مباشر، في ساحة بعيدة عن حدودها. كل هجوم ناجح هو تأكيد لفعالية عقيدتها العسكرية في "الحرب الوكيلة" و"الإنكار المنطقي".
دول العالم الثالث والحركات غير الحكومية تكتشف: القدوة العملية. لقد سقطت الهيبة. القوة العظمى ليست منيعة. بموارد محدودة، وبإرادة صلبة، يمكن تغيير معادلات كان يعتقد أنها ثابتة.
البحر الأحمر أصبح مختبرًا مفتوحًا، ومدرسته لا تحتاج إلى تسجيل. الدروس تُبث مباشرة: كيف تختار الهدف، كيف توقت الهجوم، كيف تتكيف مع دفاعات العدو. كل هجوم هو محاضرة، كل اشتباك هو فصل دراسي. والعالم بأسره يجلس في المقاعد الأمامية.
التحالفات تتصدع: من يحمي التجارة العالمية؟ اختبار التضامن الغربي
مهمة حماية الممرات البحرية الدولية كانت دائمًا من الامتيازات والمسؤوليات المزدوجة للقوى البحرية الكبرى. اليوم، تظهر الشقوق في جدار التحالف الغربي. أمريكا تجد نفسها تتحمل العبء الأكبر، بينما حلفاؤها الأوروبيون يتقدمون بتردد، أو يتراجعون بصمت.
لماذا هذا التردد الأوروبي؟ لأن المعادلة السياسية واضحة:
· المشاركة في العمليات العسكرية في البحر الأحمر قد تجعل الدول الأوروبية أهدافًا مباشرة للمسيرات والصواريخ. · كل سفينة أوروبية تطلق صاروخًا دفاعيًا تكلف ملايين، هي خسارة مالية في ميزانيات ليست ممتلئة. · الرأي العام الأوروبي، بعد سنوات من الحرب في أفغانستان والشرق الأوسط، متعب من المغامرات العسكرية البعيدة. · السؤال السياسي الداخلي الحاسم: هل يستحق الأمر المخاطرة؟ هل ندفع ثمن حماية تجارة قد تستفيد منها منافسونا الاقتصاديون أكثر منا؟
وهكذا نرى تآكلًا في التضامن الغربي. كل دولة تحسب مصالحها الضيقة: إيطاليا تشارك لكن بحذر، فرنسا ترسل سفنًا ولكن بمهام محدودة، بعض الدول ترفض المشاركة تمامًا. هذا بالضبط ما يريده اليمن: عزل أمريكا، جعلها تتحمل العبء بمفردها، تحويل "المهمة الدولية" إلى "مشكلة أمريكية". إنها استراتيجية تفتيت التحالفات، وهي أخطر من تفتيت السفن.
الخاتمة: البحر الأحمر كرمز لتحول عالمي - ميلاد عصر جديد
البحر الأحمر في السنوات 2023-2024 لم يعد مجرد مضيق جغرافي بين قارتين. إنه تحول إلى رمز، إلى أيقونة، إلى بيان عملي لتحول في موازين القوة العالمية. إنه يصرخ بقوانين العصر الجديد:
1. نهاية احتكار التكنولوجيا الفائقة: التكنولوجيا البسيطة، إذا أُحسن استخدامها بذكاء تكتيكي، يمكنها تحدي التكنولوجيا المعقدة الغالية. البرمجيات الذكية تتغلب على الأجهزة الباهظة.
2. إرادة الشعوب كرأسمال استراتيجي: الإرادة الجماعية، المدفوعة بإحساس بالمظلومية أو الإيمان بقضية، قد تعوض نقص الموارد المادية. الروح تصنع من العدم أسلحة.
3. تغير طبيعة الحرب ذاتها: حروب المستقبل قد لا تكون بين جيوش نظامية في ساحات قتال محددة، بل بين دول وجماعات تستخدم أدوات غير تقليدية في ساحات ممتدة. التمييز بين الجبهة والخلفية يختفي.
4. نهاية الهيمنة البحرية المطلقة: فكرة السيطرة الكاملة على البحار، التي سادت منذ أيام الإمبراطورية البريطانية، لم تعد ممكنة في عصر الصواريخ الدقيقة والمسيرات الرخيصة. البحر لم يعد حاجزًا، بل أصبح جبهة مفتوحة.
اليمن، هذا البلد المنهك الذي يسير على حافة المجاعة، يقدم للعالم درسًا مصغرًا لكنه عظيم الدلالة: القوة ليست في حجم السلاح أو سعره، بل في كيفية استخدامه، وفي التوقيت، وفي اختيار المعركة. والهزيمة الاستراتيجية ليست في خسارة المعركة الميدانية، بل في الانجرار إلى خوض معركة خاطئة، في مكان خاطئ، بأساليب خاطئة.
البحر الأحمر، بشواطئه التي شهدت ميلاد الحضارات، يشهد اليوم ميلاد عصر استراتيجي جديد: عصر حرب الاستنزاف المبتكرة، عصر تفكيك الهيمنة عبر ألف جرح صغير، عصر كتابة الفصول الجديدة في كتب الإستراتيجية العسكرية ليس من قبل الأكاديميات العسكرية الكبرى، بل من قبل المهمشين، المحاصرين، الذين لم يعد لديهم ما يخسرونه. وفي هذا العصر الجديد، قد تكون أعظم القوى هي الأكثر عرضةً، لأن ثقل تاريخ انتصاراتها قد يعميها عن رؤية قواعد اللعبة الجديدة التي يكتبها، قطرة قطرة، أولئك الذين قرروا أن ينزفوا القوة العظمى حتى آخر قطرة من صبرها ومواردها وشرعيتها.
………..
الفصل الثالث
الفصل الثالث: شرق المتوسط… حزب الله ومعادلة الردع الجديدة
الجزء الأول: الجغرافيا التي تصنع التاريخ، والتاريخ الذي يعيد صناعة الجغرافيا
المتوسط الشرقي: بحر الذاكرة والنار - مختبر التاريخ الحي
هنا، عند خط التقاء القارات الثلاث، حيث تلتحم إفريقيا بآسيا وتتلامس أوروبا مع الشرق، ينبض قلب العالم القديم ولا يزال. هنا، حيث اشتبكت الحضارات منذ فجر الوعي الإنساني، صاغت الجغرافيا مصائر الشعوب، وصاغت الشعوب بدورها جغرافيا جديدة بدمائها وأحلامها. مرّ من هنا الفينيقيون، هؤلاء البحارة العظام الذين اخترعوا الأبجدية وجابوا المتوسط قبل أن يكون للتاريخ كُتاب. سار الفراعنة شمالاً وجنوباً، يحملون ذهب النوبة وخشب لبنان. حفر الرومان موانئهم، وشيد البيزنطيون كنائسهم، وحمل الصليبيون صلبانهم، ورفع العثمانيون أعلام الهلال على حصون كانت تحمل صلباناً من قبل. ثم جاء الاستعمار الحديث، بأقلام دبلوماسييه ومساطر مهندسيه، ليرسم على الخرائط حدوداً مستقيمة كأنها طعنات سيف، على أراضٍ لا تعرف سوى منحنيات الجبال واعوجاج الأنهار.
شرق المتوسط ليس موقعاً جغرافياً فحسب، بل هو مختبر التاريخ الحي، حيث تختبر الأمم قواها، وتتصارع المشاريع، وتتكدس الذكريات كطبقات جيولوجية. كل حبة رمل على شواطئ صور وصيدا تحمل بصمة فينيقي. كل موجة تضرب أسوار عكا تحمل صدى معركة بين صلاح الدين والافرنجة . كل نسيم يمر فوق جبال لبنان يحمل همس لغة آرامية اندثرت، وأخرى عربية ولدت من رحمها. هذا البحر، الذي سماه الرومان "مار نوسطرم" (بحرنا)، وسماه العرب "بحر الشام"، هو سجل مفتوح، كل صفحة منه مكتوبة بدم وجماجم وإمبراطوريات.
وفي قلب هذه الجغرافيا الحارقة، عند نقطة الالتهاب الدائمة، تقف لبنان: البلد الذي لا يكبر رغم قدمه، البلد الذي يختبر كل تجارب التاريخ دفعة واحدة - الطائفية والديمقراطية والحرب الأهلية والنهوض والانهيار. من هنا، من هذه الأرض الجبلية التي تعتقد القوى العظمى أنها يمكن أن تتحكم بمصيرها كما تتحكم بلعبة شطرنج، يولد تحدٍّ جديد، غير متوقع، لمعادلات القوة العالمية. من بين أنقاض الحرب الأهلية ومن تحت رماد الاحتلال الإسرائيلي، ينهض كيان يعيد تعريف القوة نفسها.
حزب الله: من مليشيا محلية إلى لاعب إقليمي - مسار التحول المذهل
لنتتبع المسار غير العادي، هذا الصعود الذي يشبه الخيال لو لم يكن واقعاً ملموساً:
1982: الغزو الإسرائيلي للبنان. الدبابات تجتاز الحدود، الطائرات تحلق في سماء بيروت، الجيش الأقوى في المنطقة يظن أنه يدخل لبنان كسائح يدخل متحفاً. من رحم هذا الغزو، تخرج مجموعة صغيرة من المقاومين، لا يتجاوزون المئات، معظمهم من الشباب الشيعي الذين رأوا قراهم تدمر وأهلهم يُشرَّدون. أسماؤهم غير معروفة خارج دوائرهم الضيقة. أسلحتهم بسيطة: بنادق كلاشنكوف، قذائف آر بي جي بدائية، عبوات ناسفة بدائية الصنع. خريطة عملياتهم لا تتعدى بضع قرى في جبل عامل، جنوب لبنان. النظرة الدولية إليهم: "مليشيا طائفية صغيرة"، ظاهرة مؤقتة سيزول خطرها بانتهاء الاحتلال.
2000: بعد ثمانية عشر عاماً، يحدث ما كان يُعتبر مستحيلاً. حزب الله، الذي نما وتطور في الظل، يُجبر إسرائيل على الانسحاب من جنوب لبنان دون قيد أو شرط. ليس تفاوضاً، ليس اتفاقاً، بل انسحاباً أحادي الجانب تحت وطأة الضربات المتواصلة. إنها أول هزيمة عسكرية لإسرائيل في تاريخها. الجنرالات الإسرائيليون الذين دخلوا بيروت منتصرين في 1982، يخرجون مهزومين في 2000. لحظة تاريخية يُعيد فيها المهمش، المُحتقر، كتابة قواعد اللعبة. العالم يفتح عينيه على ظاهرة جديدة: قوة غير دولة تهزم دولة نووية.
2006: حرب الـ 33 يوماً. إسرائيل، بأعتى جيوش المنطقة، تسعى لـ"اقتلاع" حزب الله بعد عملية أسر جنود. النتيجة؟ فشل ذريع. إسرائيل لا تهزم حزب الله، بل تخرج من الحرب وهي تراوح مكانها. حزب الله يظهر كقوة ردع حقيقية، قادر على إطلاق أكثر من 4,000 صاروخ على العمق الإسرائيلي، حتى حيفا وتل أبيب. يثبت أن لديه جيشاً منظماً، أنفاقاً متطورة، منظومة قيادة وسيطرة تتحمل الضربات. هيئة الأركان الإسرائيلية تعترف لاحقاً أن الحرب كشفت عن "فجوة استراتيجية" في التفكير العسكري الإسرائيلي.
2024: المشهد يتحول جذرياً. حزب الله يمتلك ترسانة تضاهي ترسانات دول متوسطة القوة: عشرات الآلاف من الصواريخ، من القصيرة المدى إلى التي تصل 250 كم، صواريخ دقيقة التوجيه، مسيرات قتالية، أنظمة دفاع جوي، قدرات سيبرانية. خريطة نفوذه تمتد من البحر المتوسط إلى الخليج عبر شبكة من التحالفات مع إيران، سوريا، الحوثيين، فصائل عراقية، حماس. قدرته على الردع أصبحت عاملاً استراتيجياً يغير حسابات كل القوى الكبرى في المنطقة: إسرائيل تفكر ألف مرة قبل ضربه، أمريكا تحسب كلفة المواجهة، الدول العربية تعدل سياساتها. من مليشيا محلية إلى لاعب إقليمي يصنع التاريخ بدلاً من أن يكون ضحيته.
الجزء الثاني: تشريح ظاهرة حزب الله: المكونات الثلاثة للقوة غير التقليدية
المكون الأول: العقيدة القتالية كفن وجودي - عندما يصبح الإيمان سلاحاً
حزب الله لم يبنِ جيشاً تقليدياً بمعنى الكلمة. لم يقلد النموذج الغربي أو الشرقي. بل اخترع نموذجاً هجيناً جديداً، يجمع بين عناصر تبدو متناقضة لكنها تتكامل بشكل عضوي:
أولاً: العمق العقائدي - المقاتل كفيلسوف مسلح المقاتل في حزب الله لا يحمل سلاحاً فقط، بل يحمل قناعة وجودية عميقة. هذه ليست معركة على أرض أو حدود، بل هي معركة على معنى الوجود، على هوية، على كرامة مهدورة. العقيدة الشيعية السياسية المتمثلة في "ولاية الفقيه" تمنحه إطاراً فقهياً، لكن الإحساس بالمظلومية التاريخية للمذهب والشعب يمنحه وقوداً عاطفياً. الجندي هنا لا يدافع عن تراب فحسب، بل عن سردية كبرى تبدأ بكربلاء الإمام الحسين وتصل إلى مقاومة الاحتلال الصهيوني. هذا المزيج يجعل الجندي مستعداً للتضحية بدرجة لا يفهمها الجندي في الجيوش النظامية، الذي قد يحارب من أجل راتب أو وطنية مجردة. الموت هنا ليس نهاية، بل هو عبور إلى مرتبة أعلى، هو شهادة تحمل قيمة أبدية. هذا العمق النفسي-العقائدي هو ما يجعل الانضباط ذاتياً، والتفاني طوعياً، والاستعداد للتضحية غير مشروط.
ثانياً: المرونة التنظيمية - الشبكة العصبية الحية حزب الله ليس بيروقراطية عسكرية ضخمة ذات تسلسل هرمي صارم. إنه أقرب إلى شبكة عصبية حية، أشبه بدماغ بشري: خلايا (خلايا قتالية، وحدات، ألوية) متصلة بشبكة اتصالات قوية، لكنها قادرة على العمل بشكل شبه مستقل إذا انقطع الاتصال المركزي. كل خلية تعرف مهمتها، وتتحرك وفق عقيدة قتالية موحدة، لكن لديها هامش للمبادرة. هذه المرحلة تمنحه قدرة هائلة على الصمود. ضربة مركزية للقيادة لا تشل الحركة، لأن الخلايا تستطيع الاستمرار. وهي تسمح بالتكيف السريع مع تكتيكات العدو: إذا غير العدو أسلوبه، يمكن للخلايا في الميدان أن تتكيف دون انتظار أوامر من قيادة بعيدة. إنها منظمة تتعلم من أسفل إلى أعلى كما تتعلم من أعلى إلى أسفل.
ثالثاً: الاندماج المجتمعي - تفكيك الفصل بين العسكري والمدني هذا هو أكثر المكونات إرباكاً للعدو التقليدي. الجندي في حزب الله هو أيضاً طبيب في مستشفى، معلم في مدرسة، مهندس في بلدية، رجل أعمال في شركة، ناشط في جمعية خيرية. الحزب ليس كياناً عسكرياً منعزلاً، بل هو نسيج اجتماعي كامل منغرس في عمق المجتمع الشيعي في لبنان (وإلى حد ما، في مجتمعات أخرى). هذا الاندماج يجعل من المستحيل فصل "العنصر العسكري" عن "العنصر المدني" كما تفعل الجيوش التقليدية في حروبها. كيف تقصف "هدفاً عسكرياً" إذا كان مقر القيادة تحت مستشفى؟ كيف تعتقل "مقاتلاً" إذا كان يعمل نهاراً كصيدلاني ويحمل سلاحه ليلاً؟ هذا النموذج يتحدى كل مفاهيم الحرب التقليدية والقوانين الدولية للصراع المسلح، التي تفترض فصلاً واضحاً بين المقاتلين والمدنيين. وهو يخلق لبناناً موازياً داخل لبنان الرسمي، دولة داخل الدولة، ذات خدماتها وأجهزتها وولاءاتها.
المكون الثاني: الابتكار التكتيكي كفلسفة حرب - التطور العضوي
لنلاحظ كيف تطورت أدوات حزب الله، ليس كمجرد تراكم كمي، بل كتطور نوعي يعكس فلسفة عسكرية متطورة:
المرحلة الأولى (1982-2000): حرب العصابات الكلاسيكية مع بصمة محلية كان التركيز على المباغتة والاختفاء. كمائن لدبابات العدو، عبوات ناسفة على طرق دورياته، عمليات استطلاع خلف الخطوط. الأسلحة كانت بسيطة ومعتمدة على السرعة والمفاجأة. لكن حتى هنا، ظهرت البصمة الإبداعية: تطوير عبوات ناسفة محسنة (IEDs) قبل أن تصبح رائجة في العراق وأفغانستان، استخدام التضاريس الجبلية بشكل ممتاز، بناء مخابئ صغيرة لكن فعالة. لقد تعلم من فيتنام وجزائر، لكنه طبع الدروس بطابعه المحلي.
المرحلة الثانية (2000-2006): التحول النوعي نحو القوة النظامية غير التقليدية بعد الانسحاب الإسرائيلي، بدأ التحول. لم يعد مجرد مليشيا، بل قوة شبه نظامية. قام بـ:
· تطوير صواريخ كاتيوشا محسنة، تزيد مداها ودقتها. · بناء شبكة أنفاق متطورة تحت قرى الجنوب، تشمل غرف قيادة، مستودعات، مستشفيات ميدانية، خطوط اتصال. · استخدام أجهزة اتصال مشفرة متطورة، تجعل التنصت صعباً. · تطوير جهاز استخبارات دقيق، يعتمد على عملاء داخل إسرائيل وعلى مراقبة إلكترونية. الحرب في 2006 كانت اختباراً لهذا التحول، وقد نجح في الاختبار بشكل مذهل.
المرحلة الثالثة (2006-الآن): الثورة التكنولوجية والتخصص هذه هي مرحلة الدخول إلى عصر الحرب الحديثة بكل أبعاده:
· مسيرات قتالية واستطلاع: تحول من مستخدم بسيط إلى مطور وقادر على إنتاج محلي. · صواريخ موجهة بدقة: من صواريخ "أرض-أرض" عشوائية إلى صواريخ يمكنها إصابة أهداف محددة (مثل صواريخ كورنيت المضادة للدروع، وصواريخ فالج الموجهة). · أنظمة تشويش إلكتروني: لقدرة على تعطيل اتصالات العدو وتوجيه أسلحته. · قدرات سيبرانية: هجمات إلكترونية على البنية التحتية الحيوية للعدو. · صواريخ مضادة للسفن: كصواريخ ياخونت، التي تهدد السفن الحربية في المتوسط.
لكن الابتكار الحقيقي ليس في الأسلحة بحد ذاتها، بل في فلسفة استخدامها الاستراتيجي. حزب الله لا يسعى للسيطرة على أراضي بالمعنى التقليدي. هو لا يريد احتلال تل أبيب. فلسفته هي: تغيير معادلات الردع. كل سلاح، كل قدرة، مصممة ليس لهزيمة العدو عسكرياً في معركة حاسمة (وهو ما يعرف أنه صعب)، بل لـ رفع كلفة المواجهة إلى درجة غير محتملة بالنسبة للعدو. جعل الحرب على لبنان كلفتها تفوق أي فائدة متوقعة لإسرائيل أو لأي قوة أخرى. إنه يطبق مبدأ "الإنزال المتكافئ للألم"، بل ويتجاوزه إلى "الإنزال الأكبر للألم" على من هو أقوى منه تقنياً واقتصادياً.
المكون الثالث: البعد الجيوسياسي كرؤية استراتيجية - من المحلية إلى الإقليمية
حزب الله يفهم شيئاً أساسياً يغيب عن كثير من التحليلات الغربية: في الشرق الأوسط، الحدود السياسية المرسومة على الخرائط هي وهم، أو على الأفضل، هي قشرة رقيقة. الحدود الحقيقية هي حدود النفوذ، حدود الولاءات المذهبية والعرقية، حدود المشاريع السياسية الكبرى. لذلك، لم ينظر الحزب إلى نفسه ككيان لبناني محض، بل كـ عقدة في شبكة مقاومة إقليمية، جزء من محور يضم قوى مختلفة، هدفها تحدي الهيمنة الأمريكية والإسرائيلية في المنطقة.
من هنا، بنى حزب الله تحالفاته على أساس محاور المصلحة الاستراتيجية أكثر من محاور الأيديولوجيا الصرفة:
مع إيران: التحالف الاستراتيجي العضوي هذه ليست علاقة عميل-راعٍ بالمعنى التقليدي. إنها شراكة استراتيجية عميقة تقوم على تقاطع مصالح وجودي. إيران تجد في حزب الله ذراعاً استراتيجياً متقدماً على حدود إسرائيل، وسداً منيعاً ضد الاختراق الغربي للبنان. وحزب الله يجد في إيران منبعاً للتزود بالعقيدة، والتدريب، والتمويل، والأسلحة المتطورة، وحامياً دبلوماسياً في المحافل الدولية. التبادل هنا ثنائي الاتجاه: إيران تمنح الموارد، حزب الله يمنح القدرة التنفيذية والانتشار الشعبي. إنه تحالف نادر يجمع بين العمق الأيديولوجي (ولاية الفقيه) والحس البراغماتي.
مع سوريا: من التحالف الأيديولوجي إلى تحالف المصلحة قبل 2011، كانت العلاقة مع نظام الأسد تقوم على تحالف في مواجهة إسرائيل ومشروع المقاومة. بعد 2011 واندلاع الحرب السورية، تحولت إلى تحالف مصلحي وجودي. حزب الله دخل إلى سوريا ليس فقط لدعم حليف، بل لحماية خطوط إمداده مع إيران، ولمنع سقوط نظام يشكل عمقاً استراتيجياً له، ولقتال تنظيمات سلفية جهادية تعتبره عدواً عقائدياً (مثل جبهة النصرة وداعش). في سوريا، تحول حزب الله من قوة محلية إلى قوة إقليمية قادرة على خوض حرب عبر الحدود، واكتسب خبرة قتالية هائلة في الحرب النظامية وشبه النظامية.
مع حماس والجهاد الإسلامي: التحالف التكتيكي المرن هذه علاقة أكثر تعقيداً. هناك تقاطع في الهدف (مقاومة إسرائيل) ولكن اختلاف في المذهب (سني مقابل شيعي) وفي الرؤية السياسية. العلاقة مع حماس شهدت توترات (خصوصاً حول الموقف من الحرب السورية) ولكنها تبقى تحالفاً تكتيكياً مرناً. في فترات المواجهة مع إسرائيل (كالآن)، يتعاون الطرفان في تبادل المعلومات، والتنسيق (ولو غير المباشر)، وخلق جبهات متعددة لإرهاق إسرائيل. إنه تحالف براغماتي يعلو فوق الخلافات عندما تتطلب المصلحة.
مع الحوثيين في اليمن: تحالف عبر المسافات هذه العلاقة تجسد عولمة محور المقاومة. المسافة الجغرافية الهائلة (2000 كم) لم تمنع بناء تحالف عملي. حزب الله يقدم تدريباً، واستشارات عسكرية، وربما مساعدات تقنية للحوثيين. والحوثيون بدورهم يخلقون جبهة استنزاف بعيدة تُربك الخصوم المشتركين (السعودية، الإمارات، الولايات المتحدة). هذا التحالف يظهر أن حزب الله يفكر جيوسياسياً على مستوى المنطقة، وليس محلياً فقط.
هذه الشبكة المعقدة من التحالفات تجعل من حزب الله عقدة مركزية في شبكة إقليمية مقاومة. ضربه في لبنان لا يبقى حادثة محلية، بل يحدث ارتدادات عبر هذه الشبكة: رد في العراق، رد في اليمن، رد في سوريا، رد في فلسطين. إنه يجعل المواجهة معه مواجهة مع نظام إقليمي كامل، مما يرفع تكلفة الحرب عليه إلى مستويات فلكية، ويجعله لاعباً لا يمكن تجاهله في أي معادلة إقليمية. لقد تحول من مشكلة أمنية إسرائيلية إلى عامل جيوسياسي يقرع أبواب الاستراتيجية العالمية.
…..
الفصل الثالث: شرق المتوسط… حزب الله ومعادلة الردع الجديدة
الجزء الثالث: معادلة الردع الجديدة: كيف أعاد حزب الله كتابة القواعد
الردع التقليدي مقابل الردع الثوري: صراع الفلسفات
الردع في الفكر الاستراتيجي الكلاسيكي الغربي - من كلاوزفيتز إلى كيسنجر، من نظرية الألعاب إلى المدرسة الواقعية - يقوم على ثلاثة أعمدة كأنها أضلاع مثلث الحكمة العسكرية:
1. الوضوح (الشفافية الاستراتيجية): أن يعرف الخصم بالضبط، وبلا لبس، ما الذي ستواجهه إذا تجاوز الخط الأحمر. الخطوط الحمراء ترسم بدهان لا يمحى، والردود محددة سلفاً. العقيدة النووية السوفيتية والأمريكية خلال الحرب الباردة كانت نموذجاً لهذا الوضوح المرعب: "إذا ضربتنا نووياً، سندمركم". الوضوح يزيل مجال سوء الفهم، لكنه أيضاً يحدد سقف التصعيد مسبقاً.
2. المصداقية (إرادة الاستخدام): أن يصدق الخصم أنك تملك الإرادة السياسية والنفسية لاستخدام قوتك عندما يحين الوقت. المصداقية لا تُبنى بالكلام بل بالأفعال. الدفاع عن برلين الغربية خلال أزمة 1948، المواجهة في أزمة الصواريخ الكوبية 1962 - كلها لحظات بنت المصداقية. بدونها، التهديدات تصبح ورقة خالية من الحبر.
3. القدرة (القوة القاهرة): أن تملك القوة العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية الكافية لإلحاق ضرر غير محتمل، يفوق أي مكاسب قد يجنيها الخصم من عدوانه. الردع النووي هو أقصى تعبير عن هذه الفكرة: قدرة على تدمير الحضارة ذاتها.
إسرائيل، الدولة التي نشأت في حرب وتطورت في حروب، طبقت هذا النموذج الكلاسيكي ببراعة لعقود: الردع النووي الغامض (سياسة "الغموض النووي")، التفوق الجوي المطلق (القوات الجوية الإسرائيلية كأفضل قوة في المنطقة)، الجيش الأقوى من حيث التدريب والتكنولوجيا. كانت فلسفتها: "نحن الأقوى، وسنبقى الأقوى، وكل من يفكر في مهاجمتنا سيدفع ثمناً باهظاً".
حزب الله قدم نموذجاً ثورياً مختلفاً، نموذجاً لا ينفي هذه الأركان بل يعيد تشكيلها في قالب جديد:
أولاً: الردع عبر الغموض (الإستراتيجية السائلة) حزب الله قلب فكرة الوضوح رأساً على عقب. بدلاً من أن يقول: "إذا فعلت س، سأفعل ص"، يخلق غموضاً استراتيجياً يصبح بذاته سلاحاً. لا أحد يعرف بالضبط حجم ترسانته الصاروخية: التقديرات تتراوح بين 150,000 إلى 200,000 صاروخ، من أنواع وأجيال متعددة. لا أحد يعرف بالضبط قدراته السيبرانية: كم هجوماً يمكنه تنفيذه، وعلى أي عمق؟ لا أحد يعرف بالضبط امتداد وعمق شبكة الأنفاق تحت جنوب لبنان: هل تمتد لعشرات أم لمئات الكيلومترات؟ هل تحوي قواعد صواريخ، مستشفيات، مراكز قيادة؟
هذا الغموض ليس نقصاً في المعلومات، بل هو خيار استراتيجي متعمد. الغموض يخلق سحابة من التخمينات والمخاوف في عقل الخصم. كل سيناريو يبنيه مخطط إسرائيلي أو أمريكي يجب أن يأخذ في الاعتبار أسوأ الاحتمالات. التخطيط للحرب ضد حزب الله يصبح كمن يخطط لاقتحام غرفة مظلمة: لا تعرف أين الجدران، أين الفخاخ، أين العدو. هذا الغموض يرفع التكلفة النفسية للتخطيط العسكري إلى مستويات غير مسبوقة.
ثانياً: الردع عبر التدرج (حرب القطرة التي تنحت الصخر) حزب الله لا يهدد - في الغالب - بتدمير شامل وكارثي دفعة واحدة. تهديداته مختلفة: حرب استنزاف يومي، بطيء، منهك. ليس انفجاراً نووياً واحداً، بل ألف صاروخ في اليوم، كل يوم، لأشهر. ليس تدميراً كاملاً لمدينة، بل تعطيلاً متواصلاً للحياة الاقتصادية: كل صاروخ يرغم السكان على النزول إلى الملاجئ، يعطل العمل، يوقف المصانع، يخرب الروتين.
الحساب الاقتصادي هنا بسيط ومدمر: كل صاروخ كاتيوشا بسيط قد لا يقتل أحداً، لكنه يكلف الاقتصاد الإسرائيلي ملايين الشواكل من الإنتاج الضائع، التأمين، تعطيل المطارات والموانئ. الحرب ليست حدثاً تنتهي بنصر أو هزيمة، بل تصبح حالة وجود دائمة، نزيفاً مزمناً لا ينتهي. هذا الردع التدرجي يصيب الخصم بما يمكن تسميته "إرهاق القرار الاستراتيجي": متى تستخدم قوتك العظمى؟ في الرد على صاروخ واحد؟ على عشرة؟ على مئة؟ أين عتبة التصعيد؟ حزب الله يلغي فكرة "العتبة" ذاتها، ويحول الردع إلى عملية دائمة، لا إلى قرار لحظي.
ثالثاً: الردع عبر عدم التناظر (فلسفة "الخيار الرخيص") هنا يكمن جوهر الثورة. إسرائيل تملك طائرات إف-35، جوهرة التاج التكنولوجي الأمريكي، التي تكلف الواحدة منها 90 مليون دولار. هي آلة معجزة: خفية، سريعة، قادرة على ضرب أهداف بدقة سنتيمترية. حزب الله يملك مسيرات (درونز) محلية الصنع أو إيرانية، تكلف الواحدة منها بين 20,000 إلى 100,000 دولار - أقل من 1% من تكلفة الطائرة الإف-35.
لكن المعادلة ليست في التكلفة فقط، بل في الاستخدام والتهديد. الطائرة الإف-35 تحتاج إلى مدرج، وقواعد، وصيانة معقدة، وطيار مدرب لسنوات. المسيرة تحتاج إلى منصة إطلاق بسيطة، وفريق صغير، ويمكن إطلاقها بالمئات في هجمة واحدة. الطائرة الإف-35 تخشى الدفاعات الجوية المتطورة. المسيرة تتحدى هذه الدفاعات بصغر حجمها، وطيرانها المنخفض، وإمكانية إطلاقها في أسراب.
حزب الله يطبق مبدأ "الخيار الرخيص": لا نحتاج إلى مجاراة عدونا في تكلفة أسلحته، بل نحتاج إلى اختراع أسلحة تجبره على الدفاع بتكلفة باهظة ضد تهديد رخيص. إنها معادلة الاستنزاف المالي في أنقى صورها: أنت تنفق 90 مليون دولار لأجل طائرة، وأنا أنفق 90 ألف دولار لصنع مئة مسيرة تجبرك على إنفاق ملايين في محاولة إسقاطها.
حالة دراسية: تهديد حوض الغاز المتوسطي - الردع الاقتصادي كسلاح استراتيجي
لنأخذ مثالاً ملموساً يجسد عبقرية الردع الجديد: الغاز الطبيعي في شرق المتوسط. هذا ليس مجرد مورد طاقة، بل هو مشروع جيوسياسي كامل، حلم إسرائيلي-أوروبي بإعادة رسم خريطة الطاقة العالمية.
الخلفية: تحت مياه شرق المتوسط، تقبع احتياطيات هائلة من الغاز الطبيعي: حقل "ليفياثان" الإسرائيلي، "أفروديت" القبرصي، "ظهر" المصري، وآخرون. إسرائيل وقبرص واليونان ومصر (وفي فترات، لبنان والأردن) تخطط لإنشاء "ممر غاز شرق المتوسطي" لتصدير الغاز إلى أوروبا، خصوصاً بعد حرب أوكرانيا وانسحاب أوروبا من الاعتماد على الغاز الروسي. المشروع يضم خطوط أنابيب تحت البحر (مثل مشروع EastMed)، ومحطات تسييل، واتفاقيات بمليارات الدولارات. إنه ليس مجرد استثمار اقتصادي، بل هو أداة لتطبيع العلاقات بين إسرائيل والدول العربية والأوروبية، ووسيلة لنفوذ جيوسياسي، وضمانة للأمن الطاقي الأوروبي.
التهديد الحزب اللهي: في هذا المشهد، يعلن حزب الله بوضوح: "منصات الغاز الإسرائيلية في المتوسط هي أهداف مشروعة بالنسبة لنا". هذا التصريح ليس عسكرياً فحسب، بل هو ضربة في قلب المعادلة الاقتصادية-النفسية.
التهديد يعمل على ثلاث مستويات:
1. المستوى الاقتصادي المباشر: المستثمرون الدوليون (شركات النفط والغاز العملاقة مثل شيفرون، توتال، إيني) يترددون قبل ضخ مليارات الدولارات في مشاريع يمكن أن تتحول إلى أهداف. المخاطر السياسية ترتفع في حساباتهم. شركات التأمين البحرية ترفع أقساط التأمين بشكل كبير على السفن والمعدات العاملة في المنطقة. الجدوى الاقتصادية للمشروع تتأثر سلباً، وقد تصبح غير مجدية إذا ارتفعت تكاليف الحماية والتأمين بما يكفي.
2. المستوى النفسي-الاستراتيجي: الرسالة هي: "لن تستمتعوا بثمار السلام والاستقرار طالما نحن خارج المعادلة". حزب الله يخلق رابطاً ذهنياً في الوعي الجمعي الإسرائيلي والدولي: "الغاز = الخطر". كل منصة غاز تتحول من رمز للازدهار إلى هدف محتمل، من أداة للتنمية إلى نقطة ضعف استراتيجية. هذا يخلق ما يمكن تسميته "القلق الاستباقي": قلق دائم من هجوم قد لا يأتي أبداً، لكن احتمال وجوده كافٍ لتغيير السلوك.
3. المستوى الجيوسياسي: الدول الأوروبية التي تتطلع للغاز الإسرائيلي تجد نفسها في معضلة: إما أن تتعاون مع إسرائيل وتواجه خطر تعطيل إمدادات الغاز بسبب صراع مع حزب الله، أو تبحث عن مصادر بديلة. حزب الله، بقوة صواريخه المضادة للسفن (مثل صواريخ Yakhont الروسية التي يمتلكها)، يهدد سفن الحفر، منصات الإنتاج، وسفن نقل الغاز. إنه يضع يده على شريان الطاقة المستقبلي لإسرائيل وأوروبا.
عبقرية الردع الجديد تتجلى هنا: حزب الله لا يحتاج فعلياً لتدمير منصة غاز واحدة. يكفيه أن يجعل استثمار هذه المنصات محفوفاً بالمخاطر لدرجة تجعلها غير مجدية. الردع هنا يصبح "ردعاً اقتصادياً"، يستخدم التهديد العسكري لتغيير حسابات الربح والخسارة في السوق العالمي. إنه ينتقل من ساحة القتال العسكري إلى ساحة الاقتصاد السياسي العالمي، حيث قرارات المليارات تتأثر بتغريدة أو تصريح. لقد فهم أن في عصر العولمة، التهديد بالإضرار بالاستثمارات قد يكون أكثر فاعلية من تهديد المدن. إنه يضرب إسرائيل حيث هي أكثر حساسية في القرن الحادي والعشرين: في حسابها المصرفي الجيوسياسي.
اختراق الدفاعات الجوية: المسيرة التي وصلت إلى غرفة النوم - رمزية الضربة النفسية
أكتوبر 2023: حدث يبدو مأخوذاً من رواية خيال تكتيكي. مسيرة تابعة لحزب الله تخترق المجال الجوي الإسرائيلي المكهرب بالرادارات وأنظمة الدفاع، تطير مئات الكيلومترات، وتصل ليس فقط إلى تل أبيب، بل إلى مقر قيادة الجيش الإسرائيلي في قلب المدينة، وتستمر لتطير على بعد أمتار قليلة من غرفة نوم رئيس الوزراء الإسرائيلي في مقر إقامته الرسمي.
هذه الحادثة ليست مجرد عملية استطلاع أو هجوم فاشل. إنها حدث رمزي مدمر، زلزال استراتيجي في شكل مسيرة بلاستيكية ومعدنية. دعونا نحلل طبقات الرسالة:
1. "لا مكان آمن": تفكيك فكرة الملجأ الأخير إسرائيل، منذ تأسيسها، بنت فلسفتها الأمنية على فكرة "العمق الاستراتيجي" و"الملاذ الآمن". بعد حرب 1967 واحتلال مرتفعات الجولان والضفة الغربية وسيناء، شعرت أنها اكتسبت عمقاً. بعد اتفاقيات السلام مع مصر والأردن، شعرت بأمان نسبي. حتى داخل إسرائيل، تم إنشاء طبقات متعددة من الدفاع: القبة الحديدية للصواريخ القصيرة المدى، حيتس للصواريخ المتوسطة، أرو Arrow للصواريخ الباليستية، نظام الإنذار المبكر، والتشتيت الجغرافي للقواعد والمراكز الحساسة.
المسيرة التي وصلت إلى تل أبيب قالت بكلمات من صلب وفولاذ: "كل هذا لا يكفي". إذا استطاعت مسيرة بسيطة، ربما صنعت في ورشة تحت الأرض في الضاحية الجنوبية لبيروت، أن تصل إلى أقدس الأماكن أمنياً في الدولة العبرية، فما معنى كل هذه الدفاعات؟ ما قيمة كل هذه المليارات المنفقة؟ الرسالة تصل إلى كل إسرائيلي: "غرفة نومك ليست آمنة، مكتبك ليس آمناً، مقر قيادة جيشك ليس آمناً". إنها تفكيك لـ الطمأنينة الوجودية التي هي أساس الحياة الطبيعية في أي دولة.
2. "الدروع لا تجدي": أزمة الثقة في التكنولوجيا الفائقة إسرائيل دولة بنت هويتها، جزئياً، على التفوق التكنولوجي. صناعة الأمن السيبراني، أنظمة الدفاع الصاروخي، الطائرات بدون طيار - كلها صادرات وعلامات فخر قومي. القبة الحديدية (Iron Dome) أصبحت أيقونة عالمية، درعاً سحرياً يبدو أنه يحمي السماء.
المسيرة التي اخترقت كل هذا تقول: "هناك ثغرة في الدرع، وهذه الثغرة ليست في المعدن، بل في الفكرة". الأنظمة الدفاعية مصممة لصواريخ كبيرة، سريعة، ذات مسارات يمكن حسابها. المسيرة الصغيرة، البطيئة نسبياً، التي تطير على ارتفاع منخفض، تتحدى هذه المنطقيات. إنها تظهر أن التكنولوجيا الفائقة قد تغلبها البراعة البسيطة. مليارات الدولارات التي أنفقت على القبة الحديدية وأنظمة مشابهة لا تحمي من تهديد كلفته آلاف الدولارات. هذه هي معادلة الاستنزاف في أقصى تجلياتها النفسية: أن تشعر أن كل ما بنيته من تحصينات قد يجتازه عدو بمفتاح بسيط لم تفكر فيه.
3. "الردع مكسور": نهاية حسابات الأمان السابقة الجزء الأكثر تدميراً في الرسالة هو الرمزية السياسية. المسيرة لم تصل إلى موقع عسكري مهم فحسب، بل وصلت إلى بيت رئيس الحكومة. في الثقافة الاستراتيجية، هذا يعني: "نستطيع الوصول إليك شخصياً، في أقرب نقطة إلى جسدك، في مكان نومك حيث تكون في أشد حالاتك ضعفاً". إنه تهديد وجودي شخصي للقادة، وليس للدولة فقط.
هذا يخلق أزمة في حساب الردع. إذا كان حزب الله قادراً على هذا، فماذا عن صواريخه الأكثر تطوراً؟ ماذا عن قدراته الأخرى؟ سقف التهديد يرتفع إلى ما لا نهاية في خيال القادة الإسرائيليين. كل قرار عسكري ضد حزب الله يجب أن يأخذ في الاعتبار الآن: "هل سيرسلون مسيرة إلى غرفة نومي؟ هل سيستهدفون عائلتي؟". الردع ينتقل من المستوى الوطني إلى المستوى الشخصي-الوجودي للقادة أنفسهم.
4. "الحرب ليست حدثاً بل قدراً": تحويل الأمن من حالة إلى وهم الأهم من كل ذلك، هذه الضربة الرمزية تحول الأمن من حالة دائمة إلى وهم مؤقت. الحياة في إسرائيل، خاصة في المناطق البعيدة عن الحدود، كانت تعتمد على فكرة أن المركز آمن. الآن، المركز لم يعد مركزاً، لأنه قابل للاختراق. الحرب لم تعد شيئاً يحدث "هناك" في الشمال أو الجنوب، بل أصبحت شيئاً يمكن أن يحدث "هنا" في شارع ديزنغوف في تل أبيب.
حزب الله، بهذه الضربة وغيرها، لا يحاول كسب حرب تقليدية. بل يحاول تغيير نفسية المجتمع الإسرائيلي وجدوى مشروعه الصهيوني. إذا كانت الحياة في إسرائيل، حتى في أكثر مناطقها أمناً، مهددة بهذه السهولة، فما الذي يدفع اليهود للهجرة إليها؟ ما الذي يمنع اليهود الإسرائيليين من الهجرة منها؟ إنه يضرب في الشرعية العميقة للدولة: قدرتها على توفير الأمان كشرط أساسي للوجود.
المسيرة التي وصلت إلى غرفة نوم رئيس الوزراء لم تكن حدثاً عسكرياً، بل كانت بياناً فلسفياً مبطناً بالحديد. بيان يقول: "عصر الحصانة انتهى. عصر اليقين الأمني ولى. نحن هنا، ونستطيع الوصول إلى أي مكان، وإذا أردنا، في الوقت الذي نريد". إنها لحظة "بزوغ الوعي الاستراتيجي الجديد"، حيث يدرك الطرف الأقوى أنه لم يعد قادراً على حماية قدس أقداسه، وأن القواعد قد تغيرت إلى الأبد.
…..
الفصل الثالث: شرق المتوسط… حزب الله ومعادلة الردع الجديدة
الجزء الرابع: التداعيات الإستراتيجية: أمريكا أمام معضلة وجودية
الحلفاء الذين أصبحوا عبئاً: أزمة التحالف في عصر الاستنزاف
العلاقة الأمريكية-الإسرائيلية، ذلك التحالف الذي ظل لعقود يُوصف بـ"أصلب الحلف" في الشرق الأوسط، والذي تجاوز مجرد المصالح ليصير جزءاً من الهوية السياسية والثقافية لنخبتي البلدين، تواجه اليوم اختباراً وجودياً يشبه عملية تشريح لجثة ما زالت على قيد الحياة. فما كان يُنظر إليه على أنه علاقة تكاملية - تقدم فيها واشنطن الحماية والتكنولوجيا والعزاء الدبلوماسي، وتقدم فيها تل أبيب الذراع الإستراتيجي المتقدم والمختبر العسكري والمعلّم الأمني - يتحول تدريجياً إلى معادلة استنزاف.
إسرائيل لم تعد ذلك "الأصل" المتين في الحلف، بل أصبحت في سياقات متعددة "الحلقة الأضعف" التي تهدد بفكّ العقدة الإستراتيجية الأمريكية برمتها. والسبب ثلاثي الأبعاد:
1. الاستنزاف المالي والدبلوماسي: الحليف الذي يتحول إلى حفرة سوداء تستقبل إسرائيل 3.8 مليار دولار سنوياً كمساعدات عسكرية أمريكية ثابتة، بالإضافة إلى مليارات إضافية في حالات الطوارئ. هذا الرقم، بذاته، ليس مدمراً لميزانية عملاقة كميزانية البنتاغون. لكن الكلفة الحقيقية تكمن في الالتزام غير المحدود. كل حرب تخوضها إسرائيل، كل مواجهة مع حزب الله أو حماس، تتحول فوراً إلى التزام أمريكي: إعادة تعبئة المخزونات المستنفدة، الضغط الدبلوماسي لحماية إسرائيل في الأمم المتحدة، تقديم الغطاء السياسي الذي يسمح بالاستمرار في العمليات العسكرية. هذه ليست مساعدات، بل هي إعانات للحرب المستمرة. في عصر تتنافس فيه أمريكا مع الصين على سيادة التكنولوجيا وتعيد بناء بنيتها التحتية، يصبح كل دولار يُرسل لإسرائيل لحرب استنزاف ضد حزب الله دولاراً يُسحب من معركة القرن في المحيط الهادئ. إنها معضلة الأولويات المتصارعة: أيهما أهم، دعم حليف في صراع لا ينتهي، أم التركيز على منافس وجودي يهدد الهيمنة العالمية؟
2. الالتزامات الخطيرة: الحبل الذي قد يخنق أي مواجهة كبرى بين إسرائيل وحزب الله لم تعد شأناً إقليمياً. هي عبارة عن كماشة قد تجر أمريكا إلى حرب لا تريدها، في وقت لا تستطيع تحمله. دستور حزب الله يقول بأنه سيهاجم "المصالح الأمريكية في المنطقة" إذا تدخلت واشنطن بشكل مباشر ضدّه. هذا يعني أن قواعد أمريكية في قطر، البحرين، الكويت، وحتى حاملات الطائرات في المتوسط، قد تتحول إلى أهداف. أمريكا ستجد نفسها في مأزق: إما أن تتدخل وتخوض حرباً شاملة ضد شبكة إقليمية منتشرة في لبنان، سوريا، العراق، اليمن، وإما أن تتخلى عن حليفها الإستراتيجي في لحظة الحقيقة. كلا الخيارين مُرّ. إنه تحديد سلفاً لسيناريوهات كارثية، وهو ما يجعل صنّاع القرار في واشنطن يفكرون ألف مرة قبل منح إسرائيل الضوء الأخضر لمواجهة شاملة. الحليف الذي كان يُعتبر ضمانة للأمن الأمريكي، أصبح مصدر تهديد وجودي لأمن القوات الأمريكية في المنطقة.
3. ضرر المصالح الإقليمية: العائق الذي لا يتزحزح الصراع الإسرائيلي-الحزب اللهي ليس عائقاً أمام "عملية السلام" فحسب - وهي فكرة أصبحت شبه أثرية - بل هو عائق أمام مصالح أمريكية حيوية جديدة. أي تقارب أمريكي-إيراني محتمل، أي محاولة لاحتواء النفوذ الإيراني عبر التفاوض، تصطدم فوراً بـ حائط حزب الله. فكيف يمكن للولايات المتحدة أن تتفاوض مع إيران حول برنامجها النووي بينما إيران تستخدم حزب الله كبطاقة ضغط وتهدد حليف أمريكا الأول؟ كما أن هذا الصراع يعقد العلاقات مع دول عربية مثل السعودية والإمارات، التي قد تكون مستعدة للتطبيع مع إسرائيل، لكنها تخشى ردود الفعل الشعبية إذا انفجرت حرب جديدة في لبنان تسبب دماراً هائلاً ومجازر. حزب الله، بهذه الطريقة، يصبح حارساً غير مرغوب فيه للوضع القائم، يفرض تكاليف باهظة على أي محاولة لإعادة ترتيب المنطقة وفق الرؤية الأمريكية. الحليف الإسرائيلي، بدلاً من أن يكون جسراً للمصالح الأمريكية، أصبح حصاة في حذائها، تُعيق سيرها في كل اتجاه.
دروس للمنافسين: كيف تتعلم الصين وروسيا من حزب الله - الأكاديمية الميدانية العظمى
ما يحدث في جنوب لبنان والجليل ليس مجرد صراع محلي. إنه مدرج اختبار مفتوح، مسرح عمليات حقيقي، تعرض فيه أحدث نظريات الحرب غير المتماثلة. والمشاهدون ليسوا مراقبين عاديين، بل هم المنافسون الاستراتيجيون لواشنطن: الصين وروسيا. كل قصف، كل اختراق، كل مناورة، تُحلل بدقة في غرف العمليات في بكين وموسكو، حيث يتم استخلاص دروس قد تُشكل حروب المستقبل.
الصين تراقب بعناية جراحية: فن تحويل التكنولوجيا المتواضعة إلى قوة غير متوازنة المحللون الاستراتيجيون في الأكاديميات العسكرية الصينية لا ينظرون إلى حزب الله كـ "مليشيا إرهابية"، بل كـ ظاهرة عسكرية-سياسية فريدة. هم يدرسون:
· تحويل الأدوات البسيطة: كيف حوّل حزب الله المسيرات التجارية الرخيصة إلى أسراب انتحارية، وكيف طوّر صواريخ بالستية في ورش تحت الأرض. هذا يقدم نموذجاً للصين في كيفية تعميم التكنولوجيا وجعلها في متناول حلفائها، وكيف يمكن لـ "الحرب الشعبية" أن تتخذ شكلاً رقمياً حديثاً. · خلق ردع فعال بدون التفوق التقليدي: الصين، رغم قوتها الهائلة، لا تزال تتخلف عن الولايات المتحدة في بعض المجالات التقليدية (كعدد حاملات الطائرات). حزب الله يظهر أن الردع يمكن بناؤه عبر نقاط قوة غير متوقعة - كثرّة الصواريخ، الأنفاق، الإرادة. هذا يعزز العقيدة الصينية القائمة على الإنكار المنطقي للوصول (A2/AD) لمنع القوات الأمريكية من الاقتراب من سواحلها. · الغموض كسلاح: الغموض المحيط بترسانة حزب الله وقدراته يعجّل من عملية اتخاذ القرار لدى الخصم. الصين تتبنى هذا النهج عبر الغموض الاستراتيجي حول قدراتها الحقيقية في مجال الأسلحة المستقلة (AI) والحرب السيبرانية والفضائية، مما يخلق حالة من التردد والخوف في صفوف الخصم.
روسيا تدرس باهتمام: فن الصمود وبناء الدولة الموازية لروسيا، التي تخوض حرب استنزاف في أوكرانيا وتواجه عقوبات غربية خانقة، دروس أكثر عملية مباشرة:
· الحفاظ على التماسك تحت الحصار: كيف يحافظ حزب الله على ولاء مجتمعه، ويوفر خدمات بديلة (صحة، تعليم، إغاثة) في ظل حصار اقتصادي وسياسي؟ هذا مباشر بالنسبة لروسيا التي تسعى لتحصين اقتصادها ومجتمعها ضد ضغوط الغرب. · بناء تحالفات مرنة: تحالفات حزب الله مع إيران، سوريا، الحوثيين، ليست تحالفات أيديولوجية جامدة، بل شبكة مصالح مرنة. روسيا، التي تبني تحالفات مع دول متناقضة (إيران وتركيا، الصين والهند)، تدرس هذا النموذج للتعامل مع شركاء متباينين في إطار مشروع مضاد للهيمنة الغربية. · تحويل الأرض إلى قلعة: قدرة حزب الله على تحويل قرى جنوب لبنان إلى مختبرات دفاعية تحت الأرض، حيث كل منزل قد يكون مدخلاً لنفق، كل بستان قد يكون موقع إطلاق، هي درس مباشر لروسيا في كيفية تحويل الأراضي المحررة في شرق أوكرانيا إلى مناطق محصنة يصعب استعادتها.
حزب الله لم يعد مجرد موضوع في تقارير الاستخبارات. إنه نموذج دراسي في الأكاديميات العسكرية العالمية، ولكن ليس كـ "عدو يجب هزيمته" فحسب، بل كـ ظاهرة يجب فهمها واستيعابها. إنه يُظهر أن قواعد الحرب تتغير، وأن التفوق التكنولوجي المطلق لا يضمن النصر إذا وُظِّف في إطار استراتيجي خاطئ. بالنسبة للصين وروسيا، حزب الله هو برهان حي على أن شبكات القوة غير الحكومية يمكن أن تربك أعتى الدول وتستنزفها، وهو نموذج يمكن تصديره أو محاكاته في ساحات أخرى حول العالم.
مستقبل الردع: عصر القوى الهجينة ونهاية احتكار العنف
حزب الله ليس شذوذاً تاريخياً عابراً، ولا طفرة جيوسياسية ستنتهي بزوال قادته. إنه النموذج الأولي الرائد، النموذج الأكثر تطوراً حتى الآن، لعصر القوى الهجينة الذي نعيش بداياته. عصرٌ تذوب فيه الفواصل التقليدية، وتتشكل فيه أشكال جديدة من السلطة، أشبه بسوائل تتشكل حسب الإناء الذي توضع فيه.
في هذا العصر الهجين:
1. الدولة تفقد احتكارها للعنف المنظم: لم تعد الدولة، بحدودها وجيشها النظامي وبيروقراطيتها، الكيان الوحيد القادر على خوض حرب منظمة وطويلة. كيانات مثل حزب الله، داعش سابقاً، جماعات الجريمة المنظمة العابرة للحدود، تملك جيوشاً خاصة، أنظمة تمويل، قدرات لوجستية، ودوافع أيديولوجية تمكنها من خوض حروب تمتد لسنوات. العنف لم يعد حكراً على من يملك الاعتراف الدبلوماسي، بل أصبح سلعة متاحة لمن يملك الإرادة والتنظيم.
2. الحدود بين المدني والعسكري تختفي: في نموذج حزب الله، الجندي هو طبيب، المهندس هو مخابراتي، المدرسة قد تكون غطاءً لمستودع أسلحة. هذه الازدواجية الوظيفية تحول المجتمع كله إلى ساحة معركة محتملة، وتجعل من استهداف "الأهداف العسكرية" مهمة مستحيلة وفق التعريفات التقليدية للقانون الدولي. الحرب لم تعد نشاطاً منعزلاً عن الحياة اليومية، بل أصبحت نسيجاً مندمجاً في المجتمع.
3. الحرب تصبح شأناً مجتمعياً وليس مؤسسياً فقط: الجيوش النظامية تحارب من أجل الدولة. حزب الله يحارب من أجل مجتمع، هوية، فكرة. هذا يمنحه مصدراً لا ينضب من الشرعية والتجنيد. الحرب تتحول من صراع بين مؤسسات إلى صراع بين مشاريع وجودية. الولاء هنا ليس للعلم أو الراتب، بل للقضية والجماعة. هذا يجعل الحرب أكثر ضراوة وأكثر استمرارية، لأنها تصبح جزءاً من الهوية الجماعية.
4. التكنولوجيا تمكن الأصغر من تحدي الأكبر: عصر المعلومات والاتصال الرخيص والتصنيع الموضعي (مثل الطابعات ثلاثية الأبعاد) يدمقرط القدرة على إلحاق الأذى. لم تعد الحاجة إلى مصانع عملاقة لإنتاج أسلحة فعالة. مسيرة مصنوعة في مرآب، صاروخ مجمّع من قطع متاحة، برنامج قرصنة مكتوب في غرفة نوم - كلها أدوات تمكّن جماعة صغيرة من تهديد دولة عظمى. ميزان القوة لم يعد يعتمد فقط على حجم الاقتصاد، بل على سرعة الابتكار والاستعداد للمجازفة.
في هذا العصر الهجين، الردع لم يعد مسألة حجم الترسانة أو عدد الرؤوس النووية. الردع أصبح مسألة نفسية-استراتيجية معقدة: هل يصدق الخصم أنك مستعد لتحمل الألم أكثر منه؟ هل يصدق أن ضررك له سيكون أكبر من فائدة انتصاره؟ حزب الله يردع إسرائيل ليس لأنه يملك قوة تدميرية مطلقة، بل لأنه أظهر استعداداً لتحمل دمار هائل دون أن يركع، وأظهر قدرة على إلحاق ألم يومي مستمر يجعل الحياة في إسرائيل جحيماً. الردع في عصر الهجنة هو ردع الصمود والاستمرارية، لا ردع الضربة القاضية.
الجزء الخامس: الخاتمة: من الهامش إلى المركز
حزب الله كمرآة لتغير العالم: انعكاسات تحول النظام الدولي
حزب الله، في جوهره، ليس مجرد منظمة لبنانية أو ظاهرة إقليمية. إنه مرآة عاكسة، بل ومكبّرة، لتحولات عميقة وجوهرية في النظام الدولي برمته. إذا أردنا فهم عالم ما بعد الحرب الباردة، عالم الصعود الصيني، وتفكك الهيمنة الأمريكية، وثورة التكنولوجيا، علينا أن ننظر إلى هذه المرآة اللبنانية.
إنه يعكس التحول من عدة زوايا:
من هيمنة القطب الواحد إلى تعددية القوى الصلبة والناعمة: بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، ساد وهم "نهاية التاريخ" وهيمنة النموذج الليبرالي بقيادة أمريكا. حزب الله، كجزء من محور مقاومة مدعوم من إيران وروسيا، يظهر أن النظام العالمي لم يعد أحادي القطبية. هناك قوى مناوئة، متمردة على النظام، تخلق مناطق نفوذ خاصة وتفرض قواعد لعب جديدة. إنه تعبير عن عودة التعددية القطبية، لكن بشكل فوضوي وغير مؤسسي.
من حروب الجيوش النظامية إلى حروب الشبكات والجماعات: الحروب الكلاسيكية بين دولتين تنتهي بمعاهدة سلام. حرب حزب الله مع إسرائيل هي حرب شبكة ضد دولة. الشبكة (حزب الله، حلفاؤه، مجتمعه الداعم) لا تملك عاصمة يمكن قصفها، ولا حكومة يمكن استسلامها. إنها كائن لامركزي، يصعب تحديد نقطة ضعفه القاتلة. هذا يعكس تحولاً عالمياً: ازدياد قوة الفاعلين من غير الدول (الجماعات المسلحة، شركات التقنية العملاقة، منظمات إجرامية عابرة للحدود) على حساب الدول التقليدية.
من الردع النووي إلى الردع الشعبي والإرادي: الردع في الحرب الباردة كان قائماً على تهديدات مادية هائلة: الدمار النووي المتبادل. حزب الله يقدم نموذج "الردع الشعبي" أو "الردع الإرادي". قوته لا تأتي من قنبلة ذرية، بل من استعداد شعبه ومقاتليه للتضحية بدرجة لا يطيقها المجتمع الإسرائيلي. إنه يردع عبر عدم الخوف من الموت، في مواجهة مجتمع يعلي من قيمة الفرد وحياته. هذا يعكس تحولاً في مصادر القوة: القوة الناعمة، والإرادة، والروح المعنوية تصبح عوامل حاسمة في عصر المعلومات.
من القوة الصلبة إلى القوة الذكية (Smart Power): حزب الله لا يعتمد على القوة العسكرية الخام فقط. فهو يمتلك قناة تلفزيونية (الميادين) مؤثرة، شبكة خدمات اجتماعية ضخمة، حضوراً سياسياً في البرلمان والحكومة، قدرة على التعبئة الشعبية. إنه يجمع بين القوة الصلبة (الصواريخ) والقوة الناعمة (الخدمات، الإعلام) في مزيج واحد، هو ما يُسمى في الأدبيات الغربية "القوة الذكية". إنه يفهم أن الحرب الحديثة هي حرب سرديات، وحرب شرعيات، وحرب خدمة، وليست فقط حرب شظايا ودماء.
ظاهرة حزب الله، إذن، لا يمكن فهمها بأدوات القرن العشرين وحدها: الجغرافيا السياسية، الميزان العسكري، الدبلوماسية الرسمية. فهي تحتاج إلى أدوات جديدة متعددة التخصصات: علم الاجتماع لفهم تماسك مجتمعه، الأنثروبولوجيا لفهم ثقافة المقاومة والتضحية، دراسات الثقافة لفك شيفرة خطابه الرمزي، علم النفس الجماعي لفهم ولاء أتباعه، الاقتصاد السياسي لفهم شبكة تمويله. إنه كائن معقد يتحدى التصنيفات البسيطة.
سؤال المستقبل: هل يمكن احتواء نموذج حزب الله؟ المعضلة الاستراتيجية الكبرى
هذا هو السؤال الذي يثقل كاهل صناع القرار في واشنطن، تل أبيب، الرياض، والقاهرة: ماذا نفعل بحزب الله؟ الإجابات التقليدية تبدو عاجزة.
هل يمكن هزيمة حزب الله عسكرياً؟ التجربة التاريخية حتى الآن، من 2006 إلى اليوم، تقول "لا"، أو على الأقل "لا بكلفة يمكن تحملها". الهزيمة العسكرية تعني اجتياح لبنان، تدمير شامل، حرب شوارع في كل قرية ومدينة، وخسائر بشرية ومادية لإسرائيل قد تصل إلى آلاف القتلى وانهيار اقتصادي. حتى لو تمكنت إسرائيل من تفكيك البنى العسكرية الظاهرة، يبقى النواة الصلبة، والذاكرة التنظيمية، والإرادة، التي ستسمح بإعادة البناء بعد سنوات قليلة، كما تفعل النبتة المعمرة بعد حريق الغابة.
هل يمكن تحجيمه أو احتواؤه سياسياً؟ هنا يدخل عامل الرؤية الذاتية لحزب الله، وهو الأمر الأكثر غموضاً. السؤال هو: ما هو حزب الله في العمق؟
· هل هو حركة مقاومة وطنية محدودة الأهداف (تحرير الأرض المحتلة، الرد على الاعتداءات)؟ في هذه الحالة، قد يكون الاحتواء ممكناً عبر ترسيم حدود واضحة للصراع. · هل هو مشروع لبناء "دولة داخل الدولة" شيعية في لبنان، تسعى للهيمنة الكاملة؟ هنا يكون الصراع وجودياً مع الدولة اللبنانية نفسها ومع المكونات الأخرى. · هل هو مجرد فرع من فروع "محور المقاومة" الإقليمي الذي تقوده إيران، وأداته في حرب الوكالة ضد إسرائيل وأمريكا؟ في هذه الحالة، مصيره مرتبط بالمصالح الإيرانية الأوسع وبتوازن القوى الإقليمي.
الواقع يشير إلى أنه مزيج من الثلاثة، مما يجعل الاحتواء السياسي مهمة شاقة. أي تفاوض معه يجب أن يجري على ثلاث طاولات في وقت واحد: طاولة لبنانية (دوره في الدولة)، طاولة إقليمية (علاقته بإيران وسوريا)، طاولة الصراع مع إسرائيل (قواعد الاشتباك). وهو وضع معقد يكاد يكون مستحيلاً.
العبرة التاريخية: عندما يكتب الهامش قواعد اللعبة - إعادة تعريف القوة
التاريخ يعلمنا أن التحولات الكبرى لا تأتي دائماً من المركز، بل غالباً من الهامش. من هم أول من استخدم الأقواس الطويلة بكفاءة عالية ضد الفرسان المدرّعين؟ ليس جيوش الإمبراطوريات، بل المقاتلون الويلزيون. من قلب موازين الحرب في فيتنام؟ ليس الجيش الفيتنامي النظامي في المعارك التقليدية، بل مقاتلو الفيتكونغ في حرب العصابات.
حزب الله فهم روح عصرنا، واغتنمها:
· عصر تفوق الإرادة على التكنولوجيا: لقد أظهر أن التصميم والاستعداد للتضحية يمكن أن يعوّضا التفوق التقني الهائل. · عصر قدرة الصغير على إرهاق الكبير: عبر حرب الاستنزاف اليومي، جعل من حياة عملاق إقليمي جحيماً مستمراً. · عصر تحول الحرب إلى فن: لم تعد الحرب مجرد صدام قوى، بل أصبحت فن إدارة التصورات، وتوجيه الرسائل، وكسر الإرادة.
في النهاية، حزب الله ليس مجرد مجدد لمعادلة الردع في الشرق الأوسط. إنه مجدّد لفكرة القوة نفسها في القرن الحادي والعشرين. فهو يذكرنا بأن القوة، في عالم مترابط ومعقد، لم تعد تقاس فقط بحجم الجيوش والدبابات، بل بقدرة الكيان على الصمود، على الابتكار تحت الضغط، على بناء ولاء لا يتزعزع، وعلى تحويل نقاط ضعفه الظاهرة إلى مصادر قوة خفية.
الدرس الأعمق والأخير: في عالم أصبحت فيه الشبكات (شبكات المعلومات، التحالفات، التمويل) أهم من التسلسلات الهرمية، وفي عالم أصبحت فيه المعاني والقيم محركات أقوى من الماديات الخام، يصبح من يملك الإرادة الواضحة ويتقن فن التكيف السريع أقوى بكثير ممن يملك ترسانة ضخمة لكنه يفتقد إلى المعنى الذي يدفع أتباعه للتضحية، وإلى المرونة التي تمكنه من تغيير قواعد اللعبة. حزب الله، من ورش تحت الأرض في الضاحية الجنوبية، يقدم أطروحة كاملة عن طبيعة السلطة في عالم متشابك وهش. والسؤال الذي يطرحه على العالم ليس "كيف نهزمه؟"، بل "ماذا نتعلم منه؟" عن مستقبل الصراع، والسيادة، والقوة ذاتها. إنه سؤال مزعج، لكن تجاهله هو الغطرسة التي تسبق السقوط دوماً.
…….
الفصل الرابع
الفصل الرابع: الخليج… إيران ولعبة الزمن الطويل
الجزء الأول: إيران - حضارة تعيد اختراع نفسها
فاتحة - أرض النار والأفكار: سيرة حضارة لا تنتهي
"أرض فارس" - هذا الاسم وحده ليس مجرد تسمية جغرافية، بل هو حقيبة ثقيلة من الذاكرة الكونية. إنه اسم يحمل في طياته صدى إمبراطوريات امتد ظلها، ذات يوم، من ضفاف نهر السند الخلاب إلى غابات النيل الخصيبة، من سهوب آسيا الوسطى الموحشة إلى الشواطئ الزرقاء للمتوسط. هنا، في هذا الهضاب القاسي الجميل، قامت أول إمبراطورية عرفتها البشرية بمعنى الدولة المنظمة ذات البيروقراطية والعملة الموحدة والطرق الملكية. قورش العظيم، الذي أعلن أول وثيقة لحقوق الإنسان على أسطوانة من الطين. داريوس، الذي نظم العالم المعروف في ولايات وجعل من اللغة الآرامية لغة الدبلوماسية العالمية.
لكن هذه الأرض لم تكن فقط بانية إمبراطوريات، بل كانت مصنعاً للأفكار التي غيّرت مسار الوعي البشري. هنا تحدث زرادشت عن الصراع الأبدي بين النور والظلمة، وأعطى العالم ثنائية أخلاقية ما تزال تُشكل الضمير الإنساني. هنا كتب الفردوسي "الشاهنامه" ليخلق من الأسطورة التاريخ ومن التاريخ ملحمة تخلق الأمة. هنا غنّى عمر الخيام رباعيات تشكك باليقين وتحتفي باللحظة الهاربة. وهام حافظ الشيرازي في بستان الغزل والصوفية، ليبين أن اللغة قد تكون أقوى من السيف.
اليوم، تجلس إيران الحديثة على نفس هذا العرش من التراب والذاكرة. تحمل نفس هذا العمق الحضاري الذي لا يُقاس بالعقود بل بالألفيات. لكنها تقدم نفسها بشكل مختلف، بلغة العصر: ليست إمبراطورية بالمعنى الكلاسيكي التوسعي، بل قوة حضارية مقاومة. ثورتها عام 1979 لم تكن مجرد تغيير نظام، بل كانت إعلان استقلال وجودي ضد قرن من المهانة. إيران ترفض أن تكون تابعة في نظام عالمي قائم على التراتبية، ترفض أن تقبل بالهيمنة كقدر جغرافي، ترفض أن تتنازل عن حقها التاريخي والحضاري في أن تكون فاعلاً مستقلاً، مبدعاً، صانعاً للقواعد وليس متلقياً لها.
إنها تقف في الزاوية التي أرادها النظام العالمي لها، لكنها حوّلت الزاوية إلى منصة. من هنا، من هذا الموقع الذي يريد الآخرون أن يكون هامشياً، تطلق إيران رؤية مضادة للهيمنة، وتجسد مفارقة القوة في القرن الحادي والعشرين: كيف يمكن لدولة محاصرة، تحت عقوبات خانقة، أن تصبح لاعباً مركزياً لا يمكن تجاوزه في أكثر مناطق العالم اشتعالاً؟
التاريخ كسلاح: دروس الألفيات الثلاث - ذاكرة الجينات الحضارية
إيران، بخلاف كثير من الدول الحديثة التي تبنى على أنقاض النسيان، تعاملت مع تاريخها الطويل ليس كـ"متحف" أو "تراث" فحسب، بل كـ مخزون استراتيجي حي، ككتاب تعليمات مفتوح. لقد تعلمت من صعود وسقوط إمبراطورياتها دروساً لم تتعلمها دولٌ ظهرت على الخريطة منذ عقود قليلة فقط.
الدرس الأول: من الإمبراطورية الأخمينية (550-330 ق.م.) - مؤسسات اللحم والدم تعلمت إيران أن الامتداد الجغرافي الهائل هشٌ كزجاج إذا لم يقم على أساس متين من المؤسسات القوية والولاء الطوعي للشعوب، لا الخوف من السيف. داريوس لم يكتفِ بغزو الأرض، بل بنى "الطريق الملكي" الذي يربط ساردس بشوشان، ونظاماً بريدياً متقدماً، وعملة موحدة (الداريك)، وأسس للإدارة عبر "المرزبان" (حكام الأقاليم). لكن الإمبراطورية سقطت عندما تحولت المؤسسات إلى قشرة فارغة، والولاء إلى خوف مؤقت. الدرس المستفاد: القوة الحقيقية هي في نظام يحيا في تفاصيل الحياة، لا في حدود مرسومة على رمال متحركة.
الدرس الثاني: من الغزو العربي الإسلامي (651 م) - فن البقاء في قلب التحول تعلمت إيران أن الهزيمة العسكرية لا تعني أبداً زوال الحضارة أو الذوبان. نعم، سقطت الإمبراطورية الساسانية، ودخل الفرس في الإسلام. لكنهم لم ينمحوا. بل قاموا بـ عملية استيعاب وتملك خلاقة. اللغة الفارسية احتفظت بحروفها وأضافت مصطلحات عربية. العقل الفارسي ساهم في صياغة الفلسفة الإسلامية (الفارابي، ابن سينا)، والشعر (رودكي، سعدي)، والعلوم. لقد حولوا الدين الجديد إلى وعاء لحضارتهم، لا مقبرة لها. الدرس: المرونة الثقافية والاستيعاب الذكي أقوى من المواجهة الصلبة. يمكنك أن تخسر المعركة وتكسب الحرب الحضارية.
الدرس الثالث: من الغزو المغولي (1220 م) - المقاومة كرد فعل طبيعي على القسوة عندما اجتاحت جحافل جنكيز خان ثم هولاكو إيران، أرتكبوا أحد أبشع عمليات التدمير في التاريخ. مكتبات أحرقت، مدن دمرت بالكامل، أنهار جفت من الدماء. لكن من بين هذا الرماد، نهضت إيران مرة أخرى. السلالات التي حكمت بعد المغول (مثل الصفويين) أعادت بناء الدولة، وأحيَت اللغة، وخلقت هوية شيعية مميزة أصبحت حجر الزاوية في إيران الحديثة. القسوة المغولية علمت إيران أن الظلم يولد مقاومة عميقة وجوفاء، كالنار تحت الرماد. وأن الأمة التي تملك جذوراً حضارية عميقة يمكنها الخروج من أي دمار، أقوى مما كانت.
الدرس الرابع: من الثورة الدستورية (1906) وانقلاب 1953 - السيادة: تُؤخذ ولا تُمنح في القرن العشرين، تلقّت إيران درسين قاسيين في المدرسة الاستعمارية الحديثة. الأول: في 1906، قامت ثورة دستورية تطالب بالحد من سلطة الملك وببرلمان. كانت لحظة أمل. لكن القوى الكبرى (بريطانيا وروسيا) عملت على تخريبها. الثاني والأقسى: في 1953، قامت وكالة الاستخبارات الأمريكية (CIA) والبريطانية (MI6) بانقلاب ضد رئيس الوزراء المنتخب محمد مصدق، بعدما أمم النفط الإيراني. لقد رأت إيران بأم عينيها كيف أن السيادة الوطنية حلم سريع الزوال إذا تعارض مع مصالح القوى العظمى. الدرس كان دموياً وواضحاً: لا أحد سيمنحك الاستقلال. يجب أن تأخذه، وتحميه بكل ما أوتيت من قوة، وأن تكون مستعداً لدفع الثمن. هذا الدرس هو الذي غذى شك الجمهورية الإسلامية العميق بالنوايا الغربية، وأسس لسياستها في "الاعتماد على الذات" والتصدي لما تسميه "الاستكبار العالمي".
الجزء الثاني: تشريح الإستراتيجية الإيرانية - فلسفة الزمن الطويل
الزمن كحليف إستراتيجي: صراع الساعة مع الألفية
في قلب فهم الإستراتيجية الإيرانية تكمن مفارقة زمنية هائلة، هي الفارق بين نظرة واشنطن ونظرة طهران للوقت نفسه. هذا ليس فارقاً في التكتيك، بل في الميتافيزيقا السياسية، في كيفية إدراك الزمن نفسه كساحة معركة.
في واشنطن، الزمن مجزأ، مسرع، مرتبط بدورات سياسية قصيرة:
· دورة الرئاسة: 4 سنوات، غالباً ما يقضي الرئيس السنة الأولى في التعلم والأخيرة في الاستعداد للانتخابات أو ترك إرث. السنتان الفعّالتان فقط هما للعمل. · الدورة الانتخابية للكونغرس: كل عامين لتجديد النواب، كل 6 سنوات لأعضاء مجلس الشيوخ. السياسة محكومة باستطلاعات الرأي وبالانتخابات القادمة. · الدورة المالية: تقارير أرباح الشركات كل ربع سنة، مما يخلق ضغوطاً لتحقيق نتائج فورية. · الدورة الإعلامية: أخبار على مدار 24 ساعة، "حدث يطوي حدثاً"، الرأي العام يتغير كالطقس.
هذا الزمن المُجزأ والسريع يخلق ثقافة الاستعجال والبحث عن حلول سريعة، عن "انتصارات" يمكن عرضها على الناخبين. وهو ما يجعل السياسة الأمريكية عرضة للردود الانفعالية، وللتغيرات المفاجئة في الأولويات.
في طهران، الزمن ممتد، بطيء، دورته حضارية:
· الدورة الدينية-الثورية: تستند إلى عقيدة الانتظار للمهدي المنتظر، مما يعطي بعداً زمنياً ممتداً إلى نهاية التاريخ. الصبر فضيلة استراتيجية. · الدورة التاريخية: التفكير بمكانة إيران بعد 50 أو 100 سنة، لا بعد 4 سنوات. التخطيط لأجيال قادمة. · الدورة الحضارية: الوعي بأن إيران كانت موجودة قبل أمريكا بآلاف السنين، وستكون موجودة بعدها. هذا يمنح ثقة وجودية بأن الزمن حليفها. · الدورة الجيوسياسية: مراقبة تحولات النظام العالمي، صعود الصين، تراجع الغرب النسبي، كعمليات بطيئة يمكن استغلالها.
هذا الفارق الزمني هو أقوى أسلحة إيران وأخطرها. وهو ما يجعلها تتحمل ما لا تتحمله واشنطن:
· العقوبات؟ "سنقاوم، وسيزول هذا النظام الظالم، ونحن باقون." منظور 20 سنة من المعاناة يصبح مقبولاً في سياق قرن من النهوض. · التهديدات العسكرية؟ "لقد هُددنا من قبل المغول والتيموريين، ومازلنا هنا." التهديد يمر، الحضارة تبقى. · الحروب بالوكالة والاستنزاف؟ "نحن مستعدون لاستنزافكم لعقود، بينما حماسكم للقتال سينفد مع تغير الإدارات." حرب الاستنزاف هي حرب زمنية في جوهرها، ومن يملك الصبر الأطول يربح.
إيران تلعب لعبة الزمن الطويل، وتجبر خصومها على اللعب على ساحتها الزمنية. وهي تعلم أن أعظم انتصار لها هو إجبار أمريكا على البقاء في الشرق الأوسط للأبد، في حالة حرب دائمة أو شبه دائمة، مستنزفةً مواردها، مشتتةً انتباهها عن منافسيها الرئيسيين (الصين). الزمن، بالنسبة لإيران، ليس عدوّاً بل مادة خام للاستراتيجية.
مبدأ "التكلفة غير المحتملة": هندسة الردع عبر الألم المتباين
إيران، بعقلية المحاصَر الواقعي، تدرك أن هزيمة الولايات المتحدة عسكرياً في مواجهة مباشرة هي مهمة مستحيلة، بل هي انتحار. الفارق في الميزانيات، التكنولوجيا، القوة الجوية والبحرية هو هائل. لذلك، لم تحاول أن تنافس أمريكا في لعبتها. بل غيرت قواعد اللعبة نفسها.
إستراتيجيتها لا تسعى لـ"الانتصار" بالمعنى الكلاسيكي، بل لتطبيق مبدأ "التكلفة غير المحتملة": جعل بقاء أمريكا وتدخلها في المنطقة مكلفاً من الناحية المادية والسياسية والنفسية إلى درجة تجعل التكلفة تفوق أي فائدة متوقعة. كيف تبني هذا المبدأ؟
1. خيارات متعددة ومتزامنة للرد: شبكة العنكبوت إذا قررت أمريكا أو إسرائيل ضرب هدف إيراني (نووي، عسكري)، فإن الرد الإيراني ليس بالضرورة مباشراً أو متماثلاً. إيران تملك شبكة من الخيارات المتعددة والمتزامنة التي تجعل الرد غير قابل للتوقع ومكلفاً في احتوائه:
· الخيار اليمني: عبر الحوثيين، إغلاق باب المندب، مهاجمة سفن، تعطيل التجارة العالمية. · الخيار اللبناني: عبر حزب الله، إطلاق وابل من عشرات الآلاف من الصواريخ على إسرائيل، استهداف منشآت النفط والغاز. · الخيار العراقي: عبر الميليشيات المسلحة، مهاجمة القواعد الأمريكية، استهداف السفارة. · الخيار الخليجي المباشر: عبر صواريخ كروز وباليستية، استهداف منشآت النفط في السعودية أو الإمارات، استهداف القواعد الأمريكية. · الخيار السيبراني: هجمات على البنية التحتية الحيوية.
الفكرة هي رفع التكلفة عبر التشتيت: تجبر الخصم على الدفاع عن عشرات النقاط في وقت واحد، في مسارح متباعدة، مما يستنزف موارده ويعقد عملية اتخاذ القرار.
2. التدرج في الرد: من الضغط الاقتصادي إلى الحرب الشاملة الرد ليس "كل شيء أو لا شيء". إيران تطورت في فن الرد المتدرج، الذي يمكن أن يبدأ في ساحات تبدو غير عسكرية:
· الرد الاقتصادي: عبر حلفائها، يمكنها التأثير على أسعار النفط، تعطيل خطوط الشحن، زعزعة الاستقرار في الأسواق المالية الخليجية. · الرد السياسي: تصعيد التوتر في المنطقة لجعل الاستثمارات خطرة، إجبار الدول العربية على اختيار جانب. · الرد النفسي: عبر الإعلام والدعاية، توجيه رسائل تهديد تؤثر على معنويات الخصم ورأيه العام. · ثم الرد العسكري المحدود: ضربات رمزية ولكن مؤلمة (كما في الهجوم على منشآت آرامكو 2019). · وأخيراً التصعيد الواسع.
هذا التدرج يحافظ على حبل التواصل ويمنح فرصاً لوقف التصعيد، لكنه يرسل رسالة واضرة: "نستطيع الوصول إليك بطرق لا تتوقعها، ويمكننا أن نرفع سقف الألم تدريجياً حتى لا تتحمل."
3. الرد عبر الإنكار: بناء "المكان المحظور" أكثر من الردع عبر العقاب، تعمل إيران على بناء قدرات إنكار تجعل أي هجوم عليها مكلفاً لدرجة لا تُحتمل. هذا يشمل:
· قدرات صاروخية باليستية تغطي المنطقة كلها، مخبأة في أنفاق ومتحركة. · أسطول زوارق سريعة وصواريخ كروز مضادة للسفن تجعل من الخليج "مقبرة للبوارج". · شبكات الدفاع الجوي التي تجعل أي غارة جوية محفوفة بخسائر. · قدرات سيبرانية وهجومية غير متماثلة.
الهدف هو إيصال رسالة إلى واشنطن وتل أبيب: "حتى لو انتصرتم عسكرياً، ستدفعون ثمناً يفوق أي قيمة لأي هدف. سنحول انتصاركم إلى جحيم، وسنحول المنطقة كلها إلى ساحة لن تخرجوا منها سالكين." إنها إستراتيجية جعل النصر غير ذي معنى بسبب فداحة ثمنه.
نظرية "العمق الإستراتيجي": تحويل نقاط الضعف إلى نفوذ
إيران تدرك نقاط ضعفها الجغرافية والديموغرافية بعمق. 90% من سكانها يعيشون على 30% فقط من مساحتها، متمركزين على الهضبة الإيرانية، بينما بقية البلاد صحراوية أو جبلية قليلة السكان. العاصمة طهران قريبة نسبياً من الحدود مع العراق وأذربيجان. هذا يجعلها عرضة لضربات سريعة وعميقة في حالة حرب تقليدية شاملة.
لكن بدلاً من الاستسلام لهذا الواقع، قامت إيران بقلبه. إذا كان عمقها الجغرافي الداخلي محدوداً، فسوف تبني عمقاً استراتيجياً خارج حدودها. لقد حوّلت الدول المجاورة الضعيفة أو المنقسمة إلى حزام أمني، ومناطق نفوذ، ومسارح عمليات بديلة. وهذا ما يمكن تسميته "نظرية العمق الاستراتيجي الإيراني"، التي تعمل على أربع محاور:
العمق الغربي: العراق، سوريا، لبنان - القلب النابض
· العراق: بعد الغزو الأمريكي 2003، عملت إيران على ملء الفراغ عبر دعم الأحزاب والميليشيات الشيعية، حتى أصبح لها تأثير حاسم في السياسة والأمن العراقي. العراق هو العمق الإستراتيجي الحيوي، يحمي الحدود الغربية، ويوصل إيران إلى سوريا. · سوريا: حليف إستراتيجي قديم. دعم النظام ضد الثورة حمى الجسر البري إلى حزب الله في لبنان والبحر المتوسط. · لبنان: عبر حزب الله، تمتلك إيران قوة ردع متقدمة على حدود إسرائيل، وذراعاً طويلاً قادراً على ضرب المصالح الأمريكية والإسرائيلية.
العمق الجنوبي: اليمن - السكين على الشريان
· عبر دعم الحوثيين، وضعت إيران خنجراً عند مضيق باب المندب، أحد شرايين التجارة والنفط العالمية. هذا يعطيها قدرة على الضغط على السعودية (خصمها الرئيسي) وتعطيل التجارة العالمية إذا لزم الأمر، مما يرفع من كلفة أي مواجهة معها.
العمق الشرقي: أفغانستان، باكستان - الحماية من الخلف
· في أفغانستان، تدعم إيران جماعات شيعية وتتعامل مع طالبان (ذات الأغلبية السنية) بشكل براغماتي لمنع استخدام أراضيها ضدها. · في باكستان، تحافظ على علاقات مع بعض الجماعات لضمان عمق استراتيجي وردع أي تهديد من الشرق.
العمق البحري: الخليج العربي، مضيق هرمز، البحر الأحمر - السيطرة على المياه
· تملك إيران قدرة حاسمة على إغلاق مضيق هرمز، حيث يمر 20% من النفط العالمي. هذه هي ورقة الضغط النووية في جيوسياسة الطاقة. · عبر الحوثيين، امتد نفوذها إلى البحر الأحمر، مما يخلق تحدياً على الجانب الآخر من العالم العربي.
هذا العمق الإستراتيجي يحقق لإيران أهدافاً جوهرية:
· يُبعد ساحة المعركة عن أراضيها: أي حرب ستُخاض في سوريا، لبنان، اليمن، العراق - لا في إيران. · يخلق مشاكل متعددة للخصوم: تجبر السعودية وإسرائيل وأمريكا على القتال على جبهات متعددة متباعدة، مستنزفةً مواردهم. · يعطيها نفوذاً لا يتناسب مع قوتها التقليدية: من خلال هذه الشبكة، تصبح إيران قوة إقليمية عظمى، قادرة على التأثير في أحداث على بعد آلاف الكيلومترات من حدودها. · يخلق واقعاً جديداً على الأرض: الوجود العسكري والسياسي يصبح أمراً واقعاً يجب على الجميع التعامل معه، مما يمنحها مقعداً على طاولة تقرير مصير المنطقة.
بهذه النظرية، حوّلت إيران نقاط ضعفها الجغرافية إلى مصادر قوة نفوذية. لقد فهمت أنه في القرن الحادي والعشرين، العمق ليس مسافة من العاصمة إلى الحدود، بل هو شبكة من الولاءات والقدرات والقواعد عبر المنطقة. وهذا بالضبط ما يجعلها خصماً صعباً ومعقداً: أنك لا تحارب دولة، بل تشابكاً إقليمياً كاملاً، هيكلاً عظمياً منتشراً في جسد جغرافي هش، يصعب ضربه دون تدمير الجسد نفسه.
الجزء الثالث: ترسانة الزمن الطويل - أدوات غير متماثلة
الصواريخ الباليستية: درع وسيف - هندسة القوة غير المتناظرة
في ترسانة إيران غير المتناظرة، تمثل الصواريخ الباليستية العمود الفقري، الدرع الواقي، والسيف البتار. إنها ليست مجرد أسلحة، بل هي تجسيد مادي للفلسفة الإستراتيجية الإيرانية: عدم التناظر، الردع عبر الإنكار، ورفع التكلفة. إنها السلاح الذي يحوّل ضعف إيران الجغرافي إلى مصدر قوة، ويجبر خصوماً متفوقين تقنياً على احترام خطوط حمراء.
التطور: من صواريخ الحرب العراقية إلى برنامج فضائي بدأ برنامج الصواريخ الإيراني في الثمانينيات، خلال الحرب مع العراق، كحاجة عاجلة للرد على قصف صواريخ سكود العراقية للمدن الإيرانية ("حرب المدن"). بدأ بصواريخ "سكود" مستوردة، ثم انتقل إلى التطوير المحلي عبر الهندسة العكسية. اليوم، تمتلك إيران واحدة من أكبر وأكثر ترسانات الصواريخ الباليستية تنوعاً في الشرق الأوسط، تشمل:
· صواريخ قصيرة المدى: مثل فاتح 110 (300 كم)، شديدة الدقة، كلفة إنتاجها منخفضة. · صواريخ متوسطة المدى: مثل شهاب 3 (1300-2000 كم)، قادرة على الوصول إلى إسرائيل ومعظم الخليج. · صواريخ بعيدة المدى: مثل سجيل، خرمشهر، ذات رؤوس متعددة وقدرة على المناورة، مصممة لاختراق الدفاعات الصاروخية. · الصواريخ الفضائية: برنامج لإطلاق الأقمار الصناعية، يثبت قدرة تكنولوجية ويهدد بإمكانية تطوير صواريخ عابرة للقارات (ICBM) في المستقبل.
الدور الإستراتيجي: أكثر من مجرد سلاح
1. درع الردع: القدرة على ضرب أي هدف في الخليج وإسرائيل تجعل أي هجوم على إيران مكلفاً بشكل غير محتمل. هي تضمن أن العدوان على إيران سيكون له ثمن باهظ، مما يردع الخصوم. 2. التعويض عن التفوق الجوي للعدو: إيران لا تستطيع منافسة القوات الجوية الأمريكية أو الإسرائيلية. لكن الصواريخ الباليستية تختصر المسافة وتلغي الحاجة إلى التفوق الجوي. لماذا تحتاج إلى طائرة تكلف 100 مليون دولار عندما يمكنك إطلاق صاروخ بدقة مقبولة يكلف جزءاً بسيطاً؟ 3. أداة للضغط السياسي: مجرد وجود الترسانة يمنح إيران ورقة مساومة قوية. هو تذكير دائم للأعداء والحلفاء بأن لإيران "كلمة أخيرة" يمكن أن تكون مدمرة. 4. سلاح للإنكار المحدود: تسمح لإيران بتنفيذ ضربات عقابية أو إرسال رسائل (كضرب قواعد أمريكية في العراق) دون خوض حرب تقليدية شاملة، مما يتيح مجالاً للتصعيد المتدرج والسيطرة.
الفعالية والاقتصاد: معادلة الاستنزاف تكلفة إنتاج صاروخ باليستي إيراني (مثل فاتح 110) تقدر ببضعة مئات الآلاف من الدولارات. تكلفة نظام اعتراض صاروخي مثل باتريوت أو القبة الحديدية تصل إلى ملايين الدولارات للصارخ الواحد. حتى مع معدلات اعتراض عالية، فإن إطلاق وابل من عشرات الصواريخ الرخيصة يستنزف الخزائن والذخيرة الدفاعية للخصم. إنها تنفذ مبدأ "الخيار الرخيص" في أنقى صوره: إجبار الخصم الأغنى على إنفاق أموال طائلة للدفاع ضد أسلحة رخيصة نسبياً.
التحديات والقيود:
· الدقة: رغم تحسنها، لا تزال دقة العديد من الصواريخ الإيرانية أقل من نظيراتها الغربية. · الدفاعات: انتشار أنظمة مثل القبة الحديدية الإسرائيلية وثاد الأمريكية في الخليج يقلل من فعاليتها. · الرد الدولي: أي استخدام واسع للصواريخ الباليستية قد يؤدي إلى رد دولي قاس.
الخلاصة: رمز السيادة والحساب الاستراتيجي برنامج الصواريخ الباليستية الإيراني هو أكثر من مشروع عسكري. إنه رمز للسيادة التكنولوجية، والإرادة السياسية، والحساب الاستراتيجي الطويل. لقد حوّلت إيران، عبر هذا البرنامج، تهديداً وجودياً (ضعفها الجغرافي أمام التفوق الجوي للعدو) إلى مصدر قوة ردعي. الصاروخ الباليستي هو بيان عملي بأن القوة في القرن الحادي والعشرين لم تعد حكراً على من يملك الطائرات الحاملة والنووية، بل هي لمن يمتلك الإرادة لتحويل أبسط أدوات الفيزياء إلى سياسة، وأكثر وسائل الدمار تقليدية إلى أدوات لخلق واقع جديد. إنه يثبت أن في عصر التكنولوجيا المتاحة، يمكن للصبر والتركيز أن يخلقا أدوات تفرض احتراماً حتى على من يملك ترسانة لا نهائية.
…..
الفصل الرابع: الخليج… إيران ولعبة الزمن الطويل
الجزء الثالث: ترسانة الزمن الطويل - أدوات غير متماثلة
البرنامج الصاروخي: فلسفة دفاعية تكتب بمعادلات الحديد والنار
البرنامج الصاروخي الإيراني ليس مجرد مجموعة من الأنابيب المعدنية والمتفجرات الموجهة. إنه فلسفة دفاع كاملة مكتوبة بمعادلات رياضية باردة ونداءات وجودية حارقة. إنه تجسيد لعقيدة "الردع عبر الإنكار" التي ترفض منطق القوة التقليدية وتقيم بدلاً منه منطقاً جديداً: منطق التكلفة غير المتناظرة.
منظور التكلفة: حرب الحسابات التي لا تكذب لنضع الأرقام تحت المجهر:
· صاروخ إيراني باليستي قصير/متوسط المدى: تكلفة التصنيع تتراوح بين 100,000 إلى 500,000 دولار. · صاروخ اعتراض في منظومة دفاع جوي أمريكية (ثاد، باتريوت، أو حتى القبة الحديدية الإسرائيلية): التكلفة تتراوح بين 3 إلى 10 ملايين دولار للاعتراض الواحد.
هذه الأرقام ليست مجرد بيانات مالية، بل هي نظرية استراتيجية مكتوبة بلغة الجبر. المعادلة واضحة ووحشية في بساطتها: حتى لو امتلكت أمريكا أو إسرائيل منظومات دفاع خارقة تعترض 90% من الصواريخ المهاجمة (وهو معدل خيالي في ساحة المعركة الحقيقية)، يكفي أن تطلق إيران عدداً كافياً من صواريخها الرخيصة نسبياً لاختراق الدفاعات. فلنفترض أن إيران تطلق 100 صاروخ بتكلفة إجمالية 50 مليون دولار، سيكون على الدفاعات إنفاق 300 إلى 500 مليون دولار لمحاولة اعتراض 90 منها، بينما 10 صواريخ فقط ستصل لتحقيق أضرار قد تقدر بمليارات الدولارات وتعطيل كامل للحياة الاقتصادية. إنها حرب استنزاف مالي مصممة بدقة: تجبر الخصم على إنفاق ثروة طائلة للدفاع ضد تهديدات زهيدة الثمن.
البرنامج الردعي: الرسالة المنقوشة على جسم الصاروخ لكن البرنامج الصاروخي ليس عدوانياً في جوهره، بل هو أداة ردع وجودية. الرسالة التي تحملها هذه الصواريخ موجهة بوضوح إلى واشنطن وتل أبيب: "إذا هاجمتما أراضينا أو مصالحنا الحيوية، سنرد. والرد لن يكون متناسباً، بل سيكون مؤلماً لدرجة تجعلكما تندمان على لحظة التفكير في الهجوم." إنه ردع من نمط جديد: لا يعتمد على التهديد بتدمير مماثل، بل على التهديد بإلحاق ضرر غير مقبول، ضرر يتجاوز بكثير أي مكاسب قد يجنيها المعتدي.
الصواريخ الباليستية هنا تصبح أداة لتعديل السلوك عن بعد. مجرد وجودها يخلق "خطوطاً حمراء" افتراضية في عقل صناع القرار المعادين. كل تهديد إيراني باستخدامها ليس بالضرورة نية للهجوم، بل هو وسيلة للحفاظ على حالة من التوازن الرهيب، حيث يدرك الطرفان أن كسر هذا التوازن سيكون مكلفاً للجميع. إنها لعبة الدجاجة والبيضة الاستراتيجية: من سيجرؤ على كسر البيضة الأولى، مع علمه أن النتيجة ستكون فوضى يصعب احتواؤها؟
المسيرات: دمقرطة القوة الجوية وإعادة تعريف التفوق
المسيرة (الطائرة بدون طيار) الإيرانية ليست تحفة تكنولوجية بمعايير معامل "لوكهيد مارتن" أو "بوينغ". إنها ليست شبحية كطائرة F-35، ولا سريعة كطائرة F-22. لكنها تمثل شكلاً آخر من الذكاء: ذكاء التصميم الاقتصادي، ذكاء الكم، ذكاء التكيف. إنها تجسد فلسفة "التكنولوجيا المناسبة" في أقصى تعبيراتها العسكرية.
1. اقتصاديات الإبهام: معادلة 20,000 دولار ضد 100 مليون دولار تكلفة المسيرة الانتحارية الإيرانية (مثل تلك المستخدمة في هجمات آرامكو 2019 أو في الهجمات على أوكرانيا) تقدر بحوالي 20,000 دولار. في المقابل، تكلفة طائرة مقاتلة حديثة مثل F-15 أو F-35 تتراوح بين 80 إلى 100 مليون دولار. الفارق هو 1 إلى 5000. هذه ليست مسألة تكلفة فحسب، بل هي مسألة منطق استراتيجي. فالمسيرة لا تحتاج إلى مدرج طويل، ولا إلى طيار مدرب لسنوات، ولا إلى برامج صيانة معقدة. إنها سلاح ديمقراطي بمعنى أنه يمكن إنتاجه ونشره بأعداد هائلة، مما يلغي ميزة التفوق النوعي للعدو.
2. فلسفة الكم: عندما تصبح الألفية استراتيجية القدرة على الإنتاج الكمي هي جوهر القوة الجديدة. يمكن لإيران إنتاج آلاف المسيرات سنوياً في مصانع منتشرة ومحمية. هذا يعني أنها تستطيع إطلاق هجمات سربيّة (Swarm Attacks)، حيث تطلق مئات المسيرات في وقت واحد لتعطيل دفاعات العدو. حتى لو أسقطت الدفاعات 95% منها، تبقى 5% (أي 50 مسيرة من أصل 1000) قادرة على إحداث دمار هائل. هذه الفلسفة تعيد تعريف معنى "التفوق الجوي": لم يعد التفوق حكراً على من يملك الطائرات الأسرع والأعلى، بل أصبح لمن يملك القدرة على إغراق السماء بعدد لا يحصى من الأهداف الرخيصة التي تستنزف دفاعات الخصم.
3. التنوع الوظيفي: من العين إلى القبضة المسيرات الإيرانية ليست نوعاً واحداً، بل هي عائلة متكاملة:
· مسيرات استطلاع: مثل "مهاجر" و"أبابيل"، لمراقبة تحركات العدو وجمع المعلومات. · مسيرات قتالية: مثل "كرار" و"شاهد-136"، تحمل رؤوساً حربية وتستخدم في الضربات الانتحارية. · مسيرات بحرية: مصممة لمهاجمة السفن أو المراقبة البحرية. · مسيرات متعددة المهام: يمكن تحويلها بسرعة من أدوات استطلاع إلى أسلحة هجومية.
هذا التنوع يجعل القدرة على المسيرات منظومة قتال متكاملة، وليس سلاحاً واحداً.
4. قوة التصدير: تضخيم التأثير عبر التوكيل لقد حولت إيران المسيرات إلى سلعة استراتيجية تصدرها إلى حلفائها في "محور المقاومة". الحوثيون في اليمن يستخدمونها لمهاجمة السعودية والإمارات. حزب الله في لبنان يطور نسخه المحلية. الميليشيات في العراق تستخدمها ضد القواعد الأمريكية. هذا التصدير يخلق تأثيراً مضاعفاً جغرافياً: لم تعد إيران هي المهددة الوحيدة بالمسيرات، بل أصبح حلفاؤها على حدود الخصوم يهددونهم بنفس السلاح. إنه نشر للقدرة الردعية، بحيث يصبح أي هجوم على إيران محفوفاً بخطر ردود من عشرات النقاط في آن واحد.
الدرس الجوهري: نهاية عصر التفوق التكنولوجي المطلق الدرس الذي تقدمه إيران عبر مسيراتها هو درس عميق في فلسفة التكنولوجيا العسكرية: التكنولوجيا المتقدمة جداً ليست دائماً الأفضل. بل التكنولوجيا المناسبة، في الوقت المناسب، وبالكمية المناسبة. إنها فلسفة تعيد للذاكرة دروس حرب فيتنام، حيث هزمت البساطة والتصميم التكنولوجيا الأمريكية المتطورة. المسيرة هي سلاح الفقير الذكي، الذي يفهم أن المعركة ليست ضد التكنولوجيا نفسها، بل ضد الاقتصاد السياسي للحرب، ضد صبر الخصم، ضد إرادته في تحمل التكاليف. إنها تجعل من السماء، التي كانت حكراً على الأغنياء والأقوياء، ساحة ديمقراطية مفتوحة للجميع.
الحرب البحرية غير المتماثلة: تحويل الخليج إلى متاهة من الألغام والزوارق
الأسطول الإيراني التقليدي، لو قورن بالأسطول الأمريكي الخامس المتمركز في البحرين (والذي يضم حاملات طائرات، مدمرات، وغواصات نووية)، سيبدو كقزم أمام عملاق. لكن إيران لم تحاول قط مجاراة أمريكا في لعبتها. بدلاً من ذلك، اخترعت لعبة جديدة، تحول فيها نقاط ضعفها الساحلية إلى مصدر قوة، وتجعل من المياه الضحلة للخليج ساحة مواتية لأسطولها غير التقليدي.
الزوارق السريعة: ذباب النار القاتل قلب الاستراتيجية البحرية الإيرانية هو أسطول الزوارق السريعة، الذي يضم مئات الوحدات. هذه الزوارق، رغم بساطتها، تم تصميمها وفق فلسفة عسكرية دقيقة:
· السرعة القصوى (تصل إلى 80 عقدة): أسرع بمرتين من معظم السفن الحربية الكبيرة، مما يسمح لها بالاقتراب السريع والانسحاب الفوري. · الحجم الصغير والمرونة: يصعب رصدها بالرادار، خاصة في المياه المزدحمة أو قرب السواحل. يمكنها الاختباء بين حركة الملاحة التجارية أو في الخلجان الصغيرة. · التسليح المميت: مجهزة بصواريخ موجهة مضادة للسفن (مثل صواريخ "نور" الصينية أو نسخ محلية)، قادرة على إصابة أهداف على بعد عشرات الكيلومترات. · التكتيك السربيّ (Swarm Tactics): لا تهاجم فردياً، بل في أسراب من 10-20 زورقاً أو أكثر، من اتجاهات متعددة، مما يشكل مشكلة لا يمكن لنظام دفاع تقليدي مواجهتها بسهولة. إنه يشبه إطلاق سرب من الدبابير على عملاق: حتى لو قتل بعضها، فإن اللسعات المتزامنة ستسبب ألماً كبيراً.
الغواصات الصغيرة والهجوم تحت السطح إلى جانب الزوارق، تمتلك إيران أسطولاً من الغواصات الصغيرة (المينياتشر) المصممة خصيصاً للمياه الضحلة في الخليج:
· تشتيت الانتباه: بينما تركز أنظمة السونار على البحث عن غواصات تقليدية كبيرة، يمكن لهذه الغواصات الصغيرة التسلل. · القدرة على زرع الألغام: مهمتها الأساسية هي زرع الألغام البحرية في الممرات الحيوية، مما يخلق تهديداً دائماً وخطيراً. · الصمت والتمويه: محركاتها الكهربائية تجعلها صامتة تقريباً، ومقاسها الصغير يجعل اكتشافها صعباً.
الألغام البحرية: سلاح الفقراء الاستراتيجي الألغام البحرية هي ربما أبسط أسلحة إيران وأكثرها فعالية من حيث التكلفة:
· التكلفة الزهيدة: قد لا يتجاوز ثمن اللغم البحري بضعة آلاف دولارات. · الفعالية النفسية: مجرد إشاعة وجود ألغام بحرية في مضيق هرمز كفيل بشل حركة النقل البحري، ورفع تكاليف التأمين، وإجبار السفن على اتخاذ طرق أطول وأكثر كلفة. · صعوبة التطهير: تطهير منطقة من الألغام مهمة شاقة وخطرة، وتستغرق وقتاً طويلاً، وتعطي إيران اليد العليا في توقيت التصعيد.
الاستراتيجية الشاملة: حرمان أمريكا من "حرية الحركة" الهدف الإيراني ليس "هزيمة" الأسطول الأمريكي في معركة بحرية تقليدية (مستحيل). الهدف هو حرمانه من "حرية الحركة"، وهي المبدأ الأساسي للقوة البحرية منذ أيام ألفرد ماهان. إيران تريد جعل الخليج بيئة معادية، غير مريحة، ومكلفة للبقاء فيها. كل زورق سريع، كل غواصة صغيرة، كل لغم بحري، هو رسالة واضحة: "يمكننا أن نجعل حياتك هنا جحيماً، وأن نجعل حماية الناقلات مستحيلة، وأن نرفع تكلفة وجودك إلى عنان السماء."
إنها استراتيجية الردع عبر الإزعاج، أو "جعل الثمن غير محتمل". فكما أن الناموسة لا تقتل الإنسان، لكنها تجعل نومه مستحيلاً، فإن البحرية الإيرانية غير التقليدية تهدف إلى جعل الوجود الأمريكي في الخليج مستنزفاً وغير مُجدٍ. إنها تفهم أنه في عصر الاقتصاد العالمي المعولم، تهديد تدفق النفط هو تهديد للنظام العالمي بأسره، وأن ورقة هرمز هي أقوى أوراقها. وباستخدام هذه الأسطول الصغير المتناثر، تمسك إيران بتلابيب الاقتصاد العالمي من تحت الماء، وتثبت أن القوة في القرن الحادي والعشرين ليست بالضرورة للأكبر، بل للأكثر جرأة على استخدام نقاط ضعف النظام العالمي نفسه كأسلحة.
الجزء الرابع: شبكة الحلفاء - القوة عبر التمثيل
"محور المقاومة": من الشعار الإعلامي إلى الواقع الجيوسياسي المتشابك
مصطلح "محور المقاومة" قد يبدو للبعض شعاراً دعائياً، لكنه في الواقع بنية جيوسياسية معقدة ومتماسكة، شُيدت على مدى أربعة عقود من الاستثمار الاستراتيجي الإيراني. إنه ليس تحالفاً عابراً، بل هو شبكة عضوية تربط كيانات متنوعة بغلاف أيديولوجي مشترك (معاداة الصهيونية والهيمنة الأمريكية) ومصالح استراتيجية متقاطعة. كل عقدة في هذه الشبكة هي قوة قائمة بذاتها، لكنها تشكل معاً منظومة ردع وتأثير لا يمكن لأي قوة إقليمية أخرى مضاهاتها.
حزب الله (لبنان): درع إيران المتقدم وسيفها الطويل
· القوة غير الحكومية الأعظم: يعتبره كثير من المحللين أقوى فصيل غير حكومي في العالم، يمتلك جيشاً شبه نظامي، ترسانة صواريخ تضاهي دولاً متوسطة، وخبرة قتالية متراكمة منذ 1982. · الذراع الردعية: موقعه على حدود إسرائيل يجعله أداة ردع مباشرة لا تقدر بثمن. قدرته على إطلاق آلاف الصواريخ يومياً على إسرائيل تجعل أي حرب شاملة مع إيران مجازفة بإشعال جبهة ثانية مدمرة. · النموذج الناجح: نجاحه العسكري والسياسي (كجزء من الطبقة الحاكمة في لبنان) يجعله نموذجاً يُحتذى داخل المحور، ودليلاً على جدوى استراتيجية "المقاومة".
الحوثيون (اليمن): السكين الموجه إلى خاصرة الخصم
· السيطرة على الجغرافيا: يسيطرون على معظم الأراضي اليمنية والساحل المواجه للبحر الأحمر، مما يمنحهم قدرة استراتيجية على تعطيل الملاحة الدولية في باب المندب. · حرب الاستنزاف: ربطوا السعودية، القوة المالية والإقليمية الرئيسية المعادية لإيران، في حرب استنزاف مكلفة ومهينة منذ 2015، مستنزفين اقتصادها ومعنوياتها. · التطور العسكري المذهل: من جماعة قبلية بأسلحة خفيفة إلى قوة تمتلك صواريخ باليستية ومسيرات قادرة على ضرب العمق السعودي والإماراتي، يقدمون درساً في القدرة على التكيف والابتكار تحت الحصار.
الميليشيات العراقية: العمق الإستراتيجي الحيوي
· النفوذ داخل الدولة: عشرات الفصائل المسلحة (مثل الحشد الشعبي) أصبحت جزءاً من النسيج الأمني والسياسي العراقي، مما يمنح إيران نفوذاً مباشراً في قلب الدولة العراقية. · التهديد للقوات الأمريكية: تشكل هذه الميليشيات تهديداً دائماً ومباشراً للقوات الأمريكية المتبقية في العراق، وتجعل أي عمل عسكري أمريكي ضد إيران محفوفاً بخطر ردود فعل فورية على أرض العراق. · الجسر البري: العراق هو الممر الجغرافي الحيوي الذي يربط إيران بحلفائها في سوريا ولبنان، مما يجعله عمقاً استراتيجياً لا يمكن التهاون به.
حماس والجهاد الإسلامي (فلسطين): جبهة الصراع المركزي
· السيطرة على غزة: تحكّم حماس بشريط غزة، الذي يشكل منصة انطلاق دائمة للصراع مع إسرائيل، ويمنع أي استقرار دائم في الجنوب الإسرائيلي. · التنسيق والتكامل: رغم الاختلاف المذهلي (سني مقابل شيعي)، فإن التنسيق العسكري والسياسي بين إيران وهذه الجماعات قد تعمق، مما يجعل من الجبهة الفلسطينية جزءاً من المعادلة الإقليمية الأوسع. · الشرعية الشعبية: كونها تمثل قضية فلسطين، تمنح هذه الجماعات المحور شرعية عربية وإسلامية أوسع، وتجعل من الصعوبة على الأنظمة العربية تطبيع العلاقات مع إسرائيل دون حساب ردود فعل شعبية.
تأثير الشبكة المضاعف: الضربة التي تتحول إلى عاصفة قوة هذه الشبكة لا تكمن في مجموع أجزائها، بل في التأثير المضاعف الناتج عن ترابطها. ضربة أمريكية أو إسرائيلية ضد إيران لا تبقى حادثة منعزلة، بل تتحول فوراً إلى موجات صدمة عبر هذه الشبكة:
· تضرب إيران؟ يرد حزب الله بإطلاق صواريخ على إسرائيل. · تضرب منشأة نووية إيرانية؟ يغلق الحوثيون باب المندب، وتقصف الميليشيات القواعد الأمريكية في العراق، وتطلق حماس صواريخ من غزة. · تشن إسرائيل حرباً على غزة؟ تتدخل حزب الله من الشمال، والحوثيون يضغطون من الجنوب.
هذا التشابك العضوي هو ما يجعل المواجهة مع إيران معقدة ومكلفة بشكل غير مسبوق. فأنت لا تواجه دولة ذات جيش نظامي وحدود واضحة، بل تواجه كياناً هلامياً متعدد الرؤوس، منتشراً عبر جغرافية شاسعة، ومتجذراً في مجتمعات محلية. إنه تحدي يستعصي على الحلول العسكرية التقليدية، ويفرض على الخصوم حسابات استراتيجية مركبة تجعل من قرار التصعيد مقامرة كبيرة.
الاقتصاد المقاوم: فن البقاء تحت الحصار - تشريح الصمود
العقوبات الأمريكية على إيران ليست مجرد عقوبات اقتصادية عابرة. إنها أداة حرب شاملة، محاولة لإخضاع أمة عبر تجويعها وعزلها. إنها الأقسى في التاريخ من حيث حجمها ونطاقها:
· حظر بيع النفط: الضربة القاضية لمصدر 80% من إيرادات إيران من العملة الصعبة. · القطع عن النظام المصرفي العالمي (SWIFT): عزل البلاد عن النظام المالي العالمي، مما يجعل أي معاملة دولية عملية شبه مستحيلة. · عقوبات ثانوية: تهديد أي شركة أو دولة تتعامل مع إيران بعقوبات أمريكية، مما خلق خوفاً عالمياً من التعامل مع طهران.
لكن المفارقة العظيمة هي أن هذه العقوبات، بدلاً من أن تسحق إيران، علمتها فن البقاء، ودفعتها لابتكار ما يمكن تسميته "الاقتصاد المقاوم" – نموذج اقتصادي هجين يهدف إلى تحقيق أقصى قدر من الاكتفاء الذاتي والمرونة تحت الضغط.
ركائز الاقتصاد المقاوم:
1. تنويع الشركاء التجاريين والهروب من الدولار: لم تعد إيران تضع كل بيضها في السلة الغربية. تحولت إلى شراكات إستراتيجية مع الصين وروسيا، ووقعت اتفاقيات تجارية طويلة الأمد تستخدم العملات المحلية (اليوان، الروبل) لتجاوز نظام SWIFT. أصبحت إيران جزءاً من الحزام والطريق الصيني، وبدأت في بيع النفط مقابل اليوان. هذا ليس مجرد تغيير عملة، بل هو انضمام إلى نظام مالي موازٍ آخذ في التطور، بقيادة بكين، بهدف تحدي هيمنة الدولار.
2. الاكتفاء الذاتي في الصناعات الإستراتيجية: أجبرت العقوبات إيران على أن تنتج ما تحتاجه. في مجال الدفاع، أصبحت قادرة على إنتاج نسبة كبيرة من أسلحتها (دبابات، صواريخ، مسيرات، أنظمة اتصال). في مجال الغذاء، رفعت من إنتاج القمح والحبوب لتقليل الاعتماد على الاستيراد. في مجال الطاقة، طورت صناعة نفطية محلية (معدات الحفر، التكرير) على الرغم من الحظر. هذا لم يحقق الاكتفاء الذاتي الكامل، لكنه خلق قدرة صمود، وجعل الحصار أقل فعالية مع مرور الوقت.
3. اقتصاد الظل والتهريب المنظم: نشأ اقتصاد موازٍ ضخم يعمل عبر شبكات معقدة من التهريب والتحويلات المالية غير الرسمية (مثل نظام "الحوالة" التقليدي). هذه الشبكات، التي تمر عبر دول الجوار مثل العراق وأفغانستان وباكستان وتركيا، تسمح بتدفق البضائع المحظورة والعملات. لقد تحول التهريب من نشاط إجرامي إلى أداة بقاء وطنية، تُدار أحياناً بتواطؤ أو تساهل من قبل أجهزة الدولة نفسها.
4. خفض التوقعات وإعادة تعريف الرفاهية: نجح النظام في غرس ثقافة "اقتصاد المقاومة" في جزء من الشعب، مقدماً صورة البقاء تحت الحصار كـ فخر وطني وواجب ديني. تم إعادة تعريف الرفاهية: لم تعد السيارة الفاخرة أو الهاتف الذكي الأحدث هي علامة النجاح، بل القدرة على توفير القوت اليومي والصمود في وجه العدو. هذه الحرب النفسية-الاقتصادية حولت المعاناة إلى رمز للمقاومة، مما خفف من حدة السخط الاجتماعي (رغم وجوده) وحوله إلى سخط موجه نحو الخارج (أمريكا) أكثر من الداخل (النظام).
5. تطوير قطاع التكنولوجيا والعلوم: المفارقة أن العقوبات حفزت الابتكار في بعض المجالات. أصبحت إيران قادرة على إطلاق أقمار صناعية، تطوير تكنولوجيا نووية سلمية، وإنشاء صناعات أدوية وبيوتكنولوجي متقدمة. الضرورة أم الاختراع، وأجبرت الحاجة إيران على استثمار في عقول أبنائها، مما خلق جيلاً من المهندسين والعلماء المهرة الذين يعملون في ظروف صعبة لكن بإبداع ملحوظ.
الثمن الباهظ والنتيجة المركبة: لا يعني هذا أن العقوبات لم تؤثر. لقد تسببوا في تدهور مستوى المعيشة، وتضخم مريع، ونقص في السلع الأساسية، وهجرة العقول. لكنهم فشلوا في تحقيق هدفهم السياسي الأكبر: إسقاط النظام أو إجباره على تغيير سياسته الإقليمية والنووية جذرياً. بل على العكس، ربما قووا من تحالف النظام مع قاعدة شعبية ترى في الحصار مؤامرة خارجية وتلتف حول راية "المقاومة".
الاقتصاد المقاوم الإيراني هو درس في المرونة تحت الضغط. إنه يظهر أن الدولة التي تملك إرادة سياسية قوية، وتماسكاً اجتماعياً نسبياً، وقدرة على التحول والتكيف، يمكنها تحويل الحصار من أداة قتل إلى دافع للابتكار. إنه لا يضمن الازدهار، لكنه يضمن البقاء والاستمرارية – وهو الهدف الأساسي لإيران في لعبة الزمن الطويل. فبينما تتغير الإدارات الأمريكية وتتغير أولوياتها، تبقى إيران، صامدة في حصنها الاقتصادي المحصن، تنتظر اللحظة التي ينفد فيها صبر خصومها أو تتغير موازين القوى العالمية لمصلحتها. في النهاية، الاقتصاد المقاوم ليس عن براعة اقتصادية فحسب، بل عن إرادة سياسية تجعل من الألم وقوداً للاستمرار، ومن النقص دافعاً للاكتفاء، ومن العزلة سبباً للاعتماد على الذات.
……
الفصل الرابع: الخليج… إيران ولعبة الزمن الطويل
الجزء السابع: الخاتمة - دروس من التاريخ الحي: سردية الخلود في زمن الفناء
إيران كنموذج للقوة الوسطى الذكية: علم الوجود في ظل الهيمنة
في مدرسة العلاقات الدولية التقليدية، تُصنَّف إيران كـ"قوة متوسطة". لكن هذا التصنيف يشي بفهم قاصر. فإيران ليست قوة متوسطة بمعنى الحجم أو الناتج المحلي؛ بل هي قوة وسطى بمعنى الوعي، وقوة عظمى بمعنى الإرادة. إنها تقدم منهجاً دراسياً كاملاً للدول التي تجد نفسها تحت مطرقة القوى العظمى، منهجاً يمكن تلخيصه في أربعة دروس كونية:
الدرس الأول: الهوية كقوة - عندما يكون الجواب على "من أنت؟" سلاحك الأقوى في عالم تسوده العولمة المفترسة، حيث تذوب الخصوصيات في بوتقة النموذج الواحد، أصرت إيران على أن تكون مسألة الهوية معركتها الأولى والأخيرة.
· إيران تعرف من هي: ليست هذه معرفة جغرافية أو ديموغرافية، بل هي ذاكرة جيولوجية عميقة. إنها تعرف أنها أرض زرادشت والفردوسي وابن سينا والخيام. هذه المعرفة ليست حنيناً للماضي، بل هي بوصلة للمستقبل. فهي تجيب على سؤال "لماذا نتحمل؟" بإجابة قاطعة: "لأننا لسنا أي أحد؛ نحن فرس، ونحن شيعة، ونحن مقاومون." · لديها رواية عن نفسها: الأمم التي لا تمتلك رواية عن ذاتها تكون عرضة لأن تُكتب رواياتها من قبل الآخرين. إيران كتبت روايتها الخاصة: رواية الشعب المستضعف الذي يرفع رأسه في وجه المستكبر. هذه الرواية ليست أكاذيب، بل هي اختيار انتقائي للذاكرة، حيث تُبرز لحظات العظمة (كالإمبراطوريات القديمة) ولحظات الظلم (كـ1953)، وتنسجها في حكاية مستمرة من الكرامة والثأر. · ترفض أن يُفرض عليها دور: في المسرح العالمي، تريد القوى العظمى أن تلعب إيران دور "الدولة المارقة"، أو "الخطر الذي يجب احتواؤه". إيران ترفض هذا الدور المفروض. تريد أن تلعب دور الحضارة المقاومة، دور حامي المظلومين، دور المعارض الأخلاقي للنظام العالمي الجائر. هذا الرفض ليس عناداً، بل هو إعلان للاستقلال الوجودي: نحن لسنا دمى في مسرحيتكم.
الدرس الثاني: الإبداع في مواجهة القوة - فن تحويل المأزق إلى مختبر عندما واجه داوود العملاق جوليات، لم يحاول أن ينافسه في القوة الغاشمة؛ بل غيّر سلاح المعركة. هذا بالضبط ما تفعله إيران.
· عندما لا تستطيع مواجهة الخصم مباشرة، غير قواعد اللعبة: المواجهة البحرية المباشرة مع الأسطول الأمريكي؟ انتحار. فاخترعت حرب الزوارق السريعة والألغام. المواجهة الجوية مع سلاح الجو الإسرائيلي؟ مستحيل. فاخترعت حرب أسراب المسيرات والصواريخ الباليستية. إنها تفهم أن المعركة ضد قوة أعلى هي معركة خيال ضد مادة. المادة ثقيلة وبطيئة؛ الخيال خفيف وسريع. · اخترع أدوات جديدة لحرب قديمة: الحرب القديمة هي حرب الإرادات. والأداة الجديدة هي استراتيجية التكلفة غير المحتملة. لم تعد الحرب بهدف إبادة العدو، بل بهدف رفع فاتورة بقائه في الساحة إلى درجة لا يستطيع دفعها. كل مسيرة، كل زورق، كل ميليشيا مدعومة، هي فاتورة صغيرة تُضاف إلى حساب الخصم. والهدف ليس إفلاسه مادياً فحسب، بل إفلاسه سياسياً ونفسياً، حتى يقرر المغادرة طوعاً.
الدرس الثالث: التحالف مع الزمن - الفلسفة التي تهزم الانتخابات في واشنطن، الزمن يُقاس بدورات انتخابية مدتها أربع سنوات. في طهران، الزمن يُقاس بألفية من الصمود الحضاري. هذا الفارق هو الميزة الإستراتيجية الأعظم.
· الزمن يصب في مصلحة من يملك الصبر: إيران تمارس صبراً نشطاً. ليس صبر الانتظار السلبي، بل صبر البناء البطيء تحت الأرض: بناء القدرات، بناء التحالفات، بناء الاقتصاد المقاوم. وهي تعلم أن الزمن يلتهم الإمبراطوريات المتسرعة. أمريكا، بتبدل إداراتها وتقلب أولوياتها، لا تستطيع الحفاظ على تركيز واحد لعقود. · القوى العظمى تفقد صبرها قبل القوى المتوسطة: واشنطن تريد حلولاً سريعة، "صفقات قرن"، انتصارات يمكن عرضها على الناخبين. إيران لا تريد صفقة؛ تريد تغييراً في المعادلة. وهي مستعدة لانتظار هذا التغيير عشرين أو ثلاثين سنة. في سباق بين عداء الماراثون وعداء السرعة، يفوز من يتحكم في إيقاع السباق. إيران تتحكم في الإيقاع: إيقاع النزيف البطيء، الذي لا يُرى في البداية، لكن آثاره تتراكم حتى تصير كارثية.
الدرس الرابع: تحويل الضعف إلى قوة - كيمياء المقاومة القوة التقليدية تبحث عن مصادر القوة في الثروات والجيوش. القوة الذكية تبحث عنها في نقاط الضعف نفسها.
· العقوبات علمت إيران الاعتماد على الذات: لو لم تفرض العقوبات، لظلت إيران دولة ريعية تعتمد على عائدات النفط. الحصار أجبرها على اكتشاف قوة المخترع المحاصر. اليوم، إنتاجها الدوائي والعسكري والتقني هو ابن الشرّ المباشر للعقوبات. لقد حوّلت السم إلى ترياق، والحرمان إلى محفّز للإبداع. · العزلة دفعت إلى بناء تحالفات غير تقليدية: عندما أغلق الغرب الأبواب، لم تجلس إيران تبكي عند العتبة. فتحت نوافذ جديدة نحو الشرق: نحو الصين التي تبحث عن شركاء يتحدون الهيمنة الغربية، نحو روسيا التي تبحث عن حلفاء في مواجهة الناتو، نحو العالم "المستضعف" الذي يرى في إيران صوتاً له. هذه التحالفات ليست تحالفات عاطفية، بل هي تحالفات المصلحة العميقة، القائمة على رؤية مشتركة لعالم متعدد الأقطاب.
العبرة التاريخية: إمبراطورية الفرس تتعلم من ماضيها - دروس الألفيات المنقوشة على جبين الزمن
إيران المعاصرة ليست استمراراً إدارياً أو دينياً مباشراً للإمبراطورية الأخمينية أو الساسانية. لكنها تحمل شيفرة ذاكرة تلك الإمبراطوريات في حمضها الحضاري. هذه الذاكرة ليست عبئاً، بل هي مختبر دروس تاريخية مفتوح على مدار الساعة. منها تتعلم ثلاث حقائق صخرية:
1. الإمبراطوريات تزول، لكن الدول الذكية تتكيف: رأت فارس صعود وسقوط الإسكندر المقدوني (السلوقيين)، والبارثيين، والساسانيين. الدرس: لا شيء يدوم. حتى الهيمنة الأمريكية العظمى هي ظاهرة تاريخية، ستأفل كما أفلت غيرها. لذا، لا تستسلم للقوة الآنية؛ انتظر، واصنع التحالفات، واهزمها بطول النفس. 2. الحضارات تبقى، لكنها تتحول: عندما سقطت الإمبراطورية الساسانية بيد العرب المسلمين، لم تمت الحضارة الفارسية. بل دخلت الإسلام وبدأت من الداخل في صياغته وفق روحها: اللغة الفارسية انتعشت، والأدب الفارسي ازدهر في كنف الإسلام، والعلماء الفرس (كابن سينا والرازي) أصبحوا أعمدة الحضارة الإسلامية. الدرس: الهزيمة العسكرية ليست نهاية الحضارة. الحضارة الحية تمتلك قابلية التحول الخلاق، القدرة على امتصاص الصدمة وإعادة إنتاج نفسها في قالب جديد. 3. الشعوب التي تعرف من تكون تنجو من كل العواصف: عبر الغزوات المغولية والتيمورية، احتفظ الشعب الفارسي بلغته، بتقاليده، بذاكرته الشعرية (حافظ، سعدي، الفردوسي). هذه المرونة الثقافية هي التي ضمنت البقاء. الدرس: الهوية الواضحة هي أفضل درع ضد محاولات المسح والإذابة.
إيران، بهذا المعنى، تلعب لعبة أعمق من السياسة وأبعد من الجغرافيا. السياسة، بكل مكائدها وصراعاتها، هي الوسيلة. أما الغاية فهي الحفاظ على هذا الكيان الحضاري الفريد، هذا الخليط من الفخر التاريخي والعقيدة الدينية والإرادة الثورية، وتمريره إلى المستقبل. الحرب والسلام، المفاوضات والعقوبات، كلها فصول في رواية الخلود هذه. إيران لا تخاف الموت العسكري بقدر ما تخاف الموت الحضاري، الذوبان في الآخر، فقدان الوجه المميز. لذلك، كل مقاومتها هي، في العمق، دفاع عن حقها في الاختلاف، في أن تكون هي نفسها.
الخلاصة: فلسفة الوجود في مواجهة فلسفة الهيمنة
في النهاية، لا تريد إيران "هزيمة" أمريكا بالمعنى الكلاسيكي. فما معنى هزيمة قوة على بعد عشرة آلاف كيلومتر؟ ما تريده أبسط وأعمق: أن تجبر أمريكا على رؤية الواقع كما هو. أن ترى أن الخليج العربي ليس "بحيرة أمريكية"، بل هو فناء بيوت شعوب لها تاريخ وكرامة. أن تفهم أن الشعب الإيراني، رغم كل تناقضاته الداخلية - بين فخر الماضي ومرارة الحاضر، بين رغبة في الانفتاح وإصرار على الاستقلال - قد اتخذ قراراً وجودياً جماعياً: أن يكون سيد مصيره.
هذا القرار ليس وثيقة مكتوبة، بل هو حالة ذهنية جماعية تغذيها الذاكرة وتغذيها المعاناة. وهو أقوى من أي سلاح نووي. لأنه قرار لا يمكن مصادرته بضربة جوية، ولا يمكن تجميده بعقوبات. إنه القرار الذي يجعل الشباب الإيراني يخترع مسيرة في مرآب، ويجعل الدبلوماسي الإيراني يتفاوض ببرودة في فيينا، ويجعل المقاتل في سوريا أو اليمن يعتقد أنه يدافع عن حدود إيران الحضارية.
إيران تذكّر العالم بقانون منسٍ: أن القوة الحقيقية لا تقاس فقط بما تملكه، بل بما أنت مستعد لتحمله من أجل ما تؤمن به. وفي لعبة الزمن الطويل، حيث تتساقط الإمبراطوريات وتتبدل التحالفات، يبقى هذا الاستعداد هو العملة الوحيدة التي لا تنخفض قيمتها. إنها لعبة صبر وإرادة، وإيران، بتعلمها من آلاف السنين، تعرف كيف تلعبها. قد تخسر معارك، قد تتراجع أحياناً، لكنها تبقى في اللعبة، تنتظر دورها في كتابة الفصل القادم من التاريخ، مؤمنة أن الزمن، في النهاية، صديق لمن يملك جذوراً في عمق الأرض، وذاكرة في عمق الزمن.
خاتمة الكتاب: النزيف تحت الجلد - سيمفونية الضعفاء
صفحة الأخيرة: من اليمن إلى طهران، دروس في تشريح القوة
لقد سافرنا عبر صفحات هذا الكتاب من مياه البحر الأحمر المضطربة، حيث يختبر صيادو اليمن بقواربهم الخشبية أعصاب أقوى أسطول في التاريخ، إلى جبال لبنان الوعرة، حيث أعاد حزب الله كتابة قواعد الردع من كهوفه وأنفاقه، وصولاً إلى هضبة إيران الشامخة، حيث تلعب حضارة عريقة لعبة الزمن الطويل ضد إمبراطورية حديثة. في كل محطة، كنا نشهد ظاهرة واحدة تتجلى بأشكال مختلفة: ظاهرة النزيف الاستراتيجي.
هذا النزيف ليس دماً مرئياً يسيل في ساحات المعارك التقليدية. بل هو نزيف تحت الجلد: نزيف الميزانيات في خزائن القوى العظمى، نزيف الثقة في عقيدة التفوق العسكري المطلق، نزيف الصبر السياسي في عواصم الغرب، نزيف الشرعية الأخلاقية لمشروع الهيمنة العالمية. إنه النزيف الذي لا يظهر في نشرات الأخبار بعنف انفجار، بل بتراكم بطيء، كقطرات الماء التي تنحت الصخر.
الدرس الجامع: انهيار مفهوم "الحسم"
القرن العشرون كان قرن "الحسم": معارك كبرى، انتصارات ساحقة، استسلام غير مشروط. لكن القرن الحادي والعشرين، كما يرسمه لنا اليمن وحزب الله وإيران، هو قرن "اللا حسم". لم تعد الحرب تدور حول إلحاق الهزيمة النهائية بالعدو، بل حول إثبات أن تحقيق النصر النهائي عليه مستحيل، أو مكلف لدرجة تجعله بلا معنى.
· اليمنيون لا ينتصرون على الأسطول الأمريكي؛ بل يجعلون بقاءه في البحر الأحمر مكلفاً وغير مريح. · حزب الله لا يهزم إسرائيل؛ بل يجعل أي حرب شاملة معه كابوساً استراتيجياً لا تريد تل أبيب خوضه. · إيران لا تسحق النفوذ الأمريكي في المنطقة؛ بل تجعل الحفاظ عليه مستنزفاً لدرجة تدفع واشنطن لإعادة النظر في أولوياتها.
هذه فلسفة "الإنكار" الجديدة: لا نستطيع منعك من القدوم، لكننا نستطيع جعل إقامتك جحيماً. لا نستطيع طردك، لكننا نستطيع رفع إيجار إقامتك إلى عنان السماء.
إعادة تعريف القوة: من المادية إلى المعنوية
لقد انتقلت القوة من مجالها المادي الخالص (الجنود، الدبابات، الطائرات، حاملات الطائرات) إلى المجال النفسي-الرمزي. القوة اليوم هي:
· قوة الإرادة: أن تكون مستعداً لتحمل ما لا يستطيع عدوك تحمله. · قوة السردية: أن تملك رواية مقنعة عن نفسك وعن صراعك، تجعل المعاناة ذات معنى. · قوة الابتكار تحت الضغط: أن تخترع أدوات جديدة عندما تُحرم من الأدوات التقليدية. · قوة الشبكة: أن تكون عقدة في نسيج من العلاقات يصعب اقتلاعها.
في هذا المعنى، اليمن وحزب الله وإيران أقوى من مظهرهم المادي. لأنهم يمتلكون ما فقدته القوى العظمى إلى حد كبير: اليقين الأخلاقي، وضوح الهدف، واستعداداً لا يتزعزع للتضحية.
مستقبل النظام العالمي: من هرمية أحادية إلى فوضى خلاقة
ما نراه ليس فشلاً أمريكياً مؤقتاً، بل هو تحول بنيوي في طبيعة النظام الدولي. إنه نهاية عصر الهيمنة الأحادية المريحة، وبداية عصر الفوضى الخلاقة، حيث تتصارع أشكال جديدة من السلطة مع الأشكال القديمة.
· الدولة لم تعد الفاعل الوحيد: فاعلون من غير الدول (جماعات مسلحة، ميليشيات، شبكات) يفرضون أنفسهم كلاعبين مركزيين. · الحرب لم تعد حكراً على الجيوش: أصبحت الحرب ممارسة جماعية، يشترك فيها المقاتل والمدني، المهندس والمخترق الإلكتروني، الشاعر والإعلامي. · الردع لم يعد نووياً فقط: أصبح الردع اقتصادياً، نفسياً، سيبرانياً، وبالكلفة.
في هذا العالم الجديد، الهشاشة قوة. لأن من لا يملك ما يخسره، يملك حرية المخاطرة. والضعف الظاهر قد يكون درعاً منيعاً، لأنه يجعل الضربة الموجهة إليه تبدو غير متناسبة وغير أخلاقية.
الخلاصة الأخيرة: النزيف الذي يشفّي
قد يبدو المشهد قاتماً: حروب لا تنتهي، استنزاف لا يتوقف، توتر دائم. لكن في هذا النزيف تحت جلد النظام العالمي القديم، قد يكون هناك أمل شفائي. فالنزيف، في النهاية، هو عملية يطرد فيها الجسد المواد السامة. والعنف المستنزف، الموزع، غير الحاسم، قد يكون أقل فتكاً من الحروب الكبرى الحاسمة التي تزهق ملايين الأرواح دفعة واحدة.
ربما نتحول، بفضل هذه الدروس القاسية من اليمن ولبنان وإيران، من عالم يحلم بـ"النصر النهائي" إلى عالم يتعلم فن التفاوض مع الخصم، والتعايش مع المختلف، وإدارة الصراع دون إبادة الآخر. ربما نتعلم أن القوة الحقيقية ليست في القدرة على سحق من هو أضعف منك، بل في القدرة على احتواء غضبك، وفهم عدوك، وإيجاد طريقة للعيش في عالم لن يكون أبداً وفق هوى قوة واحدة.
الكتاب الذي بين أيدينا ليس تنبؤاً بنهاية أمريكا، ولا تمجيداً لأعدائها. هو تشريح لتحول. تحول في مفهوم القوة، في طبيعة الحرب، في معنى النصر والهزيمة. وهو دعوة لقراءة التاريخ ليس كصراع بين الخير والشر، بل كحوار معقد، مؤلم، ومستمر، حول من نكون، وما الذي نستحق أن نتحمله من أجله.
في النهاية، النزيف تحت الجلد قد يكون علامة حياة. فالجسد الذي ينزف لا يزال حياً. والنظام العالمي الذي ينزف من تحديات اليمن ولبنان وإيران، هو نظام لا يزال يتنفس، يتألم، ويحاول - ولو متأخراً - أن يتعلم. وربما تكون هذه الدروس المؤلمة، المكتوبة بدماء الفقراء والمهمشين، هي العلاج الوحيد لغرور الأقوياء، وبوصلة جديدة لإنسانية تبحث عن طريقها في عالم معقد، لا مكان فيه للبساطة القاتلة، ولا للتفوق الوهمي.
…………..
الفصل الخامس : الفصل الخامس: أوكرانيا… فيتنام الأوروبية
الجزء الأول: الجغرافيا التي تصير قدراً، والقدر الذي يكتب جغرافيا جديدة
سهل الوديان الذي صار ساحلاً للتاريخ - تشريح الجغرافيا المُقدرة
لم يكن أحد من أولئك الفلاحين الأوكرانيين الذين حرثوا، عبر قرون، تربة "الشيرنوزيم" السوداء الخصبة - تلك التربة التي تُعتبر أخصب تربة في العالم، هبة الطبيعة الفريدة - ليخطر بباله أن حقول القمح والشعير والذرة الممتدة إلى الأفق، والتي جعلت من أوكرانيا "سلة خبز أوروبا"، ستتحول يوماً إلى ساحات للدبابات والجنود، وأن الرائحة الحلوة للحصاد ستُستبدل برائحة البارود والدم المحترق. هذه الأرض التي جعلت منها الجغرافيا جنةً للزراعة، بسهولها الشاسعة التي لا يعترضها سوى أنهار قليلة وتلال متواضعة، حوّلتها الجغرافيا السياسية نفسها إلى جحيمٍ للدفاع. فالسهول المفتوحة التي سهّلت حرث الأرض، سهّلت أيضاً حركة الجيوش الغازية. إنها جغرافية بلا حواجز طبيعية، بلا جبال شاهقة تحمي، بلا مضايق بحرية تصدّ؛ إنها جغرافيا العرض لا الجغرافيا العمق، حيث الكل مرئي والكل قابل للاختراق.
أوكرانيا: الاسم نفسه يحمل قدرها. "أوكر-راينا" في السلافية القديمة تعني "البلد الحدودي"، "الأرض الواقعة على الحافة". إنها لم تكن يوماً مركزاً، بل كانت دائماً هامشاً، حافة، منطقة تماس بين عوالم. تقع على حافة عالمين متصارعين منذ الأزل: عالم أوروبا الغربية وعالم روسيا الأوراسي. هي البوابة الجنوبية التي دخل منها جحافل المغول بقيادة باتو خان في القرن الثالث عشر لتدك مدن أوروبا الشرقية. هي الجسر الذي عبرت عليه جيوش نابليون البونابرت في 1812 في مسيرتها الكارثية نحو موسكو. هي الممر الذي سلكته قوات هتلر النازية في عملية بارباروسا 1941، في أكبر غزو عسكري في التاريخ. وهي، في الحرب الباردة، الحد الفاصل المتخيل بين المعسكرين، الخط الذي قسم العالم إلى شرق وغرب. تاريخ أوكرانيا كله، إذن، هو تاريخ التوتر بين الانتماءات المتعددة، تاريخ البحث عن هوية بين قوى جبارة. بين أوروبا وروسيا، بين الكاثوليكية والأرثوذكسية، بين الثقافة البولندية-الليتوانية والتأثير الروسي، بين حلم الاستقلال وجبروت الإمبراطوريات.
والآن، تعود الدورة التاريخية لتكمل دورتها الأبدية. تتحول أوكرانيا مرة أخرى إلى ساحة الصراع المركزي. لكن هذه المرة، بمعنى مختلف جذرياً يكشف عن تحوّل في طبيعة الصراع العالمي: هذه ليست حرباً على أوكرانيا بالمعنى التقليدي، أي لاحتلالها أو ضمها فحسب. إنها، بشكل أعمق، حرب عبر أوكرانيا. روسيا لا تقاتل جيشاً أوكرانياً فحسب، بل تقاتل حلف الناتو الممتد، والتكنولوجيا الغربية، والإرادة الأطلسية المتجسدة في كييف. والغرب، بالمقابل، لا يدافع عن أوكرانيا ككيان مجرد، بل يقاتل روسيا باستخدام الأراضي والدم الأوكراني كساحة اختبار وكخط دفاع أول. أوكرانيا هي الجسد الذي تدور فيه المعركة، الدم الذي يُسفَك في حرب وكالة باردة أصبحت ساخنة. إنها المختبر المفتوح حيث تختبر القوى العظمى أسلحتها، إرادتها، ونظرياتها الجيوسياسية، بينما يدفع الشعب الأوكراني الثمن الأكبر: وجوده، أرضه، مستقبله.
فيتنام: شبح يعود من الماضي الأمريكي - جروح لم تندمل
لنعد بالزمن نصف قرن إلى الوراء، إلى الأدغال الكثيفة ومستنقعات دلتا ميكونغ في جنوب شرق آسيا.
فيتنام، 1965-1975: كانت هذه الحرب أكثر من مجرد صراع عسكري؛ كانت زلزالاً وجودياً هز أركان أمريكا من الداخل. الأرقام لا تكفي لوصفها: 58,000 قتيل أمريكي شاب، وأكثر من تريليون دولار بالأسعار الحالية أُهدرت، ومجتمع مزق نفسه إرباً بين مؤيد ومعارض، وصدمة نفسية جماعية عبرت عنها أفلام مثل "الصياد" و"مشمش أبرامز". لكن الأهم من الأرقام كان الدرس الوجودي الذي استقر في العقل الجمعي الأمريكي: لقد هُزمت أعظم قوة عسكرية في التاريخ، ليس على يد جيش نظامي آخر، بل على يد مقاتلين بسطاء يرتدون صندلاً، يتحركون كأشباح في الغابة، ويقاتلون بإرادة لا تنكسر. كانت هزيمة التكنولوجيا المطلقة أمام الإرادة المطلقة، وهزيمة المنطق العسكري الغربي أمام فن الحرب الشعبي.
الدرس الذي تعلمته واشنطن من فيتنام كان واضحاً وصارماً، وكُتب بدماء جيل: لا تخوض حرب استنزاف طويلة على أرض بعيدة، ضد خصم يملك ميزة الأرض والإرادة. اختر حروبك بعناية (مثل حرب الخليج 1991)، ابحث عن نصر سريع وحاسم، تجنب التورط الطويل الذي يستنزف الروح والمال والشرعية. أصبح هذا الدرس جزءاً من العقيدة العسكرية-السياسية الأمريكية: "مبدأ باول" الذي يحذر من التدخل دون أهداف واضحة ومخرج واضح ودعم شعبي.
لكن التاريخ، كما يبدو، يسخر من الدروس التي نتعلمها. لأنه اليوم، في قلب أوروبا القرن الحادي والعشرين، تقدم أوكرانيا للولايات المتحدة وحلفائها صورة مرعبة تشبه شبح فيتنام الذي ظنوه دفنوه. رغم كل الاختلافات الظاهرة (المناخ، الجغرافيا، الثقافة)، تقدم أوكرانيا نفس النموذج الأساسي: حرب استنزاف طويلة الأمد، تكلفة مالية وبشرية متصاعدة بلا نهاية مرئية، أهداف استراتيجية متحركة وغير واضحة (ما هو "النصر" هنا؟ تحرير كل الأراضي؟ إضعاف روسيا؟)، ومخارج سياسية وعسكرية تبدو مغلقة. أمريكا تجد نفسها مرة أخرى تضخ مليارات الدولارات في حرب لا تستطيع كسبها عسكرياً بشكل حاسم، ولا تستطيع الانسحاب منها سياسياً دون خسارة فادحة للمصداقية والنفوذ. فيتنام الأوروبية ليست مجرد استعارة بلاغية؛ إنها تشخيص لمرض استراتيجي متكرر: وهم أن القوة التقنية والمالية يمكنها دائماً أن تفرض الإرادة على الجغرافيا والتاريخ وإرادة الشعوب.
الجزء الثاني: تشريح حرب الاستنزاف: الجبهة العسكرية
حرب المدفعية: عودة مخيفة إلى 1916 - كابوس الخنادق في العصر الرقمي
المفارقة العسكرية الكبرى، والمربكة، في حرب أوكرانيا، هي هذا الارتداد المذهل إلى الماضي. في عصر كان يُفترض فيه أن الحروب ستكون خاطفة، دقيقة، تقنية عالية، حروب "الشوكات الإلكترونية" و"الصواريخ الذكية"، نجد أنفسنا نعيش إعادة تمثيل مروعة لحرب الخنادق في الحرب العالمية الأولى. المشهد في دونباس وباخموت يذكرنا بشكل مخيف بفردان والسوم:
· خطوط خنادق متعرجة تمتد مئات الكيلومترات، تحفرها الجيوش ثم تتحصن فيها لأشهر. · معارك استنزاف وحشية تدور حول كل قرية، كل تلة، كل تقاطع طرق، حيث تُقاس المكاسب بالأمتار لا بالكيلومترات. · السلاح الحاسم هو المدفعية: ليس الصواريخ البعيدة المدى فحسب، بل الهاوتزر (المدافع المقطورة) من عيار 152 و155 ملم، التي تمطر الخنادق بوابل مستمر من الحديد والنار. · الهجمات والهجمات المضادة التي تكتسب بضع مئات من الأمتار ثم تفقدها تحت وابل مضاد، في دورة من العبث الدموي.
السؤال المحير: لماذا هذا التحول؟ لماذا تعود الحرب إلى شكلها الأكثر بدائية وأكثر دموية؟
الجواب يكمن في أن التقنيات الحديثة، رغم كل روائعها، لم تلغِ المبادئ الخالدة للحروب البرية الكبرى. بل إنها، في بعض الأحيان، عززتها:
1. الكثافة النيرانية (Mass of Fire): المبدأ القديم القائل بأن من يطلق قذائف أكثر يفوز، لا يزال سارياً. الطائرات بدون طيار والاستطلاع بالأقمار الصناعية تجعل التجمعات الكبيرة للقوات هدفاً سهلاً. لذلك، توزعت القوات على خطوط طويلة، وأصبح الفوز لمن يملك مخزوناً أكبر من القذائف لإطلاقه على طول الجبهة. 2. الموارد البشرية: في حرب الاستنزاف، من يملك احتياطيات بشرية أكبر ويستعد لخسائر أكثر يتحمل أكثر. روسيا، رغم خسائرها الهائلة، تملك قاعدة سكانية أكبر بكثير من أوكرانيا، مما يمنحها ميزة في معادلة الصمود البشري القاسية. 3. قوة التحمل النفسي والمادي: الحرب أصبحت اختباراً للصمود الوطني الشامل: صمود الاقتصاد تحت العقوبات، صمود الصناعة العسكرية تحت الضغط، صمود الروح المعنوية للشعب تحت القصف. من ينهار داخلياً أولاً يخسر.
النتيجة هي ما يسميه العسكريون بـ "مطحنة اللحوم" (Meat Grinder)، لكن بنسخة القرن الحادي والعشرين: آلة حرب تطحن الأرواح والمعدات بلا رحمة، باستخدام مزيج من التكنولوجيا الفائقة (الأقمار الصناعية، الطائرات بدون طيار) والتكتيكات البدائية (الخنادق، الهجمات الموجة البشرية أحياناً). إنها حرب ازدواجية، حيث يتعايش الماضي والمستقبل في ساحة واحدة، وينتج عن هذا التعايش جحيماً جديداً.
استنزاف الذخائر: عندما تنفد ترسانات العالم وتتكشف هشاشة الصناعة
الرقم الذي هز دوائر الصناعة العسكرية الغربية: في بضعة أشهر فقط من القتال المكثف في 2022-2023، استهلكت أوكرانيا ذخائر مدفعية تفوق ما استهلكته القوات الأمريكية في سنة كاملة من القتال في أفغانستان. هذه الحقيقة تكشف عن فجوة هائلة بين خطط الحرب النظرية وواقعها. الغرب خطط لحروب خاطفة، لحروب جوية ذات دقة عالية، وليس لحرب مدفعية كلاسيكية تستهلك عشرات الآلاف من القذائف يومياً.
لكن المشكلة ليست فقط في كمية الذخائر المستهلكة، بل في نوعية ووتيرة الإنتاج، وهنا تظهر فجوة فلسفية-صناعية بين النظامين الغربي والروسي:
أمريكا وأوروبا تعتمدان على نموذج إنتاجي "جودة عالية، كمية محدودة":
· خطوط إنتاج بطيئة ومحكمة: مصانع الذخائر تعمل في ظل مواصفات دقيقة ومعقدة، وبرامج إنتاج سنوية محددة مسبقاً. · عقود حكومية معقدة وبطيئة: عملية طلب الذخائر تمر ببيروقراطية طويلة: مناقصات، موافقات كونغرسية، عقود مع شركات دفاعية قليلة الاحتكار. · معايير جودة وأمان عالية جداً: كل قذيفة تخضع لفحوصات صارمة، مما يرفع الكلفة ويبطئ الإنتاج. · تكاليف عمالة وتشغيل مرتفعة: الأجور العالية، متطلبات السلامة والبيئة، تجعل الإنتاج الغربي فعالاً من حيث الجودة، لكنه غير فعال من حيث السرعة والكم.
روسيا تعتمد على نموذج إنتاجي "كمي وبسيط":
· خطوط إنتاج سوفيتية قديمة ولكنها ضخمة ومجهزة للإنتاج الحربي الشامل: مصانع تعود للحرب الباردة، صُممت خصيصاً لحرب شاملة طويلة الأمد ضد الناتو. · قدرة على تسريع الإنتاج وزيادة الورديات: يمكن تشغيل المصانع على مدار الساعة بثلاث ورديات، باستخدام عمالة أقل تكلفة. · معايير أقل تعقيداً: فلسفة "جيدة بما يكفي" للمعركة. القذيفة لا يجب أن تكون مثالية، بل يجب أن تنفجر في المكان المطلوب. هذا يقلل وقت التصنيع. · تكاليف إنتاج منخفضة: المواد الخام رخيصة نسبياً، والأجور منخفضة، والبيروقراطية أقل.
النتيجة الفاضحة: بينما ينتج الغرب الذخائر بالتقويم (بخطط سنوية)، تنتجها روسيا بالساعة (باستجابة فورية لطلبات الجبهة). هذه الفجوة أجبرت حلف الناتو على فتح مستودعاته القديمة وإرسال ذخائر من عهد الحرب الباردة إلى أوكرانيا، وكشفت عن هشاشة غير متوقعة في قاعدة الصناعة الدفاعية الغربية، التي اعتقدت أن عصر حرب الاستنزاف بالمدفعية قد ولى.
الأسلحة الغربية في اختبار الواقع: عندما تلتقي التكنولوجيا المتطورة بقسوة الأرض
النظام العسكري الأمريكي، وهو الأغلى والأكثر تطوراً في التاريخ، قائم على فلسفة التفوق النوعي المطلق. فكرة أن دبابة واحدة من نوع أبرامز، أو طائرة واحدة من نوع إف-16، أو منظومة هايمارس واحدة، تساوي عشرات أو مئات من نظيراتها الروسية. هذه الفلسفة أثبتت نجاعتها في حرب الخليج 1991، حيث حطمت الدبابات الأمريكية والسقوف الطائرات العراقية.
لكن في الساحة الأوكرانية الموحلة، القاسية، غير المواتية، تظهر مفارقات مؤلمة تختبر هذه الفلسفة عند نقطة الاشتباك مع الواقع:
1. التعقيد ضد البساطة: لعنة الصيانة الدبابة الألمانية "ليوبارد 2" أو الأمريكية "أبرامز" هي عجائب تكنولوجية: أنظمة رماية محوسبة، دروع مركبة متطورة، محركات قوية. لكنها تحتاج إلى صيانة معقدة وقطع غيار خاصة. في ظل ظروف القتال القاسية (الطين، الغبار، القصف)، تتعطل بسرعة. بينما الدبابة الروسية من طراز "تي-72" أو "تي-80"، رغم أنها أقل تطوراً، تم تصميمها للبساطة والمتانة. يمكن إصلاحها في ورشة ميدانية بسيطة، وقطع غيارها متوفرة بكثرة. في حرب الاستنزاف، قابلية الإصلاح في الميدان قد تكون أهم من التطور التكنولوجي في المصنع.
2. التدريب الطويل ضد السرعة: أزمة الوقت الجندي الأوكراني يحتاج إلى أسابيع أو أشهر ليتدرب بشكل كافٍ على استخدام نظام غربي معقد (كمنظومة دفاع جوي "باتريوت" أو دبابة "أبرامز"). هذا وقت لا تملكه أوكرانيا في خضم معركة وجودية. بينما النظام السلاحي الروسي، رغم أنه أقل دقة، أبسط في الاستخدام. يمكن تدريب جندي على استخدامه في أيام. في سباق ضد الزمن لتعويض الخسائر، البساطة تتفوق على التعقيد.
3. سلاسل الإمداد الطويلة: ضعف الخطوط اللوجستية كل قطعة غيار، كل قذيفة، كل لوجستية للنظام الغربي، يجب أن تأتي من آلاف الكيلومترات: من الولايات المتحدة، من ألمانيا، من بولندا. هذه خطوط إمداد طويلة، معقدة، وعرضة للهجوم (خاصة بالصواريخ والطائرات بدون طيار). بينما الخطوط اللوجستية الروسية، رغم مشاكلها، أقصر وأقل تعرضاً. المصانع في الأورال وفي روسيا نفسها أقرب إلى الجبهة من مصانع بنسلفانيا أو راينلاند.
هذا لا يعني أبداً "تفوق" النظام الروسي. بل يعني أن طبيعة الحرب في أوكرانيا تفضل، في هذه المرحلة، بعض مزايا النظام الروسي التقليدي. لقد خلقت ساحة القتال هذه قوانينها الخاصة: قوانين تفضل الكم الهائل من النيران، والبساطة، والقدرة على التحمل، على التعقيد الباهر، والدقة الفائقة، والتكلفة العالية. إنه صراع بين فلسفتين: فلسفة "الكيف" الغربية، وفلسفة "الكم" الروسية المعدلة. والحرب، كالمدرسة القاسية التي لا ترحم، تُظهر أن الظروف على الأرض هي التي تحدد أيهما أنسب، وليس المواصفات الفنية في الكتيبات الإعلانية. أوكرانيا أصبحت المختبر الأكبر الذي يختبر نظريات الحرب الغربية في مواجهة واقع أرضي قاسٍ وعدو لا يعرف الرحمة.
…..
الفصل الخامس: أوكرانيا… فيتنام الأوروبية
الجزء الثالث: الجبهة الاقتصادية: حرب الأرقام الصامتة
الطاقة: سلاح روسيا الأقوى - تشريح الاعتماد القاتل
قبل أن تبدأ أول دبابة عبورها للحدود في فبراير 2022، كانت الخريطة الطاقية لأوروبا ترسم صورةً من الاعتماد المرضي، المريح، والمميت. لقد نسجت عقود من العلاقات التجارية شبكة من الأوعية الدموية الطاقةية تربط جسد أوروبا الصناعي بقلب روسيا النابض بالغاز والنفط. كانت الأرقام تتحدث بلغة الاعتماد الصارخ:
· 40% من الغاز الطبيعي الأوروبي كان يأتي من الأنابيب الروسية، خصوصاً عبر خطوط "نورد ستريم" و"يامال". · 27% من النفط الأوروبي المستورد كان يحمل العلامة الروسية. · 46% من الفحم الذي تغذت عليه مصانع الصلب ومحطات الطاقة كان قادماً من مناجم سيبيريا.
كانت هذه معادلة الراحة القاتلة: أوروبا تحصل على طاقة رخيصة نسبياً ومستقرة، وروسيا تحصل على عملة صعبة ونفوذ سياسي. لقد حولت برلين وباريس ولندن مصادر طاقتها الحيوية إلى سلاح جيوسياسي جاهز في يد الخصم، دون أن تدرك ذلك تماماً.
الحرب لم تغير هذه المعادلة فحسب؛ بل حطمتها كزجاج على صخرة الواقع الجيوسياسي. لكن ثمن التحرر من هذا الاعتماد كان، ويبقى، باهظاً بشكل مأساوي، وكشف عن هشاشة لم تكن في الحسبان.
أولاً: التضخم - الطاعون الاقتصادي الحديث عندما أغلقت صمامات الغاز، لم تكن النتيجة مجرد نقص في الإمدادات، بل كانت زلزالاً تضخمياً هز أسس الاقتصاد الأوروبي:
· أسعار الطاقة تضاعفت 3-4 مرات في ذروة الأزمة. لم يعد الغاز والنفط مجرد سلعة، بل أصبحا سلاحاً مالياً يضرب جيب المواطن والشركة على حد سواء. · تكاليف الإنتاج ارتفعت في كل الصناعات، من الصلب إلى الأسمدة إلى الزجاج. الطاقة هي دم الصناعة، وعندما يرتفع سعر الدم، يمرض الجسد الاقتصادي كله. · القوة الشرائية للمواطنين الأوروبيين تراجعت بشكل كارثي. فواتير التدفئة والكهرباء أصبحت سيفاً مسلطاً على ملايين الأسر، مما أجبر الحكومات على إنفاق مئات المليارات في إعانات طارئة، مما زاد من أعباء الديون العامة.
ثانياً: إعادة الهيكلة القسرية - عملية جراحية اقتصادية بلا مخدر اضطرت أوروبا لإجراء إعادة هيكلة طارئة ومرتجلة لنظامها الطاقي:
· التحول إلى الغاز المسال الأمريكي (LNG): من الاعتماد على الأنابيب الرخيصة والمباشرة، إلى الاعتماد على سفن شحن عملاقة تأتي من وراء المحيط. هذه العملية أكثر كلفة بمرتين أو ثلاث، وأقل استقراراً (معرضة لتقلبات السوق العالمي والأعاصير). · استثمارات ضخمة وسريعة في البنى التحتية: بناء محطات استقبال الغاز المسال الجديدة، وتعديل شبكات التوزيع. هذه استثمارات ستستغرق سنوات وسنوات لتعطي ثمارها، وستكون عبئاً على الميزانيات. · تأخر، بل تراجع، في الانتقال الأخضر: تحت ضغط الحاجة الماسة، عادت دول مثل ألمانيا إلى تشغيل محطات الفحم الملوثة، بل وهدمت قرى لفتح مناجم فحم جديدة. كان هذا تراجعاً مذلاً عن أهداف الحياد الكربوني، وكشف أن "الاستدامة" هي ترف في زمن السلم، وليس أولوية في زمن الحرب.
ثالثاً: العواقب الصناعية - نزيف القاعدة الإنتاجية الضربة القاضية كانت على الصناعة الأوروبية، خصوصاً في ألمانيا، قلب التصنيع القاري:
· مصانع أغلقت أو خفضت إنتاجها بشكل جذري: خصوصاً الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة (كيميائية، زجاج، معادن). بعضها انتقل إلى الولايات المتحدة حيث الطاقة أرخص بسبب الغاز الصخري. · وظائف فقدت بالآلاف: كل إغلاق لمصنع يعني عائلات بلا معيل، ومجتمعات محلية تذبل. · القدرة التنافسية العالمية تأثرت بشدة: كيف تنافس منتج أوروبي تبلغ تكلفة طاقته ثلاثة أضعاف منافسه الأمريكي أو الصيني؟ هذه ضربة استراتيجية لمكانة أوروبا الصناعية في العالم.
الطاقة، في النهاية، لم تكن مجرد سلاح روسي منفصل. كانت مضاعف قوة (Force Multiplier) لكل الأسلحة الأخرى. كل صارخ "كاليبر" يطلق من البحر الأسود، وكل دبابة "تي-90" تتحرك في دونباس، كانت ممولة جزئياً باليوروات التي دفعها المستهلك الأوروبي في فاتورة غازه. لقد حولت أوروبا، عبر اعتمادها الطوعي، أموال مواطنيها إلى رصاصة موجهة إلى صدور الأوكرانيين، وإلى أزمة اقتصادية تهدد استقرارها هي نفسها. إنها مفارقة الاعتماد المميتة: أن تصبح مصدر قوتك (الطاقة الرخيصة) هو مصدر ضعفك القاتل. والحرب في أوكرانيا كانت الجراحة التي كشفت عن هذا السرطان، وعن الثمن الباهظ لاستئصاله.
المساعدات المالية: نزيف الغرب - حين يصبح الدعم الخارجي أزمة داخلية
لننظر إلى الأرقام المجردة، فهي تصرخ بحجم الالتزام:
· الولايات المتحدة: أكثر من 100 مليار دولار من المساعدات العسكرية والإنسانية والمالية المباشرة. · الاتحاد الأوروبي: أكثر من 80 مليار يورو عبر حزم دعم متنوعة. · بريطانيا وكندا ودول أخرى: عشرات المليارات الإضافية.
لكن هذه الأرقام الضخمة، التي تتراكم كالجبال في سجلات الميزانيات، لا تخبر القصة كاملة. فهي لا تخبر عن التكلفة الحقيقية الخفية، عن الفرص الضائعة، عن النزيف الداخلي الذي تحدثه هذه المساعدات الظاهرة.
1. تأثير التضخم الملتهم: المليار الذي صار نصف مليار بسبب التضخم الجامح الذي أطلقته الحرب ذاتها (وارتفاع أسعار السلع والخدمات العسكرية)، فإن القيمة الحقيقية للمال تنكمش. المليار دولار الذي خصصه الكونغرس الأمريكي في 2022 كان يشتري ذخيرة ومعدات أكثر مما يشتريه المليار نفسه في 2024. إنه سباق ضد الزمن والتضخم: تحتاج إلى ضخ أموال أكبر وأكبر لمجرد الحفاظ على مستوى الدعم نفسه. المساعدات تصبح مثل الركض على عجلة دوارة: كلما ركضت أسرع (أنفقت أكثر) لتبقى في نفس المكان (تحافظ على مستوى الدعم)، كلما تعبت أكثر (زاد العجز المالي).
2. فساد وتسريب: عندما يضيع الدم في الطريق إلى القلب في فوضى الحرب وانهيار المؤسسات، جزء من هذا السخاء الغربي لا يصل إلى هدفه. هناك تقارير عن:
· فساد: مسؤولون أوكرانيون أو وسطاء يستغلون الفوضى لتحويل الأموال إلى حساباتهم. · تسريب إلى السوق السوداء: أسلحة وذخائر وغذاء ودواء تُباع في أسواق موازية، وقد تصل حتى إلى أيدي خصوم أو عصابات. · عدم الكفاءة والإسراف: مشتريات بأسعار مبالغ فيها، أو معدات لا تناسب حاجة الجبهة الحقيقية. هذا النزيف الجانبي لا يعني أن المساعدات غير فعالة، بل يعني أن جزءاً كبيراً من الدم يضيع قبل أن يصل إلى الجرح النازف.
3. التكاليف غير المباشرة الخفية: جبل الجليد الاقتصادي تحت سطح المساعدات المباشرة، يكمن جبل جليد من التكاليف غير المباشرة التي تثقل كاهل المواطن الغربي:
· استضافة ملايين اللاجئين الأوكرانيين: تكاليف السكن، الصحة، التعليم، الإعانات الاجتماعية. هي مساعدة إنسانية ضرورية، لكنها مليارات إضافية من ميزانيات الدول الأوروبية. · زيادة الإنفاق الدفاعي الداخلي: كل دولة أوروبية تسارع لرفع إنفاقها الدفاعي إلى 2% أو أكثر من الناتج المحلي. هذه مليارات تنقل من قطاعات التنمية إلى قطاع الدفاع. · الخسائر الاقتصادية الناجمة عن العقوبات نفسها: عندما توقف أوروبا استيراد النفط والغاز الروسي، لا تخسر روسيا فحسب، بل تخسر الشركات الأوروبية التي كانت تربح من هذه التجارة، وتخسر الحكومات من الرسوم الجمركية.
النتيجة النهائية المرة: تنافس الأولويات كل دولار، كل يورو، كل جنيه استرليني يُرسل إلى أوكرانيا، هو مال يُسحب من مشاريع داخلية ملحة. هذا هو جوهر المعضلة السياسية والأخلاقية التي تواجه حكومات الغرب:
· في أمريكا، طرق ومدارس وجسور تتهدم، بينما المليارات تتدفق لكييف. · في أوروبا، أزمة تكاليف معيشية خانقة، بينما الميزانيات تنفق على الحرب. · في كل مكان، تساؤل يتردد: "لماذا ننفق على أوكرانيا بينما مشاكلنا الداخلية تتفاقم؟"
هذا النزيف الداخلي من الشرعية السياسية هو الأخطر. فهو لا يستنزف الخزائن فحسب، بل يستنزف التضامن الاجتماعي، وثقة المواطن في حكوماته، والإجماع الوطني حول أولويات الدولة. إنها حرب على جبهتين: جبهة أوكرانيا العسكرية، وجبهة الداخل السياسية-الاجتماعية. والخطر أن تضعف الجبهة الداخلية قبل أن تحسم الجبهة الخارجية.
العقوبات: سلاح ذو حدين - درس في قوة المرونة وقصور القوة
العقوبات الغربية على روسيا، في تصميمها ونطاقها، كانت الأقسى والأوسع في التاريخ. لقد حاولت واشنطن وبروكسل تنفيذ ما وصفته بـ "القتل الاقتصادي" للنظام الروسي:
· تجميد حوالي 300 مليار دولار من الاحتياطيات الأجنبية للبنك المركزي الروسي، محولةً هذه الثروة من ضمانة اقتصادية إلى رهينة سياسية. · عزل البنوك الروسية الكبرى عن نظام SWIFT العالمي، محاولة خنق شريان التمويل للدولة والشركات. · حظر تصدير التكنولوجيا المتطورة (أشباه الموصلات، برمجيات، معدات نفطية)، بهدف تجميد التقدم التكنولوجي الروسي وإصابة صناعاته. · فرض سقف لسعر النفط الروسي، لمحاولة تقليص عائداته النفطية دون إحداث صدمة في الأسواق العالمية.
لكن بعد أكثر من عامين، تُظهر النتائج صورة معقدة ومتناقضة، تثبت أن العقوبات هي سيف ذو حدين، يمكن أن يجرح من يمسكه بقدر ما يجرح من يُوجه إليه.
نجاحات العقوبات: الضربات المؤلمة لا يمكن إنكار أن العقوبات أحدثت ألماً اقتصادياً حقيقياً:
· عجز في الميزانية الروسية: بسبب انخفاض عائدات الطاقة (وإن لم تكن كارثية) وزيادة الإنفاق العسكري الهائل. · تراجع حاد في قيمة الروبل في فترات، مما قلل القوة الشرائية للمواطنين. · هروب جماعي للشركات الأجنبية الكبرى (مثل ماكدونالدز، آي كيا، مرسيدس)، مما خلق فراغاً في سوق الخدمات والسلع الاستهلاكية. · نقص حقيقي في بعض السلع التكنولوجية المتطورة، أثر على الصناعات المدنية والعسكرية.
إخفاقات العقوبات: المرونة غير المتوقعة لكن الصدمة الكبرى كانت في فشل العقوبات في تحقيق هدفها الاستراتيجي الأكبر: إضعاف النظام أو إسقاطه، أو إجباره على الانسحاب من أوكرانيا. بل إنها حققت عكس ذلك في نواحٍ عدة:
· الاقتصاد الروسي لم ينهار، بل تكيف: انتقل من نموذج الاندماج مع العولمة الغربية إلى نموذج "الاقتصاد الحربي المعزول". الإنتاج المحلي زاد في مجالات، والتجارة أعيد توجيهها. · روسيا وجدت بدائل في آسيا: الصين أصبحت الشريك التجاري الأول، مشترية النفط والغاز والسلع الروسية، وبائبة التكنولوجيا والسلع الاستهلاكية. الهند انتهزت الفرصة لشراء النفط الروسي المخفض بأسعار كبيرة. تركيا وغيرها أصبحت معابر وشركاء. · العقوبات عجلت "بالتوجه شرقاً" الذي كانت روسيا تفكر فيه بطيئاً، فجعلته ضرورة استراتيجية سريعة. هذا يقوي المحور الروسي-الصيني ويضعف النظام الغربي المرتكز على الهيمنة الأمريكية. · كسر جدار الوحدة الغربية: دول مثل الهند، البرازيل، جنوب أفريقيا، وإندونيسيا رفضت الانضمام للعقوبات، وازدادت تجارتها مع روسيا. لقد كشفت العقوبات عن حدود القوة الغربية وعن ظهور عالم متعدد الأقطاب لا يخضع لأوامر واشنطن.
المفارقة التاريخية الكبرى: العقوبات التي تقوي النظام هنا تكمن المفارقة المأساوية للعقوبات: بدلاً من إضعاف النظام الذي استهدفته، قد تكون قوّته:
· بوتين أصبح أكثر شعبية داخل روسيا: تم تصوير العقوبات كـ "حرب اقتصادية من الغرب" ضد الشعب الروسي، مما عزز الخطاب الوطني وحشد الدعم خلف القيادة في "وقت المحنة". · الاقتصاد الروسي يتعلم "الاعتماد على الذات": كما حدث لإيران، فإن الحصار يجبر على استبدال الواردات وتطوير الصناعة المحلية، مما قد يقوي الهيكل الاقتصادي على المدى الطويل، رغم الألم القصير. · التحالف مع الصين يتعمق ويصبح استراتيجياً: من علاقة مصلحة إلى شراكة وجودية في مواجهة النظام الغربي. هذا يخلق كتلة جيوسياسية معادية قد تكون أقوى من كل منهما منفردة.
العقوبات، في النهاية، كشفت عن تحول جيوسياسي عميق. لقد كانت سلاح العولمة الأحادية القطبية، مصممة في عصر كانت فيه واشنطن تسيطر على النظام المالي والتجاري العالمي. لكنها وُجهت في عالم يتجه نحو التعددية القطبية، حيث توجد بدائل عن الدولار، وعن SWIFT، وعن الأسواق الغربية. إنها معركة بين نظام عالمي قديم يحاول فرض إرادته، ونظام عالمي جديد يتشكل من رحم رفض هذه الإرادة. والعقوبات على روسيا قد تُذكر في المستقبل ليس كضربة قاضية، بل كـ اللحظة التي أدرك فيها العالم أن هناك حياة خارج النظام الغربي، وأن الإكراه الاقتصادي له حدود، وأن الدول التي تملك الموارد والإرادة يمكنها أن تصمد، بل وأن تخرج من الحصار أقوى إرادةً، وإن كانت أفقر سلعةً. إنه درس قاسٍ في فارق بين القوة المالية والقوة السياسية، وبين الهيمنة على الأنظمة والسيطرة على النتائج.
……..
الفصل الخامس: أوكرانيا… فيتنام الأوروبية
الجزء الرابع: الجبهة السياسية والنفسية
الدعم الغربي: التماسك الذي يتصدع - تآكل القلعة الأطلسية
في فجر الغزو الروسي، شهد العالم ظاهرة تضامنية نادرة: قلعة الغرب الأطلسية المتصدعة أعادت تراص حجارتها في لمح البصر. لقد كان التماسك مذهلاً في بساطته المرعبة: كتلة متراصة من الإرادة الجمعية تشكلت كما يتشكل الجليد في ليلة قطبية. كل دول الناتو، من البرتغال إلى بولندا، فتحت ترساناتها وبدأت في ضخ الأسلحة كأنها دماء تُنقل إلى جسد ينزف. الاتحاد الأوروبي، ذلك الكيان البطيء المعقد، تحول فجأة إلى منظمة إغاثة عملاقة، فتح أبوابه لملايين اللاجئين الأوكرانيين في حركة تضامن إنساني لم تشهدها القارة منذ الحرب العالمية الثانية. أما الرأي العام الغربي، فكان بحماسه أشبه بمد وجزر عاطفي: علم أوكرانيا الأزرق والأصفر يرفرف من شرفات باريس وبرلين ولندن، والتبرعات تتدفق، وصور المدنيين الأبطال تملأ الشاشات.
لكن المرحلة الثورية الأولى، بكل حماسها العفوي، لا تستطيع الصمود أمام قوانين التاريخ والجغرافيا والاقتصاد الباردة. فمع استمرار الحرب، ومع تحولها من صدمة قصيرة إلى واقع مزمن، بدأت الشقوق تظهر في جدار التضامن هذا. لم تكن هذه الشقوق جديدة؛ بل كانت خطوط الصدع القديمة التي طليت بطبقة رقيقة من الدهان التضامني، وسرعان ما بدأت في الظهور تحت ضغط الزمن والموارد المحدودة.
أولاً: الانقسام بين الغرب والجنوب العالمي - حوار الصم بين عالمين لقد كشفت الحرب عن فجوة رؤيوية هائلة بين الغرب وبقية العالم. فبينما رأت واشنطن وبروكسل في الغزو الروسي انتهاكاً للقانون الدولي وتحدياً للنظام الليبرالي العالمي الذي تقوده، نظرت دول أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية إلى المشهد بعيون مختلفة تماماً. هي لا ترى في الحرب شأناً يخصها، بل تراها صراعاً بين قوى عظمى على مناطق نفوذ في الفناء الخلفي لأوروبا.
والأمر الأعمق هو اتهام النفاق التاريخي الذي توجهه هذه الدول للغرب: كيف يمكن للقوى الاستعمارية السابقة أن تدعي الدفاع عن السيادة في أوكرانيا بينما تتجاهل صراعات أخرى؟ أين كان هذا التضامن عندما دُمرت اليمن؟ أين هو عندما احتلت فلسطين؟ لقد تحولت الحرب الأوكرانية إلى مرآة تعكس ازدواجية المعايير الغربية، حيث تكون السيادة مقدسة إذا انتهكها الخصم الجيوسياسي، وتكون قابلة للتجاهل إذا انتهكها حليف أو إذا كانت في عالم الجنوب.
وهكذا، اختارت غالبية دول العالم الحياد النشط، رافضة الانحياز إلى أي من المعسكرين. لقد صوتت في الأمم المتحدة أحياناً ضد روسيا، لكنها رفضت العقوبات، وزادت تجارتها مع موسكو، وتبنت خطاباً يدعو إلى الحلول السلمية دون إدانة واضحة. هذا الموقف ليس براغماتياً فحسب؛ بل هو بيان استقلال جيوسياسي من عالم يرفض أن يكون تابعاً في سردية الحرب الباردة الجديدة.
ثانياً: التباين داخل أوروبا - قارة منقسمة في قلب الاتحاد حتى داخل المعسكر الغربي نفسه، لم يكن التماسك حقيقياً بالكامل. فتحت سطح الوحدة، كانت انقسامات تاريخية وجيوسياسية عميقة تعود للظهور:
· دول شرق أوروبا (بولندا، دول البلطيق، التشيك): ترى في الحرب معركة وجودية مع التاريخ نفسه. بالنسبة لها، روسيا ليست مجرد دولة جارة، بل هي إمبراطورية قمعية عانت منها لقرون. تريد هذه الدول هزيمة روسيا كاملة وحاسمة، وترى في أي تفاوض مبكر خيانة وخطورة وجودية. · دول غرب أوروبا (ألمانيا، فرنسا، إيطاليا): تخشى من التصعيد النووي ومن دفع روسيا إلى الهاوية. تفضل هذه الدول حلاً تفاوضياً، وترى الحرب ككارثة يجب إنهاؤها بأقل الخسائر، حتى لو يعني ذلك تنازلات إقليمية. ذاكرة الحربين العالميتين ما تزال حية هنا، والرعب من تصعيد غير محسوب يجعلها أكثر حذراً. · الدول المتعطلة (المجر، تركيا): تمارس دبلوماسية المصلحة الوطنية الضيقة. المجر بقيادة أوربان تعطل إجماع الاتحاد الأوروبي لاستخراج تنازلات مالية وسياسية. تركيا تلعب على الحبلين: تبيع مسيرات لأوكرانيا، وتغض الطرف عن تهريب النفط الروسي، وتعارض انضمام السويد لفنلندا إلى الناتو. هذان البلدان يظهران أن التماسك الغربي ليس مقدساً عندما تتعارض مع المصالح الوطنية الضيقة.
هذه الانقسامات تجعل من صنع القرار الأوروبي الموحد عملية شبه مستحيلة. كل قرار كبير (إرسال دبابات، طائرات، تحديد أهداف النصر) يصبح معركة داخلية مرهقة، تستنزف الطاقة السياسية وتكشف عن هشاشة البناء الأوروبي في مواجهة الأزمات الكبرى.
ثالثاً: الانقسام الداخلي في أمريكا - الحرب التي تقسم القلب النابض للغرب أخطر الشقوق على الإطلاق هي تلك التي تظهر في الولايات المتحدة، حجر الزاوية في التحالف الغربي والنظام الدولي الليبرالي.
· الانقسام الحزبي: تحول الدعم لأوكرانيا من قضية وطنية إلى قضية حزبية. الجمهوريون، وخصوصاً جناح ترامب والقوميين الشعبويين، يطالبون بمراجعة المساعدات الهائلة. يسألون: "لماذا ننفق مليارات على أوكرانيا بينما حدودنا الجنوبية مفتوحة، ومشاكلنا الداخلية تتزايد؟" هذا الخطاب يجد صدى في جزء من الناخبين الذين يرون أن أولوية أمريكا يجب أن تكون "أمريكا أولاً". · إرهاق الرأي العام: الشعب الأمريكي، الذي دعم أوكرانيا بحماس في البداية، بدأ يفقد الصبر. التضخم، أزمة التكلفة المعيشية، المشاكل الداخلية - كلها تجعل الإنفاق الخارجي يبدو ترفاً غير مقبول. استطلاعات الرأي تظهر تراجعاً مطرداً في الدعم للمساعدات غير المحدودة. · عاصفة الانتخابات 2024: تلوح في الأفق انتخابات رئاسية قد تغير كل شيء. عودة ترامب أو أي جمهوري من مدرسته قد تعني انسحاباً أمريكياً دراماتيكياً من الدعم لأوكرانيا، أو على الأقل، تحويله إلى ورقة مساومة مع روسيا. حتى لو فاز الديمقراطيون، فإن الكونغرس المنقسم قد يشل قدرة بايدن على الاستمرار في الدعم بنفس المستوى.
هذا الانقسام الأمريكي هو التهديد الوجودي للمشروع الأوكراني وللتماسك الغربي. لأن أمريكا ليست مجرد دولة مساعدة؛ هي القلب النابض، الممول الرئيسي، الضامن النهائي. إذا تخلت واشنطن، أو حتى خفضت دعمها بشكل كبير، فإن كل البناء الأوروبي الهش قد ينهار. الحرب في أوكرانيا، إذن، أصبحت اختباراً ليس فقط للمصداقية الغربية، بل لاستمرارية النظام العالمي الذي تقوده أمريكا. والشقوق الأمريكية قد تكون بداية تصدع في النظام الدولي برمته.
الحرب النفسية: صراع الروايات - معركة المعنى في زمن الضباب
هذه الحرب لا تدور فقط على الأرض، في الخنادق الموحلة وفي المدن المدمرة. بل هي تدور، وبشراسة لا تقل، في عالم المعنى، في ساحات الوعي الجمعي، في فضاء الروايات المتصارعة. ففي عصر المعلومات، حيث أصبحت الصور أسرع من الصواريخ والبيانات أكثر فتكاً من القذائف، تحولت الحرب النفسية إلى جبهة مستقلة، بل إلى الجبهة الحاسمة أحياناً.
الرواية الغربية: قصة الخير والشر في نسخة القرن الحادي والعشرين تقدم الرواية الغربية للحرب سردية أخلاقية واضحة:
· روسيا هي المعتدي: قوة إمبريالية عدوانية تعود إلى أسوأ تقاليد التوسع القسري. · أوكرانيا هي الضحية البريئة: ديمقراطية ناشئة تعرضت للاغتصاب من قبل جارها القوي. · الغرب هو المدافع عن القيم: يحمل راية القانون الدولي والسيادة والديمقراطية، ويدافع عنها ليس من أجل أوكرانيا فقط، بل من أجل النظام العالمي بأسره. · النصر ممكن وسيأتي: بالإرادة والتضامن والتكنولوجيا، سينتصر الحق على الباطل.
هذه الرواية بسيطة، عاطفية، وأخلاقية. وهي تهدف إلى تعبئة الرأي العام الغربي، وتقديم تبرير أخلاقي للإنفاق الهائل والتضحيات غير المباشرة. لكنها تعاني من فجوات: كيف توفق بين الدفاع عن الديمقراطية والدعم لأنظمة غير ديمقراطية في أماكن أخرى؟ كيف تشرح استمرار الحرب رغم "تفوق" الغرب الأخلاقي والمادي؟
الرواية الروسية: سردية الحصار والبقاء في المقابل، تقدم روسيا روايتها كـ قصة دفاع عن الوجود:
· الناتو هو المعتدي الحقيقي: تمدد لثلاثة عقود نحو حدود روسيا، محطماً وعوداً وتجاهلاً مخاوفها الأمنية. · أوكرانيا هي "دولة نازية": تحكمها عصابة معادية لكل ما هو روسي، تضطهد السكان الناطقين بالروسية، وتشكل تهديداً وجودياً. · روسيا هي المدافعة عن نفسها وعن العالم المتعدد الأقطاب: تقوم بعملية عسكرية خاصة لـ "نزع النازية ونزع السلاح"، ودفاعاً عن الروس العرقيين، وضد هيمنة الغرب الأحادية. · الحرب ضرورية ووجودية: ليست خياراً، بل هي ضرورة فرضتها إستراتيجية الاختناق الغربي.
هذه الرواية تستهدف الشعب الروسي أولاً، لتبرير التضحيات وتعبئة الدعم الداخلي. وهي أيضاً تستهدف العالم غير الغربي، حيث تجد صدى لدى من يرون في الغرب قوة هيمنة استعمارية جديدة. رواية "المستضعف" الذي يدافع عن نفسه ضد "المستكبر" لها جاذبية أيديولوجية وتاريخية عميقة.
الرواية الأوكرانية: ملحمة الوطنية والتضحية في الوسط، تطورت أوكرانيا روايتها الخاصة، الأكثر حيوية وعاطفية:
· شعب يدافع عن وطنه: ليست حرباً بين دول، بل هي ثورة شعب قرر أن يموت واقفاً على أن يعيش ركعاً. · صراع وجودي من أجل الهوية: معركة لتأكيد الوجود الأوكراني المستقل، المختلف عن الروسي، والانتماء إلى أوروبا. · أوروبا تدافع عن قيمها على أرض أوكرانيا: أن أوكرانيا هي الجدار الأمامي لأوروبا، والدم الذي يسفك على أراضيها هو ثمن الحرية الأوروبية بأكملها.
هذه الرواية بطلها الشعب، ورمزها الرئيس زيلينسكي الذي تحول من ممثل كوميدي إلى زعيم وقتال أسطوري. إنها رواية مأساوية ولكنها ملحمية، تخلق منها أساطير وتضحيات يومية تُبث مباشرة إلى العالم عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
ساحة المعركة الجديدة: فضاء المعلومات كمجال قتال في عصر وسائل التواصل الاجتماعي والأخبار الزائفة والحرب الإلكترونية، أصبحت الحرب النفسية جبهة مستقلة بذاتها. كل حدث على الأرض له نسختان رقميتان متناقضتان:
· كل تفجير: يُظهره الغرب كـ جريمة حرب روسية، وتظهره روسيا كـ ضربة لدعم نازي أو حتى كـ عملية مزورة. · كل هجوم مضاد: يقدمه الأوكرانيون كـ انتصار بطولي، وتقدمه روسيا كـ مناورة تكتيكية غير ذات أهمية. · كل تصريح دبلوماسي: يُقرأ في الغرب كـ إشارة ضعف روسي، ويُقرأ في موسكو كـ دليل على عقلانية وواقعية.
هذه حرب الروايات المتوازية تخلق واقعين متعايشين، كل منهما يصدقه ملايين البشر. والمشكلة أن الحقيقة الموضوعية تموت في ساحة المعركة هذه. فالانتصار لم يعد فقط بالسيطرة على الأرض، بل بالسيطرة على السردية، على المعنى، على العاطفة الجمعية. ومن يخسر حرب الروايات، حتى لو كسب معارك ميدانية، قد يخسر الحرب في النهاية. لأن الحروب الطويلة تُربح أو تُخسر في عقول الشعوب، في إرادتها للاستمرار، في اقتناعها بأن التضحية تستحق الثمن. وفي هذه المعركة العقلية، أصبحت أوكرانيا مختبراً لحرب المستقبل: حرب يكون فيها السرد أهم من السلاح، والصورة أقوى من الصاروخ، والمعنى آخر حصن يمكن أن يسقط.
….
الفصل الخامس: أوكرانيا… فيتنام الأوروبية
الجزء السادس: تداعيات عالمية - كيف تغير أوكرانيا النظام الدولي
صعود عالم متعدد الأقطاب - موت اليقينيات القديمة
لقد كانت أوكرانيا، بدمائها وخرابها، المشرط الذي فتح جثة النظام العالمي الذي ساد بعد الحرب الباردة، وكشف عن حقيقة كانت مختبئة تحت جلد العولمة اللامعة: أن ذلك النظام، بقيادته الأمريكية الأحادية، كان أكثر هشاشة وأقل حتمية مما اعتقدنا. أوكرانيا لم تبدأ هذا التحول، لكنها عجلته وكثفته وكشفت عن ملامحه بصراحة مروعة.
أوكرانيا أثبتت، بكل قسوة، حقائق كان يمكن إنكارها سابقاً:
1. أمريكا ليست القوة الوحيدة: لقد تجرأت روسيا، دولة تعتبر في المنظور الأمريكي "قوة إقليمية منبوذة"، على تحدي الهيمنة الأمريكية بشكل مباشر وصريح في ساحة كانت تعتبر ضمن النفوذ الغربي. بل ذهبت أبعد: لقد تحدت العقيدة الأساسية لما بعد الحرب الباردة - أن الحدود في أوروبا لا تتغير بالقوة. هذا التحدي لم يأتِ من منافس تقليدي كالصين، بل من قوة اعتُقد أن نجمها أفل. الرسالة: الهيمنة الأمريكية قابلة للتحدي، وليس فقط من قبل منافس مساوٍ، بل من قبل من يُعتبر أدنى مرتبة. 2. الناتو ليس منيعاً: التحالف العسكري الأقوى في التاريخ لم يمنع الحرب. بل، وفق الرواية الروسية، كان سببها الرئيسي. فكرة أن توسع الناتو يخلق بيئة أمنية أكبر لأعضائه تصطدم بواقع أن هذا التوسع أشعل صراعاً وجودياً مع روسيا. الناتو يبدو اليوم كـ عملاق مسلح حتى أسنانه لكنه مشلول الإرادة: يخشى المواجهة المباشرة، ويقاتل بالوكالة، وتنقسم صفوفه. لقد فقدت هيبته الردعية، أو على الأقل، حدود هذه الهيبة أصبحت واضحة: إنه يردع الهجوم على أعضائه، لكنه لا يمنع الحرب على جاره غير العضو. 3. الأمم المتحدة عاجزة: المنظمة التي تأسست "لإنقاذ الأجيال المقبلة من ويلات الحرب" وقفت عاجزة تماماً أمام أكبر حرب تقليدية في أوروبا منذ 1945. مجلس الأمن، القلب النابض للنظام الدولي، شلته الفيتو الروسي. الجمعية العامة أدانت، لكن إدانتها بلا أسنان. لقد كشفت الحرب أن الأمم المتحدة، في أحسن أحوالها، هي منتدى للخطاب، وليس أداة للفعل. النظام القائم على ميثاق سان فرانسيسكو أصبح نظاماً شكلياً، بينما القرارات الحقيقية تُتخذ في واشنطن، وموسكو، وبروكسل. 4. العولمة هشة: النموذج الذي ساد لثلاثين عاماً - الاعتماد الاقتصادي المتبادل كضمان للسلام - انهار في أشهر. العقوبات الشاملة، قطع سلاسل الإمداد (من الحبوب إلى أشباه الموصلات)، حروب الطاقة، كلها أظهرت أن الاقتصاد العالمي المتكامل يمكن تفكيكه وتحويله إلى سلاح. لقد تحولت العولمة من نظام لخلق الثروة إلى ساحة حرب اقتصادية، حيث الاعتماد المتبادل لم يعد ضمانة، بل أصبح نقطة ضعف.
النتيجة النهائية: عالم جديد، مرعب، وأكثر فوضوية هذه الحقائق مجتمعة ترسم صورة لعالم أقل أمريكية، أكثر تعدداً في القوى، وأكثر خطورة. إنه عالم:
· تعددية فوضوية: ليست تعددية منظمة بمؤسسات جديدة، بل هي تعددية صراعية، حيث القوى الكبرى والمتوسطة تتصارع على مناطق النفوذ، والصراعات الإقليمية تتفجر دون رادع مركزي. · عودة السياسة بالقوة: العودة إلى فقه القوة (Realpolitik) بصورتها الخام. فكرة أن القيم أو القانون الدولي يمكن أن يحل محل حسابات القوة قد تبخرت. · عدم الاستقرار كحالة دائمة: مع تراجع القوة المركزية المانعة (أمريكا)، وعدم قدرة أي قوة أخرى على ملء الفراغ بالكامل، يصبح اللااستقرار هو القاعدة. صراعات مجمدة قد تذوب، تحالفات قد تنقلب، وحروب بالوكالة قد تتفجر في أي مكان.
أوكرانيا هي نافذة على هذا العالم المستقبلي. إنها تظهر أن الانتقال من نظام أحادي القطبية إلى نظام متعدد الأقطاب لن يكون سلساً أو منظماً. بل سيكون فوضى عنيفة، مليئة بالصراعات الانتقالية حيث تختبر القوى حدود بعضها البعض، وتدفع الشعوب الصغيرة ثمن هذا الاختبار. النظام القديم يموت، والنظام الجديد لم يولد بعد، وفي هذه المرحلة الانتقالية، ولدت وحشية أوكرانيا.
إعادة تسليح أوروبا - صحوة من حلم السلام الدائم
بعد ثلاثين سنة من "سلام ما بعد الحرب الباردة"، وهو السلام الذي اعتقدت فيه أوروبا أنها دخلت مرحلة تاريخية جديدة، حيث تحل القوة الناعمة محل القوة الصلبة، وتحل العلاقات التجارية محل التحالفات العسكرية، وتصبح الحرب في القارة الأوروبية ضرباً من المستحيل - بعد كل هذا، تستيقظ أوروبا من سباتها على دوي المدافع في دونباس. وتكتشف، بذهول مروع، أنها نزعت سلاح نفسها طوعياً بينما كان جارها الضخم يعيد تسليح نفسه حتى الأسنان.
الصحوة كانت سريعة ومكلفة:
· ألمانيا: الدولة التي جعلت من "الثقافة العسكرية" شيئاً من الماضي المخزي، تعلن فجأة عن "زيادة تاريخية" في الإنفاق العسكري، مستعدة لبلوغ نسبة 2% من الناتج المحلي. إنها لحظة تاريخية: عملاق اقتصادي، قزم عسكري، يحاول فجأة أن ينمو أذرعاً. · فنلندا والسويد: دولتان محايدتان تقليدياً، تعيشان في ظل روسيا بسلام حذر، تتخلان عن عقود من الحياد وتنضمان إلى الناتو. إنه اعتراف صارخ بأن الحياد في عالم متعدد الأقطاب العدائي أصبح مستحيلاً. · بولندا: تصبح "النمر العسكري" الجديد لأوروبا، تشتري أسلحة بمليارات الدولارات من أمريكا وكوريا الجنوبية، وتتحول إلى قلعة أمامية ضد التهديد الروسي. إنها تنطلق من ذاكرة تاريخية عميقة: أن الاعتماد على وعود الغرب المجردة قد يكون انتحاراً. · فرنسا: ترفع شعار "الاستقلالية الإستراتيجية الأوروبية"، داعية إلى بناء قوة أوروبية قادرة على الدفاع عن نفسها. لكن هذا الشعار يخفي سؤالاً مريراً: هل أوروبا الموحدة سياسياً، المنقسمة ثقافياً، الضعيفة عسكرياً، قادرة على صنع إرادة دفاعية موحدة؟
السؤال المركزي الذي يلوح كشبح: هل يمكن لأوروبا أن تدافع عن نفسها بدون أمريكا؟ الجواب، بناءً على الحقائق الحالية، هو "لا" مدوٍ. فالعجز ليس في الميزانيات أو المعدات فقط، بل في البنى العميقة:
· عدم اكتمال التكامل الدفاعي: لا توجد قيادة عسكرية أوروبية موحدة، لا توجد استخبارات مشتركة فعالة، لا توجد صناعة دفاعية أوروبية متكاملة (بل صناعات دفاعية وطنية متنافسة). · الانقسامات السياسية: الفجوة بين شرق أوروبا (المواجهة) وغربها (التفاوض) تجعل من المستحيل صياغة إستراتيجية دفاعية موحدة. · التبعية التكنولوجية واللوجستية: أنظمة الأسلحة المتطورة، الذخائر، الاستخبارات الفضائية - كلها تعتمد على الولايات المتحدة. أوروبا قد تبني جيشاً، لكن دماغه وأعصابه ستظل أمريكية. · عجز الإرادة: هل ستخوض فرنسا أو ألمانيا حرباً شاملة ضد روسيا من أجل بولندا أو دول البلطيق؟ التاريخ يشكك.
إعادة التسليح الأوروبي، إذن، هي عملية طويلة ومعقدة ومليئة بالشكوك. إنها قد تؤدي إلى أوروبا أكثر عسكرة لكنها غير قادرة على الفعل المستقل. وهي تكشف عن المفارقة الأوروبية الكبرى: قارة غنية، متقدمة، متحدة اقتصادياً، لكنها طفل سياسي وعسكري، لا تستطيع حماية نفسها، وتعتمد على حامٍ بعيد قد تتراجع إرادته. أوكرانيا علمت أوروبا درساً قاسياً: أن السلام ليس معطى دائماً، وأن الجيران الأقوياء قد يعودون، وأن القوة العسكرية ليست شيئاً من الماضي، بل هي شرط للوجود في عالم يعود إلى قانون الغاب. لكن هل تعلمت الدرس بما يكفي لتبني قوة حقيقية؟ السؤال يبقى معلقاً، والإجابة ستحدد مصير القارة لعقود قادمة.
روسيا ما بعد الحرب: مهما كانت النتيجة - تشريح المستقبل الروسي
مهما كانت نتيجة الحرب في أوكرانيا - "نصر" أو "هزيمة" بمفاهيم مشوهة - فإن روسيا التي ستخرج من هذه المعمعة لن تكون روسيا التي دخلتها. لقد دفعت البلاد ثمناً باهظاً: عشرات الآلاف من القتلى، مئات الآلاف من المهاجرين، عقود من التطور الاقتصادي ضاعت، وعزلة دولية عميقة. الحرب ستبقى ندبة في جسد الأمة الروسية وروحها، وسيحدد شكل هذه الندبة مستقبلها لجيل كامل.
السيناريو الأول: إذا "انتصرت" روسيا (بمعنى ما) الانتصار هنا قد يعني بقاء أجزاء من أوكرانيا (دونباس، ربما شريط ساحلي)، أو إقامة نظام تابع في كييف، أو على الأقل منع انضمام أوكرانيا للناتو.
· ستثبت أن القوة العسكرية لا تزال تحدد الحدود في القرن الحادي والعشرين. سترسل رسالة للمستضعفين وللأقوياء أن القانون الدولي والمبدأ سيادي ما هما إلا حبر على ورق إذا تعارضا مع إرادة القوي. هذا سيشجع النزعات التوسعية الأخرى في العالم. · ستدخل عقداً من العزلة والإفقار: العقوبات لن ترفع بسرعة. ستتحول روسيا إلى اقتصاد حصار، معتمداً على الذات وعلى الشرق. مستواها المعيشي سينخفض، وتقنيتها ستتخلف أكثر، لكنها قد تتعلم الصمود، كما فعلت إيران. · الاعتماد على الصين سيتعمق إلى درجة الخضوع: ستتحول من شريك إلى تابع استراتيجي لبكين. روسيا ستصبح المورد الأول للطاقة والمواد الخام للإمبراطورية الصينية الناشئة، مقابل الحماية السياسية والتكنولوجيا المدنية. موسكو ستفقد استقلاليتها الجيوسياسية لتصبح الجناح الغربي لبكين.
السيناريو الثاني: إذا "خسرت" روسيا (بمعنى ما) الهزيمة قد تعني انسحاباً إلى حدود ما قبل فبراير 2022، أو انهياراً عسكرياً، أو حتى اضطرابات داخلية.
· قد تواجه اضطرابات داخلية: النظام القائم على شخصية بوتين والشعار الوطني قد يتصدع إذا ارتبطت صورته بالهزيمة. لكن انهيار النظام ليس حتمياً؛ فالدولة الأمنية الروسية قوية، والقمع فعال. · قد تبحث عن انتصار في مكان آخر لتعويض الهزيمة: ربما تزيد من عدوانيتها في سوريا، أو تضغط أكثر على جورجيا أو مولدوفا، أو تطلق حرباً هجينة ضد دول البلطيق. الهزيمة قد تجعل الدب الروسي أكثر خطورة، لا أقل. · ستظل قوة نووية لا يمكن تجاهلها: مهما كانت هزيمتها التقليدية، تبقى روسيا إحدى القوتين النوويتين العظميين. هذا يعطيها ورقة أخيرة دائمة في اللعبة الدولية. لا يمكن إذلالها أو احتلالها. ستظل قوة تخريبية عظمى، قادرة على تهديد الاستقرار العالمي حتى وهي ضعيفة اقتصادياً.
الأرجح: لا نصر حاسم - الوضع الراهن المجمد التوقع الأكثر واقعية هو غياب النصر الحاسم لأي طرف. الحرب تصل إلى نقطة استنزاف متوازن، حيث لا يستطيع أي طرف تحقيق اختراق حاسم، وتصبح التكلفة المستمرة غير محتملة للجميع. النتيجة قد تكون:
· حرب مجمدة: وقف إطلاق نار دون معاهدة سلام، مع استمرار الاشتباكات المتقطعة. · أوكرانيا مقسمة: كوريا جديدة في قلب أوروبا، مع خط فصل وعمليات عدائية دورية. · صراع متجمد: حالة لا حرب ولا سلام، حيث تظل أوكرانيا ساحة صراع باردة بين روسيا والغرب، مع حكومة في كييف تحكم جزءاً من البلاد، وجزء آخر تحت سيطرة روسية مباشرة أو بالوكالة.
هذا السيناريو هو الأسوأ من جميع النواحي: فهو يعني استمرار النزيف الأوكراني إلى ما لا نهاية، واستمرار التوتر الأوروبي، وعدم استقرار عالمي دائم. لكنه السيناريو الأكثر ترجيحاً لأنه يناسب حسابات القوى الكبرى: روسيا تحتفط بمكاسب، والغرب يزعم أنه منع انتصار روسيا الكامل، وأوكرانيا تدفع الثمن. إنه سلام الموتى، حيث تتوقف المدافع مؤقتاً، لكن العداء يستمر تحت السطح، جاهزاً للانفجار مرة أخرى. روسيا ما بعد هذه الحرب، في أي سيناريو، ستكون دولة أكثر عزلة، أكثر فقراً، أكثر مرارة، وأكثر خطورة. لقد خسرت فرصتها لأن تكون جزءاً من أوروبا الكبرى، واختارت بدلاً من ذلك أن تكون قلعة محاصرة، تحكمها عقلية الحصار والعداء الأبدي. ومصير هذه القلعة سيكون، إلى حد كبير، في يد سيدها الجديد المحتمل في الشرق: الصين.
الجزء السابع: الخاتمة: دروس فيتنام لأوكرانيا
العبرة التاريخية: متى تتعلم الإمبراطوريات؟ - إعادة اكتشاف القيود الأبدية
التاريخ، ذلك المعلم القاسي الذي لا يكل، يعلمنا درساً مريراً: الإمبراطوريات تتعلم ببطء، وتنسى بسرعة. تتعلم من هزائمها المباشرة، لكنها تنسى الدروس العميقة عندما تتغير الظروف، أو عندما تظهر فرص جديدة، أو عندما يغيب الجيل الذي عانى الألم. أمريكا تعلمت من فيتنام درساً دامياً: تجنب حروب الاستنزاف على أراض بعيدة، ضد أعداء يمتلكون إرادة لا تنكسر. لقد حفرت هذه العبرة في عقيدة "مبدأ باول" وفي النفسية الجمعية الأمريكية.
لكن التاريخ يسخر من المتعلمين. لأن أمريكا، رغم كل ذلك، وجدت نفسها في أوكرانيا تخوض بالوكالة حرب استنزاف جديدة. نعم، الجنود الأمريكيون لا يموتون في خنادق دونباس، لكن الكنوز الأمريكية تموت هناك، والمكانة الأخلاقية تموت، والقيادة العالمية تموت موتاً بطيئاً. إنها حرب استنزاف بوسائل أخرى: استنزاف للخزينة، للعتاد، للشرعية، وللتركيز الاستراتيجي.
الفرق الجوهري هذه المرة: أوكرانيا ليست أرضاً بعيدة في جنوب شرق آسيا. أوكرانيا هي أوروبا نفسها. هي الفناء الخلفي الجيوسياسي لأمريكا، حليفتها التاريخية، وحجر الزاوية في النظام الأمني الأطلسي. الخسارة هنا ليست خسارة لنفوذ في منطقة نائية، بل هي هزيمة في القلب الرمزي والاستراتيجي للنظام العالمي الذي تقوده واشنطن. إنها هزيمة في ساحة الاختبار الرئيسية لمصداقية الالتزامات الأمريكية، ولقدرة الغرب على حماية نظامه. لذلك، بينما قد تكون التكاليف البشرية المباشرة أقل، فإن المخاطر الاستراتيجية أعظم بكثير.
الدرس الأعمق الذي تقدمه أوكرانيا، والذي يتجاوز فيتنام: في عالم متعدد الأقطاب آخذ في التشكل، لم يعد بمقدور أي قوة، مهما بلغت قوتها التقنية أو العسكرية أو الاقتصادية، أن تفرض إرادتها على الجميع. أوكرانيا هي التعبير الأوضح والأكثر دموية عن هذا التحول البنيوي: إنها عالم حيث القوة أصبحت موزعة، والسيادة متنازع عليها باستمرار، والحرب عادت كوسيلة سياسية مشروعة تستخدمها ليس فقط الدول الكبرى، بل والصغرى التي ترفض الانصياع.
أوكرانيا، بهذا المعنى، ليست "فيتنام أوروبا" فحسب. إنها مدرسة العالم الجديد برمته. مدرسة تعلمنا دروساً قاسية:
· أن عصر الهيمنة الأمريكية المطلقة، المريح رغم تناقضاته، قد انتهى إلى غير رجعة. · أن عصراً جديداً قد بدأ، هو عصر التعددية الفوضوية، أكثر تعقيداً، وأكثر تقلباً، وأكثر خطورة. · أن الحروب في هذا العصر قد لا تحسم بقوة السلاح فقط، بل بقوة الإرادة، وبقدرة الصمود، وبفن حرب الروايات. · أن الضعفاء لم يعودوا ضعفاء بالمعنى القديم؛ فهم يمتلكون اليوم أدوات للإزعاج والاستنزاف تجعل انتصار القوي عليهم باهظ الثمن لدرجة قد تفقد معه معنى "الانتصار" نفسه.
وأوكرانيا، في قلب هذا العصر الجديد المتولد من رحم المعاناة، تذكّرنا بحقيقة أبدية: أن التاريخ لا ينتهي، بل يعيد نفسه، لكن بأشكال جديدة تخدع من لا يعرف قراءة التحولات. وأن الحروب، رغم كل التكنولوجيا الفائقة، والصواريخ الذكية، والحرب السيبرانية، تظل في جوهرها صراعاً بين إرادات بشرية. وإرادة الشعب الأوكراني في البقاء، في أن يقرر مصيره، في أن يرفض أن يكون رقعة في لعبة القوى الكبرى، قد تكون، في المحصلة النهائية، العامل الحاسم الذي يقرر ليس فقط مصير هذه الحرب، بل معالم النظام الدولي القادم برمته.
النزيف تحت جلد أوكرانيا هو نزيف تحت جلد النظام العالمي القديم. وكل قطرة دم تسيل هناك تضعف ذلك النظام، وتسرع في ولادة النظام الجديد - المجهول، المخيف، الذي نحن جميعاً، رغماً عنا، طلاب في مدرسته الصعبة. أوكرانيا تدفع ثمن الدرس مقدماً، وبعملة الدم. والباقون يتفرجون، ويتعلمون، أو يتظاهرون بالتعلم، بينما يجهزون أنفسهم لفصول قادمة من نفس الملحمة المأساوية، بأسماء مختلفة، وفي ساحات أخرى. هذه هي الدورة الأبدية للقوة والضعف، للإمبراطوريات والشعوب، للحرب والسلام. وأوكرانيا هي الفصل الأحدث فيها، المكتوب، للأسف، بلغة النار والحديد والدموع.
…….
فيما يلي قائمة مراجع علمية باللغة الإنجليزية متخصصة في تحليل انحدار الهيمنة الأمريكية وتحول النظام العالمي، مع تركيز خاص على الإطار النظري والتحليلي للمقدمة حتى الفصل الثاني من عملك. هذه المراجع ستساعدك في بناء الحجج النظرية والتحليلية حول "تشريح لحظة التحول الإمبراطوري".
1. للبنية النظرية: صعود وسقوط الهيمنة والنظام العالمي
· Kennedy, Paul. (1987). The Rise and Fall of the Great Powers: Economic Change and Military Conflict from 1500 to 2000. المرجع الكلاسيكي الذي لا غنى عنه لفهم ديناميكيات "القوة النسبية" الطويلة الأمد والعلاقة بين القوة الاقتصادية والقوة العسكرية و"التمدد الزائد" (imperial overstretch) الذي يقود إلى انحدار الإمبراطوريات. · Gilpin, Robert. (1981). War and Change in World Politics. يقدم نظرية "تغيير النظام العالمي" التي تركز على التفاعل بين القوة السائدة والقوة الصاعدة، ودور الحرب كآلية للتغيير. أساسي لفهم "حركة الصفائح التكتونية" التي تصفها. · Mearsheimer, John J. (2001). The Tragedy of Great Power Politics. يقدم رؤية واقعية هجومية (Offensive Realism) تشرح لماذا تسعى القوى العظمى دائمًا للهيمنة ولماذا يؤدي ذلك حتمًا إلى المنافسة والصدام، مما يوفر إطارًا للتحول الحالي. · Arrighi, Giovanni. (1994). The Long Twentieth Century: Money, Power, and the Origins of Our Times. تحليل ماركسي-تاريخي عميق للدورات الطويلة للتراكم الرأسمالي وانتقال الهيمنة بين القوى (من جنوة إلى هولندا إلى بريطانيا إلى الولايات المتحدة)، مما يضع "القرن الأمريكي" في سياق تاريخي شامل. · Wallerstein, Immanuel. (2003). The Decline of American Power: The U.S. in a Chaotic World. تحليل من منظور "النظام العالمي" عن أسباب وأشكال انحدار القوة الأمريكية البنيوية في القرن الحادي والعشرين.
2. لتحليل الهيمنة الأمريكية المحددة ونهايتها المزعومة
· Fukuyama, Francis. (1992). The End of History and the Last Man. ضروري كـ "نقطة مرجعية" تمثل ذروة التفاؤل بالهيمنة الليبرالية، والتي يشير إليها نصك. تحليله اللاحق للانحدار سيكون مفيدًا أيضًا. · Nye, Joseph S. Jr. (1990). Bound to Lead: The Changing Nature of American Power. يقدم مفهوم "القوة الناعمة" والحجة بأن الهيمنة الأمريكية مستمرة ولكن بشكل مختلف. يمكن استخدامه كحجة مضادة لتدعيم نقاشك. · Bacevich, Andrew J. (2002). American Empire: The Realities and Consequences of U.S. Diplomacy. نقد داخلي قوي من منظور محافظ يجادل بأن الولايات المتحدة أصبحت إمبراطورية لا ترغب في الاعتراف بذلك، وتتجاهل حدود قوتها. · Mann, Michael. (2003). Incoherent Empire. تحليل سوسيولوجي يجادل بأن الهيمنة الأمريكية في أوائل القرن الحادي والعشرين كانت "فوضوية" ومليئة بالتناقضات الداخلية، مما أدى إلى إضعافها. · Joffe, Josef. (2006). Überpower: The Imperial Temptation of America. تحليل أوروبي رفيع المستوى يناقش المغريات والمخاطر التي واجهتها الهيمنة الأمريكية الأحادية بعد الحرب الباردة.
3. لتحول النظام العالمي ونظرية "ما بعد الهيمنة" (Post-Hegemonic)
· Acharya, Amitav. (2014). The End of American World Order. يجادل بأن النظام العالمي لم يعد "قائمًا على القواعد" بالطريقة الأمريكية، بل أصبح "متعدد المراكز" و "متشابكًا"، مع صعود قوى أخرى وانتشار القوة بشكل عام. · Haass, Richard N. (2017). A World in Disarray: American Foreign Policy and the Crisis of the Old Order. تحليل من أحد كبار الاستراتيجيين الأمريكيين يعترف بفوضى النظام الدولي وتراجع فعالية الأدوات التقليدية للهيمنة. · Kupchan, Charles A. (2012). No One s World: The West, the Rising Rest, and the Coming Global Turn. يجادل بأن النظام العالمي الجديد لن يكون بقيادة أي قوة أو نموذج ثقافي واحد، بل سيكون مركبًا ومتعدد الأقطاب. · Zakaria, Fareed. (2008). The Post-American World. يركز على "صعود الآخرين" وتأثير العولمة في تقليص الفجوة بين الولايات المتحدة وبقية العالم، مما يؤدي إلى عالم نسبيًا تكون فيه أمريكا أقل هيمنة. · Ikenberry, G. John. (2011). Liberal Leviathan: The Origins, Crisis, and Transformation of the American World Order. يفحص أزمة النظام الليبرالي الذي قادته أمريكا، ويناقش احتمالات تكيفه واستمراره في ظل تحول موازين القوة.
4. لتحليل سياسي-اقتصادي للضعف الداخلي (النزيف من الداخل)
· Stiglitz, Joseph E. (2002). Globalization and Its Discontents & (2010). Freefall: America, Free Markets, and the Sinking of the World Economy. تحليل للعيوب الهيكلية في النموذج الاقتصادي الأمريكي-الليبرالي وكيف ساهمت أزماته (مثل 2008) في إضعاف المصداقية والقوة الناعمة للولايات المتحدة. · Milanovic, Branko. (2016). Global Inequality: A New Approach for the Age of Globalization. يشرح كيف ساهمت العولمة في تفاقم عدم المساواة داخل الدول الغنية (بما فيها أمريكا)، مما أدى إلى توترات اجتماعية وسياسية تضعف تماسك الدولة وقدرتها على قيادة عالميًا.
#احمد_صالح_سلوم (هاشتاغ)
Ahmad_Saloum#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
غرينلاند والاقطاب على ضوء أطروحات سمير أمين : العبور نحو الش
...
-
كتاب : ما بعد الغرب: القطب، المعادن، والنظام العالمي الجديد
-
قراءة في تَشَكُّل نظام دولي جديد عبر بوابة غرينلاند
-
سورية وتدوير بوصلة الخيانة: تأملات في أرشيف الانهيار
-
طياف الانهيار في هشاشة الامبراطورية .. قراءة في تحذيرات جيفر
...
-
من وهن الزعيم إلى تصدُّع الحامي.. تشريح لحظة التحوُّل في مصي
...
-
-المعركة لم تنتهِ بعد-: تشريحٌ لجسد الحرب الدائمة.. بين وهَن
...
-
هندسة العبودية الطوعية: الهيمنة في عصر الأزمات الهيكلية
-
-من نهاية التاريخ - إلى -نزيف تحت الجلد-..دراسة مقارنة مع كت
...
-
شمشون العصر: بين أسطورة السقوط وإستراتيجية الانهيار
-
النجوم التي لم تعرف السماء ( قصة )
-
صراع العمالقة على أرض المأساة: فنزويلا بين مطرقة التاجر الصي
...
-
أجنحة التنين وأنياب الأسد: في دهاليز حرب تستعد، وتوازن رعب ي
...
-
سردية جديدة للقوة الصينية في القارة الامريكية : صوت المحراث
...
-
انزياحات العصر: تفكّك الهيمنة واستعادة التاريخ في المشرق الع
...
-
الإعلام بين الهيمنة والتحرر: تشريح امبراطوريات اعلام تزييف ا
...
-
الفقاعة الكبرى: تشريح جثة الإمبراطورية المالية الأمريكية قبي
...
-
التفجير الاحتفالي: دراسة في سيناريوهات الرد الروسي على سياسا
...
-
أكراد سوريا وحبال الدمى المقطوعة – من الرهان على الصهيونية إ
...
-
إيران في العاصفة: بين حصار المركز وعبء الأطراف.. معضلة الانف
...
المزيد.....
-
هجوم كلب شرس في دورشستر يخلّف صدمة نفسية وإصابات خطيرة
-
يُلقّب بـ-الهامس في أذن ترامب-.. من هو مارك روته الأمين العا
...
-
أول تعليق لترامب بعد انتهاء اجتماعه مع زيلينسكي في دافوس
-
مسؤول فلسطيني: معبر رفح سيُفتح الأسبوع المقبل في كلا الاتجاه
...
-
بريطانيا تقرر إعادة جزر تشاغوس، وترامب يعترض
-
الرئيس الإسرائيلي: مستقبل إيران -لا يمكن أن يكون إلا بتغيير
...
-
إطلاق دينامية جديدة لحزب التقدم والإشتراكية بالفداء مرس السل
...
-
من السخرية إلى الحملات التسويقية.. الطلبيات تنهال على نظارات
...
-
بيان صادر عن الملتقى الوطني لدعم المقاومة وحماية الوطن
-
مجلس السلام: ماهي آليات عمله وماهي مهامه؟
المزيد.....
-
النظام الإقليمي العربي المعاصر أمام تحديات الانكشاف والسقوط
/ محمد مراد
-
افتتاحية مؤتمر المشترك الثقافي بين مصر والعراق: الذات الحضار
...
/ حاتم الجوهرى
-
الجغرافيا السياسية لإدارة بايدن
/ مرزوق الحلالي
-
أزمة الطاقة العالمية والحرب الأوكرانية.. دراسة في سياق الصرا
...
/ مجدى عبد الهادى
-
الاداة الاقتصادية للولايات الامتحدة تجاه افريقيا في القرن ال
...
/ ياسر سعد السلوم
-
التّعاون وضبط النفس من أجلِ سياسةٍ أمنيّة ألمانيّة أوروبيّة
...
/ حامد فضل الله
-
إثيوبيا انطلاقة جديدة: سيناريوات التنمية والمصالح الأجنبية
/ حامد فضل الله
-
دور الاتحاد الأوروبي في تحقيق التعاون الدولي والإقليمي في ظل
...
/ بشار سلوت
-
أثر العولمة على الاقتصاد في دول العالم الثالث
/ الاء ناصر باكير
-
اطروحة جدلية التدخل والسيادة في عصر الامن المعولم
/ علاء هادي الحطاب
المزيد.....
|